تفاقمت تلك المشاكل التي نجمت عن اكتظاظ المدن بالسّكّان، حتّى كاد أن يستعصي تماماً على النّاس القاطنين في تلك الحواضر السّكنيّة، أن يعالجوا تلك المشاكل المستشرية، فكثيراً ما أعيت الحيل هؤلاء الأقوام في معالجة تلك الأزمات التي طرأت عليهم، وقد جهد كثيراً أولئك الأشخاص الذين يديرون شؤون تلك المدن، في أن يجروا الأبحاث وينجزوا الدّراسات العديدة، ليتحرّوا عن الوسائل النّاجعة لمعالجة تلك المشاكل التي طرأت على تلك المدن، ولا سيّما بعد أن أدركوا مقدار تلك المضارّ الكبيرة، التي تتمخّض بها مشكلةُ نمو معدّل الكثافة السّكانيّة في المناطق الحضريّة، التي يستقرّ بها أولئك النّاس المزدحمون، فسعى هؤلاء القيّمون على إدارة أحوال تلك المدن، إلى أن يكافحوا تلك العلل المستفحلة التي ألحقتها بالحواضر السّكنيّة، تلك الأزمات الطّارئة، وبذل أعضاء غالبيّة الأجهزة التي تدير شؤون المدن في العالم جهوداً موفورة، في معالجتهم تلك المشاكل المستفحلة، بيد أنّ أغلب تلك الطّاقات التي أفرغوها، كانت تذهب سدى من دون أن يحلوا منها بطائل، ولم يكد هؤلاء الأفراد الذين انضووا إلى تلك الأجهزة الإداريّة، يتيقّنون بأنّ جهودهم التي بذلوها، قد ضاعت هباء في أدراج الرّياح، حتّى بادروا إلى أن يطلبوا مشورة الخبراء، الذين كانوا يعكفون على وضع المخطّطات العمرانيّة للحواضر السّكنيّة، وعمد هؤلاء المشرفون على إدارة المدن المكتظة بالسّكّان، إلى أن يستنصحوا الباحثين في المسائل الدّيموغرافيّة، وتطلّعوا إلى أن يعثروا عند كلّ هؤلاء الخبراء والدّارسين الذين أقبلوا إليهم، الحلول النّاجعة لمشاكلهم المستعصية.

برزت في إحدى المدن العربيّة قبل مدّة تزيد على الثّلاثين عاماً، ظاهرة ازدحام السّكان في أرجاء تلك المدينة الكبيرة، التي استعان القيّمون على إدارة شؤونها، بأحد الخبراء الذين تميّزوا بعلمهم الغزير ومعرفتهم الواسعة، في حلّ تلك المشاكل التي يحدثها ازدياد الكثافة السّكّانيّة، وقد كانت إحدى الأزمات التي طُلب من ذلك الخبير أن ينظر فيها أيضاً، هي ازدياد أعداد النّاس الرّاغبين في السّكن في تلك المدينة، التي كانت أعداد المنازل المشيدة فيها، لا تفي بسدّ حاجة النّاس إلى الاستقرار في تلك المدينة، وقد قدم ذلك الخبير الأجنبيّ الجنسيّة قبل أكثر من ثلاثين عاماً إلى تلك المدينة العربيّة، وهو كان يعمل في إحدى المنظّمات العالميّة، التي يهتمّ الأعضاء المنتسبون إليها، بمعالجة المشاكل الدّيموغرافيّة التي تنشأ في دول العالم قاطبة، وقد أمضى ذلك الخبير بضعة أشهر في تلك المدينة العربيّة، حيث عكف على أن يتنقّل في أرجائها، فسبر أحوال مناطقها كافّة، وتفحّص أوضاع المرافق كلّها التي أنشئت فيها، ودقّق النّظر في قدر الكثافة السّكانيّة الحاصلة في تلك المدينة، وأمعن في البحث في النّسيج العمرانيّ الذي أقيم فيها، وأخذت تتجمّع عنده تلك الملاحظات الموفورة التي يرتئي الباحثون أن يدعموا بها دراساتهم، التي يجرونها وفق تلك القواعد التي يقوم عليها المنهج العلميّ الذي يتّبعونه، واستغرق ذلك الخبير في إعداد دراسته زمناً امتدّ إلى عدّة شهور، وبعد أن أنجز مهمّته التي انتدب للقيام بها، تهيّأ لتقديم حصيلة دراسته المكثّفة وبحثه المتشعّب، إلى الأشخاص القيّمين على إدارة شؤون تلك المدينة العربيّة، وقد استعدّ هؤلاء الأفراد متلهّفين لتلقّي نتيجة تلك الدّراسة التي أجراها ذلك الخبير الأجنبيّ، الذي نظر في تلك المشاكل الذي فوّضوه البحث فيها.

