دأب الإنسان جاهداً في أن يهتك الحجب التي تواري خفايا ذلك العالم الذي يحيا فيه، فانهمك في أن يستطلع غوامض الكون، ساعياً إلى أن يتبصّر في تلك الوقائع التي انطوى عليها ذلك العالم، الذي طالما جهد ذاك الإنسان في أن يسبر غوره، إذ لم تكن لتحول بينه وبين مواصلته استجلاء أسرار الكون، العوائق والحوائل، فكانت تلجّ بنفسه الرّغبة في أن يتبيّن دقائق تلك الوقائع التي يتأمّلها، حتّى يبرح خفاؤها، وتتّضح له حقائقها، وتقوّت رغبته في أن يتبيّن أيضاً خبايا تلك الأرض التي يمشي في مناكبها، حيث تعدّدت تلك الأماكن التي كان يرودها مستجلياً أسرارها، ومستكشفاً عن مجاهلها.

واظب الإنسان على اندفاعه في استكشاف شؤون ذلك العالم، متحلّياً بروح المغامرة، من دون أن يتهيّب المخاطرة بنفسه، فكانت عزيمته على استجلاء غوامض ذلك الكون، تزداد ثباتاً وقوّة، كلّما اعترضت الموانع دون أن يبلغ ذلك الإنسان أربه، وقد تنوّعت تلك العوالم التي كان يرودها مستطلعاً وباحثاً في خفاياها المستترة، إذ ظلّت تلازم الإنسان طيلة الأزمنة المديدة، تلك البواعثُ على الإقدام على أن يستطلع أيضاً جليّة تلك الظّواهر، التي كانت تنجم في ذلك المجتمع الذي يعيش في كنفه، فكان يسعى إلى أن يجلو تلك الأسرار التي تنطوي عليها كافّة تلك الأحداث التي كان يعاينها في مطارح شتّى.

ما برحت الكتب التي أحاطت بميادين الفكر المتعدّدة، تثير في نفس الإنسان حافزاً قويّاً إلى أن يتصفّح أوراقها ويستجلي مضامينها، فلم يكن ليقلّ قدر شغف الإنسان بالاطّلاع على محتويات الكتب التي يتناولها، عن مبلغ ذلك الميل الذي ينبعث في نفسه، إلى أن يستكشف عن شؤون سائر نواحي ذاك العالم الذي يحيا فيه، ففي كلا الحالين اللذين تطرّق فيهما إلى أن يقف على أسرار تلك الظّواهر التي تحيط به، لم يكن يتغيّر شأن ذلك الإنسان، الذي إذا ما شاهد دفّتي الكتاب المنطبق، فكانت تنبعث في نفسه حينئذ الرّغبة في أن يتوغّل في مطالعة ذلك الكتاب، فيسعى إلى أن يفرّج بين هاتين الدّفتين، لتنفتح عن تلك المحتويات التي يضمّها ذلك الكتاب، الذي يسعى إلى أن يطالعه، ويجني ثماره، فكأنّه كان يقف أمام باب كبير، يسعى ذلك الإنسان إلى أن يفتحه، فيباعد بين صفقيه، لينكشفا عن تلك الخفايا التي كان يحجبها ذلك الباب عنه، فتحفزه تلك الأماكن المستترة إلى أن يرودها مستطلعاً مجاهلها، حيث  كان يتكشّف لناظريه عالم جديد سعى إلى أن يقف على معالمه، فيظلّ شغفه بتناول ذلك الكتاب، محتداً في نفسه، وتلجّ به الرّغبة في أن يقرأه، ويشتدّ تصميمه على تبيان مآثره، ويجهد في أن يذلّل المصاعب التي قد تعترض دون أن يمسك به، فيفتن لبّه ذلك الاستكشاف، الذي يمتع نفسه بالاطّلاع على محتويات ذلك الكتاب، وبالتبحّر في معاني النّصوص التي يشتمل عليها.

ظلّ احتفاء الإنسان بالكتاب، يزداد رسوخاً في نفسه، إذ كان يعدّه خليلاً وفيّاً، وصديقاً مؤانساً له، فيزيل عنه وحشته، ويخالطه من دون أن يملّ من مصاحبة ذلك الكتاب، الذي غدا المحاور الأثير الذي دأب الإنسان في أن يطارحه الحديث، ويجاريه في النّقاش، فأصبح الكتاب ذلك المنبع الثرّ الذي تتدفّق منه الأفكار، فلا تكاد سطوره تتابع وصفحاته تتوالى أمام القارئ، حتّى يأخذ النّقاش الذي يدور بينهما في التّوسّع، إذ يستفيضان في مداولة الآراء، ومطارحة الأفكار فيما بينهما، ولا يفتر الإنسان في اغترافه تلك المعاني التي يكتنز بها، أفلا تطابق تلك الخصائص التي يتميّز بها الكتاب، تلك الصّفات التي ينقّب عنها ذلك الإنسان في شخصيّة ذلك الرّفيق، الذي يتوخّى أن يتّخذه صديقاً وخليلاً يستأنس به، ولا تلبث العلاقة التي تنشأ بينهما أن تأخذ في أن تتوثّق، فلا تنفصم الرّابطة التي تؤلّف بينهما مطلقاً، فيغدو الإنسان وذلك الكتاب حليفين لا يفترقان، بعد أن كانا يمضيان في مجرى الحياة فرادى، حتّى قيّض لهما أن يلتقيا، حيث شرع يتوطّد بينهما ذلك الالتئام الوثيق الذي جمعهما معاً، فطفق الإنسان يستمدّ التّجارب المتراكمة من تضاعيف ذلك الكتاب، الذي شحذ فهمه، ونمّى خبرته بتلك الوقائع التي تجري في العالم الذي يعيش فيه.

استمرّ النّاس على أن يبذلوا جهودهم في سعيهم إلى إدراك تلك المرامي، التي كانوا يتطلّعون إليها، فدأبوا في محاولتهم أن يبلغوا تلك الغايات المقصودة، التي كثيراً ما كانت تحدّدُ تلك الخصائص التي تتّسم بها تلك الأنشطة، التي كانوا يتصّرفون فيها للوصول إلى تلك المقاصد التي انطلقوا إليها، ولم يفت أولئك النّاس أن يتدبّروا عواقب تلك الأفعال التي يأتونها، فكانوا يتبصّرون في العوائد، التي ترجع عليهم من تلك الأعمال التي يجيئونها، فعمدوا إلى أن يتروّوا في الأعمال التي يؤدّونها، ليتهيّأ لهم أن يصنّفوا تلك الأنشطة بحسب نوعيّة المرامي، التي توسّلوا إلى أن يدركوها بالأفعال التي ما فتئوا ينجزونها، وما لبثت تلك المفاهيم التي وضعت لتبيين خصائص الأعمال التي كانوا يقيمون بها، أن أخذت تتّسم بطابع تلك المنافع، التي كانت ترجع على أولئك النّاس من الأنشطة المتنوّعة التي كانوا يزاولونها، وقد عكف باحثون عديدون على دراسة طبيعة تلك الأنشطة، التي كان يعمد فيها أولئك النّاس الذين كانوا يمارسونها، إلى أن يتناولوا الموادّ المتنوّعة، التي قصدوا إلى أن يستخدموها في تصريفهم شؤون معيشتهم، فأطلق هؤلاء الباحثون على مجموع تلك الأنشطة مصطلح الحرفة التي عرّفت في معاجم اللّغة بأنّها "وسيلة الكسب من زراعة وصناعة وتجارة وغيرها"(1)، وقد اتّفق الباحثون على أن يعرّفوا مفهوم الحرفة، بأنّه يعني ذلك "العمل الذي يمارسه الإنسان ويحتاج إلى تدريب قصير"(2)، وكانت تلك التّعاريف التي وضّحت مفهوم الحرفة، أظهرت ذلك المقصد المادّيّ، الذي سعى إلى أن يحصل عليه، من كان يزاول ذلك العمل الذي  اتّخذ شكل الحرفة، التي كانت تلك الثّمار المادّيّة التي تتمخّض بها، تتخّذ غالباً صورة ذلك المردود الماليّ، الذي كان الإنسان يدأب في أن يكسبه.

جهد الإنسان في أن يستخلص من الأعمال التي كان يزاولها تلك الخبرات، التي كانت تزيد قدرته على أن يوسّع نطاق تلك المهامّ التي كان يتطلّع إلى القيام بها، ولم تكد تزداد حصيلة المعارف التي دأب في أن يكنزها في نفسه، حتّى سرعان ما أخذ في التّفكير في أن يحكم استفادته من تلك الخبرات التي توافرت عنده، فشرع يهتدي بتلك المعارف التي كان يحصّلها، لينفّذ تلك الأفكار التي ما برحت تجول في ذهنه، وقد اتّفق الباحثون على أن يطلقوا مصطلح المهنة على حالة ذلك النّشاط، الذي أخذ فيه الإنسان في الاستفادة من تلك الخبرات التي كان استحصلها، لينجز تلك الأعمال التي رغب أن يوسّع بها مجال تلك الأفعال التي كان يأتيها، وقد عرفّت في معاجم اللّغة تلك الكلمة التي استخدمت لتبيان تلك الأعمال التي ينجزها الإنسان، وهي المهنة، بأنّها هي "عمل يحتاج إِلى خِبرة وَمهارة وحِذق بممارسته"(3)،بينما اصطلح على تحديد مفهوم المهنة، بأنّه يعني "مجموعة من الأعمال تتطلّب مهارات معيّنة يؤدّيها الفرد من خلال ممارسات تدريبيّة"(4)، وكان أولئك المفكرّون الذين بحثوا في تحديد خصائص تلك الأفعال التي يأتيها الإنسان، أدركوا تلك الطّبيعة المادّيّة التي كثيراً ما كانت تغلب على صورة ذلك الكسب، الذي هدف الإنسان إلى أن يحصل عليه، وكان يقتضى مضيّ الإنسان على أن ينجز أعماله بصورة منتظمة، أن يأخذ بالتّعاقد مع أناس آخرين، لتحقيق تلك الأفعال التي كان يجيئها، وقد حدّد ذلك التّعاهد الذي كان ينشأ بين تلك الأطراف التي تتعاقد فيما بينها، بمفهوم الوظيفة، التي اتّفق الفقهاء في العلوم الإداريّة على أن يعتبروها "مجموعة من الواجبات والمسؤوليّات، تحدّدها سلطة ذات اختصاص... وقد تكون الوظيفة شاغرة أو مشغولة بشخص واحد تعيّنه سلطة مختصّة لتأدية واجبات ومسؤوليّات هذه الوظيفة بصفة دائمة أو مؤقّتة، مقابل أجر محدّد... من دون أن يتأثّر مستوى الوظيفة في الهرم الإداريّ بكفاءة شاغلها، وطريقة أدائه لعملها"(5)، وقد روعي في ذلك التّعريف الذي تبيّن فيه مفهوم الوظيفة، أن ينصّ على تلك المدّة، التي يتوجّب أن يلتزم خلالها الموظّف بإنجاز تلك المهامّ، التي تضمّنت تلك الأفعال التي ارتبطت بتلك الوظيفة، التي يؤدّيها ذلك الموظّف، إذ كانت حدّدت الوظيفة بأنّها "الواجبات المطلوب إنجازها من قبل الموظّف خلال فترة زمنيّة محدّدة"(6)، فكانت تلك العقود التي تنظّم عمل الموظّف في تأديته مهامه الوظيفيّة، تنصّ على تلك المدّة التي سيستغرقها ذاك الموظّف في أداء مهامّه.

