لم تكن تفتر حدّة الأقاويل التي كان يطعن بها الأشخاص المغرضون، في تلك الجهود التي يبذلها أولئك الفنّانون الموسيقيّون الأفذاذ العرب، في اتّباعهم سبيل التّأليف الموسيقيّ الإبداعيّ، الذي يستند على القواعد العلميّة القويمة، فما برحت تلقى التّهم جزافاً على أولئك الموسيقيّين، الذين كان يفترى عليهم جدّاً، فكانوا يتّهمون تهماً زائفة وباطلة بأنّهم يميلون بولائهم إلى الدّول الأجنبيّة، إذ كان هؤلاء الموسيقيّون العرب، يتّبعون نهج التّأليف الموسيقيّ الصّحيح، الذي كان يسلكه الفنّانون الموسيقيّون في كافّة دول العالم، وكثيراً ما كان الموسيقار صلحي الوادي يتعرّض لسيل تلك التّهم الجائرة التي كانت توقع عليه، فتلقى عليه تلك الظّنائن، إذ اتّهم بتنكّره لذلك الوطن العربيّ الذي نشأ الموسيقار صلحي الوادي مترعرعاً فيه، وكانت توقع عليه تلك التّهم لأنّه اتّبع سبيل التّأليف الموسيقيّ القويم، الذي وضع أسسه الأولى العلماء والموسيقيّون العرب القدامى، وكان المفكّرون والموسيقيّون في الدّول الأوروبيّة تلقّفوا تلك القواعد من هؤلاء الفلاسفة والعلماء العرب، ودأبوا في أن يطوّروها حتّى اتّخذت صيغة تلك الأسس والمبادئ المعهودة، التي يستند إليها كافّة الموسيقيّين في دول العالم في تأليفهم أعمالهم الموسيقيّة المبتكرة.

عمدت في مؤلّفاتي التي نشرتها في السّنوات الماضية، إلى أن أفنّد تلك التّهم التي كان يذكرها أولئك الأشخاص، الذين كانوا يناصبون الموسيقار صلحي الوادي المشاحنة والخصام، وقد أسقطت عنه تلك التّهم جميعها، ورفعت عنه تلك الظّنائن كلّها، وقد أبلى أيضاً الموسيقيّون العرب بذاتهم بلاء حسناً في الذّود عن مبادئهم، وجهدوا في الدّفاع عن تلك السّبيل التي انتهجوها في تأليفهم أعمالهم الموسيقيّة المبتكرة، وكلّما كنت أراجع في فكري موضوع تلك التّهم التي كانت تلقى على أولئك الموسيقيّين، كانت تتوارد إلى ذهني جملة من صور تلك الأحداث التي ما زلت أعيها جيّداً، إذ ما زلت أذكر إنّي استمعت منذ خمسة عشر عاماً وتحديداً في عام 1998، إلى برنامج إذاعيّ بثّته محطّة إذاعة دمشق، حوالي السّاعة الحادية عشرة قبل ظهر أحد تلك الأيام، التي جرت فيها وقائع الملتقى الثّامن للمعاهد الموسيقيّة في دول حوض البحر الأبيض المتوسّط، حيث أقيم ذلك الملتقى في دمشق في الفترة التي امتدّت من اليوم السّابع ولغاية اليوم الثّاني عشر من شهر تشرين الثّاني، وقد استمعت إلى ذلك البرنامج الإذاعيّ بينما كنت أقود سيارتي في أحد شوارع مدينة دمشق، وكانت إذاعة دمشق عمدت إلى أن تبثّ يوميّاً في ذلك الأوان برنامجاً إذاعيّاً، خصّص بعرض الأنشطة المتنوّعة، التي كانت تجري في ذلك الملتقى الثّامن للمعاهد الموسيقيّة في دول حوض البحر الأبيض المتوسّط، وقد أقيمت ندوات حواريّة رافقت النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ، الذي جرى في تلك الفترة التي حدث فيها ذلك الملتقى الموسيقيّ، الذي أنشأته منظّمة أكيوم وهي "منظّمة التّبادل الثّقافيّ لدول حوض البحر الأبيض المتوسّط"، وأذكر أنّ المذيع في ذلك البرنامج الإذاعيّ، استضاف الموسيقار صلحي الوادي، الذي طلب منه المذيع أن يتحدّث عن تلك الأحداث الفنّيّة والثّقافيّة التي تضمّنتها المناشط التي أقيمت في ذلك الملتقى الذي جمع العديد من المعاهد الموسيقيّة.