توقّع أولئك الأشخاص الذين تهيّؤوا لتلقّي التّقرير الذي أعدّه الخبير الأجنبيّ، أنّهم سيطالعون سيلاً طويلاً من النّصائح التي سيمحضها لهم ذلك الخبير، وقد عزوا غزارة تلك النّصائح التي تنبّؤوا بأنّهم سيتلقّونها، إلى طول المدّة التي أمضاها ذلك الخبير في هذه المدينة، وظنّوا أنّ كبر مقدار تلك النّصائح، سيناسب ضخامة تلك المشاكل التي بحثها ذلك الخبير، فلم تكن الأزمات التي أصابت تلك المدينة يسيرة، وقد توقّع هؤلاء الأشخاص المشرفون على إدارة المدينة، أنّ تلك الطّريقة التي ستعالج بها تلك الأزمات التي نزلت بها، لن تكون هيّنة بتاتاً، ولم يكد ذلك الخبير يقدّم حصيلة دراسته التي أنجزها، حتّى تفاجأ هؤلاء الأفراد الذين تلقّوا تلك الدّراسة، مفاجأة كبيرة، ودهشوا مبهوتين من حجم ذلك البحث الذي قدّمه لهم ذلك الخبير، واعترتهم الحيرة من مضمون تلك الدّراسة التي تلقّوها، وأمّا حجم تلك النّصائح فلم يكن يتعدّى بضع كلمات قليلة، شغلت حيّزاً صغيراً جدّاً من ورقة واحدة، وكانت حصيلة تلك الأبحاث التي أجراها، تركّزت في بضع كلمات قليلة، فتسبّبت ضآلة حجم تلك الدّراسة الوجيزة، بتلك الصّدمة التي نزلت بهم حينما تلقّوا ذلك التّقرير الذي قدّم إليهم، وهم كانوا يهيّؤون أنفسهم لتلقّيهم ملفّاً ضخماً من الأوراق المكدّسة، والمحشوّة بالنّصائح والملاحظات والمعلومات.

انتظر أعضاء الهيئة التي أنيط بها الإشراف على إدارة تلك المدينة، أن يتناولوا تقريراً كبيراً مليء بالعبارات، التي تفيض بالكلمات التي تدلّ على الشّرح والإيضاح لتلك المواضيع التي بحثها ذلك الخبير، وكان قدّر لهؤلاء القوم المشرفين على إدارة المدينة العربيّة، أن يتلقّوا مفاجأة أعنف وأشدّ قوّة من المفاجأة الأولى، التي أصابتهم بسبب تلقّيهم تلك الكلمات القليلة، التي حواها ذلك التّقرير الذي أعدّه الخبير الأجنبيّ، وأمّا المفاجأة الإضافيّة التي ألمّت بهم أيضاً، فكانت نجمت عن فحوى تلك العبارة الوجيزة التي ذكرها ذلك الخبير، الذي قال في عبارته التي تضمّنها تقريره: "يجب إيجاد الوسائل التي تسهّل تحقّق عمليّة استيراد السّيّارات"، ولم يكد القيّمون على إدارة شؤون تلك المدينة، يطّلعون على تلك الكلمات القليلة، حتّى ظنّ بعض منهم، أنّ الخبير قصد أن يمازحهم ويتّبع سبيل المداعبة الطّريفة، في تقديمه ذلك التّقرير الوجيز، وقد اعتقدوا في قرارة أنفسهم أنّ تلك الدّراسة لا تحوي مضموناً جدّيّاً، بيد أنّ ذلك الخبير أكّد جازماً أنّه عازم ومصمّم على التّشبّث بفحوى تلك الدّراسة التي أعدّها، وقد وقر في ذهنه أنّ تلك النّصيحة التي أفصح عنها، ملائمة لمعالجة مشاكل تلك المدينة.

