مقتطفات من رواية أناشيد الألم (3)

سنة النّشر 1987

وأسير في مدارج الطّرقات حتّى أصل إلى حديقة المزرعة، فتلوح أمامي ممرّاتها التي انتشرت فيها البرك الصّغيرة، وما فتئت أنوار المصابيح تدرأ فيها وهّاجة، فكان يشعّ نورها ساطع الضّياء، يقشع أدجان الظّلام المتكدّسة فوق أرجاء تلك الحديقة.

عجباً!... لِمَ أرنو إلى ذلك السّاري وأخالسه النّظر، وقد عهدت نفسي تعزف عن الأشياء فيما حولها، فتسلك سبيل التّأمّل، وتقصد مدارج الخيال، فلا يخفّض من عليائها وضر، أو يحطّ من سنائها وطر، وأبصرت محيّا فتاة في ميعة الشّباب، تخطو متخايلة في مهبّ الرّيح، وهي تشتمل بممطرها الأزرق، وانسدلت ذوائب شعرها تنوس فوق جبهتها النّاضرة، وطفق يرشق وجهها رذاذ المطر الواكف، فتصخد تلك القطرات المتطايرة زفرة حارّة اندفعت من ثغرها، وجلّل أساريرها وجوم يقبس من الشّجون جذوتها، ومن الوداعة صفوتها، ولم يلبث أن تبدّد منكفئاً إلى قرارة نفسها، أيخامرها نفور من سطوة تلك الأجواء الصّاخبة، أم تبسر وجهها إصدافاً عن ذاك الغريب الذي تلقاه.

 

(10) تبسر وجهها: تقطّب وجهها.

التعليقات


إضافة تعليق