دأب الموسيقار صلحي الوادي في أن يسرد حديثه في ذلك اللّقاء الإذاعيّ، عن تلك الأنشطة الفنّيّة التي أقيمت في ذاك الملتقى الموسيقيّ، وما كاد أن ينتهي من التّحدّث عن تلك الوقائع التي تضمّنها ذلك الملتقى الموسيقيّ الثّقافيّ، حتّى بادر المذيع إلى أن يوجّه سؤالاً إلى الموسيقار صلحي الوادي، وعلى الرّغم من أنّي أذكر جيّداً الصّيغة، التي ذكر فيها المذيع ذلك السّؤال، إلّا أنّي حينما أورده حاليّاً، فإنّي أعدّ تلك الصّيغة التي أذكرها، هي تعبّر عن مضمون وفحوى ذلك السّؤال، الذي تحدّث فيه المذيع عن الأقاويل، التي نُسبَ فيها الموسيقيّون العرب الذين يبتكرون الأعمال الموسيقيّة الجادّة، إلى الدّول الأجنبيّة، وقد كان الموسيقار صلحي الوادي في طليعة أولئك الموسيقيّين العرب البارزين، الذين كانت تلقى عليهم تلك التّهم التي ذكرها ذلك المذيع، الذي كان نقل تلك الأقاويل إلى الموسيقار صلحي الوادي، طالباً منه أن يعلّق عليها، وكي أوضّح تلك المهمّة التي أدّاها المذيع، فهو عمد إلى أن ينقل تلك الأقاويل، من دون أن يعبّر عن رأيه الشّخصيّ في موضوع تلك الأقاويل، التي طلب من الموسيقار صلحي الوادي أن يعقّب عليها، وكان ذلك المذيع قد ذكر أيضاً أنّ الموسيقييّن الذين استهدفتهم تلك الأقاويل التي نقلها، قد تنكّروا لدولهم العربيّة، بعد أن تأثّروا بمعالم الثّقافة الأجنبيّة، وتلك التّهم التي أوردها المذيع، هي معروفة، وقد تكرّر إلقاؤها على الموسيقار صلحي الوادي، الذي لم يكن البرنامج الذي أثار فيه ذلك المذيع البحث في موضوع تلك الأقاويل التي نقلها، هو المناسبة الأولى، التي تذكر فيها تلك التّهم الجائرة.

ما زلت أذكر جيدّاً الكلام الذي ذكره الموسيقار صلحي الوادي، في تعليقه على تلك الأقاويل التي ذكرت في ذلك البرنامج الإذاعيّ، إذ قال: "إنّي عربيّ ووالديّ عربيّان، وإنّ انتمائي راسخ في ثبات قويّ إلى الوطن العربيّ، وأعتزّ بنشأتي وتأثرّي بالمكان الذي نشأت فيه في البلاد العربيّة، وأقدّم أعمالي الموسيقيّة التي تتضمّن الدّلائل على افتخاري بذلك الانتماء إلى بلدي العربيّ، فكيف ننسب إلى الدّول الأجنبيّة؟"، وأذكر أنّي بعد أن استمعت إلى الكلمات التي تفوّه بها الموسيقار النّابغ صلحي الوادي، استغرقت في التّفكير في تلك المعاني التي أفصح عنها في ذلك البرنامج الإذاعيّ، وإنّي آمل أن تكون إذاعة دمشق قد احتفظت في سجلها الإذاعيّ "الأرشيف"، بتلك البرامج التي كانت يُتحدّث فيها عن تلك المناشط، التي جرت في ذلك الملتقى الثّامن للمعاهد الموسيقيّة في دول حوض البحر الأبيض المتوسّط، وقد اضطرّ الموسيقار صلحي الوادي في تعليقه على ذلك الكلام الذي ذكر في ذلك البرنامج الإذاعيّ، إلى أن يؤكّد تلك المعاني والأفكار التي هي معروفة في بدائه العقول، وهو لم يستذكر تلك المعاني البديهيّة، إلّا كي يبيّن طبيعة تلك المشاحنة التي يتعرّض لها الموسيقيّون العرب، الذين يبتكرون المؤلّفات الموسيقيّة البديعة، وقد أصاب الموسيقار صلحي الوادي شاكلة الصّواب، في تعريفه بذلك النّشاط الفنّيّ الذي يزاوله، وفي حديثه عن أصالة انتمائه إلى وطنه العربيّ، وهو ابتكر أعمالاً فنّيّة موسيقيّة، ستظلّ تفتخر بها الأجيال المتعاقبة التي تنضوي إلى الأمّة العربيّة، وكانت أعماله الموسيقيّة التي عبّرت عن معالم ذلك المكان الذي نشأ وترعرع فيه، أظهرت تلك الموضوعات الإنسانيّة العميقة التي يشترك البشر كافّة في التّأثّر بها، لأنّها كشفت في وضوح جليّ عن تلك المشاعر، التي تنبعث في نفوس النّاس في كلّ الأماكن في هذا العالم.

التعليقات


إضافة تعليق