اختلط مفهوما الثّقافة والعلم في أذهان عدد كبير من النّاس في الوطن العربيّ، حتّى أنّهم أخذوا يطابقون بينهما، فظنّوا أنّ الإنسان الذي نال حظّاً من التّحصيل العلميّ، في تدرّجه في المراحل الدّراسيّة في المدارس والجامعات، لا بدّ من أن يكون إنساناً مثقّفاً، وقد يتمادى أولئك النّاس في عسفهم في تقدير المرتبة، التي يحلّ بها ذلك الإنسان المتعلّم، فيقيسون المقدار الذي يرتفع به في ارتقائه في مراتب الثّقافة، بحسب مبلغ ذلك التّحصيل العلميّ الذي يحقّقه، علماً بأنّه لا توجد علاقة بتاتاً بين هذين الأمرين اللذين يربط بينهما أولئك النّاس، فالعلم هو أحد أدوات المعرفة، بينما عرّف إدوارد تايلور الثّقافة بأنّها "المجموع الكلّيّ المعقّد الذي يشتمل على الأخلاق والفنون، والمعارف والمعتقدات والقوانين والفلسفة والأديان، وكلّ ما يكتسبه الإنسان من العادات والتّقاليد، والطّباع التي تظهر في المجتمع الذي يعيش فيه"، وقد أحصى علماء الأنثربولوجيا "علم الإنسان" عدد التّعاريف التي أوضحت مفهوم الثّقافة، فذكروا أنّ عددها يزيد على المائة والخمسين تعريفاً، وبعض العلماء اعتقد أنّ عدد تلك التّعاريف، يزيد زيادة كبيرة عن ذلك العدد الذي ذكرته آنفاً.

دأبت في أن أعمد في أحايين كثيرة إلى أن أتبيّن تلك العوامل، التي تؤثّر في إيجاد التّباين بين النّاس في استيعابههم التّواؤم والاتّفاق، اللذين يتطلّب أن يحقّقهما كلّ منهم بين التّصرفات التي تبدر منه، وتلك القواعد التي ينبنى عليها المجتمع الذي يعيش فيه، وكان التّفاوت بين هؤلاء النّاس في تمكّنهم من إدراك تلك الحاجات التي تلوح في مجتمعهم، يفسّر دواعي ذلك الاختلاف بين تلك التّصرّفات، التي يعالجون بها تلك المسائل التي تبرز في ذلك المجتمع، وقد كنت أحرص على أن أبحث في ذلك التّباين في الأفعال، التي يأتيها النّاس، وخصوصاً في تلك الحالة التي يعالجون فيها المشاكل والأزمات، التي كانت تعترض حياتهم في ذلك المجتمع العربي الذي ينضوون إليه، ثمّ كنت أعكف على دراسة آراء أولئك الأشخاص، الذين كانوا يحاولون أن يوجدوا حلولاً ملائمة لتلك الأزمات التي ينظرون فيها، وقد اخترت في إحدى تلك المرّات التي أجريت فيها هذا البحث، مجموعةً من النّاس، الذين وزّعتهم في فئتين اثنتين، حيث كانت المجموعة الأولى تضمّ الأشخاص، الذين حصلوا على شهادات عليا في دراساتهم الجامعيّة، بينما كانت الفئة الثّانية تشتمل على أشخاص أمّيّين، أي أنّهم لم يكونوا يعرفون القراءة ولا الكتابة، وكنت أجهد في أن أنعم النّظر في تلك الآراء التي يدلي بها هؤلاء الأفراد، الذين يتصدّون لحلّ تلك المشاكل التي تعترض مجرى حياة النّاس في المجتمع، وقد استمررت على أن أحاول أن أجمع كلّما تيسّر لي الظّرف المناسب، الآراء التي كان يجهر بها أفراد هاتين الفئتين، حينما يعلّقون على المشاكل والقضايا ذاتها، التي كانت تسترعي أنظار أولئك الأشخاص، الذين انضووا إلى هاتين الفئتين اللتين اشتملهما ذلك البحث الذي أجريته.

أكّدت النّتيجة التي أفضى إليها بحثي في أجوبة هؤلاء الأشخاص، الذين كانوا يصرّحون بآرائهم، أنّ أجوبة عدد من الأشخاص الأمّيّين، كانت تتّصف بالسّداد والصّواب اللذين، لم تكن تتّسم بهما تلك الآراء التي أدلى بها عدد من الأشخاص المتعلّمين، فتمكّن هؤلاء الأفراد الأمّيّون من أن يوجدوا حلولاً ملائمة للمشاكل التي كانوا يتدبّرون عواقبها، بينما عجز عدد من المتعلّمين من أن يجاروا أولئك الأمّيّين، في إيجاد تلك الحلول المناسبة لتلك الأزمات نفسها، التي نظر فيها كلّ من أولئك الأفراد الذين انضووا إلى هاتين الفئتين، وقد عُرّفت أيضاً الثّقافة في أحد التّعاريف العديدة، التي ذكرت في الأبحاث والدّراسات التي جرت في ميدان علم الاجتماع، بأنّها مظاهر تلك القيم والمثل الأخلاقيّة، وهي ميراث اجتماعيّ يشارك فيه كلّ الأشخاص والجماعات، الذين يحرصون على الامتثال للأعراف والتّقاليد والعادات والمعتقدات التي تظهر في المجتمع، فالثّقافة بحسب هذا التّعريف الذي أوردته آنفاً، ترتبط بالسّلوك الذي يعتمده الإنسان، من دون أن تتحدّد بالتّحصيل العلميّ الذي يتمكّن من أن يحقّقه، فإذا كان يجب على المثقّف أن يدرك تلك الحاجات الضّروريّة، التي تظهر في المجتمع، ويحيط بالمسائل التي تبرز فيه، كي يتّخذ السّلوك الذي يهيّئ له أن يؤثّر تأثيراً فعّالاً، في تناوله تلك القضايا التي تبرز في مجتمعه، فإنّ قدرة المثّقف على النّجاح في أن يؤدّي تلك المهامّ الاجتماعيّة، لا ترتبط بالمستوى الذي يصل إليه في تحصيله العلميّ، علماً بأن الشّوائب التي تشوب مناهج التّعليم في الوطن العربيّ، تجعل الإنسان في تلك البلاد العربيّة، يفتقد تلك الخاصيّة العلميّة التي كان يفترض أن تتّسم بها شخصيّته، فإذا استطاع الإنسان الأمّيّ أن يدرك تلك الحاجات التي تبرز في المجتمع، ويحيط بتلك المعتقدات والمبادئ التي يستنّ بها الأفراد في تصرفاتهم التي يجيئونها، فلا يحقّ لأحد من النّاس أن يجرّده عندئذ من تلك السّمة الثّقافيّة، التي تتميّز بها شخصيّته، ولا يجوز أيضاً أن يتطاول أحد من أولئك المتعلّمين، على هؤلاء الأمّيّين، ولا يستهينوا بقدراتهم على النّجاح في معالجة تلك القضايا التي تظهر في المجتمع.

التعليقات


إضافة تعليق