يغشى قتام الجهالة أبصار النّاس بأستاره الحالكة، ليحجب عن أنظارهم كنه ذلك العالم الذي يحيون فيه، فتطبق تلك الدّياجير الدّامسة مناكب الأرض، لتوصد منافذ الضّياء على ذلك الإنسان الذي تأبّى أن يتقلّب في وقائع الحياة، خابطاً في عماية الجهالة، وأنف من أن يسلك معتسفاً مدارج الأرض، فاهتدى الطّريق إلى استجلائه كنه ذلك الكون، فركب سبيل العلم الذي يفضي بمن يسلكه إلى أن يتبصّر تلك الحقائق التي يضمرها ذلك العالم، واتّبع الإنسان تلك الطّرائق والأساليب التي تعتمدها قواعد ذلك العلم، فدأب في أن يفضّ ختم تلك الأبواب التي تنفرج عن شعاب ذلك العالم، الذي تطرّق ذلك الإنسان إلى أن يسبر غوره القصيّ، حيث استفرغ طاقاته في أن يزيل حجب تلك الجهالة عن بصيرته ليتأتّى لطرفه أن ينفسح مستجلياً تلك السّرائر، التي ينطوي عليها ذلك الكون الذي يعيش فيه ذلك الإنسان.

تناجحت مساعي الإنسان في خوضه غمار ذلك النّشاط العلميّ الذي زاوله، إذ أدار فكره بظواهر عديدة تجلّى عنها ذلك العالم، وأحاط ذهنه بدقائقها الغامضة، ووضع النّظريّات والتّفاسير التي تبيّن تلك الحقائق التي تبطنها هذه الظّواهر، وكان ذلك الإنسان يشتقّ طريقه قدماً في نشاط آخر، بينما كان يغذّ سيره في ذلك السّبيل العلميّ الذي انتهجه، حيث واصل أولئك الفنّانون الأفذاذ ابتكار الأعمال الفنّيّة الجليلة، سالكين سنن النّشاط الفنّيّ الإبداعيّ، وقد اختلف هذان النّهجان اللذان تفرّق النّاس في اتّباعهما، إذ كانت الطّرائق التي يجري عليها العلماء في مزاولة أنشطتهم العلميّة، تباين الشّرائع التي يمضي عليها الفنّانون في إنجازهم الأعمال الفنّيّة، حتّى وقر في أفئدة النّاس أنّ اختلاف هذين الطّريقين، اللذين تشّعبوا في انتهاجهما، يرسخ القطيعة بين ميداني الفنّ والعلم، ويفرّق بين تلك المقاصد، التي توخّى النّاس أن يدركوها في مزاولتهم هذين النّشاطين، اللذين كانا يسفران لمن يبلغ آمادهما القصيّة عن مرام متوافقة، ومقاصد متطابقة، تكاد تلأم بين هذين النّشاطين برابطة وثيقة لا تنفصم، فقد أيقنت فئة من العلماء الذين سلكوا المنهج العلميّ، أنّ النّتائج التي خلصت إليها من تلك الأبحاث العلميّة التي أنجزتها، تطابق تلك المضامين التي تنجلي عنها الأعمال الفنّيّة، فكأنّما حقائق هذا العالم، يشعّ سناها متشعّباً في هذين النّهجين اللذين توزّع الفنّانون والعلماء في اتّباعهما، فينتشر ضياء تلك الحصيلة المعرفيّة في هذين النّشاطين اللذين عمد إلى أن يمارسهما النّاس، الذين اهتدوا فيهما السّبيل إلى تلك الحقائق التي طالما سعوا إلى أن يحيطوا بها علماً.

ذهبت جماعة من العلماء إلى تأكيد تماثل تلك الأسس، التي يعتمدها العلم والفنّ في تلك الأنشطة التي تنضوي تحت لوائهما، فإذا كانت يشترط على النّتاج الذي ينجزه الفنّانون أن يتميّز بصفة الجمال، الذي يسم أعمالهم بالخاصيّة الفنّيّة الأصيلة التي تدرج نتاجهم في عداد المبتكرات الفنّيّة، فإنّ الفيزيائيّ لويس دو بروجلي تكلّم عن سمة الجمال التي تبرز في البحوث العلميّة، إذ قال: "كان الإحساس بالجمال في كلّ عصر من تاريخ العلوم دليلاً يهدي العلماء في أبحاثهم"(1)، وقد أكّد روبرت م. غروس وجورج ن. ستانسيو ذلك الأثر الذي يحدثه ذلك الشّعور بالجمال في الأعمال التي يزاولها العلماء، حيث قالا: "نجد الجمال في النّظرة الجديدة وسيلة من وسائل اكتشاف الحقيقة العلميّة"(2)، وقد أوردا فقرات ذكرها جيمس واتسن في كتابه "اللّولب المزدوج"، حيث بيّن أنّ الجمال كان هادياً له إلى اكتشاف التّركيب الجزيئيّ ل دن ا DNA، إذ قال "كنّا نتناول طعام الغذاء ويقول كلّ منّا للآخر إنّه لا بدّ من وجود تركيب على هذا الجانب من الجمال، وأقرّ جميع الحاضرين تقريباً بأنّ تركيباً في مثل هذا الجمال لا بدّ من أن يكون موجوداً"(3).

