مقتطفات من رواية أناشيد الألم (11)

سنة النّشر 1987

خطرت تلك الهواجس في بالي حتّى أصبحت مهفوت الفكر متحيّر الخاطر، وأكاد أمجّها وأنفر عنها في البدء، إلاّ أنّي أعود وأفتن بها، فأردّ لها وقارها، وهكذا نفسي تتبّع مسارب الخيال وتسهو عن مشاعب الواقع، وإن لججت في الإيغال في أرجاء هذا الخيال، أجد نفسي وقد أشرفت في مدية طوافها على وقائع هذه الحياة وحقائق أحداثها.

دأبت في السّير تقلّني تلك الأحلام الدّافئة، إلى أن أبصرتها تخطو في دربها تجاهي، فاعتراني من الرّبكة والحيرة، ما أخلّ بتدبيري وشوّش تفكيري. أجل أنّني ألمحها تلك الفتاة ذات الممطر الأزرق، وبدا لي وجهها الأبلج وضّاح الأسارير، وزها فيه بهاء ملامحها، وأبصرت اختلاج شفتيها وهما تحجبان تلك الابتسامة المضيئة التي يشعّ نورها من مبسمها، وينطلق إلى وجنتيها، وطالعْتُ تلك النّظرات التي تفصح عن خوافي أمرها، فألفيتها تسمو بنظرها إلى أديم السّماء كأنّها ترنو إلى مطمح رفيع وأمنية جليلة، ثمّ ألقت إليّ بنظرة، ولم تلبث أن أنحت بصرها عنّي، وبدأَتْ تتدبّر في تلك الهواجس التي تخطر في بالها، وشرعتُ أتبصّر في شأن تلك الفتاة، فترجّعت في صدري تلك الخواطر التي تسوّغ لي الاقتراب منها بحيل شتّى، وسبل عدّة، وأنا امرؤ حذر الطّبع من تلك العلاقات الطّارئة، فلا أقحم نفسي في هوراتها المائجة، ولا أتردّى في تياراتها الهائجة، فأحجم عن الخوض في غمارها مكتفياً بما ابتلى به من برحاء العاطفة، وأقنع بما تكشفه لي من سرائر الخلق ودخائل المشاعر، إلاّ أنّه ترفّعت أهوائي عن هذه الوضاعة وتنزّهت عن تلك السّفاهة، فبتّ أتودّد إليها مقتدياً بسنن الفضيلة، ومسترشداً بهداها القويم، وملتمساً لعلاها الكريم، فاتّجهت إليها وقد دفعني إلى الاقتراب منها بأس أجهل باعثه، ولم أكن لأتّسم بهذه الجراءة والجسارة إن اتّجهت إلى غير تلك النّحيّة في التصرّف، أو قصدت غير هذه الوجهة، فبتّ شخصاً طوع تلك الإرادة المبهمة تسيّرني وتذهب بي إلى حيث تشاء.

مهفوت الفكر: المتحيّر.

 

ترجّعت: تردّدت.

التعليقات


إضافة تعليق