تكتنز الموادّ الأرشيفيّة بالخبرات والمعلومات التي يستقيها النّاس ليزيدوا بها حصيلة المعارف، التي ترتكز عليها تلك الأفكار والخواطر التي تلوح في أذهانهم، فلا يجدّ هؤلاء الأشخاص الذين تتنوّع مشاربهم، بدّاً من أن يستندوا إلى تلك الوثائق الأرشيفيّة، في دأبهم في أن يتدبّروا تلك الوقائع التي تبرز في مجرى الحياة، ودعت تلك المكانة العالية التي تحلّ بها موادّ الأرشيف عند هؤلاء النّاس، إلى أن تتأكّد على الدّوام ضرورة الحفاظ على تلك المواد الأرشيفيّة، التي يتوجّب أن تسلم من الأذى والأضرار التي تفتك بها، كي يتاح للأشخاص أن يستفيدوا من تلك الوثائق، التي مالهممغنى عن الاستناد إليها في ممارستهم أنشطتهم المتنوّعة، وإذا كانت القواعد التي يقوم عليها علم الأرشيف، نصّت على الطّرق القويمة التي يجب أن تتبّع في إعداد وتهيئة وترتيب الوثائق، كي تتيسّر للنّاس الاستفادة من تلك الوثائق الأرشيفيّة بسهولة، فإنّه لم تكن لتغيب عن تلك الأسس التي قامت عليها عمليّة الأرشفة، القواعدُ التي تنصّ على وجوب تحقّق عمليّة حفظ وصيانة تلك الموادّ الأرشيفيّة، إذ وضعت مبادئ، وجب أن يهتدي بها النّاس في سعيهم إلى أن يردّوا عن تلك الوثائق أسباب التّلف، وأصبح الأفراد الذين يتولّون إدارة عمليّة الأرشفة، يستخدمون الوسائل التي يحمون بواسطتها تلك الوثائق من الاندثار والهلاك، فإحدى الغايات التي يتوخّى أن يدركها الأشخاص في تنظيم وترتيب تلك الوثائق الأرشيفيّة، هي التّمهيد للنّاس سبيل الاطّلاع على تلك المعارف والمعلومات، التي تنطوي عليها تلك الوثائق، التي يحرص الأرشيفيّون على أن يولوها عنايتهم الموفورة.

توزّعت المهامّ التي كان العاملون في دور الأرشيف ينجزونها في صيانتهم الموادّ الأرشيفيّة، إلى نمطين اثنين من الأعمال التي كان أولئك الأشخاص يأتونها، فقد تضمّنت عمليّة المحافظة على وثائق الأرشيف، مهامّ الوقاية والحماية من عوامل التّلف، والتي تهدّد تلك الوثائق، ثمّ أعقبت تلك المهمّة التي لزم على أولئك الأفراد أن ينجزوها، عمليّة معالجة الوثائق التي حلّت بها الأضرار، إذ وجب أن ترمّم تلك الوثائق التي نالت منها أسباب التّلف، وقد حدّدت هاتان المهمّتان بعبارة "المنع (الوقاية) أوّلاً ثمّ العلاج Prevention et curs"(1)، وكان الأفراد الذين يتوّلون إدارة دور الأرشيف، قد تمكّنوا من الاهتداء في تلك الأعمال التي كانوا يزاولونها، إلى معرفة الأسباب التي تؤدّي إلى تلف الوثائق الأرشيفيّة، حيث لوحظ أنّ المخاطر التي تهدّد المواد الأرشيفيّة المحفوظة، تنقسم إلى "(أ)عوامل طبيعيّة كيمائيّة مثل الرّطوبة والجفاف وأشعّة الشّمس ووجود موادّ كبريتيّة في الجوّ والأتربة. (ب) عوامل عضويّة حيّة مثل البكتريا والفطريّات والحشرات والحيوانات القارضة، هذا علاوة على أخطار الحرائق والغرق واحتمالات السّرقة"(2)، وإذا أصيبت المواد الأرشيفيّة بتلك الأضرار التي تسببّت بحدوثها، أحد تلك المخاطر التي كان حدّدها الأرشيفيّون، فيقتضي علاج تلك الأضرار النّازلة بتلك الموادّ، أن تنحّى في البدء تلك الوثائق الأرشيفيّة عن تلك المكامن، التي صدرت منها تلك الأخطار التي نالت من تلك الوثائق، ونصّت القواعد التي نظّمت بها عمليّة الأرشفة، على تلك الوسائل والأدوات، التي تبعد بواسطتها الوثائق عن مصادر تلك المخاطر، إذ كان يراعى "ألّا تتعرّض الوثائق الأخرى السّليمة لخطر العدوى بدورها (خاصّة في حالات الإصابة بقرضة الحشرات أو ثقوب الفطريّات). وفي نفس الوقت فإنّه يستحسن التّعرّف بدقّة على طبيعة التّلف أو الضّرر حتّى يمكن تحديد طريقة العلاج المناسبة لها، أي التّشخيص قبل العلاج"(3)، فتضمّنت تلك المهامّ التي يؤدّيها الأفراد الذين يديرون العمل في مقارّ الأرشفة، عمليّة مكافحة الأخطار المتعدّدة التي تهدّد الموادّ الأرشيفيّة، التي طالما كان النّاس يحرصون على أن يطالعوها ويستفادوا من تلك المعلومات التي تتضمّنها.