إنّ النّاس الذين يتروّون في مغزى تلك الكلمات التي حواها التّقرير الذي أعدّه ذلك الخبير الأجنبيّ، لا يعسر عليهم أن يتبيّنوا أنّ أساس المشاكل التي تجبه الأقوام، لا يكمن بالضّرورة في الأسباب المباشرة التي أدّت إلى نشوء تلك المشاكل، وبخاصّة أنّ عين النّاظر في تلك المشاكل، تلحظ تلك الأسباب من الوهلة الأولى، بينما غالباً ما يكمن أساس تلك الأزمات في الأغوار السّحيقة، التي ينطوي عليها قوام تلك المشاكل، وكثيراً ما تعجز عين النّاظر عن أن تدرك ذلك الأساس العميق، من فور ظهور معالم تلك المشاكل لناظريه، وذلك الخبير الذي نظر في مشاكل تلك المدينة العربيّة الكبيرة، لم يعيَ عن أن يجد الحلّ الملائم لمشكلة ازدحام النّاس الحاصل في تلك المدينة، وإذا أردنا أن نتبيّن بدقّة مضمون عبارة ذلك الخبير، بمثال نستقيه من تلك الأحداث الواقعة في مجرى الحياة، فإنّه يجب أن نتقدّم في الزّمن فترة تقارب العشرين سنة، لنرى بصورة عمليّة تلك الطّريقة التي تطبّق فيها تلك النّصيحة التي كان ذلك الخبير ذكرها منذ زمن بعيد.

كابد سكّان عدّة مدن بالعالم في مطلع القرن الحادي والعشرين، عناء البحث عن منازل تفي بتلبية حاجاتهم إلى الإقامة في تلك المدن، التي لم يكن يتوفّر فيها العدد الكافي من المنازل المهيّأة لاستيعاب تلك الحشود المتزايدة من النّاس، الذين يرغبون في أن يسكنوا فيها، وكان المسؤولون عن إدارة شؤون تلك المدن، عمدوا إلى أن يطبّقوا فحوى تلك المشورة التي كان محضها ذلك الخبير قبل ثلاثين عاماً أولئك القيّمين على إدارة شؤون تلك المدينة العربيّة، التي كان زارها ذلك الخبير باحثاً في تلك المشاكل التي طرأت عليها آنذاك، فإذا تعذّر على النّاس أن يعثروا على مسكن يقطنون فيه في المدينة التي ينوون الإقامة فيها، فإنّ من يعالج تلك المشكلة التي جبهت هؤلاء القوم، قد يخطر في باله أن يقترح حلّاً ينصّ على ضرورة تحفيز أولئك النّاس إلى السّكن خارج تلك المدينة، حيث توجد الأماكن الفسيحة التي تهيّأ لاستيعاب العمارات الجديدة، التي يتأهّب النّاس لأن يبنوها في تلك الأراضي الواسعة، ولكنّ العقبة الكأداء التي تعترض تنفيذ ذلك الحلّ العمليّ، هي تلك المشاقّ التي سيعانيها أولئك السّكّان الذين يضطّرون إلى أن يقطعوا المسافات الطّويلة، التي تفصل بين المكان الذي يسكنون فيه، وتلك المدينة التي تضمّ تلك المقارّ التي يعمل فيها أولئك السّكّان، ومن يبحث عن الحلّ الملائم الذي يخفّف عن هؤلاء الأفراد وعثاء ذلك التّنقّل، الذي لا مفرّ لهم من أن يكابدوا تلك المشقّة التي يحدثها، فإنّه لن يجد حلّاً يفضل ذلك الحلّ الذي يتحقّق في حصول هؤلاء الأفراد، على وسيلة المواصلات المناسبة التي تيسّر لهم تنفيذ عمليّة ذلك التّنقّل بين تلك الأماكن، التي تفصل فيما بينها مسافات طويلة، فإذا ما توفّرت وسائل تلك المواصلات الملائمة، فإنّ النّاس سيتحفّزون آنئذ للسّكن خارج المدن.

