التبست على فئة كبيرة من النّاس طبيعةُ ذلك النّشاط، الذي يمارسه الكاتب، الذي يعكف على كتابة المؤلّفات الأدبيّة، التي كانت أغلبيّة الأقوام تتحفّز لأن تتلقّاها كي تستغرق في أن تطالعها، على الرّغم من أنّ أولئك النّاس كانوا كثيراً ما يتناقلون فيما بينهم، تلك الأحاديث التي تخبر بأحوال الأشخاص، الذين كانت تشكُل عليهم طبيعة ذلك العمل الذي يمارسه الكاتب، إذ لم يكونوا يدرجون ذلك النّشاط الأدبيّ الذي يزاوله، في عداد تلك المهن التي كانوا اعتادوا أن ينسبوها إلى الأعمال التي كان النّاس يمارسونها، وقد كثرت تلك الأخبار التي تنبئ بذلك الإشكال، الذي كان يقع فيه الأشخاص الذين كانوا يلتقون بأولئك الكتّاب، فقد ذُكر أنّ أحد الكتّاب الإنكليز سمع خادميه الاثنين، بينما كانا يتحادثان بالقرب من باب غرفته، التي كان في داخلها، فانتهت إلى سمعه كلمات أحد هذين الخادمين، إذ كان يلتمس إذن الدّخول في الغرفة حيث كان يوجد ذلك الكاتب، فألقى ذلك الخادم سؤاله مستفسراً عمّا إذا كان الكاتب قد تفرّغ من الشّغل الذي كان يؤدّيه، وبات متهيّئاً لأن يستقبله، وسمع ذلك الكاتب جواب الخادم الآخر، الذي ردّ على ذلك السّؤال الذي ألقي عليه، إذ قال: "بإمكانك أن تدخل في الغرفة، فهو لا يعمل أيّ شيء، إنّه يكتب فقط".

حدثت واقعة أخرى تشابه الحادثة التي أخبر عنها ذلك الكاتب الإنكليزيّ، لكنها جرت تلك الواقعة الثّانية في مكان آخر، حيث حصلت تحديداً في مدينة في إحدى دول أمريكا اللّاتينيّة، وقد روي أنّ كاتباً كان يعيش في تلك المدينة، وذُكر أنّه بينما كان يخرج من منزله ويتأهّب ليسير في طريقه قاصداً أحد الأمكنة في تلك المدينة، سرعان ما استوقفه صاحب أحد المخازن التي كانت واقعة في القرب من منزل ذلك الكاتب، وبعد أن حيّا كلّ منهما الآخر، استفسر صاحب المتجر ذلك الكاتب، عن الدّاعي الذي اضطرّه إلى أن يبقى طيلة الوقت في المنزل، وأخذ يلحف في سؤاله عن ذلك الملل، الذي يظنّ أنّه أصاب ذلك الكاتب، بسبب مكوثه بمنزله زمناً طويلاً متفرّغاً للكتابة، من دون أن يمتهن عملاً يسرّي عن نفسه ذلك الغمّ، الذي يلحقه به إحساسه بتلك الملالة، التي يعتقد صاحب ذلك المتجر أنّها كانت تطبق على الكاتب، الذي تلقّى تلك الأسئلة وهو يدرك ذلك الالتباس الذي وقع فيه جاره صاحب المتجر، وهاتان الحادثتان اللتان خبرهما هذان الكاتبان، تبيّنان أنّ الأشخاص الذين احتكوا بهذين الكاتبين، كانوا يعتقدون أنّ ذلك النّشاط الأدبيّ الذي يمارسه هذان الكاتبان، لا يندرج في عداد تلك الأعمال التي اعتاد النّاس أن يزاولوها.