تنوّعت تلك المصادر التي تنجم عنها الأضرار التي كانت تصيب الوثائق الأرشيفيّة، فكان الجو الملوّث بالأتربة، والذي ارتفعت فيه نسبة الرّطوبة، هو المنبت الملائم لتكاثر الفطريّات في تلك الموادّ الأرشيفيّة، التي ارتئي أن تحمى أيضاً من مخاطر الأضواء الباهرة، ووجود الحشرات والحيوانات القارضة، وأن يحال دون أن تصيب تلك الوثائق الأرشيفيّة المياه، التي قد تغمر تلك الموادّ أحياناً إذا استفحل فيضانها عليها، وقد وجب التّنبّه في عمليّة حفظ تلك الوثائق، ألّا تتعرّض لعمليّة السّرقة، وأن يدفع عنها مخاطر الحريق، وكانت العوامل الطّبيعيّة تهدّد الوثائق لأنّ "طبيعة الوثائق الدّقيقة تجعل استجابتها للظّروف السّيّئة مثلالحرارة والرّطوبة والتّلوّث الجوّيّ والحفظ السّيّئ وسوء استعمالالجمهور لها، ممكنة للغاية وإذا ما أتلفت وثيقة وهلكت فإنّشاهداً تاريخيّاً له قيمته قد ذهب إلى الأبد"(4)، وإذا كنت تحدّثت سابقاً عن أوضاع الوثائق العربيّة في العصور التّاريخيّة الغابرة، وذكرت المشاكل العديدة التي تعرّضت لها تلك الوثائق العربيّة، في أزمنة وحقوب تاريخيّة مديدة، فإنّ الوثائق العربيّة في العصر الحالي لم تسلم من تلك المشاكل التي حاقت بها، وكان أحد الكتّاب، الذي تولّى إدارة مقرّ تحفظ فيه وثائق الأرشيف في مصر، قد تحدّث عن شؤون الأرشيف في مصر، فذكر أنّ "النّاظر إلى حال وثائقنا ومستنداتنا يرثي لها ولنا. فهي عبر التّاريخ إمّا دمرت، أو سرقت، أو بيعت، أو تعاني من إهمالنا لها"(5)، وكانت تبرز في الكتابات القليلة التي عولجت فيها مسائل الأرشفة في البلاد العربيّة، عبارات تدعو فحواها إلى وجوب تلافي التّهاون والاستخفاف بأداء عمليّات الأرشفة، حيث دعت إلى "ضرورة تغيير تلك الصّورة الكالحة للأرشيف عند عامّة النّاس وكثير من خاصّتهم"(6)، فكانت تلك الفكرة الخاطئة التي يتصّور فيها النّاس عمليّة الأرشفة، تزيد من تفاقم سوء ذلك الوضع الذي تقع فيه تلك الوثائق الأرشيفيّة، ولا ريب في أنّ توعية النّاس بأهمّيّة تلك المكانة التي يحلّ بها الأرشيف، تمهّد السّبيل للمحافظة على تلك الوثائق الأرشيفيّة، التي يلزم أن تدفع عنها تلك الأخطار التي تهدّدها.