ذهب بعض الدّارسين الذين عالجوا المسائل الإداريّة، إلى أن يعرّفوا الوظيفة أيضاً بأنّها "وحدة من وحدات العمل تتكوّن من عدّة أنشطة مجتمعة مع بعضها في المضمون والشّكل ويمكن أن يقوم بها موظّف واحد أو أكثر"(7)، وكانت تلك التّعاريف التي بيّنت مفهوم الوظيفة، انطوت أيضاً على معنى التّعاقد المادّيّ، الذي يكفل للموظّف أن يكسب المردود الماليّ، الذي يرجع عليه من ارتباطه بتلك الوظيفة، التي عرّفت أيضاً بأنها "كيان نظاميّ يتضمّن مجموعة من الواجبات والمسؤوليّات توجب على شاغلها التزامات معيّنة، مقابل تمتّعه بالحقوق والمزايا الوظيفيّة"(8)، وكانت اندرجت في عمليّة تنظيم الموارد البشريّة، تلك المهمّة التي تجلت في إدارة الأشخاص الذين يعملون في وظائف متنوّعة، وقد تميّز الموظّف بخصائص محدّدة ميّزته عن سائر الأفراد الذين يزاولون الأعمال المتنوّعة، إذ اعتبر الموظّف هو "الشّخص الذي يستخدم بصفة نظاميّة، ليقوم بواجبات ومسؤوليّات وظيفة ما، مقابل أجر محدّد ويتمتّع لقاء ذلك بالحقوق والامتيازات المرتبطة بها"(9)، وقد أدّى تدرّج الموظّف في مزاولته عمله الوظيفيّ، إلى أن ينشأ مفهوم جديد تفرّع عن ذلك العمل الذي كان يؤدّيه ذلك الموظّف، إذ ظهر مفهوم المرتبة، التي عرّفت بأنّها "مستوى وظيفيّ يشكّل حلقة في سلسلة رأسيّة من الوظائف مرتّبة حسب أهميّتها بالنسبة للوظائف الأخرى، وتكوِّن السلسلة ما يتعارف عليه بالسّلم الوظيفيّ للشّركة في القطّاع الخاصّ مثلاً، أو للأجهزة الحكوميّة عامّة في الدّولة"(10).

كانت تلك التّعاريف التي عولج فيها موضوع الرّتبة التي يشغلها الموظّف، قد نصّت في جلاء على مسألة ذلك المردود الماليّ الذي يرجع على الموظّف، الذي كان يرتقي في سلم تلك الرّتب المحدّدة في مجال عمله الوظيفيّ الذي يقوم بتأديته، إذ كانت المرتبة "تعكس في نفس الوقت الرّبط الماليّ للوظيفة (الرّاتب) الذي يُدفع مقابل تأدية عملها، ويتحدّد حسب مستوى صعوبة وواجبات ومسؤوليّات الوظيفة، والمؤهّلات اللّازمة لتأدية العمل، ووضع الوظائف على المراتب المناسبة وفقاً لواجباتها من اختصاص مصنّفي الوظائف، والمصنّف يحدّد مرتبة الوظيفة وليس مرتبة الموظّف الذي يشغلها"(11)، ولم يقتصر بعض المفكّرين على أن يأخذوا بتلك التّعاريف، التي حدّدت فيها المفاهيم التي وضّحت طبيعة تلك الأعمال التي يزاولها الإنسان، فعمدت فئة من هؤلاء المفكّرين إلى أن تميّز في الأبحاث الاقتصاديّة التي أجرتها، بين العمّال أنفسهم الذين يزاولون الأعمال المتنوّعة، إذ وزّع هؤلاء العمّال في فئتين اثنتين، وهما فئتا العمّال المنتجين، والعمّال غير المنتجين، فوضع في تلك الأبحاث الاقتصاديّة مفهوم العمل المنتج والعمل غير المنتج، حيث عرّف بأنّه "مفهوم اقتصاديّ كلاسيكيّ وماركسيّ مرتبط ارتباطاً وثيقاً بعدّة مفاهيم اقتصاديّة _ سياسيّة أخرى مثل التّراكم، وفائض القيمة، والخدمات"(12)، وقد أدرج في عداد هؤلاء العمّال الذين انضووا إلى تلك الفئة الثّانية "أولئك الذين يقومون بعمل نافع لكن غير إنتاجيّ مثل العاملين في التّسويق والتّداول"(13)، فأصبحت طبيعة ذلك النّتاج الذي ينجزه العامل، هو المعيار الذي يحدّد به تلك الفئة التي ينسب إليها ذلك العامل.

إنّ ذلك التّصنيف الذي اعتمد في توزيع العمّال إلى هاتين الفئتين الاثنتين، كان يتحدّد بحسب وجهة النّظر، الذي كان الباحثون يتدبّرون به في تلك الأعمال التي يزاولها هؤلاء العمّال، إذ كانت "هذه التّمييزات المتنوّعة، تنمّ في النّهاية عن تعدّد الزّوايا التي يمكن أن ينظر لتقسيم العمل من خلالها"(14)، وقد كان الفيلسوف آدم سميث أبرز الباحثين الاقتصاديّين، الذين دأبوا في وضع ذلك التّقسيم بين هاتين الفئتين من العمّال، إذ ذكر في كتابه ثروة الأممّ أنّه "يبرز من العمل نوعان من العمل المأجور: العمل الذي يُبادل مقابل دخل ويؤدّي الخدمات، والعمل الذي يُبادَل مقابل رأسمال وينتج منتوجات مخصّصة للبيع..... والعمل الأوّل غير منتج لأنّ نتيجته، أي الخدمة، تتبخّر في اللّحظة ذاتها التي تقدّم فيها في حين أنّ العمل الثّاني هو عمل منتج لأنّ ثمرته، أي المنتوج، تبقى بين أيدي صاحب العمل مع قيمة مضافة مساوية للأجر وللرّبح. وهكذا فإنّ الطّابع الإنتاجيّ للعمل يتحدّد من خلال عمليّة الإنتاج والتّراكم الرّأسماليّة"(15).

تصدّى باحثون اقتصاديّون عديدون لتفنيد ذلك الرّأي الذي ذهب آدم سميث إلى أن يعتنقه، فطعنوا في تلك المفاضلة التي أجراها آدم سميث بين مجموع العمّال، الذين بحث في تلك المهامّ التي يؤدّونها، وقد رأى الاقتصاديّ الفرنسيّ ج. ب. ساي أنّ الاقتصاد "يقوم على مقولة النّفع التي لا مجال للتّمييز بين عمل منتج وآخر غير منتج. ومن هذه الزّاوية فإنّ العمل المنتج يصبح مرادفاً للعمل المفيد بشكل عامّ ويتّسع بالتّالي ليشمل مجمل الوظائف الاجتماعيّة"(16)، وقد اعتبر الفيلسوف ماركس أنّ "العمل المنتج لا يرتبط، بمضمون الإنتاج بل أنّ المعيار الوحيد لمثل هذا العمل المنتج إنّما يكمن في علاقات الإنتاج وحدها أي ليس في المنفعة الممكن جنيها من المنتوج ولا حتّى في الطّبيعة المادّية للمنتوج؛ فالأجير غير المنتج (أي الذي يعمل لقاء دخل كالمستخدم أو الموظّف) قد يكلّف بمهامّ الإنتاج المادّيّ، كما أنّ الأجير المنتج (أي الذي يقوم بعمل مقابل رأسمال) قد يستخدم في إنتاج خدمات تجاريّة"(17).

رأى بعض الباحثين في العلوم الاقتصاديّة، أنّ ماركس قد تشبّث بجلاء "بتحديد العمل المنتج في نمط الإنتاج الرّأسماليّ لا بالرّجوع إلى نفعيّة العمل أو إلى مضمونه المادّيّ بل من خلال إنتاج فائض القيمة أي من خلال العلاقات الاجتماعيّة"(18)، وقد تعدّدت تلك الدّراسات التي شكّك فيها الباحثون في حصول تلك الجدوى، التي ادّعي بأنّه يحقّقها ذلك التّقسيم والتّمييز بين هاتين الفئتين من العمّال، فاندفع أولئك الدّارسون إلى أن يفنّدوا تلك الآراء، التي أفصح عنها أولئك المفكّرون، الذين أوجدوا ذلك التّمييز بين فئتي العمّال المنتجين والعمّال غير المنتجين، إذ اعتبر هؤلاء الباحثون الذين عارضوا ذلك التّصنيف أنّ "العمل المنتج هو كلّ الجهد الذي يبذله عنصر العمل يدويّاً أم ذهنيّاً بما يسهم في إنتاج وعرض السّلع والخدمات، التي يتقرّر لكلّ منها سعر في سوقها الخاصّة، ومن ثمّ فإنّ هذا التّعريف يضمّ كلّ أنواع العمل التي ينطبق عليها هذا الوصف مثل عمل البنّائين وصانعي الآلات والعمّال والمهرة والمهندسين والمحامين والمدرّسين والممرّضين ورجال الخدمة المدنيّة"(19).

يتّضح في ذلك التّعريف الذي حدّد فيه طبيعة العمل المنتج، أنّه قد ألغي فيه ذلك التّصنيف، الذي اتّبع فيه سبيل التّمييز بين العمل المنتج وغير المنتج، وقد ذكرت آنفاً أنّ آدم سميث كان أبرز المفكّرين الذين أوجدوا ذلك التّقسيم الذي ذكره في كتابه ثروة الأمم، ثمّ اقتدى به العديد من الباحثين والمفكّرين، فلا غرو إذاً من أن يعمدَ إلى الطّعن في تلك الأفكار التي عبّر عنها آدم سميث، أولئك الباحثون الذين لم يأخذوا بفكرة ذلك التّصنيف بين العمّال، حتّى أنّهم كانوا يطعنون صراحة في تلك الآراء التي كان أفصح عنها آدم سميث نفسه، وقد ذُكِرَ تعقيب على ذلك التّعريف الذي أوردته آنفاً، وهو ذاك الذي أزيل فيه ذلك التّقسيم بين هاتين الفئتين من العمّال، حيث قيل أنّ "آدم سميث تبنّى وجهة نظر أخرى تضفي معنى أضيق على العمل المنتج، إذ يعتبر أنّ العمل يكون منتجاً أو غير منتج حسبما إذا أتت نتيجة هذا العمل، هي إنشاء أشياء مادّيّة ملموسة من عدمه، وعلى ذلك فإنّه يقصر معنى العمل المنتج على ذلك العمل، الذي يسهم في إنتاج السّلع المادّيّة فقط، أمّا اللّامادّيّة فلا يعتبر إنتاجها وصفاً للعمل المنتج، أيّاً كانت فائدتها وأهميّتها لأفراد المنتج، أمّا في الوقت الحاضر فليس ثمّة أيّة تفرقة بين عمل منتج أو غير منتج"(20).

لم يكن يقتصر النّاس على أن يأتوا تلك الأعمال، التي كانت تدرّ مردوداً ماليّاً على الأفراد الذين كانوا يزاولونها، بل إنّهم كانوا يجيئون أحياناً تلك الأعمال، التي كانت عوائدها على الأشخاص الذين يأتونها، تتجرّدّ من الطّابع المادّيّ، واندرجت في عداد تلك الأفعال التي لم تكن تفضي بمن يزاولها إلى تحصيل الكسب المادّيّ، الأنشطةُ التي تجري في ميدان العمل التّطوّعيّ، وقد حدّد مفهوم التّطوّع بأنه يعني ذلك الفعل الذي "يتضمّن جهوداً إنسانيّة، تبذل من أفراد المجتمع، بصورة فرديّة أو جماعيّة، ويقوم بصفة أساسيّة على الرّغبة والدّافع الذّاتيّ سواء كان هذا الدّافع شعوريّاً أو لا شعوريّاً"(21).