تعدّدت شهادات العلماء على تأكيد الخصائص التي تحدّد سمة الجمال، الذي كان أولئك العلماء يستهدون به في نشاطهم العلميّ الذي يزاولونه، وقد أورد روبرت م. غروس وجورج ن. ستانسيو بعضاً من أقاويل العلماء، الذين كانوا يستدلّون بوجود صفة الجمال على صحة تلك الحقائق العلميّة، التي كانوا يتهيّؤون لإعلانها، حيث قالا: "يجمع أبرز علماء الفيزياء في القرن العشرين على أنّ الجمال هو المقياس الأساسيّ للحقيقة العلميّة، فالفيزيائيّ ريتشارد فينمان يرى أنّ المرء يمكن أن يستبين الحقيقة بفضل جمالها وبساطتها، ويعلن هايزنبيرغ أنّ الجمال في العلوم الدّقيقة وفي الفنون على السّواء هو أهمّ مصدر من مصادر الاستنارة والوضوح، وكبار علماء الفيزياء النّظريّة في عصرنا هذا، أحرزوا كشوفاً كبيرة بنشدانهم الجمال. ويلاحظ فيرنز هايزنبيرغ فيما يتعلّق بميكانيكا الكم _ وهو المجال الذي قام فيه ببحوث رائدة _ أنّه ثبت في الحال أنّ النّظريّة مقنعة بفضل كمالها وجمالها التّجريديّ"(4)، ويذهب روبرت م. غروس وجورج ن. ستانسيو إلى الإشارة إلى أنّ "علماء الفيزياء يرون أنّ نظريّة النّسبيّة العامّة هي أجمل النّظريّات الفيزيائيّة الموجودة على الإطلاق"(5)، وقد أورد هذان المؤلّفان في كتابهما العلم في منظوره الجديد، إشادة إيرون شرودنغر بهذه النّظريّة حيث قال: "إنّ نظريّة أينشتاين المذهلة في الجاذبيّة لا يتأتّى اكتشافها إلا لعبقريّ رزق إحساساً عميقاً ببساطة الأفكار وجمالها"(6)، ولم يجد هذان المؤلّفان في تعليقهما على رأي إيرون بدّاً من أن يقتصرا في قولهما على إيراد حديث العالم أينشتاين بذاته عن هذه النّظريّة، إذ ذكرا: "كما أشار أينشتاين نفسه إلى جمال هذه النّظريّة في خاتمة مقالته الأولى عن الجاذبيّة حيث قال: لا يكاد أحد يفهم هذه النّظريّة تمام الفهم يفلت من سحرها"(7).

دأب العلماء في أن يدرجوا إجراء التّجارب في مدار ذلك المنهج العلميّ الذي يتّبعونه، فكانوا يلتمسون منها تلك الحجّة الرّاجحة التي ترشح بها، ليّتخذوها دليلاً دامغاً على صحّة تلك الحقائق التي يتوصّلون إلى إثباتها، وقد اشتطّ بعض العلماء في الاعتماد على انتهاج سبيل تلك التّجارب، حتّى عدّوها حكماً فيصلاً في تقدير شؤون تلك النّظريات التي عكفوا على صياغتها، بيد أنّ روبرت م. غروس وجورج ن. ستانسيو خالفا سعي العلماء إلى الاقتصار على الأخذ بمقياس التّجارب، لتبيان حقيقة تلك النّظريّات التي يضعها هؤلاء العلماء، حيث أكّدا أنّ "الجمال معيار أساسيّ في الفيزياء لدرجة أنّه يقدّم حتّى على التّجربة"(8)، وقد استشهد غروس وستانسيو أيضاً برأي الفيزيائيّ بول ديراك الذي رأى أنّ "وجود الجمال في معادلات العالم أهمّ من جعل هذه المعادلات تنطبق على التّجربة"(9)، واعتقد هذان المؤلّفان "أنّ الجمال دليل جدير بالثّقة"(10)، ثمّ خلصا إلى تأكيد ذلك الرّأي بإيرادهما أقوال الفيزيائيّ جورج تومسون إذ ذكر: "إنّ المرء يستطيع دائماً أن يقدّم نظريّة، أو عدداً كبيراً من النّظريّات، لتفسير حقائق معروفة، بل للتّنبّؤ بحقائق جديدة أحياناً. والجمال هو الفيصل. فالنّظريّات بعضها صعب المأخذ ومحدود النّطاق وتعسّفيّ. وقلّما تدوم هذه طويلاً"(11)، فمضى الفنّانون والعلماء معاً على تحقيق صيغ الجمال في تلك المبتكرات التي وضعوها، حيث تعدّدت تلك السّبل التي تفضي إلى الوقوف على مظاهر الجمال في تلك الأفعال التي يأتيها النّاس.

1- روبرت م. أغروس وجورج ن. ستانسيو، العلم في منظوره الجديد، ترجمة: كمال خلايليّ، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 134، الكويت، فبراير / شباط 1989، ص45.

2- المصدر السّابق، ص 46.

3- المصدر السّابق.

4- المصدر السّابق.

5- المصدر السّابق.

6- المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق، ص 46، 47.

8- المصدر السّابق، ص 47.

9- المصدر السّابق.

10- المصدر السّابق.

 

11- المصدر السّابق. 

التعليقات


إضافة تعليق