لا يستعصي على النّاس معالجة تلك المشاكل التي تعترض مجرى عمليّة الأرشفة، إن لم ينظروا إلى وقائع عمليّات الأرشفة بوجهة النّظر التي توصف بأنّها نمطيّة، وقد دعي إلى وجوب تغيير تلك الصّورة النّمطيّة، التي يرى بواسطتها النّاس الموادَّ التي تضمّها دور الأرشيف، وقد تأكّدت وجاهة تلك الدّعوات، لأنّ "الأرشيف ما زال على سيرته البدائيّة في مخازن شبه مظلمة تملؤها الأتربة، وتسرح فيها الحشرات، بينما الأرشيف في الدول المتقدّمة أصبح الآن يدار إلكترونيّاً في قاعات مكيّفة"(7)، وأوضاع ذلك الأرشيف الزّريّة التي تحدّث عنها الكاتب في كلامه عن الأرشيف في مصر، دعت الأشخاص "الذين يتخرّجون من أقسام الوثائق في تلك الكلّيّات الجامعيّة القليلة التي تدرسها، يستنكفون العمل في الأرشيف"(8)، وكان أبرز المخاطر التي تهدّد الوثائق هو تقصير النّاس في إدراك أهمّيّة محتوى ومضامين تلك الوثائق، وهذه الأخطار لا تندرج تحديداً في عداد عوامل التّلف الطّبيعيّة، لأنّها تنجم عن تلك التّصرّفات التي تبدر من الأشخاص، الذين يتولّون مهمّة إدارة وحفظ تلك الوثائق، إذ قد يرتأى في غضون تنفيذ عمليّة الأرشفة، جواز الاستغناء عن الوثائق التي لا جدوى من الاحتفاظ بها، وقد أطلقت على تلك العمليّة مصطلح إعدام الوثائق  Destruction_ Eliminationوهي "عمليّة تقوم على إعدام الوثائق الأرشيفيّة التي تبيّن عدم جدوى الحفاظ عليها بغرض البحث التّاريخيّ. وإعدام الوثائق له طرق مختلفة. وهي عمليّة تنظيميّة للوثائق غير الجارية (التّاريخيّة) حسب قيمتها، وتشمل طرق التّصرّف في الوثائق المستغنى عنها والتّحويل إلى مركز الحفظ المؤقّت للوثائق، أو إلى أيّ هيئة أرشيفيّة أو إهدائها إلى مستودع مناسب جدير بحفظها، أو إعدادها على هيئة ميكروفيلم، أو التّخلّص منها بإعدامها بالحرق أو ببيعها بعد _ مسح معالمها_ إلى مصانع الورق لإعادة تصنيعها"(9)، ويقتضي تحقّق عمليّة الاستغناء عن الوثائق، أن يتحلّى الأشخاص الذين ينظرون في مسألة إعدام الوثائق، بنظر ثاقب إلى مضامين تلك الوثائق، حيث يتيسّر لهم أن يحدّدوا مدى ملاءمة تلك الوثائق لأحوال تلك الأحداث المستجدّة في حياة الأفراد، لأنّ فقدان تلك الموادّ الأرشيفيّة، التي يقرّر الاستغناء عنها، ليس بالإمكان أن يتلافاه النّاس، في إثر تحقّق إعدام تلك الوثائق.

صدرت في العديد من دول العالم، القواعد والشّرائع التي تنصّ على تنظيم عمليّة الأرشفة، إذ كان سنّ في الدّول الأوروبيّة قوانين صدرت "لتنظيم هذه العمليّة في القرنين الماضي والحاليّ (القرن العشرين والقرن الذي قبله)، ومن أهمّها القانون الذي صدر في فرنسا في 21 يوليو سنة 1936. وقبل صدور هذا القانون، كانت هناك أوراق تعدم لعدم أهمّيّتها الإداريّة، الأمر الذي حرم رجال العلم من وثائق ذات أهمّيّة بالغة في الدّراسات التّاريخيّة. وقد أكّد هذا القانون ضرورة إشراف الأرشيفيّين على الإداريّين في هذه العمليّة وذلك لأنّ هناك حالات كثيرة من الإعدام للأوراق تمّت داخل الإدارات دون موافقة إدارة أرشيف فرنسا"(10)، وقد كانت شعوب دول العالم، تعمد في أغلب الأزمان إلى أن تقتبس من بعضها البعض تلك المعارف والخبرات، التي تنتقل بين تلك الأقطار التي يضمّهما معاً هذا العالم، ولم تر باحثة عربيّة بأساً في الاقتداء بتلك التّجربة التي أنتجتها فرنسا في مجال إعدام الوثائق، فاعتقدت أنّه "لعلّه من الواجب الاستفادة من القوانين والنّظم التي سبقتنا إليها بعض الدّول الأوروبيّة في هذا المجال، لمحاولة تطبيقها على الأرشيف القوميّ في مصر (دار الوثائق)، حتّى نصل بها إلى المستوى المرجو، إذ لا تزال هذه العمليّة في مصر تسير بطريقة غير مقنّنة، ودون أن تخضع لقواعد ثابتة، فعمليّة الإعدام التي تقوم بها دار المحفوظات العموميّة لا ترمي بأيّ حال إلى الاحتفاظ بالوثائق الهامّة تاريخيّاً، وترمي أوّلاً وأخيراً إلى التّخلّص من الوثائق الزّائدة بتوفير المكان لغيرها، والمفروض أنّ دار الوثائق التّاريخيّة القوميّة هي التي تعالج هذا النّقص"(11)، ويرجع تاريخ صدور القانون الذي نظّمت فيه شؤون الأرشفة في مصر إلى حوالي منتصف القرن العشرين، إذ صدر "القانون رقم 356 سنة  1954 بشأن إنشاء دار الوثائق القوميّة لخدمة الباحثين ونصّ في مادّته الثّالثة الفقرة السّادسة على أن يكون لدار الوثائق مجلس أعلى لإبداء الرّأي في إعدام الأوراق الخاصّة بكلّ وزارة"(12).