تشعّب البحث في ميدان تلك الأنشطة التّطوّعيّة، حتّى تطّرق في دراسات عديدة إلى النّظر في شخصيّة ذلك الإنسان المتطوّع ذاته، الذي اعتبر أنّه "لا يهدف إلى تحقيق مقابل مادّيّ أو ربح خاصّ، بل اكتساب شعور الانتماء إلى المجتمع وتحمّل بعض المسؤوليّات التي تسهم في تلبية احتياجات اجتماعيّة ملحّة، أو خدمة قضيّة من القضايا التي يعاني منها المجتمع"(22)، وقد تعدّدت تلك المنافع التي كان يجلبها الأفراد المتطوّعون إلى المجتمعات، التي انتشرت فيها تلك الأعمال التّطوعيّة، حيث كان يهدف أولئك الأشخاص إلى تنمية تلك المجتمعات التي ينضوون إليها،  فكان "العمل التّطوّعيّ هو دافع أساسيّ من دوافع التّنمية بمفهومها الشّامل اقتصاديّاً وسياسيّاً واجتماعيّاً وثقافيّاً، ودليل ساطع على حيويّة المجتمع واستعداد أفراده للتّفاني والتّضحية"(23)، وكانت البواعث التي حثّت أولئك الناس إلى مزاولة الأعمال التّطوّعيّة، هي دوافع ذاتيّة انبعثت في نفوسهم، من دون أن يضطّروا أو يرغموا مقهورين على أن يأتوا أفعالاً محدّدة، إذ عدّ التّطوّع "هو أيضاً نوع من الاختيار الحرّ للعمل، وقناعة لمشاركة الأفراد طواعيّة في العمل من واقع الشّعور بالمسؤوليّة"(24).

تجرّد النّاس الذين انهمكوا في تنفيذ المهامّ التّطوّعيّة، من دوافع الرّغبة في أن ينالوا تلك الثّمار المادّيّة، التي كانت تعود على من يزاول تلك الأنشطة التي تطوّعوا للقيام بها، فالعمل التّطوّعيّ "هو عمل غير ربحيّ، لا يقدّم نظير أجر معلوم، وهو عمل غير وظيفيّ أو مهنيّ، يقوم به الأفراد من أجل مساعدة وتنمية مستوى معيشة الآخرين، من جيرانهم أو المجتمعات البشريّة بصفة مطلّقة"(25)، وقد تكرّر في تلك التّعاريف التي وضّحت مفهوم العمل التّطوّعيّ، تأكيد الفكرة التي صوّرت تجرّد الأعمال التّطوّعيّة من تلك المقاصد المادّيّة، فكان ذلك العمل التّطوّعيّ "يمارس دون توقّع نظير مادّيّ لذلك العمل، بل النّظير هو السّعادة والرّضى"، وعني بالحديث عن تلك السّعادة والرّضى اللذين ذكرا في التّعريف الذي أوردته آنفاً، التّعبير عن إحساس المتطوّع بالغبطة التي تملأ نفسه، حيث عدّ العمل التّطوّعيّ "عمل غير ربحيّ.... ويكون دائماً بدون مقابل"(26)، ويترتّب على تخلّي المتطوّع عن السّعي إلى تحصيل المنافع المادّيّة، أنّه "لا تكون له حقوق مثل الموظّفين من راتب شهريّ ومعاش، وإجازات براتب، وبدون راتب، لأنّ عمله دائماً يكون في مؤسّسات أهليّة غير حكوميّة أو خاصّة"(27)، وكان الدّافع الذّاتيّ الذي ينبعث تلقائيّاً في نفس المتطوّع، هو أبرز خصائص تلك الأفعال التّطوعيّة التي كان يأتيها، إذ ذكر أنّ العمل التّطوّعيّ هو "عمل أو سلوك اجتماعيّ يمارسه الفرد من تلقاء نفسه وبرغبة منه وإرادة ولا يبغي منه أيّ مردود مادّيّ، ويقوم على اعتبارات أخلاقيّة أو اجتماعيّة أو إنسانيّة أو دينيّة"(28).

تعدّدت تلك الأفعال التي كان يأتيها النّاس، من دون أن يتوّخوا أن يجنوا من تلك الأنشطة المتعدّدة التي يمارسونها، المردود الماليّ، وقد أدرجت الأعمال التي كانت تتّسم بطابع الهواية، في عداد تلك الأفعال التي لم يكن يستهدف من يمارسها إلى أن يحصّل المكاسب الماليّة، وقد ذكر في تعريف مادّة الهواية في قواميس اللّغة، أنّها "اللِّعبُ أَو العملُ المحبوبُ يُشغَف به المرء ويقضي أَوقاتَ فراغه في مزاولته دون أَن يحترفه"(29)، وقد عرّفت أيضاً كلمة الهواية، حيث قيل أنّها "صفة العمل الذي يقوم به الإِنسان رغبةً وتَرَفُّهاً لا احترافاً"(30)، وقد تطرّق في الأبحاث التي أجريت في ميدان العلوم الإنسانيّة، إلى تحديد مفهوم الهواية، التي اعتبرت هي "ممارسة فعل محبّب للنّفس ويجد الإنسان فيه متعة في مزاولته برغبة ذاتيّة من دون أيّة ضغوطات"(31)، فعبّرت تلك التّعاريف صراحة، عن تخلّي الإنسان الذي يزاول تلك الأعمال التي اندرجت في عداد الهوايات، عن محاولة الحصول على المكاسب المادّيّة، التي كان يتيسّر له أن يظفر بها، إن لم تكن تتّسم تلك الأفعال التي أتاها، بطابع الهواية، ولا ريب في أنّ من يستعرض تلك المفاهيم التي وضّحت حقيقة غالبيّة الأنشطة التي يمارسها النّاس، سيتيسّر له أن يقف على طبيعة ذلك العمل الذي يزاوله الكاتب في إنجازه مؤلّفاته الأدبيّة، وسيتاح له أن يميّز تلك الخصائص التي تتّسم بها تلك المهنة التي يزاولها ذلك الكاتب.

1- المعجم الوسيط _ مجمع اللّغة العربيّة في القاهرة.

2- موقع المركز العلميّ لتجميع الدّراسات والبحوث العلميّة.

3- المعجم الوسيط _ مجمع اللّغة العربيّة في القاهرة.

4- موقع المركز العلميّ لتجميع الدّراسات والبحوث العلميّة.

5- موقع الدّراسات الإداريّة.

6- قواعد العلوم الإداريّة.

7- موقع المركز العلميّ لتجميع الدّراسات والبحوث العلميّة.

8- المصدر السّابق.

9- موقع الدّراسات الإداريّة.

10- المصدر السّابق.

11- المصدر السّابق.

12- موسوعة السّياسة.

13- المصدر السّابق.

14- المصدر السّابق.

15- المصدر السّابق.

16- المصدر السّابق.

17- المصدر السّابق.

18- المصدر السّابق.

19- الموسوعة الاقتصاديّة.

20- المصدر السّابق.

21- أنشطة المنظّمات والجمعيّات الأهليّة .

22- المصدر السّابق.

23- المصدر السّابق.

24- المصدر السّابق.

25- قواعد العمل التّطوّعيّ.

26- المصدر السّابق.

27- المصدر السّابق.

28- المصدر السّابق.

29- المعجم الوسيط _ مجمع اللّغة العربيّة في القاهرة.

30- معجم المنجد _ منشورات دار المشرق، بيروت.

31- موقع أبحاث علم الاجتماع.

لم تكن تفتر حدّة الأقاويل التي كان يطعن بها الأشخاص المغرضون، في تلك الجهود التي يبذلها أولئك الفنّانون الموسيقيّون الأفذاذ العرب، في اتّباعهم سبيل التّأليف الموسيقيّ الإبداعيّ، الذي يستند على القواعد العلميّة القويمة، فما برحت تلقى التّهم جزافاً على أولئك الموسيقيّين، الذين كان يفترى عليهم جدّاً، فكانوا يتّهمون تهماً زائفة وباطلة بأنّهم يميلون بولائهم إلى الدّول الأجنبيّة، إذ كان هؤلاء الموسيقيّون العرب، يتّبعون نهج التّأليف الموسيقيّ الصّحيح، الذي كان يسلكه الفنّانون الموسيقيّون في كافّة دول العالم، وكثيراً ما كان الموسيقار صلحي الوادي يتعرّض لسيل تلك التّهم الجائرة التي كانت توقع عليه، فتلقى عليه تلك الظّنائن، إذ اتّهم بتنكّره لذلك الوطن العربيّ الذي نشأ الموسيقار صلحي الوادي مترعرعاً فيه، وكانت توقع عليه تلك التّهم لأنّه اتّبع سبيل التّأليف الموسيقيّ القويم، الذي وضع أسسه الأولى العلماء والموسيقيّون العرب القدامى، وكان المفكّرون والموسيقيّون في الدّول الأوروبيّة تلقّفوا تلك القواعد من هؤلاء الفلاسفة والعلماء العرب، ودأبوا في أن يطوّروها حتّى اتّخذت صيغة تلك الأسس والمبادئ المعهودة، التي يستند إليها كافّة الموسيقيّين في دول العالم في تأليفهم أعمالهم الموسيقيّة المبتكرة.

عمدت في مؤلّفاتي التي نشرتها في السّنوات الماضية، إلى أن أفنّد تلك التّهم التي كان يذكرها أولئك الأشخاص، الذين كانوا يناصبون الموسيقار صلحي الوادي المشاحنة والخصام، وقد أسقطت عنه تلك التّهم جميعها، ورفعت عنه تلك الظّنائن كلّها، وقد أبلى أيضاً الموسيقيّون العرب بذاتهم بلاء حسناً في الذّود عن مبادئهم، وجهدوا في الدّفاع عن تلك السّبيل التي انتهجوها في تأليفهم أعمالهم الموسيقيّة المبتكرة، وكلّما كنت أراجع في فكري موضوع تلك التّهم التي كانت تلقى على أولئك الموسيقيّين، كانت تتوارد إلى ذهني جملة من صور تلك الأحداث التي ما زلت أعيها جيّداً، إذ ما زلت أذكر إنّي استمعت منذ خمسة عشر عاماً وتحديداً في عام 1998، إلى برنامج إذاعيّ بثّته محطّة إذاعة دمشق، حوالي السّاعة الحادية عشرة قبل ظهر أحد تلك الأيام، التي جرت فيها وقائع الملتقى الثّامن للمعاهد الموسيقيّة في دول حوض البحر الأبيض المتوسّط، حيث أقيم ذلك الملتقى في دمشق في الفترة التي امتدّت من اليوم السّابع ولغاية اليوم الثّاني عشر من شهر تشرين الثّاني، وقد استمعت إلى ذلك البرنامج الإذاعيّ بينما كنت أقود سيارتي في أحد شوارع مدينة دمشق، وكانت إذاعة دمشق عمدت إلى أن تبثّ يوميّاً في ذلك الأوان برنامجاً إذاعيّاً، خصّص بعرض الأنشطة المتنوّعة، التي كانت تجري في ذلك الملتقى الثّامن للمعاهد الموسيقيّة في دول حوض البحر الأبيض المتوسّط، وقد أقيمت ندوات حواريّة رافقت النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ، الذي جرى في تلك الفترة التي حدث فيها ذلك الملتقى الموسيقيّ، الذي أنشأته منظّمة أكيوم وهي "منظّمة التّبادل الثّقافيّ لدول حوض البحر الأبيض المتوسّط"، وأذكر أنّ المذيع في ذلك البرنامج الإذاعيّ، استضاف الموسيقار صلحي الوادي، الذي طلب منه المذيع أن يتحدّث عن تلك الأحداث الفنّيّة والثّقافيّة التي تضمّنتها المناشط التي أقيمت في ذلك الملتقى الذي جمع العديد من المعاهد الموسيقيّة.