انتشرت ظاهرة السّكن خارج المدن في أرجاء شتّى في هذا العالم، حتّى أصبحت ظاهرة عالميّة، إذ نفّذت دول عديدة ذلك الحلّ لتلك المشاكل التي يحدثها ازدحام النّاس في المدن، وإذا استعرضنا أحوال المدن الأمريكيّة، فإنّنا نجد أنّه "بات مزيد من الأمريكيّين، وأكثر من أيّ وقت مضى مستعدّين لتمضية فترة طويلة في سياراتهم مقابل الحصول على منزل كبير وفناء واسع"(1)، وتلك المشاريع الاقتصاديّة التي أقيمت لتلبية حاجات أولئك النّاس الذين يرغبون في السّكن خارج المدينة، لم تقتصر على توفير وسائل المواصلات المناسبة لأولئك السّكّان، بل أنّ التبّدلّ الطّارئ على الأماكن التي يقيم بها هؤلاء النّاس، استتبّع نشوء مناشط اقتصاديّة جديدة جارت تلك الظّاهرة العالميّة المنتشرة، فلوحظ أنّ "مع انتشار نزعة العيش خارج المدن وعلى أطرافها في أنحاء العالم، فإنّ الخدمات تتعقّبها أيضاً"(2)، وقد عنت شركات تجاريّة ومؤسّسات صناعية عديدة بتلبية حاجات هؤلاء الأفراد الذين اقتنوا منازلهم خارج المدينة، وكان بعض تلك المؤسّسات الاقتصاديّة وضع أولئك الأفراد في فئة المستهلكين، الذين يواظبون على قيادة سياراتهم فترات طويلة، وقد توطّدت تلك الصّلة التي تجمع بين السّيّارات التي يقودها هؤلاء السّكّان، والمنازل التي يقطنون فيها، حتّى أخذت تجمعهما عبارة واحدة تتضمّن مغزى اقتصاديّاً جليّاً، وتلك العبارة ترمز تحديداً إلى تلك القروض الماليّة التي يقترضها أولئك الأشخاص كي يتمكّنوا من شراء المنازل خارج المدينة، فقد كان في إحدى المدن الأمريكيّة "يقود 10 ملايين شخص سيّاراتهم لمدّة تفوق السّاعة للوصول إلى مراكز أعمالهم. بزيادة 50 بالمائة مقارنة بعام 1990. والكثيرون يقومون بما يسمّيه الوكلاء العقاريّون في كاليفورنيا "القيادة حتّى التّأهّل" لقرض عقاريّ"(3).