حرصت الباحثة المصريّةسلوى عليّ ميلادعلى معالجة تلك المشاكل التي تعترض مجرى تحقيق حماية الوثائق الأرشيفيّة في مصر، فتحدّثت عن تلك الأخطار التي تهدّد تلك الوثائق، وقد دفعها الشّعور بالأسى والحزن على ذلك المآل الذي صارت إليه تلك الوثائق، إلى أن تتحدّث عن شؤون الأرشيف في بلدها، وكان غلب على ذلك الحديث الذي أوردته، طابع التّهكّم، علاوة على طغيان ذلك الأسى الذي أفصحت عنه تلك الكلمات التي ذكرتها، حيث قالت أنّها رأت في مجال عملها الأرشيفيّ في مصر، أنّ "السّمك الفضّيّ (نوع من العثّ) وهذا النّوع من الحشراتالفضّيّ اللّون أكثر الأنواع انتشاراً، ويوجد بكثرة في سجلات المحاكم العثمانيّة المحفوظة بمصلحة الشّهر العقاريّ (الآن)، والتي قمت بدراسة سجلات إحدى محاكمها وهي الباب العالي، ويزاول هذا النّوع من الحشرات نشاطه في السّجلات دون ما إزعاج، اللّهم إلّا إذا تعرّضت هذه السّجلات لأيدي الباحثينسواء في التّاريخ أو الوثائق، كذلك فإنّ السّجلات لا تلقى أيّنوع من العلاج والتّبخير الواجب، والضّروريّ لها في تلك الحالات،ولم تبذل أيّ محاولة لإبعاد الحشرات عن الصّفحات، التي تؤكلبطريقة طوليّة وحلزونيّة في نفس الوقت"(13)، وكانت تلك الباجثة أسّست دراستها وأبحاثها على ذلك الاختبار العمليّ، والمشاهدة العيانيّة، التي تبيّنت بواسطتها مكمن العلّة، واستطاعت أن توضّح الأساليب الملائمة لعلاج تلك المضارّ التي أصابت الوثائق الأرشيفيّة، بعد أن وضّحت أساس تلك العلّة، التي أصابت تلك الموادّ التي كانت عاينتها.

تنوّعت تلك الوسائل التي تذرّع بها إلى حماية الوثائق الأرشيفيّة، وإن كان اتّسع المجال الذي اتّبعت فيه تلك الطّرائق التي تتحقّق فيها صيانة تلك الوثائق، فلأنّ زادت وتنوّعت أساساً تلك المخاطر التي تهدّد سلامة تلك الموادّ الأرشيفيّة، وكان يتحرّى عن مكمن تلك الأخطار، بالاستدلال بتلك المعالم التي تنذر بحلول الخطر، وقد تحدّثت الباحثةسلوى عليّ ميلاد عن خطر الحشرات التي تهدّد الوثائق الأرشيفيّة، وكانت استندت إلى تلك الدّراسة التي أنجزتها، كما ذكرت آنفاً، فعرضت خبرتها التي أنشأتها في دراسة أوضاع الأرشيف في بلدها مصر، فتكلّمت عن الأضرار التي تلحقها حشرات الصّراصير بالوثائق الأرشيفيّة فقالت: "الصّراصير:وهي حشرات تميل إلى السّواد وغير لامعة وجسمها بيضاويّويصل طولها: من 2_ 3 سم، ولها شعيرات أمام رأسها، وحتّى تهرب من الضّوءفإنّها تجري وتعيش في الأماكن المظلمة والدّافئة الرّطبة وهي تلتهم الصّمغ والنّشا، وتقضي أوّلاً على أماكن اللّصق في الورق. وهذاالنّوع من الحشرات كان يوجد في دفترخانه محكمة  الأحوالالشّخصيّة بشبرا، وقت أن كانت سجلات المحاكم العثمانيّة تحفظ هناك وقبل عام 1970م، وذلك لوجود السّجلات داخل دواليب خشبيّة غير مغلقة في حجرة واسعة في الدّور الأوّل رطبةومظلمة، وتقع بالقرب من دورة المياه ومواسير المجاري. وكانت هذه الأنواع من الحشرات تسبّب رائحة كريهة تنبعث منالدّواليب"(14).