دأب الموسيقار صلحي الوادي في أن يسرد حديثه في ذلك اللّقاء الإذاعيّ، عن تلك الأنشطة الفنّيّة التي أقيمت في ذاك الملتقى الموسيقيّ، وما كاد أن ينتهي من التّحدّث عن تلك الوقائع التي تضمّنها ذلك الملتقى الموسيقيّ الثّقافيّ، حتّى بادر المذيع إلى أن يوجّه سؤالاً إلى الموسيقار صلحي الوادي، وعلى الرّغم من أنّي أذكر جيّداً الصّيغة، التي ذكر فيها المذيع ذلك السّؤال، إلّا أنّي حينما أورده حاليّاً، فإنّي أعدّ تلك الصّيغة التي أذكرها، هي تعبّر عن مضمون وفحوى ذلك السّؤال، الذي تحدّث فيه المذيع عن الأقاويل، التي نُسبَ فيها الموسيقيّون العرب الذين يبتكرون الأعمال الموسيقيّة الجادّة، إلى الدّول الأجنبيّة، وقد كان الموسيقار صلحي الوادي في طليعة أولئك الموسيقيّين العرب البارزين، الذين كانت تلقى عليهم تلك التّهم التي ذكرها ذلك المذيع، الذي كان نقل تلك الأقاويل إلى الموسيقار صلحي الوادي، طالباً منه أن يعلّق عليها، وكي أوضّح تلك المهمّة التي أدّاها المذيع، فهو عمد إلى أن ينقل تلك الأقاويل، من دون أن يعبّر عن رأيه الشّخصيّ في موضوع تلك الأقاويل، التي طلب من الموسيقار صلحي الوادي أن يعقّب عليها، وكان ذلك المذيع قد ذكر أيضاً أنّ الموسيقييّن الذين استهدفتهم تلك الأقاويل التي نقلها، قد تنكّروا لدولهم العربيّة، بعد أن تأثّروا بمعالم الثّقافة الأجنبيّة، وتلك التّهم التي أوردها المذيع، هي معروفة، وقد تكرّر إلقاؤها على الموسيقار صلحي الوادي، الذي لم يكن البرنامج الذي أثار فيه ذلك المذيع البحث في موضوع تلك الأقاويل التي نقلها، هو المناسبة الأولى، التي تذكر فيها تلك التّهم الجائرة.

ما زلت أذكر جيدّاً الكلام الذي ذكره الموسيقار صلحي الوادي، في تعليقه على تلك الأقاويل التي ذكرت في ذلك البرنامج الإذاعيّ، إذ قال: "إنّي عربيّ ووالديّ عربيّان، وإنّ انتمائي راسخ في ثبات قويّ إلى الوطن العربيّ، وأعتزّ بنشأتي وتأثرّي بالمكان الذي نشأت فيه في البلاد العربيّة، وأقدّم أعمالي الموسيقيّة التي تتضمّن الدّلائل على افتخاري بذلك الانتماء إلى بلدي العربيّ، فكيف ننسب إلى الدّول الأجنبيّة؟"، وأذكر أنّي بعد أن استمعت إلى الكلمات التي تفوّه بها الموسيقار النّابغ صلحي الوادي، استغرقت في التّفكير في تلك المعاني التي أفصح عنها في ذلك البرنامج الإذاعيّ، وإنّي آمل أن تكون إذاعة دمشق قد احتفظت في سجلها الإذاعيّ "الأرشيف"، بتلك البرامج التي كانت يُتحدّث فيها عن تلك المناشط، التي جرت في ذلك الملتقى الثّامن للمعاهد الموسيقيّة في دول حوض البحر الأبيض المتوسّط، وقد اضطرّ الموسيقار صلحي الوادي في تعليقه على ذلك الكلام الذي ذكر في ذلك البرنامج الإذاعيّ، إلى أن يؤكّد تلك المعاني والأفكار التي هي معروفة في بدائه العقول، وهو لم يستذكر تلك المعاني البديهيّة، إلّا كي يبيّن طبيعة تلك المشاحنة التي يتعرّض لها الموسيقيّون العرب، الذين يبتكرون المؤلّفات الموسيقيّة البديعة، وقد أصاب الموسيقار صلحي الوادي شاكلة الصّواب، في تعريفه بذلك النّشاط الفنّيّ الذي يزاوله، وفي حديثه عن أصالة انتمائه إلى وطنه العربيّ، وهو ابتكر أعمالاً فنّيّة موسيقيّة، ستظلّ تفتخر بها الأجيال المتعاقبة التي تنضوي إلى الأمّة العربيّة، وكانت أعماله الموسيقيّة التي عبّرت عن معالم ذلك المكان الذي نشأ وترعرع فيه، أظهرت تلك الموضوعات الإنسانيّة العميقة التي يشترك البشر كافّة في التّأثّر بها، لأنّها كشفت في وضوح جليّ عن تلك المشاعر، التي تنبعث في نفوس النّاس في كلّ الأماكن في هذا العالم.

يتوخّى الإنسان أن يتروّى في تلك الأحداث التي تحصل في مجرى حياته، فيحاول أن يجد رابطة تجمع بين تلك الوقائع، التي يدأب في أن يسلكها في تلك العلاقة التي تؤلّف بينها، كي تعود عليه من تآلفها الوثيق، المنفعةُ التي يرتجي أن تتحقّق، فيحسب أنّ تلك الوقائع كلّما كانت متآلفة ومتضامّة فيما بينها، سهل عليه أن يستخلص منها المغازي والعبر، التي تزيد حصيلة خبراته في الحياة، بل إنّه يحسب أنّ ذلك التّرابط الحاصل بين تلك الأحداث، لا بدّ من أن يجلب له تلك المنافع الجلّى، التي تنجم عن تحقّق التّرابط والتّماسك بين جماع تلك القدرات والطّاقات، التي يختزنها في نفسه، فيحرص على ألا تتشتّت جهوده، ولا تتبعثر مساعيه، في تصريفه شؤون معيشته، ويحسب أنّ الرّابطة التي تضمّ تلك الوقائع معاً، كلّما ازدادت جلاء وضحةً، كان المعنى الذي يستخلصه من تلك الأحداث التي يمرّ بها، أعمق وأكثر دلالة على تلك المغازي، التي يظنّ أنّ تلك الوقائع ترمي إلى أن تؤكّدها، ويعتقد أنّه أصبح آنئذ يستجلي ببيّنة ظاهرة تلك المقاصد، التي تهدف تلك الأحداث إلى أن تفضي به إلى أن يدركها.

كنت في مساء يوم الخميس 22 نيسان عام 2010، أسير على الرّصيف في أحد شوارع مدينة دمشق، وكان ذلك الرّصيف تتخلّله بعض صفائح البلاط المتكسّر، حيث بدت تلك الأحجار المهشّمة، كأنّها فخّ يُتصيّد به النّاس المارّين على ذلك الرّصيف، فلا غرابة إذاً من أن أتعثّر في سيري فوق تلك الصّفائح المكسّرة، ثمّ أصاب بكسر في قدمي، وقد شُخّصت تلك الإصابة التي تعرّضت لها في قدمي، بكسر في عنق القدم، وقرّر الأطباء أن يجروا لي عمليّة جراحية في قدمي، وفي اليوم التّالي ذهبت إلى مشفى الرّازي في دمشق لأجري تلك العمليّة الجراحيّة، وقد رافقتني والدتي وأحد أقربائيّ في ذهابي إلى ذلك المستشفى، حيث أجريت لي تلك العمليّة الجراحيّة بعيد ظهر يوم الجمعة 23 نيسان في عام 2010، وقد سألني آنذاك الطّبيب فيصل كنعان عن نوع التّخدير، الذي أفضّل أن يستخدمه الأطباء في إجرائهم تلك العمليّة، فاخترت طريقة التّخدير القطنيّ، وقد أجريت العمليّة لي وأنا كنت في كامل وعيي، فلَمْ أنم خلال تلك العمليّة، وكانت طبيبة مختصّة في التّخدير هي التي أجرت عمليّة تخديري في ذلك العمل الجراحيّ.

انهمك الأطباء دائبين في إجراء تلك العمليّة، إذ عمدوا إلى أن يضعوا سيخين اثنين في قدمي، ليصلحوا العظم من ذلك الكسر الذي تعرّضت له، وقد رغبت في أن أتحدّث مع بعض الأطباء والممرّضين الذي كانوا يراقبون وضعي الصّحّيّ في أثناء مجرى تلك العمليّة الجراحيّة، فأخذت في أن أتبادل معهم الحديث، وقد اخترت أن أحدّثهم عن مناسبة الاحتفال باليوم العالميّ للكتاب، حيث يجرى ذلك الاحتفال السّنويّ في يوم 23 نيسان، فصادفت مناسبة ذلك الاحتفال في هذا العام 2010، ذلك اليوم نفسه الذي أجري فيه تلك العمليّة الجراحيّة، وعندما علم الأطباء والممرّضون أنّي كاتب، استغربوا جدّاً حدوث تلك المصادفة، فقلت لهم أنّي قرّرت أن أحتفل باليوم العالميّ للكتاب في هذا المكان في غرفة العمليّات، وقد استغرقت المدّة التي جرت فيها العمليّة قرابة السّاعة وخمس عشرة دقيقة، وقد تحدّثت إليهم في أثناء تلك المدّة عن المشاكل، التي يتعرّض لها الكتاب في الوطن العربيّ، وأخبرتهم بالأزمات التي تصيب عمليّة توزيع الكتب، وأنبأتهم في حديثي عن قلّة أعداد القرّاء العرب، وتحدّثت عن آرائي في تلك الطّرق التي يجب أن تتبّع في معالجة تلك المشاكل التي يتعرّض لها الكتاب، وقد طلبوا منّي أن أقدّم لهم في الأيام التي تلي هذه العمليّة الجراحيّة، الكتب التي نشرتها.

تحدّثت عن شؤون الكتاب وذلك المصير السّيّئ الذي انتهى إليه في الوطن العربيّ، بينما كان الأطباء البارعون منهمكين في متابعة إجراء العمليّة، وتحدثت عن مغزى حدوث تلك المصادفة التي كانت غريبة حقّاً، إذ كان كما ذكرت آنفاً، موعد ذلك الاحتفال باليوم العالميّ للكتاب، في اليوم ذاته الذي أجريت لي فيه العمليّة الجراحيّة، وبعد أن فرغ الأطباء من إجرائهم ذلك العمل الجراحيّ، نقلني الممرّضون إلى غرفتي في المستشفى، حيث كانت والدتي تنتظرني فيها، وقد وضع الأطباء على قدمي جبيرة ظلّت تقيّد حركتي، مدّة قاربت السّتة أسابيع حتّى أزيلت تلك الجبيرة عن قدمي، بعد أن مضت تلك الفترة الزّمنيّة، وفي يوم الخميس 28 حزيران عام 2012، ذهبت إلى مستشفى الرّازي في دمشق، لإجراء عمليّة ثانية، حيث جرى فيها عمليّة نزع السّيخين الاثنين من قدمي، وقد استغرقت هذه العمليّة الثّانية، مدّة قاربت الثّلث ساعة، وقد بنّجني الأطباء في مستهلّ تلك العمليّة، فاستغرقت في النّوم في أثناء إجراء الأطباء تلك العمليّة الجراحيّة الثّانية، وبعد أن فرغوا من إنجازهم تلك العمليّة بنجاح، نقلني الممرّضون إلى غرفتي في المستشفى، حيث كانت والدتي ومعها أيضاً خالي، يترقّبان ذلك الموعد الذي أرجع فيه إليهما.

كانت هذه العمليّة النّاجحة الثّانية التي أجراها لي الطّبيب فيصل كنعان، الذي توفي بعد إجرائه هذه العمليّة في شهر كانون الأوّل في عام 2012، وقد كان طبيباً بارعاً رحمه الله، وهو كان على معرفة وطيدة بوالدي رحمه الله، وهذه التّجربة التي مررت بها، هيّأت لي أن أستخلص منها المعاني العديدة، التي نويت أن أفصّل حديثي عنها في الأيام القادمة، وإن تحدّثت آنفاً عن الاحتفال باليوم العالميّ للكتاب، فقد فرّج عنّي الكتاب كثيراً، تلك الغموم التي حلّت بي في تلك الفترة التي تعرّضت فيها لذلك الكسر في قدمي، فكنت آنس بصحبته إيناساً شديداً، وكانت والدتي شدّت أزري، وأولتني عطفها وحنانها الكبيرين، وساعدتني مساعدة بالغة، وإن كانت تجلّ في عيني يوماً بعد يوم، مقدارُ عظمة تلك الإنسانة الرّائعة، التي ظلّت تساندني دائماً منذ مستهلّ نشأتي وترعرعي في هذه الدّنيا، فإنّها جهدت كثيراً أيضاً في أن تخفّف عنّي كلّ تلك المصاعب، التي تكبّدتها بسبب ذلك الكسر الذي أصبت به في قدمي.