استشرف أشخاص عديدون بنظرهم الثّاقب تلك الحاجات، التي تنشأ عند النّاس، الذين يستخدمون سيّاراتهم في تنقلّهم الدّائم بين تلك الأماكن التي تفصل بينها مسافات شاسعة، فأولئك الأشخاص الذين تمّكنوا من أن يستوعبوا تلك الحاجات الشّخصيّة، التي تنشأ عند أولئك الأفراد القاطنين في أماكن خارج المدن، توقّعوا بيسر أنّ أولئك السّكّان الذين سيطوون يوميّاً المسافات الطّويلة، سيحتاجون إلى أن يهجؤوا جوعهم، وينضحوا عطشهم خلال تنقلهم بين تلك الأماكن المتباعدة عن بعضها البعض، ولم يعسر على أولئك الأشخاص الذين يبحثون عن المشاريع التّجاريّة المربحة، أن يدركوا حاجة هؤلاء الأفراد المتنقّلين إلى أن يتناولوا وجبات الطّعام، فعمدوا إلى أن يهيّؤوا لهم وجبات الطّعام التي يتناولونها، بينما يكونون جالسين في مقاعدهم الوثيرة في سيّاراتهم التي يستقّلونها، فأولئك الأفراد الذين يتنقلّون بين تلك الأماكن التي تفصل بينها مسافات مديدة، يضطّرون إلى أن يمضوا وقتاً طويلاً في قيادتهم سياراتهم على الطّرقات الممتدّة، وقد قدّر الوقت الذي يستغرقه النّاس في إحدى المناطق في أمريكا، في تنقّلهم بين الأماكن التي يسكنون فيها، والمقارّ الذي يعملون فيها "بأربع ساعات يوميّاً"(4)، فانفرج السّكّان الذين يقطنون خارج المدينة، من أزمة السّكن، التي كانوا يكابدونها في بحثهم المضني عن أمكنة يقيمون فيها، بالمدينة التي تضمّ المقارّ التي يمارسون فيها أعمالهم، وأصبحت "نزعة العيش خارج المدن الكبرى تحوّل أمريكا إلى بلد الرّحل. ف"المتنقّلون المتطرّفون" الذين يحتاجون إلى أكثر من 90 دقيقة للوصول إلى مراكز عملهم هم الشّريحة الأسرع نموّاً بين المتنقّلين يوميّاً إلى أعمالهم، وهم أيضاً قوّة اقتصاديّة تزداد أهمّيّة وتؤثّر في شتّى الأمور، من الأسواق العقاريّة إلى قوائم الوجبات السّريعة"(5).

اهتمّت شركات تجاريّة عديدة بتلبية حاجة أولئك النّاس إلى أن يتناولوا الطّعام، في أثناء ذلك الوقت الذي يقطعون فيه تلك المسافات الطّويلة، فوفّرت لهم الحصول على وجبات الطّعام التي اصطلح على أن تسمّى بالوجبات السّريعة، وقد أحصت الشّركات التّجاريّة عدد الوجبات التي يتناولها الفرد الأمريكيّ في سيارته فوجدت أنّه "يأكل 32 وجبة سنويّاً في سيّارته.. ويطلب وجبة من أصل كلّ أربع وجبات من سيارته"(6)، ولم تقتصر عناية الشّركات التّجاريّة بأولئك السّائقين على تقديم وجبات الطعام إليهم، بل أنّها عمدت إلى أن توجد الطّريقة الملائمة التي يقدّم بها الطّعام إلى هؤلاء السّائقين ضمن سيّاراتهم التي يستقلّونها، فهيّأت لهم بعض الشّركات التي تعدّ وجبات الطّعام، وسائل تكنولوجيّة متطوّرة، إذ وضعت شاشات يستخدمها الأشخاص بلمسها بأطراف أصابعهم، ليحدّدوا أنواع الطّعام الذي يعرض عليهم في قوائم تظهر على سطح تلك الشّاشات، التي سرعان ما شغلت المكان المناسب، الذي كان ضمن محطّات الوقود نفسها، فالسّائق الذي يقود سيارته فترة طويلة، مضطرّ إلى أن يقصد تلك المحطّات ليتزوّد منها بالوقود الذي يدفع بسيّارته إلى أن يمضي بها قدماً، في مسيرها على الطّرقات الممتدّة الطّويلة، فيمدّ سيّارته بتلك الطّاقة التي تدفعها إلى مواصلة سيرها، وهو سيتاح له أيضاً أن يحصل في تلك المحطّات على وجبات الطّعام، التي تثير في جسده الطّاقة التي تدبّ النّشاط في جسده، ولا يصعب على الإنسان أن يحدّد ذلك المكان الذي تحلّ فيه تلك الشّاشات، التي لا ريب في أنّها ستوضع على مضّخات الوقود بذاتها، فلا يكاد ذلك السّائق ينتهي من ملء الوقود، حتّى تكون شطيرته مهيأة لأن تقدّم إليه في السّيارة التي يقودها.