تمتلئ سير كتّاب كثيرين، بالعديد من تلك الأحداث التي تماثل هاتين الواقعتين، اللتين شهدهما هذان الكاتبان، وتكاد غالبيّة الأقوام في البلاد كافّة، تقع في ذلك الإشكال، الذي يمنع هؤلاء النّاس عن أن يحيطوا بطبيعة النّشاط الذي يزاوله الكاتب، وإنّي خبرتُ حالة ذلك الالتباس ذاته، الذي تحدّثت عنه آنفاً، فعندما كان تحقيق أسباب التّعارف بيني وبين أحد الأشخاص الذين كنت ألتقيهم، يقتضي أن أعرّفه بالعمل الذي أزاوله، بعد أن يكون قد سألني عن طبيعة المهنة التي أمارسها، فكنت أجيب عن ذلك السّؤال، بأن أعرّف نفسي بصفة العمل الذي أزاوله وهو مهنة الكتابة، وأذكر له أنّي كاتب؛ وذلك السّؤال الذي يلقى عليّ، هو استفسار عاديّ شائع جدّاً بين النّاس، الذين يتبادلون الأحاديث التي تجري في تلك المناسبات، التي يلتقي بعضهم بعضاً فيها أوّل مرّة، بيد أنّي كنت أتيقّن بأن ذلك الجواب، الذي كنت أذكره رادّاً على ذلك الشّخص الذي ألقى عليّ بسؤاله، لم يكن ينقع ظمأ الشّخص السّائل إلى معرفة تلك المهنة التي أزاولها، فكان يعاود إلقاء ذلك السّؤال تارة أخرى، بيد أنّه لم يكن يظفر بحسب اعتقاده، بالجواب الشّافي عن ذلك السّؤال الذي طرحه عليّ، لأنّي كنت أكرّر الإجابة ذاتها التي كنت ذكرتها في المرّة الماضية، وربّما لو استمرّ على أن يعيد إلقاء ذلك السّؤال مرّات كثيرة، لما سمع غير الجواب نفسه يتكرّر كلّ مرّة كان يلقي فيها ذلك السّؤال، وهو يتوقّع أن أذكر له اسم إحدى المهن، التي كان يحيط بأسمائها علماً، بينما لم يكن يعتاد أن ينظر إلى الكتابة الأدبيّة باعتبارها مهنة كبقيّة تلك الأعمال، التي يزاولها النّاس.

إنّ النّاس إذا كانوا ينظرون إلى الكتاب في صورته المادّيّة، ويعتبرونه منتجاً يقبلون على أن يقتنوه، فإنّهم ما زالوا ينكرون تلك العمليّة التي تمخّضت بذلك النّتاج الذي كانوا يتناولونه، ويحجمون عن أن يماثلوها بسائر العمليّات، التي تنجم عنها بقيّة المنتوجات التي اعتادوا أن يتلقّوها، ويتعذّر عليهم أن يعتبروا تلك الكتابة الأدبيّة، مهنة يحرص الكاتب على أن يزاولها ليقدّم لهم ذلك المنتج، الذي يملأ أذهانهم بالعبر والخبرات التي تفيدهم، وإذا لم يتحقّق بين الكتّاب وأولئك النّاس الذين كانوا يلتقونهم، ذلك التّفاهم على تحديد طبيعة العمل الذي يزاوله الكتّاب، فإنّ النّاس يُعذرون على عدم تمكّنهم من أن يتبيّنوا طبيعة ذلك النّشاط الأدبيّ، الذي يمارسه الكتّاب، لأنّ إذا نشأت في أذهان هؤلاء الأقوام تلك الصّورة المشوّشة، التي لا تظهر فيها حقيقة تلك الكتابة الأدبيّة جلّية صرفة، فيعزى أسباب وقوع هؤلاء النّاس في ذلك الالتباس الحاصل لهم حينئذ، إلى طبيعة تلك الأفكار التي تصوّر بها طبيعة ذلك النّشاط الأدبيّ، وتصدر تلك التّصوّرات والأفكار عن ميادين شتّى من عوالم  الفكر، الذي تندرج فيه نظريّات فلسفيّة واقتصاديّة، ويتضمّن أيضاً نظريّات وآراء تصدر عن أبحاث تجرى في نطاق علم الاجتماع، فكلّ تلك الميادين الفكريّة انبثقت منها تلك الأفكار، التي حدّدت بها صورة النّشاط الأدبيّ في أذهان النّاس؛ فهؤلاء الأشخاص الودودون اللّطفاء الذين كان الكتّاب يلتقون بهم، لا يتحمّلون مسؤوليّة حصول ذلك الالتباس الذي يقعون فيه، إذا أشكلت عليهم طبيعة تلك الكتابة الأدبيّة، التي تداخلت نظريّات وآراء فكريّة عديدة في تحديد سماتها، وتبيان خصائصها.

التعليقات


إضافة تعليق