إنّ المهامّ التي توكّل المعهد العالي للموسيقا في دمشق بأن ينفّذها، لم تكن تقتصر على تدريس الطّلاب الذين ينضوون إلى ذلك المعهد، المبادئَ العلميّةَ التي يستند إليها الفنّ الموسيقيّ الجادّ، بل إنّ ذلك المعهد الموسيقيّ دأب أيضاً في أن يتيح للنّاس في مدن وأماكن كثيرة، بأن يتذوّقوا روائع المؤلّفات الفنّيّة الموسيقيّة، وقد حرص الموسيقار صلحي الوادي الذي كان تولّى إدارة هذين المعهدين، على أن ينشئ فرقاً موسيقيّة عديدة هدفت إلى تقديم الأعمال الفنّية الموسيقيّة الجادّة إلى النّاس، الذين اشتدّت رغبتهم في أن يطّلعوا على بدائع ذلك الفنّ الموسيقيّ، واستمرّ جمهور غفير على متابعته تلك الحفلات الفنّيّة، التي كانت تؤدّيها هذه الفرق الموسيقيّة، في المسارح والصّالات التي كانت مهيّأة لأن تقام فيها تلك المناشط الفنّيّة، وكان الموسيقار صلحي الوادي ارتأى ببصيرته النّيّرة، أنّه يجب أن تذهب تلك الفرق الموسيقيّة أيضاً إلى الأماكن كافّة، التي يتواجد فيها أولئك النّاس الرّاغبون في أن يستمعوا إلى الأعمال الموسيقيّة الجادّة، إذ كان الموسيقار صلحي الوادي مقتنعاً بأنّ تلك الحفلات الموسيقيّة، التي تقيمها تلك الفرق الموسيقيّة في تلك المناطق المتعدّدة، التي كانت تقصدها للعزف فيها، ستحثّ أولئك النّاس الذي يحضرون تلك الحفلات، على أن يوثّقوا ارتباطهم بعالم ذلك الفنّ الموسيقيّ الجادّ.

استمرّ العازفون الفنّانون في الفرقة السّيمفونيّة الوطنيّة السّوريّة، وفرقة موسيقا الحجرة على أن يعرّفوا الجمهور دائماً على الأعمال الموسيقيّة البديعة، التي كانت تعزفها هاتان الفرقتان في أماكن شتّى، وكان أناس عديدون دأبوا في أن يدعوا  هاتين الفرقتين الموسيقيّتين، إلى أن تعزفا في تلك الأماكن التي كانوا يتواجدون فيها، وكان الموسيقار صلحي الوادي يجيب تلك الدّعوات التي كانت تتلقّاها هاتان الفرقتان، ويقبل أن يحقّق تلك الرّغبات التي كان أفصح عنها هؤلاء الأشخاص، الذين تاقوا إلى أن يستمعوا إلى المؤلّفات الموسيقيّة الجادّة التي تعزفها هاتان الفرقتان، وكانت فرقة المعهد العالي لموسيقا الحجرة تلقّت دعوة من دار السّعادة للمسنين في دمشق، لتقيم حفلة في يوم الأحد 17 شباط عام 2002، وكانت تلك الدّار قد خصّصت لأن يقيم فيها النّزلاء المسنين، الذين كانت تتوفّر لهم الرّعاية المناسبة لهم في هذه الدّار، ووافق الموسيقار صلحي الوادي على أن يجيب تلك الدّعوة التي تلقّاها من دار السّعادة، لتقديم حفلة موسيقيّة في مقرّ دار السّعادة، حيث قرّر أن تعزف في تلك الحفلة فرقة موسيقا الحجرة التّابعة للمعهد العالي للموسيقا بدمشق.

رأى أعضاء فرقة المعهد العالي لموسيقا الحجرة أنّ نزلاء دار السّعادة للمسنين، جديرون حقّاً بأن تقدّم إليهم هذه الفرقة تلك الحفلة الموسيقيّة، التي يتاح فيها لهؤلاء النّزلاء أن يستمعوا إلى تلك الأعمال الموسيقيّة البديعة، وكان يشقّ على كثير من هؤلاء النّزلاء الذّهاب إلى تلك الأماكن، التي دأبت في أن تقيم فرقة موسيقا الحجرة فيها حفلاتها الموسيقيّة، وقد ذهبت هذه الفرقة الموسيقيّة إلى دار السّعادة للمسنين، حيث قدّمت حفلة إلى أولئك النّزلاء المسنين، الذين سرّوا جدّاً بإصغائهم إلى تلك القطع الموسيقيّة، التي عزفتها هذه الفرقة في مقرّ تلك الدّار التي كان يقيم فيها هؤلاء المسنون، الذين كانوا أفصحوا عن رغبتهم في أن يروا أصحاب المواهب الموسيقيّة، ويستمعوا إلى تلك المقطوعات الموسيقيّة التي أدّتها إليهم فرقة موسيقا الحجرة.

قاد الموسيقار صلحي الوادي فرقة موسيقا الحجرة في هذه الحفلة الموسيقيّة، التي أقبل فيها نزلاء الدّار على الإنصات إلى مؤلفات الموسيقا الجادّة، وبعد أن أنهت تلك الفرقة عزف تلك الأعمال الموسيقّيّة التي تضمّنها برنامج هذه الحفلة، أخذت إحدى الفتيات في تقديم طاقات الورود إلى المايسترو صلحي الوادي، وإلى بعض العازفات والعازفين في هذه الفرقة، ولم تكد تلك الفتاة تمضي على تقديم تلك الورود إلى هؤلاء الموسيقيّين البارعين، حتّى أوعز الموسيقار صلحي الوادي إليها، أن تقدّم طاقة من الورود إلى رجل كان يجلس بين النّاس الحاضرين الذين كانوا يتابعون تلك الحفلة الموسيقيّة، وكان ذلك الشّخص هو أحد نزلاء دار السّعادة، حيث كان يقيم فيها، وقد كان يستمع بانتباه إلى تلك المؤلّفات الموسيقيّة التي عزفتها فرقة موسيقا الحجرة، ويتأمّل بإعجاب في قدرات العازفين البارعين على العزف على آلاتهم الموسيقيّة، واتجّهت تلك الفتاة العازفة التي كانت في ميعة الشّباب، إلى ذلك الرّجل الذي كان يجلس بوقار بين أفراد الجمهور، ولم تكد تقترب منه تلك الفتاة وتقدّم إليه تلك الورود، حتّى تناول منها تلك الطّاقة الجميلة، وقد بلغ تأثّره حدّاً كبيراً، بتلك المبادرة التي صدرت من أعضاء هذه الفرقة الموسيقيّة، فامتلأت نفسه بالحبور والسّعادة، حيث أيقن بأنّ الموسيقار صلحي الوادي والعازفين في هذه الفرقة الموسيقيّة، قد قرّروا أن يخصّوه بذلك التّكريم الذي جرى بطريقة عفويّة، إذ قدّموا إليه تلك الطّاقة من الورود.

كان ذلك الرّجل المسنّ الذي حظي بتلك الحفاوة والتّكريم من أعضاء الفرقة الموسيقيّة، هو المغنّي بهجت الأستاذ الذي اشتهر بلقبه فتى دمشق، وهو كان ابتدأ في الغناء في منتصف سنوات الأربعينيّات من القرن العشرين، وكان أشهر المطربين في ذلك الأوان، وكنت أنا أجلس على مقربة منه في الصّالة التي قدّمت فيها تلك الحفلة الموسيقيّة، وعلى الرّغم من مرور تلك المدّة الطّويلة على تلك الحفلة، فإنّي ما زلت إلى الآن أذكر ذلك المشهد الذي جرى فيه تكريم المغنّي فتى دمشق، ولن أنسى أبداً معالم الحبور الذي انفرجت عنها أساريره، إذ كان ذلك التّصرّف الذي صدر عن أعضاء هذه الفرقة الموسيقيّة، قد أثّر تأثيراً طيّباً في نفس ذلك المطرب، ولا ريب في أنّ أعضاء الفرقة الموسيقيّة، لن ينسوا أيضاً ذلك المشهد، وخاصّة تلك الفتاة الشّابّة التي قدّمت طاقة الورود للمغنّي بهجت الأستاذ، وقد عمد الموسيقار صلحي الوادي إلى أن يهدي المطرب بهجت الأستاذ بعد أن جرت هذه الحفلة، مذياعاً قيّماً كان يحتفظ به منذ زمن بعيد.

إنّ ذلك التّكريم الذي خصّت فرقة موسيقا الحجرة به المطرب بهجت الأستاذ، أكّد تلك المعاني التربويّة الجليلة، التي كان يحرص الموسيقار صلحي الوادي على أن يحقّقها في تلك المساعي، التي أتاها في رعايته أفراد الأجيال النّاشئة من الموسيقيّين، إذ أظهر أهميّة التّحلّي بالإخلاص والوفاء لأولئك الأشخاص الذين تجمعهم بهم وشائج الألفة، سواء أنشأت تلك العلاقات في ميدان المناشط الفنّيّة، أم في سائر مجالات تلك الأنشطة التي يلتقي فيها النّاس مع بعضهم البعض، وقد أيقن المطرب بهجت الأستاذ بأنّ الأشخاص الذين يمتلكون ذاكرة نابهة، ما زالوا يذكرون تلك الأعمال التي أنجزها، وقد رأى أيضاً تلك المساعي التي أتاها أفراد الجيل النّاشئ في محاولتهم أن يتعرّفوا على ذلك النّشاط الموسيقيّ الذي كان يزاوله، وقد كان وفاء الموسيقار صلحي الوادي إلى الأشخاص الذين ربطته بهم وشائج المودّة، يدفعه إلى أن يبادر دائماً إلى أن يستذكر أولئك الأفراد، مهما حاولت ظروف الشّغل أن تباعد فيما بينه وبينهم، فكان يتذكّر أولئك النّاس الذين كان تربطه بهم تلك العلاقات، التي كانت تثير في ذهنه ذكريات تلك المناسبات الماضية، التي كان يلتقي فيها بهم، وهو كان يؤكّد وفاءه لهؤلاء الأفراد، مهما طال ذلك الزّمن الذي كان يباعد بين تلك المناسبات، التي كان يلتقي فيها بهؤلاء الأشخاص الذين نشأت بينه وبينهم وشائج الألفة.