إنّ أولئك السّائقين الذين لقّبوا بالمواطنين الرّحل، عمدوا في أغلب الأوقات إلى أن يطلبوا وجبات الطّعام السّريعة في تنقلهم على الطّرقات، حتّى أصبح "أكثر الأدوات الكهربائيّة رواجاً في أمريكا ليست أفران المايكرويف، بل النّوافذ الكهربائيّة"(7)، وقد استتبع رواج تلك العروض التّجاريّة في محطّات الوقود، أن تبنى على مقربة من مضخّات الوقود "المراحيض التي يستخدمها هؤلاء المتنقّلون على الطّرقات(8)، وإذا كانت السّيارة هي الأساس الذي ارتكز عليه ذلك الحلّ لمشكلة السّكن، فإن الشّركات التي تصنّع السّيارات سعت إلى أن تجاري نشوء تلك النّتائج التي تمخّض بها، تطبيق ذلك الحلّ النّاجع، وتكاد شركات السّيّارات أن تكون هي أولى وأحقّ بأن تساهم مساهمة فعّالة، في أن توجد الخدمات الملائمة التي يحتاجها هؤلاء السّائقون الرّحل، فقد دأبت شركات تصنيع السّيّارات في أن تنتج "سيّارات هجينة تهدف جزئيّاً إلى الحدّ من تكاليف الوقود المترتّبة على المتنقّلين الذين يعيشون بعيداً عن عملهم. لكنّ التّغييرات الحقيقيّة تحصل داخل السّيارة. فحاملات الأكواب. التي أطلقت عام 1982، يفوق عددها الآن عدد المقاعد في الكثير من السّيارات"(9)، وقد عملت بعض الشّركات على أن تصنع سيّارات تضمّ "ثلاث حاملات أكواب للسّائق وحده: واحدة لقنينة الماء وواحدة للقهوة وواحدة للعصير. هناك حتّى شقوق لوضع سدادات القنانيّ"(10)، وقد بادرت إحدى الشّركات التي تصنع السّيّارات، إلى أن "تقدّم صندوق قفّازات مبرّداً اختياريّاً، كما أنّ مقعد راكبها الأماميّ يتحوّل إلى طاولة طعام عند ثنيه"(11)، فبدأت شركات السّيّارات تهتمّ بأن تسدّ تلك الحاجات، التي كانت سابقاً تندرج في فئة الكماليّات التي لم يكن يؤبه لها كثيراً.

لم تتوان الشّركات التي تصنّع السّيّارات، في أن تندفع أيضاً في إنتاجها المقاعد الوثيرة، التي توفّر دواعي الرّاحة لأجساد أولئك السّائقين الذين يطوون يوميّاً مسافات واسعة، وقد حرّصت تلك الشّركات على أن تتعاقد مع المهندسين المهرة الأكفاء، الذين عندهم خبرة ودراية واسعتان بتصنيع تلك المقاعد المريحة، التي عكفت تلك الشّركات على أن تعدّها لتلائم أولئك السّائقين، الذين يجلسون على تلك المقاعد فترات طويلة جدّاً، وقد ذكر أحد المسؤولين عن تصنيع تلك المقاعد في إحدى شركات السّيّارات أنّ "هذه التّنقلات الطّويلة ستغيّر طريقة تقييمنا للمقاعد. قد نرى أشخاصاً مستعدّين لدفع مبالغ كبيرة للحصول على مقاعد مريحة جدّاً"(12)، وقد انتشرت "نزعة العيش خارج المدن وعلى أطرافها في أنحاء العالم"(13)، حتّى أنّها أدركت أوروبا واليابان، إذ كانت "التّنقلّات الطّويلة إلى أماكن العمل باتت راسخة في أوروبا وتنتشر في اليابان إلى بقيّة آسيا أيضاً"(14).