لم تكد تفرغ تلك الباحثة من حديثها عن الدّلائل التي اهتدت بها إلى اكتشاف وجود تلك الحشرة، حتّى أخذت تردف على كلامها عن ذلك الاكتشاف، حديثها عن الطّريقة النّاجعة التي يجب أن تتّبع في معالجة وجود تلك الحشرة في وثائق الأرشيف، فذكرت أنّه "عند رؤيتنا لمخلّفات نشر الخشب يمكننا التّأكّد من وجود هذاالنّوع من الحشرات، ولذلك ينبغي حفظ الوثائق بأنواعها فيدواليب من الحديد أو المعدن كما هو متّبع الآن في حفظالسّجلات القضائيّة بمصلحة الشّهر العقاريّ (التي كانت قبلذلك في دواليب من الخشب المتآكل)، وإن كان من الواجبتنظيفها وتبخيرها قبل حفظها في تلك الدّواليب وبعد نقلها من دفترخانه محكمة الأحوال الشّخصيّة بشبرا، إذ أنّها محمّلةبالحشرات والعدوى، فالسّجل الواحد المصاب يؤدّي إلى إصابة غيره وهكذا على التّوالي، وسوف يزداد الحال سوءاً إذا كانتمعظم هذه السّجلات تحمل في طيّاتها أنواعاً من الحشرات"(15)، ولا مرية في أنّ التّهاون في معالجة المضارّ الواقعة بالوثائق الأرشيفيّة، يؤدّي إلى استفحال تلك الأضرار، وكلّما اكتشف الضّرر باكراً أمكن تقليل قدر تلك الجهود التي تبذل في معالجة تلك الوثائق، وتيسّر أيضاً تحقّق اختصار حجم تلك التّكلفة المادّيّة، التي يتطلّبها النّجاح في مكافحة الأضرار التي نزلت بتلك الوثائق الأرشيفيّة.

تمكّن الأفراد القيّمون على إدارة مقارّ الأرشيف، من أن يحيطوا بتلك الأخطار التي تصيب الوثائق الأرشيفيّة، واستطاعوا أن يحدّدوا أيضاً الطّرائق، التي يجب أن تتبّع في ترميم الوثائق التي أصيبت بالأضرار، وقد توصّل هؤلاء الأرشيفيّون إلى القناعة الأكيدة بأهمّيّة عمليّة التّرميم التي تعالج بها الوثائق المصابة بالأضرار، وقد رؤوا ضرورة الإسراع في معالجة تلك الوثائق، التي نزلت بها المضارّ، وكانت الباحثة سلوى عليّ ميلادأردفت على حديثها عن تلك الإصابات التي تتعرّض لها الوثائق، كلامها عن تلك الطّرق التي تتحقّق فيها عمليّة ترميم الوثائق، حيث اعتقدت أنّه "لعلّ دور الوثائق والحفظ بمصر في أشدّ الحاجة إلى معرفة طرق القضاء على أسباب تلف الوثائق،.... والتي تعاني من أجلها حتّى الآن، ولم تمتدّ إليها يد العناية والتّرميم من المسؤولين عنها، فسجلات المحاكم العثمانيّة _ على سبيل المثال_ تعاني من معظم أسباب التّلف،.... سواء كانت عوامل ميكانيكيّة كالحشرات وسوء الاستعمال وغيرها، أو عوامل ميكرو عضويّة كالعظيمات، أو عوامل طبيعيّة كيميائيّة كالرّطوبة والهواء الجوّيّ والتّراب وطرق الحفظ السّيّئة"(16)، فإن كانت تحدّثت تلك الباحثة عن مبلغ ذلك الضّرر، الذي يتسبّب بحدوثه الأشخاص الذين يتهاونون في ترميم الوثاق المصابة، فإنّها تحدّثت عن أوضاع الأمكنة التي توجد فيها تلك الوثائق الأرشيفيّة، إذ ذكرت أنّ "الزّائر لمكان الحفظ وطريقته، ومعاينته (فحصه) للسّجلات والحشرات الموجودة فيها، تجعله يدرك لأوّل وهلة، مدى الخطورة التي ستنجم عن التّأخير في سرعة انتشالها ممّا هي فيه، الأمر الذي يترتّب عليه ضياع معالم حقيقيّة من تاريخ مصر الإداريّ والقضائيّ والاقتصاديّ.. الخ، كما بدأ يحدث ذلك بالنّسبة لسجلات الدّشت التي بلغ عددها حتّى الآن 355 سجلاً أو محفظة ( جمع فيها بقايا السجلات ) في حالة يرثى لها، مع أنّها تضمّ مادة تاريخيّة هامّة وبكر"(17)، ولا ريب في أنّ التّسبّب بتلف الوثائق وضياعها، يفضي إلى القضاء على التّجارب والخبرات، التي تحرص الأجيال المتعاقبة على أن تتناقلها فيما بينها، فيتأذّى هؤلاء النّاس خلال تلك الدّهور المديدة، من ضياع تلك الوثائق التي تحتوي على المضامين والعبر المتعدّدة.