ارتبطت التّصرّفات التي كان يأتيها الإنسان، في أغلب الأحيان، برغبته في أن يدرك تلك الحاجات، التي لم يكن في وسعه أن يتغاضى عنها، فكان يسعى إلى أن يبلغ حاجاته الملحّة، من دون أن يفتر عن المواظبة على دأبه في أن يدرك مآربه، وقد تطرّق مفكّرون ودارسون عديدون، إلى أن يبحثوا في ذلك الفعل الذي يجيئه الإنسان، فوضعوا نظريّات وصاغوا آراء، قصدوا إلى أن يفسّروا بها تلك الأسس، التي تقوم عليها تلك التّصرّفات التي تبدر منه، وأن يوضّحوا أيضاً تلك الدّوافع التي تحثّه إلى أن يأتي تلك المساعي التي تفضي به إلى أن يدرك حاجاته، وقد اتّجه أولئك الباحثون إلى النّظر في طبيعة ذلك الفعل الذي يتصرّف به ذلك الإنسان، إذ حصر الدّارسون في أبحاثهم، جملةً من تلك التّصرّفات الصّادرة عنه، وجهدوا في أن يحيطوها في تعريف يحدّد الأسس التي تستند إليها الأعمال، التي كان يجيئها ذلك الإنسان، وكان التّعريف الذي حدّد به المعجم الوسيط المعنى اللّغوي للفعل عمل، هو التّعريف التّالي: فعل فعلاً عن قصد(1)، وأمّا التّعريف الشّائع في الموسوعات التي اهتمّت بشرح المفاهيم، التي ارتبطت بالأنشطة التي يزاولها النّاس، فحدّد فيه معنى العمل بأنّه ما "يقوم به الشّخص من مجهود إراديّ واعي، وهو ما يستهدف منه الإنسان إنتاج تلك السّلع والخدمات لإشباع الحاجات التي تخصّه"(2)، وقد عيّن معنى عبارة المجهود الإراديّ الواعي الذي يبذله الإنسان بذلك "المجهود الحركيّ أو ما يسمّى الطّاقة والجهد الذي يبذله الإنسان من أجل تحصيل أو إنتاج ما يؤدّي إلى إشباع حاجة معيّنة"(3)، فتحدّدت تلك العناصر التي يتحلّل إليها قوام ذلك العمل الذي يأتيه الإنسان، بذلك الوعي الذي يحيط بتلك الحاجة التي تظهر عند الإنسان، وعيّن عنصر آخر مندرج في قوام ذلك العمل، بذلك الجهد الذي يبذله الإنسان ليتهيّأ له أن يصل إلى ذلك الهدف، الذي كان ذلك الإنسان في البدء قصد إلى أن يدركه، وقد أوضح أيضاً ذلك التّعريف الذي حدّد به مفهوم العمل، تلك النّتيجة التي هدّف الإنسان إلى أن يحقّقها بذلك التّصرّف الذي أتاه.

عمدت فئة من المفكّرين إلى أن تدرج في التّعريف الذي وضعته لمفهوم العمل، فكرة تلك الغاية التي يهدف إلى أن يدركها ذلك الإنسان بتلك التّصرّفات التي كان يأتيها، فرأى هؤلاء المفكّرون أنّ "ركني العمل الأساسيّين هما النّشاط والإنتاج، فالنّشاط هو لبُّ العمل سواء أكان نشاطاً جسديّاً أو ذهنيّاً"(4)، ويتّضح في ذلك التّعريف الذي اعتمده بعض المفكّرين، أنّهم أطلقوا كلمة الإنتاج على ذلك الرّكن الثّاني الذي يقوم عليه العمل الذي يأتيه الإنسان، ورأى هؤلاء المفكّرون أيضاً أنّ ذلك الإنتاج، يتهيّأ له أن يتّخذ أحد شكلين اثنين، إذ قد يكون "إنتاجاً مادّيّاً كصناعة شيء ما.... أو معنويّاً كالوظائف الكتابيّة..."(5)، وعنى الباحثون الذين جهدوا في أن يعرّفوا مفهوم العمل، بأن يزيدوا في توضيح ذلك الرّكن الثّاني وهو الإنّتاج الذي يحدّد ذلك المظهر الذي تبدو فيه، تلك الوجهةَ المقصودة التي يسعى عمل الإنسان إلى أن يبلغها، فإن كان يظهر ذلك الإنتاج في أحد شكلين اثنين كما ذكرت آنفاً، فإنّه حينئذ "يمكن أن يكون سلعة، كما أنّه قد يكون خدمة"(6)، وقد بحث الفلاسفة والمفكّرون في شأن ذلك الاختلاف بين هذين المظهرين، اللذين يتجلّى في أحدهما، شكلُ ذاك النّتاج الذي يأتي به عمل الإنسان، فصاغ أولئك المفكّرون الآراء والأفكار التي بيّنوا فيها طبيعة ذلك الاختلاف بين هذين المظهرين، وإن تبدّى في ذلك التّعريف الذي وضع لمفهوم العمل، الرّكنان اللذان كان يقوم عليهما العمل، وهما الجهد المبذول، والنّتيجة التي تنجم عن ذلك العمل الذي يجيئه الإنسان، فإنّ المفكّرين الذين انضووا إلى المذاهب الفكريّة المتنوّعة، ما لبثوا أن اهتمّوا أيضاً بدراسة تلك العلاقة التي تجمع بين ذلك الجهد الذي يبذله الإنسان، والنّتيجة التي يحقّقها ذلك العمل المنجز.

تعدّدت تلك التّعاريف التي وضعت لتوضيح مفهوم العمل، فكان كلّ مفكّر يسعى إلى أن يضع ذلك التّعريف، الذي يجلو به كنه ذلك العمل الذي دأب في أن يجئيه الإنسان، وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن يعتبر العمل هو "مجموعة محدّدة من الواجبات والمسؤوليّات، يلزم للقيام بها توافر اشتراطات معيّنة من شاغلها، تتّفق مع نوعها وأهمّيّتها وتسمح بتحقيق الهدف من إيجادها"(7)، وقد أظهر أحد التّعاريف التي وضعت لتوضيح مفهوم العمل، النّفوذ الذي يمتلكه المجتمع في إثارة الدّافع عند الإنسان إلى أن يأتي ذلك العمل، الذي يهدف به إلى إدراك غاية محدّدة، حيث اعتبر العمل هو "فاعليّة جسميّة أو عقليّة يقتضيها المجتمع من الفرد أو يفرضها الفرد على نفسه لغرض معيّن"(8)، وكان تعريف آخر وضع لتبيان مفهوم العمل، قصد فيه إلى إبراز فكرة ذلك الجهد الذي يبذله الإنسان، من دون أن يغفل سائر العناصر التي تشكّل قوام العمل الذي عدّ "كلّ نشاط إنسانيّ يهدف إلى إنتاج ويقضي بذل قدر من الجهد العضليّ أو الذّهنيّ أو العصبيّ..."(9)، ومن يدقّق في تلك التّعاريف الصّادرة عن مدارس ومذاهب فكريّة مختلفة، لم يكن يلحظ اختلافاً ظاهراً بينها، إذ تكاد لا تختلف فيما بينها في تحديد مفهوم العمل، وهذا الاتّفاق الحاصل بين تلك المذاهب على تعريف مفهوم العمل، يفسّر ذلك التّشابه النّاشئ بين تلك التّعاريف التي وضعت لتفسير مفهوم العمل، بيد أنّ لا تلبث أن تظهر شقة الخلاف بين تلك المذاهب الفكريّة، حينما يأخذ الفلاسفة والباحثون في أن ينظروا في شأن العلاقة، التي تنشأ بين العناصر التي يتحلّل إليها قوام ذلك العمل الذي يأتيه ذلك الإنسان، إذ كانوا كثيراً ما يتنابذون مختلفين في تحديدهم تلك العلاقة التي كانت تنشأ بين الجهد الذي يبذله الإنسان، وذاك النّتاج الذي يحقّقه.

إنّ تلك التّعاريف التي وضعت لتوضيح مفهوم العمل، قد تفسّر تلك الأسس التي يستند إليه ذلك النّشاط الذي يزاوله الكاتب، بيد أنّها لا تفي تلك التّعاريف بإزالة الغموض، الذي يشوب تلك الصّورة التي تبدو فيها مهنة الكتابة الأدبيّة، في أذهان بعض النّاس، الذين قد تظلّ طبيعة ذلك النّشاط الذي يزاوله الكاتب تلتبس عليهم، لكن هذه التّعاريف التي وضّحت شأن ذلك العمل الذي يأتيه الإنسان، لا بدّ من أن يستحضرها من يقصد إلى أن يتبيّن طبيعة ذلك النّشاط الذي يمارسه الكاتب، وإن كان يجب ألّا يغيب عن النّاس طبيعة ذلك النّتاج، الذي تتمخّض به تلك العمليّة الإبداعيّة الفنّيّة التي ينجزها الكاتب، فلأنّ ذلك النّتاج الأدبيّ المنجز، يختلف عن بقيّة تلك المنتوجات التي تأتي بها سائر الأنشطة التي يزاولها النّاس، وذلك الاختلاف بين هذين النّوعين من ذلك النّتاج، الذي ينجم عن الأعمال التي يجيئها النّاس، يبيّن تلك الخصائص الأساسيّة، التي تميّز النّتاج الفنّيّ عن بقيّة المنتوجات التي ينجزها الأقوام، وإن كنت لم أعمد إلى أن أتوسّع في تحديد سمات ذلك الاختلاف، بين هذين النّوعين من نتائج تلك الأفعال التي يأتيها النّاس، فلأنّي اجتزأت حاليّاً بأن استعرضت التّعاريف التي وضّحت مفهوم العمل، وإن كانت توجد مفاهيم أخرى، تقتضي على من يبحث في تلك الأنشطة التي يزاولها النّاس، أن يحيط بها علماً، وهي مفاهيم المهنة والحرفة والوظيفة، وسواء أكانت تلك المفاهيم التي ذكرتها آنفاً، ترتبط بذاك النّشاط الذي يزاوله الكاتب، أم كانت لا تمّت بصلة بطبيعة ذلك النشاط الأدبيّ، فإنّ الأبحاث التي يجريها الدّارسون في تبيانهم طبيعة تلك الأنشطة التي يزاولها النّاس، ستسهم في توضيح الخصائص الذي يتّصف بها ذلك العمل، الذي يأتيه الكاتب في إنجازه مؤلّفاته الأدبيّة.

1- المعجم الوسيط _ مجمع اللّغة العربيّة في القاهرة.

2- ويكيبيديا الموسوعة الحرّة.

3- المصدر السّابق.

4_ موقع المركز الأكاديميّ لتجميع الدّراسات والبحوث العلميّة.

5- المصدر السّابق.

6- ويكيبيديا الموسوعة الحرّة.

7- موقع المركز الأكاديميّ لتجميع الدّراسات والبحوث العلميّة.

8- نوربير سلامي _ المعجم الموسوعيّ في علم النفس _ وزارة الثّقافة _ دمشق 2000 _ ص 1856.

9- موسوعة السّياسة.

يزاول الفنّان المبدع نشاطه الفنّيّ الخلّاق جاهداً في أن يراعي تلك المبادئ، التي تنصّ عليها سنن الفنّ، فلا يتهاون مطلقاً بتطبيقه تلك القواعد الفنّيّة، التي تتأصّل فيها الأسس التي تنهض عليها روائع الأعمال الفنّيّة، التي طالما كان النّاس يسعون إلى أن يتمتّعوا باطّلاعهم عليها، وإذا دأب الفنّان في أن ينذر على نفسه أن يواظب على تطبيق تلك المبادئ الفنّيّة، فهو يحقّق للنّاس حينئذ ذلك النّفع العميم، الذي ما برحوا يحاولون أن يدركوه في تذوّقهم تلك الرّوائع الفنّيّة، التي يبدعها ذلك الفنّان، الذي كلّما أدرك رغبة أولئك النّاس في الوقوف على تلك الأعمال الفنّيّة البديعة التي ينتجها، يعي حينئذ عظم تلك المهمّة التي نهض إلى أن ينجزها، فتزداد عزيمته شدّة على أن يحرص على ابتكار تلك الأعمال الفنّيّة، التي تمتع أولئك النّاس، الذين ما برحوا يتشوّقون إلى تلقّي تلك المبتكرات التي يبدعها الفنّانون الأفذاذ.