لم تغب ظاهرة السّكن خارج المدينة، عن الصّين أيضاً حيث ذكر أنّ "الصّينيّين المتنقّلين إلى أعمالهم يقطعون مسافات طويلة ويقضون أوقاتاً طويلة في سيّاراتهم بقدر سكّان كاليفورنيا، أي أكثر من ساعة يوميّاً"(15)، وإذا كان أصحاب المؤسّسات الاقتصاديّة قد تنبّهوا لانتشار هذه الظّاهرة في تلك البلدان، التي أنشؤوا فيها المراكز الرّئيسيّة التي قامت فيها شركاتهم التّجاريّة، فإنّهم قرّروا أيضاً أن يجاروا تنقّل تلك الظّاهرة بين بلدان العالم، وإن اضّطرّ أصحاب تلك الشّركات أن يقطعوا المسافات الطّويلة، كي يسايروا انتشار تلك الظّاهرة العالميّة، فكانت الشّركات التّجاريّة الأمريكيّة، التي تابعت عن كثب نشوء ظاهرة السّكن خارج المدن في أمريكا، سرعان ما عمدت إلى أن توسّع نطاق تلك الأعمال التي تنجزها، حتّى تمّكنت من أن تحيط ببلد فسيح الأرجاء هو الصّين بذاتها، حيث كان يتنقّل فيها أيضاً على الطّرقات أولئك الصيّنيّون الذين كانت "التّجارة الأمريكيّة في أعقابهم"(16)، إذ ذكر أنّ إحدى شركات الطّعام عمدت إلى أن تفتتح في عام 2006 "أوّل نافذة لتسليم الوجبات في السّيارات... في الصّين، وتنوي افتتاح مئات النّوافذ الأخرى"(17).

لم يكد النّاس يندفعون في الاستقرار بمناطق واقعة خارج المدن، التي يزاولون فيها أعمالهم، حتّى أخذ أصحاب الشّركات التّجاريّة الحصفاء، في أن يسارعوا إلى أن يتبيّنوا تلك الحوائج المستجدّة التي نشأت عند أولئك النّاس، الذين قرّروا أن يسكنوا خارج المدن، بل إنّ مديري تلك الشّركات التّجاريّة تكهّنوا مسبقاً في طبيعة الأزمات التي سيصادفها أولئك الأفراد، الذين أطلق عليهم لقب الأشخاص الرّحل، الذين جهد أصحاب تلك الشّركات التّجاريّة في أن يذلّلوا المصاعب التي تعترضهم، وسعوا إلى أن يمهّدوا لهم سبيل التّنقّل بيسر وسهولة، ولا ريب في أن تلك الشّركات غنمت فوائد عديدة بتنفيذ تلك المبادرات التّجاريّة، فأنشأت أنشطة اقتصاديّة واسعة، واستطاع الرّجال الذين أطلقوا تلك المبادرات الاقتصاديّة أن يحلّوا العديد من المشاكل، التي برزت في مجرى حياة أولئك النّاس الرّحل، وكانت فكرة السّكن خارج المدن، تعتمد اعتماداً كبيراً على توفّر وسيلة المواصلات المناسبة، وأعتقد أنّه مهما اشتدّت قسوة تلك المشاكل التي تجبه النّاس، فإنّ في إمكانهم أن يوجدوا الحلول التي تنتشلهم من أشدّ الأزمات المستعصية، وتفرّج عنهم ذلك الضّيق الذي توقعهم فيه تلك المشاكل التي تطرأ عليهم.

 

1- مجلّة نيوزويك، العدد 318، 18 يوليو 2006، ص47.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السّابق.

4- المصدر السّابق.

5- المصدر السّابق.

6- المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق.

8- المصدر السّابق.

9- المصدر السّابق.

10- المصدر السّابق.

11- المصدر السّابق.

12- المصدر السّابق.

13- المصدر السّابق.

14- المصدر السّابق.

15- المصدر السّابق.

16- المصدر السّابق.

17-المصدر السّابق.

التعليقات


إضافة تعليق