إنّ الباحثين والخبراء الذين يمتلكون دراية كبيرة بعمليّة ترميم الوثائق المصابة، ما برحوا يجهدون في أن يتحرّوا عن الطّريقة المثلى في إصلاح الوثائق المتضرّرة بالإصابات، التي تلحقها بالأرشيف المخاطر المتنوّعة، وقد اعتبرت الباحثةسلوى عليّ ميلاد أنّه "في كثير من الأحيان يعتبر نقل الوثائق المصابة وإبعادها عن عوامل التّلف كافياً لحمايتها. وحتّى هذا الإجراء البسيط لا يعمل به في معظم أرشيفاتنا في مصر إذ تظلّ الوثائق والسّجلات على ما هي عليه حتّى تأتي عليها الحشرات وغيرها من العوامل المسبّبة للتّلف السّابق ذكرها، ثمّ تندثر في نهاية الأمر. أو تبلى. وللأسف توجد حالات يكون فيها التّلف خطيراً، بحيث لا يمكن حفظ الوثيقة كما هي عليه من التّلف، أو نقلها بعيداً عن عامل التّلف فقط بدون اتّخاذ إجراءات تقوية وحماية لها، وهذا هو موضوع فنّيّات التّرميم"(18)، ولم تكن الأضرار التي تحلّ بالوثائق الأرشيفيّة، تصدر عن الحشرات أو العوامل المناخيّة فقط، فكان الحريق أيضاً يندرج في عداد تلك المخاطر، التي تهدّد تلك الموادّ الأرشيفيّة، وكانت تلك الباحثة في أثناء زيارتها تلك المؤسّسات التي كانت تضمّ في أجنحتها المتنوّعة، الأماكن التي خصّصت لاستيعاب الوثائق الأرشيفيّة، قد رأت آثار الحريق في بعض صفحات سجلات الباب العالي حيث كانت بعض صفحاتها تلاحظ فيها "آثار الحريق التي أضرّت الوثائق لاحتراق أطراف جميع هذه الصّفحات"(19)، فلا مرية من أنّه يجب أن تتوفّر في مقارّ الأرشيف، الوسائل التي تفي بردّ المخاطر التي تتهدّد تلك الوثائق الأرشيفيّة.

دأب الأقوام الذين كانوا يؤدّون عمليّة الأرشفة في العديد من الدّول، في أن يراكموا الخبرات التي استخلصوها من مزاولتهم الأعمال المتنوّعة، وكانت تلك الخبرات والعبر المتراكمة، تنجم في كثير من الأحيان عن تلك المساعي والتّجارب التي كانت تجرى في تلك الدّول، وإذا كانت الباحثة سلوى عليّ ميلاد قد أفاضت في الحديث عن التّصرّفات، التي تبدر عن الأفراد، الذين يقدمون على أن ينجزوا عمليّات إعدام الوثائق، فإنّها تحدّثت بدراية كبيرة وقناعة راسخة، عن مسألة ترميم الوثائق، وهي رأت معاناة فرنسا نقصان عدد الأشخاص الذين كانوا مهيّئين لمزاولة عمليّة ترميم الوثائق المصابة، فذكرت أنّه "إذا كانت المشكلة بالنّسبة لفرنسا _وهي البلد المتقدّم جدّاً في دراسة الأرشيف بالنّسبة لنا_ هو قلّة عدد المرمّمين في الأرشيفات، فإنّ المشكلة في مصر أبعد من ذلك بكثير، وتتمثّل في عدم وجود الآلات الكافية، والمرمّمين والإمكانيّات المادّيّة والدّراسة الفنّيّة اللّازمة لذلك العمل"(20)، ويؤكّد فحوى الحديث الذي أوردته تلك الباحثة، أنّه يجب أن تنجز عمليّة تأهيل الأفراد المختصّين بمعالجة الوثائق التّالفة، كي تتحقّق تلك الشّروط التي استندت إليها عمليّة الأرشفة، فما هي الفائدة التي تنجم عن حفظ الوثائق، إذا كان سيأتي عليها الزّمن وتفتك بها أسباب الضّرر؟.