يحتشد الفنّان في سعيه إلى أن يسعد أولئك الأفراد، الذين يقبلون على الاطّلاع على تلك الأعمال الفنّيّة التي ابتكرها، فيأخذ بمزاولة نشاطه الفنّيّ الإبداعيّ موفور الهمّة، وقوّي العزيمة على أن يحقّق القيم الفنّيّة الرّفيعة في تلك الأعمال التي ينتجها، فيكرّس الفنّان نفسه على الوفاء بتحقيق تلك المبادئ الفنّيّة المثلى، التي تستند إليها الأعمال التي ينجزها، وتمتلئ نفس الفنّان بمحبّة هؤلاء النّاس الذين يقدّم إليهم نتاجه الفنّيّ الذي أبدعه، إذ يخصّهم بثمرة تلك الجهود الكبيرة التي بذلها في تحقيقه عمله الفنّيّ، الذي يقبل هؤلاء النّاس على أن يتذوّقوه، فتثبت عاطفة ذلك الودّ راسخة في نفسه، وإن كان يعبّر عن إحساسه بتلك المحبّة في أبهى صور التعبير، الذي يتّخذ صيغة تلك الأعمال الفنّيّة التي ينتجها، لكنه لم يكن يقتصر على الإفصاح عن تلك العاطفة، بتلك الأعمال الفنّيّة، التي كان يتوسّل بها إلى أن يؤكّد استمراره على أن يخلص المودّة للنّاس كافّة، الذين كانت العلاقاتُ التي تنشأ بينه وبينهم في مجرى الحياة، التي تقع أحداثها في منأى عن ميدان النّشاط الفنّيّ، تؤكّدُ اندفاعه أيضاً في محبّته هؤلاء النّاس، وسواء أكان الفنّان قد باشر التقاءه معهم في مجرى المعاملات الشّخصيّة التي تجمع فيما بينهم، أم قدّم إليهم تلك الأعمال الفنّيّة التي ابتكرها، فكان في كلا الحالين يعمد إلى أن يفصح عن تلك العاطفة، التي كان يتأصّل فيها ميله إلى أن يخلص المحبّة لهؤلاء النّاس جميعهم.

إنّ هذين النّهجين من طرائق التّعبير الذي كان الفنّان يعتمده للإفصاح عن مشاعره، كانا يتجلّيان ظاهرين في تلك العلاقات التي كانت تجمع بين الموسيقار صلحي الوادي وسائر النّاس، فإنّي أذكر أنّي استمعت قبل خمس وثلاثين سنة إلى برنامج إذاعيّ، بثّته محطّة إذاعة دمشق، وكان الوقت الذي استمعت فيه إلى ذلك البرنامج، يقارب السّاعة الواحدة والنّصف بعيد الظّهر، بينما كان اليوم الذي انبثّ فيه ذلك البرنامج هو يوم الجمعة، إذ قدّمت إذاعة دمشق آنذاك برنامجاً غلب عليه الطّابع الفنّيّ والثقافيّ، وقد شارك في ذلك البرنامج الإذاعيّ، الموسيقار صلحي الوادي، وعلى الرّغم من مضيّ تلك المدّة الطّويلة على ذلك الوقت الذي أذيع فيه ذلك البرنامج، فإنّي ما زلت أذكر جيّداً ذلك الحديث الذي جرى بين الموسيقار صلحي الوادي، والمذيع الذي حاوره، إذ تطرّق الموسيقار صلحي الوادي إلى الحديث عن موضوعات ترتبط بالفنّ الموسيقيّ الجادّ، فأكّد في حديثه الذي ذكره في ذاك البرنامج، أن يجب أن يحظى ذلك الفنّ الموسيقيّ بالرّعاية اللّائقة بذاك النّشاط الفنّيّ الرّفيع، وقد أفصح الموسيقار صلحي الوادي عن تلك الهواجس التي كانت تخطر في باله، وأوضح أيضاً ذلك النّهج الذي يجب أن يتّبع لتحقيق النّهوض بذاك الفنّ الموسيقيّ الجادّ.

لم يكد ذلك البرنامج الإذاعيّ يشارف على الانتهاء، حتّى أتاح المذيعُ للموسيقار صلحي الوادي فرصة الحديث عن الموضوع، الذي يرتئي أن يتكلّم عنه في خاتمة ذلك اللّقاء الإذاعيّ، واللّحظات التي تحلّ في ختام كلّ البرامج الحواريّة، تتّسم بأهميّة بالغة، إذ يتوجّب أن يُستغلّ ذلك الوقت لتأكيد تلك الأفكار التي ذكرت خلال تلك اللّقاءات، ويعتبر ذلك القول الذي يذكر في ذلك الأوان من خاتمة البرنامج، هو زبدة الكلام ومسك الختام، وأمّا ذلك الحديث الذي أراد أن يختم به الموسيقار صلحي الوادي ذاك البرنامج، فقد تضمّن عبارات أفصح فيها عن ندائه إلى ضرورة تهيئة الرّعاية الصّحّيّة الموفورة المناسبة لعازف آلة البزق محمّد عبد الكريم، إذ كان طريح الفراش يعاني وطأة المرض الذي حلّ به في ذلك الأوان الذي بثّ فيه ذلك البرنامج الإذاعيّ، وقد ألحّ الموسيقار صلحي الوادي كثيراً، على الدّعوة إلى أن يُعتنى به، حيث كان يكابد ذلك الوضع الصّحّيّ القاسي، ولا أدري إن كانت إذاعة دمشق ما زالت محتفظة حتّى الآن بذلك البرنامج الإذاعيّ، الذي جرى فيه ذلك اللّقاء مع الموسيقار صلحي الوادي، الذي كان بعض الأشخاص يتّهمونه زوراً وبهتاناً بأنّه يتحامل على الموسيقيّين الذين يعملون في مجال الموسيقا الشّرقيّة والعربيّة، التي لا تنضوي إلى ميدان الموسيقا الجادّة، وقد كنت فنّدت تلك التّهم الباطلة في مؤلّفاتي التي نشرتها في الفترة الماضية، فلَمْ يكد الموسيقار صلحي الوادي يحظى في ذلك البرنامج الإذاعيّ، بتلك الفرصة النّادرة التي يتيسّر له فيها أن يتحدّث فيها عن شؤون الموسيقا الجادّة، حتّى آثر أن يعبّر عن إخلاصه المودّة لعازف آلة البزق محمّد عبد الكريم الذي كان يلقّب بأمير البزق.

يعرف ناس كثيرون جيّداً العديد من تلك المبادرات الإنسانيّة، التي كانت تصدر عن الموسيقار صلحي الوادي، في كلّ أحوال تلك المناسبات المتنوّعة التي كان يمرّ بها، حتّى أنّ الإنسان ليس في حاجة إلى أن يستزيد في أن يذكر الدّلائل على اتّصاف شخصيّة الموسيقار صلحي الوادي، بخصلة الوفاء بعهد المودة للنّاس كلّهم، إلّا أنّ وقائع ذلك البرنامج الإذاعيّ الذي أُجري فيه اللّقاء مع الموسيقار صلحي الوادي، تميّزت عن سائر تلك الأحداث التي كان يمرّ بها، حيث تجلّى بوضوح في ذلك اللّقاء الإذاعيّ، التّطابق بين تلك الأهداف، التي كان يسعى إلى أن يدركها في اتّباعه سبل الأنشطة المتعددة التي كان يزاولها، والسّياق الذي جرى فيه الحوار مع الموسيقار صلحي الوادي، أكّد حصول ذلك التّطابق بين تلك الأهداف التي كان يسعى إلى أن يدركها، مهما تنوّعت تلك السّبل التي كان يتبّعها للوصول إلى تلك الأغراض، فقد بدأ حديثه في ذلك البرنامج الإذاعيّ عن نشاطه الفنّيّ الموسيقيّ الجادّ، الذي ثبت في فحوى ذلك الكلام الذي أورده في ذلك الحديث، أنه دأب في أن يمحض النّاس جميعهم محبّته الصّادقة، ثمّ عندما انتقل في خاتمة ذلك اللّقاء الإذاعيّ إلى أن يتحدّث عن عازف البزق محمّد عبد الكريم، فإن مضمون ذلك الكلام الذي أورده الموسيقار صلحي الوادي في ختام هذا الحوار، لم يتجافَ عن فحوى حديثه عن نشاطه الفنّيّ الموسيقيّ، إذ أكّد أيضاً في الحديث الذي أورده في خاتمة هذا البرنامج، عن إخلاصه المودّة للنّاس كلّهم، وإن كان ذلك الظّرف الذي عبّر فيه عن ذاك الإخلاص، اقتضى أن يقتصر في كلامه على الحديث عن عازف البزق محمّد عبد الكريم، الذي كان يعاني اشتداد وطأة المرض عليه، فسواء أواظب الموسيقار صلحي الوادي على أن يبدع المؤلّفات الموسيقيّة الجادّة، أم كان يتعامل مع النّاس في تلك العلاقات التي كانت تنشأ بينه وبينهم، فإنّ الموسيقار صلحي الوادي في كلا الحالين كان يهدف إلى أن يؤكّد إخلاصه المحبّة لكلّ النّاس.

يميل النّاس إلى أن يتردّدوا إلى تلك الأمكنة، التي ما تبرح تنطبع صور معالمها البهيّة في أخيلتهم، ويمعن أولئك الأقوام في تأكيد ارتباطهم بتلك الأمكنة، كلّما تواردت إلى أذهانهم مخايل تلك العراقة التي تتأصّل فيها تلك الأمكنة، وقد كان أشخاص كثيرون فتنتهم مظاهر تلك الأصالة، التي ضربت بجذورها في أرجاء مدينة دمشق، التي وطّدت الرّسامة التّشكيليّة خالصة هلال ارتباطها بها، بأشدّ العلائق متانة، وكان يشتدّ على الدّوام ولعها بحاراتها المتشعّبة وعمائرها المتضامّة وسوابلها الممتدّة، التي أخذت تظهر ملامحها في تلك اللّوحات البديعة التي رسمتها، ومن يتأمّل في تلك الأعمال الفنّيّة التي أنجزتها، يتبيّن فيها معالم من تلك المدينة، لم يكن يتيسّر أن تلحظها بسهولة أعين المارّين على طرقات تلك المدينة، فكان النّاظر إلى تلك اللّوحات، يفتن بمعالم تلك الحارات والعمائر، التي تأمّلتها الرّسّامة خالصة هلال، بنظرها الثّاقب، وببصيرتها النّيّرة، فكان أولئك النّظارة يتبيّنون في لوحاتها، كلّ تلك المظاهر التي كان يصعب عليهم أن يهتدوا إلى رؤيتها، بينما كانوا يسيرون في أرجاء مدينة دمشق، وإذا كانت اللّوحات التي رسمت فيها معالم هذه المدينة، قد اشتملت على المعاني العميقة، فلأنّها كانت تدأب في أن تستحضر في هذه الأعمال الفنّيّة أيضاً، تلك الشّواهد على الأصالة الثّابتة، التي طالما كانت تعزا إلى مدينة دمشق.

استغرقت الفنّانة خالصة هلال في أن تتأمّل في معالم مدينة دمشق، التي كانت تستدعي في ذاكرتها أيضاً تلك الأمجاد، التي اكتنز بها تاريخ هذه المدينة، فكانت تقصد أحياء المدينة، التي كانت تسير في سوابلها، وهي ترنو إلى مناظر العمائر والدّروب التي تتفرّع بينها، من دون أن تغيب عن ذاكرتها النّابهة معالم تلك المدينة؛ وكان من ينظر إلى تلك اللّوحات التي رسمتها، يتبيّن تلك المعاني العميقة، التي تمتلئ بها لوحاتها، فيمضي في سعيه إلى أن يستجلي ذلك التّكوين البديع، الذي كانت تصوغ فيه عناصر اللّوحة، حتّى أنّ ذلك النّاظر يشعر بأنّه يذهل عمّا يحيط به من أحداث الحياة الجارية، بينما يكون ماضياً في توغّله في أجواء تلك اللّوحة التي يشاهدها، وحالة ذلك التّذوّق الفنّيّ، الذي يخبره ذلك النّاظر إلى تلك اللّوحات، تكشف عن متانة تلك الرّوابط التي أنشأتها لوحات الفنّانة خالصة هلال، بين النّاس وتلك المعالم الظّاهرة في أعمالها الفنّيّة، التي هيّأت لمن ينظر إلى المشاهد التي تلوح فيها، أن يوثّق عرى الرّوابط بينه وبين تلك الأجواء الأخّاذة، التي تشتمل عليها أحياء هذه المدينة، التي كانت ترسم معالمها الفنّانة خالصة هلال، ولا يتمكّن النّاظر إلى لوحاتها، من أن يحيط ببهاء ذلك التّناسق، الذي يجمع بين عناصر العمل الفنّيّ، الذي كان يتأمّله، إذا لم يستجلِ تلك المرامي القصيّة، التي أفصحت عنها الفنّانة خالصة هلال في أعمالها الفنّيّة، التي لأمت فيها بين الأفكار العميقة ونصاعة تلك الأشكال الظّاهرة في لوحاتها الفنّيّة.