يتسبّب شحّ الموارد الماليّة بعرقلة انتظام العمل في العديد من تلك الأنشطة التي يمارسها الأفراد، وكان نقصان كمّيّة الأموال التي تخصّص لمسألة ترميم الوثائق الأرشيفيّة، أدّى إلى أن يتعسّر تحقّق عمليّة ترميم تلك الوثائق، وقد اكتملت أسباب ذلك الفشل في إصلاح تلك المواد الأرشيفيّة، بنقصان أعداد الأفراد المؤهّلين لمعالجة تلك الوثائق المصابة، وقد رأت تلك الباحثة أنّ "جميع الطّرق النّاجحة للتّرميم باهظة التّكاليف نسبيّاً وتتطلّب وقتاً طويلاً وجهداً وأيدي عاملة متخصّصة. وممّا يؤسف له أنّه لا يوجد بمصر متخصّصون في التّرميم مدرّبون على العمل على الأنواع المختلفة من الوثائق، ويجب أن نأخذ في اعتبارنا أنّه لا يمكن تحقيق المعجزات بعد فوات مرحلة معيّنة من التّدهور، وكلّ ما يمكن عمله منع تدهور حالة الوثائق أكثر من ذلك وتقوية ما تبقّى منها"(21)، فيقتضي النّجاح في إنجاز عمليّة التّرميم، أن يتحلّى الأفراد الذين يتولّون أداء عمليّة التّرميم بالرّفق والتّأنّي في مزاولة ذلك العمل، وأن تتوفّر عندهم الدّراية بتلك الطّرائق المثلى التي تعالج بها تلك الوثائق المصابة.

إنّ اتّباع الأشخاص طرائق التّرميم الخاطئة، كثيراً ما كان يؤدّي إلى أن تتفاقم الأضرار التي تحلّ بتلك الوثائق التي استرمّت، وقد رأت الباحثةسلوى عليّ ميلاد، أنّ أوضاع الأرشيف الذي وجد في مصر، تستدعي أن تتحقّق الاستعانة بخبرات الأفراد العاملين في دور الأرشيف في الدّول، التي وجد فيها ناس طوال الباع في ممارسة عمليّة الأرشفة، وقد كانت "معالجة الوثائق بوسائل غير سليمة وترميمات سريعة قد تسبّب أضراراً أكثر من تلك التي سبّبتها العوامل الطّبيعيّة للتّلف"(22)، وقد أفصحت تلك الباحثة عن رأيها في مسألة معالجة حالة الأرشيف في مصر، إذ قالت: "نأمل في القريب العاجل أن يتمّ التّعاون بين الدّول العربيّة ومنظّمة اليونسكو للرّفع من كفاءة وأداء الأرشيف في البلاد العربيّة عامّة ومصر خاصّة، علماً بأنّ مصر لم تخط للآن خطوات جادّة في هذا المضمار"(22)، وقد تيسّر لشعوب العالم أن تتبادل فيما بينها الخبرات، وتتناقل حصيلة التّجارب التي كان كلّ منها يخوض غمارها، وكانت تلك الباحثة رأت ضرورة الاستفادة من الخبرات التي تتوفّر عند سائر البلدان.

تعدّدت تلك الأدوات التي كان يستخدمها العاملون في إدارة دور الأرشيف، في حفظ الوثائق الأرشيفيّة، إذ كانوا اهتدوا إلى أن يستعملوا وسائل متنوّعة، تيسّر لهم حماية وحفظ الوثائق الأرشيفيّة، وقد اندرجت في عداد تلك الأدوات التي كانوا يستخدمونها، أداة التّصوير المصغّر microfilmingوالتّصوير الميكرو فيلم هو "طريقة لحفظ الوثائق في شكل مغاير لشكلها الأصليّ، وهو أحد البدائل التي يمكن الاستعانة بها في مجال الأرشيف والوثائق. وتعتبر عمليّة التّصوير على ميكروفيلم عمليّة فنّيّة، لعمل نسخ مصوّرة صغيرة الحجم جدّاً للقراءة بدون تكبير (طبعها على ورق حسّاس للتّكبير مثلاً)، علماً بأنّه إذا تمّ عمل صور ميكروفيلميّة للوثائق، فإنّه من الضّروريّ استعمال جهاز قارئ لهذه الأفلام لتكبير الصّورة لتكون مناسبة للقراءة على شاشة خاصّة للعرض"(23)، ويعمد أغلب الأرشيفيّين إلى أن يتلافوا التّعرض لمشكلة ارتفاع أعداد الوثائق، وتضّخّم الحجم الذي يظهر فيه مجموع تلك الوثائق التي تحفظ في مقارّ الأرشيف، وقد كان في الأحوال العادّيّة "هدف عمل مصوّرة مصغّرة (ميكروفيلم) للوثائق هو:1- الإقلال من حجمها الأصليّ.2- لتأكيد أهمّيّة بقائها وقيمتها الدّائمة، ويعتبر الميكروفيلم من الأدوات أو الموادّ التي إذا ما استخدمت في الأرشيف، فإنّ استخدامها يزيد من تنظيم كفاءة الأرشيف، حيث يحتلّ الميكروفيلم مركزاً له أهمّيّة عظيمة في التّنظيم، ولعلّ أهمّ ميزة أساسيّة له هو الإقلال المحسوس في حجم المحفوظات"(24)، فتهيّئ طرق التّصوير سبل مراجعة الوثائق بيسر وسهولة، فتعمّم الفائدة من استخدام تلك الموادّ الأرشيفيّة، فضلاً عن توفير المساحات التي كان يضيق بعضها عن احتواء الأعداد المتزايدة من الوثائق الأرشيفيّة.

تخطّت دول شتّى مراحل عديدة في ارتقائها بالمستوى، الذي كان يبلغه المواطنون فيها بممارسة عمليّة الأرشفة، إلّا أنّ ما برح بعض تلك الدّول، حتّى وإن كانت توصف بأنّها متقدّمة في مجال عمليّة الأرشفة، يعاني من قلّة أعداد الخبراء في نطاق تصوير الميكروفيلم، وإذا استذكرنا حراجة أوضاع تلك الدّول المتطوّرة، فإنّ المقارنة التي أجرتها تلك الباحثة بين أوضاع الأرشيف في كلّ من مصر وتلك الدّول المتطورّة، ترسخ في ذهن من يطّلع على أحوال الأرشيف في تلك الدّول، الاعتقاد بأنّه إذا "كانت معامل التّصوير في مخازن أرشيفات فرنسا ما زالت بعيدة حتّى الآن، عن إمكان حصولها على المعدّات التي تسمح بعمليّة التّصوير الميكرفيلميّ البديل والهيئة العامّة الفنّيّة المناسبة لها، فإنّ الحالة في مصر أسوأ بكثير حيث لم تقم حتّى الآن دار الوثائق التّاريخيّة أو دار المحفوظات أو أيّ أرشيف مصلحيّ ذو أهمّيّة بالتّصوير الميكرفيلميّ الأمان أو التّكميليّ حتّى يمكننا الحديث عن ميكرفيلم البديل. ويبقى أن نقول إنّه من وجهة نظر المؤرّخ والوثائقيّ فإنّ الميكروفيلم بوجه عامّ لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يقوم مقام التّعامل المباشر بالوثيقة الأصليّة من حيث مادّتها وخطّها وحجمها، وهذه كلّها عوامل ذات فائدة كبيرة في الدّراسة التّحليليّة للميزات الخارجيّة للوثائق"(25)، فأفاضت تلك الباحثة في الحديث عن أوضاع الأرشيف في مصر، التي كانت تسعى إلى أن تتقدّم في نطاق تحقّق عمليّة الأرشفة، ولعلّ الدّليل الأبرز على تقدّم مصر في مجال العمل الأرشيفيّ، هو ظهور تلك الملاحظات والآراء التي أفصح عنها هذان الباحثان، اللذان لم يكونا ليفصحا عن أفكارهما، لولا أن وجد عندهما الوعي بأهمّيّة عمليّة الأرشفة، ولا ريب في أنّ إدراك النّاس ذلك النّقصان في تحقّق عمليّة الأرشفة، يحثّهم إلى أن يشتقّوا السّبيل، التي تفضي بهم إلى أن يطوّروا طرائق العمل في إعداد وتنظيم الموادّ الأرشيفيّة.

1- سلوى عليّ ميلاد، الأرشيف ماهيّته وإداراته، دار الثّقافة للنّشر والتّوزيع، القاهرة، 1986، ص49.

2- المصدر السّبق، ص49، 50.

3- المصدر السّابق، ص58.

4- المصدر السّابق، ص66.

5- موقع الكتب والوثائق التاريخيّة في الأنترنت، ونشر حديث الكاتب في ذلك الموقع في عام 2000.

6- المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق.

8- المصدر السّابق.

9- سلوى عليّ ميلاد، قاموس مصطلحات الوثائق والأرشيف، عربيّ _ فرنسيّ _ انكليزيّ، دار الثّقافة للطّباعة والنّشر، القاهرة، 1982، ص11، 12.

10- سلوى عليّ ميلاد، الأرشيف ماهيّته وإداراته، دار الثّقافة للنّشر والتّوزيع، القاهرة، 1986، ص34.

11- المصدر السابق.

12- المصدر السّابق.

13- المصدر السّابق، ص60.

14- المصدر السّابق، ص60، 61.

15- المصدر السّابق، ص63.

16- المصدر السّابق، ص67.

17- المصدر السّابق.

18- المصدر السّابق، ص74.

19- المصدر السّابق، ص55.

20- المصدر السّابق، ص74.

21- المصدر السّابق، ص79.

22- المصدر السّابق، ص80.

23- المصدر السّابق، ص84.

24- المصدر السّابق.

25- المصدر السّابق، ص95.

التعليقات


إضافة تعليق