دأبت الفنّانة خالصة هلال في أن تستطلع في تلك الأماكن التي عهدَتْها، طابعَ تلك الأصالة التي كان يواريها ركام تلك الأحداث، التي ينشغل بها النّاس الذين كانوا يعيشون في تلك الأمكنة، فكانت الفنّانة خالصة هلال كثيراً ما تتبصّر في تلك المشاهد، التي طالعتها بها معالم تلك الأمكنة التي عاشت فيها، فهي ولدت ونشأت مترعرعة في مدينة حلب، التي فتنت بجمال مبانيها، التي ما برحت تغشاها ملامح البهاء، مذ قامت تلك المغاني العامرة إبّان العصور الغابرة، فإذا كانت بدأت في أن تفتتن بعراقة العمران، إذ اغترقت نظرها معالم مدينة حلب، إلّا أنّها أردفت بشغفها بتلك المدينة، ولعَها بمدينة ثانية أخرى، حيث لم تكتف الفنّانة خالصة هلال بأن تستغرق في محبّة مدينة واحدة، فكانت تلك المدينة الثّانية هي دمشق، التي خصّتها الرّسّامة خالصة هلال، بإنجازها عدداً من اللّوحات الفنّيّة التّشكيليّة، التي أظهرت فيها ملامح تلك الأصالة التي عمّت أرجاء تلك المدينة، التي افتتنت الرّسّامة خالصة هلال بمعالم العراقة الرّاسخة في ربوعها، فلا عجب من أن تحرص على أن تدعو إلى الحفاظ على ذلك الطّابع الأخّاذ الأصيل، الذي يغلب على مظهر تلك المدينة، ولم تتوان في أن تظهر في لوحاتها، تلك الموضوعات التي ارتبطت بالأحداث التي جرت في هذه المدينة، التي كانت تحرص على أن تردّ عنها عوادي الدّهر، فخشيت من أن تتبدّل حال تلك المدينة، التي رأت أنّها قد بدأت تدهمها الأخطار، إذ جهدت الفنّانة خالصة هلال في أن تفصح عن ولعها بتلك المدينة، التي كانت تحرص على أن تحذّر النّاس من استشراء تلك الأخطار، التي تهدّد بالنّيل من مظاهر الأصالة الثّابتة في عمران هذه المدينة.

لم تعمد الرّسّامة خالصة هلال إلى أن تواري شعورها بالقلق على مصير ذلك الطّابع الأصيل، الذي كانت تتّسم به معالم مدينة دمشق، وقد ذُكر في سياق حوار أُجري معها، تعليقٌ ورد فيه تلميح إلى تلك الحال، التي ظهرت فيها معالم دمشق القديمة في تلك اللّوحات التي رسمتها الفنّانة خالصة هلال، وكانت صيغة ذلك التّعليق تضمّنت العبارات التّالية: "...كانت في لوحاتك، دمشق القديمة تجلّت بكثرة وهي تئن وتنهار"(1)،  وقد ردّت الفنّانة التّشكيليّة خالصة هلال على فحوى ذلك التّعليق، إذ قالت: "نعم، بيني وبين الشّام عشق أزليّ.. وبين الواقع الحاليّ والتّراث القديم هناك مسافة كبيرة، وقد كان عشقي لها ولأخلاقها وعاداتها.. وفعلاً، كما لاحظت، هي في أعمالي بحالة حزن وانهيار لأنّني حزينة على العادات الجميلة التي ميّزت الشّام، وحاراتها التي امتدّت مخزوناً عميقاً عندي منذ كان الفنّان ناظم الجعفريّ يأخذنا إلى دمشق القديمة كلّ يوم ثلاثاء لنستمدّ روح الفنّ الأزليّ منها"(2)، وإن أدركت الفنّانة خالصة هلال طابع الأصالة التي تمّيز معالم مدينة دمشق، فهي وعت أيضاً تلك المآثر والمفاخر التي اشتمل عليها تاريخ مدينة دمشق، وقد دأبت في أن تجلو في لوحاتها معالم هذه المدينة التي يتأصّل فيها طابع تلك المفاخر، التي كانت تجاهر بالاعتزاز بها الفنّانة خالصة هلال، التي إن نبّهت إلى الخطر الدّاهم الذي يتهدّد معالم تلك المدينة، فلتحفز النّاس إلى أن يحبطوا تلك المساعي التي تبذل للنّيل من طابع الأصالة، التي تتّسم به تلك المدينة، التي ظلّت توطّد دائماً ارتباطها بها، فإن سكنت الفنّانة خالصة هلال مقيمة بظلّ بمدينة دمشق، التي شغفت بها، فإنّها لم تفتر عن أن ترسم معالم تلك المدينة، حيث هدفت إلى أن تظهر في لوحاتها، ملامح تلك المدينة التي لم تغب مظاهرها عن خيالها الواسع، وقصدت إلى أن تكشف عن معالمها التي ملأت عينها جمالاً وحسناً، فغدت اللّوحات الفنّيّة التي رسمتها، بدائع فنّيّة جميلة، ودليلاً ثابتاً في الوقت ذاته على وثاقة تعلّق الفنّانة خالصة هلال بمدينة دمشق.

(1)_ جريدة تشرين، العدد 6966، ص 7، تاريخ 22/ 11/ 1997.

(2)_ المصدر السّابق.

اختلط مفهوما الثّقافة والعلم في أذهان عدد كبير من النّاس في الوطن العربيّ، حتّى أنّهم أخذوا يطابقون بينهما، فظنّوا أنّ الإنسان الذي نال حظّاً من التّحصيل العلميّ، في تدرّجه في المراحل الدّراسيّة في المدارس والجامعات، لا بدّ من أن يكون إنساناً مثقّفاً، وقد يتمادى أولئك النّاس في عسفهم في تقدير المرتبة، التي يحلّ بها ذلك الإنسان المتعلّم، فيقيسون المقدار الذي يرتفع به في ارتقائه في مراتب الثّقافة، بحسب مبلغ ذلك التّحصيل العلميّ الذي يحقّقه، علماً بأنّه لا توجد علاقة بتاتاً بين هذين الأمرين اللذين يربط بينهما أولئك النّاس، فالعلم هو أحد أدوات المعرفة، بينما عرّف إدوارد تايلور الثّقافة بأنّها "المجموع الكلّيّ المعقّد الذي يشتمل على الأخلاق والفنون، والمعارف والمعتقدات والقوانين والفلسفة والأديان، وكلّ ما يكتسبه الإنسان من العادات والتّقاليد، والطّباع التي تظهر في المجتمع الذي يعيش فيه"، وقد أحصى علماء الأنثربولوجيا "علم الإنسان" عدد التّعاريف التي أوضحت مفهوم الثّقافة، فذكروا أنّ عددها يزيد على المائة والخمسين تعريفاً، وبعض العلماء اعتقد أنّ عدد تلك التّعاريف، يزيد زيادة كبيرة عن ذلك العدد الذي ذكرته آنفاً.

دأبت في أن أعمد في أحايين كثيرة إلى أن أتبيّن تلك العوامل، التي تؤثّر في إيجاد التّباين بين النّاس في استيعابههم التّواؤم والاتّفاق، اللذين يتطلّب أن يحقّقهما كلّ منهم بين التّصرفات التي تبدر منه، وتلك القواعد التي ينبنى عليها المجتمع الذي يعيش فيه، وكان التّفاوت بين هؤلاء النّاس في تمكّنهم من إدراك تلك الحاجات التي تلوح في مجتمعهم، يفسّر دواعي ذلك الاختلاف بين تلك التّصرّفات، التي يعالجون بها تلك المسائل التي تبرز في ذلك المجتمع، وقد كنت أحرص على أن أبحث في ذلك التّباين في الأفعال، التي يأتيها النّاس، وخصوصاً في تلك الحالة التي يعالجون فيها المشاكل والأزمات، التي كانت تعترض حياتهم في ذلك المجتمع العربي الذي ينضوون إليه، ثمّ كنت أعكف على دراسة آراء أولئك الأشخاص، الذين كانوا يحاولون أن يوجدوا حلولاً ملائمة لتلك الأزمات التي ينظرون فيها، وقد اخترت في إحدى تلك المرّات التي أجريت فيها هذا البحث، مجموعةً من النّاس، الذين وزّعتهم في فئتين اثنتين، حيث كانت المجموعة الأولى تضمّ الأشخاص، الذين حصلوا على شهادات عليا في دراساتهم الجامعيّة، بينما كانت الفئة الثّانية تشتمل على أشخاص أمّيّين، أي أنّهم لم يكونوا يعرفون القراءة ولا الكتابة، وكنت أجهد في أن أنعم النّظر في تلك الآراء التي يدلي بها هؤلاء الأفراد، الذين يتصدّون لحلّ تلك المشاكل التي تعترض مجرى حياة النّاس في المجتمع، وقد استمررت على أن أحاول أن أجمع كلّما تيسّر لي الظّرف المناسب، الآراء التي كان يجهر بها أفراد هاتين الفئتين، حينما يعلّقون على المشاكل والقضايا ذاتها، التي كانت تسترعي أنظار أولئك الأشخاص، الذين انضووا إلى هاتين الفئتين اللتين اشتملهما ذلك البحث الذي أجريته.

أكّدت النّتيجة التي أفضى إليها بحثي في أجوبة هؤلاء الأشخاص، الذين كانوا يصرّحون بآرائهم، أنّ أجوبة عدد من الأشخاص الأمّيّين، كانت تتّصف بالسّداد والصّواب اللذين، لم تكن تتّسم بهما تلك الآراء التي أدلى بها عدد من الأشخاص المتعلّمين، فتمكّن هؤلاء الأفراد الأمّيّون من أن يوجدوا حلولاً ملائمة للمشاكل التي كانوا يتدبّرون عواقبها، بينما عجز عدد من المتعلّمين من أن يجاروا أولئك الأمّيّين، في إيجاد تلك الحلول المناسبة لتلك الأزمات نفسها، التي نظر فيها كلّ من أولئك الأفراد الذين انضووا إلى هاتين الفئتين، وقد عُرّفت أيضاً الثّقافة في أحد التّعاريف العديدة، التي ذكرت في الأبحاث والدّراسات التي جرت في ميدان علم الاجتماع، بأنّها مظاهر تلك القيم والمثل الأخلاقيّة، وهي ميراث اجتماعيّ يشارك فيه كلّ الأشخاص والجماعات، الذين يحرصون على الامتثال للأعراف والتّقاليد والعادات والمعتقدات التي تظهر في المجتمع، فالثّقافة بحسب هذا التّعريف الذي أوردته آنفاً، ترتبط بالسّلوك الذي يعتمده الإنسان، من دون أن تتحدّد بالتّحصيل العلميّ الذي يتمكّن من أن يحقّقه، فإذا كان يجب على المثقّف أن يدرك تلك الحاجات الضّروريّة، التي تظهر في المجتمع، ويحيط بالمسائل التي تبرز فيه، كي يتّخذ السّلوك الذي يهيّئ له أن يؤثّر تأثيراً فعّالاً، في تناوله تلك القضايا التي تبرز في مجتمعه، فإنّ قدرة المثّقف على النّجاح في أن يؤدّي تلك المهامّ الاجتماعيّة، لا ترتبط بالمستوى الذي يصل إليه في تحصيله العلميّ، علماً بأن الشّوائب التي تشوب مناهج التّعليم في الوطن العربيّ، تجعل الإنسان في تلك البلاد العربيّة، يفتقد تلك الخاصيّة العلميّة التي كان يفترض أن تتّسم بها شخصيّته، فإذا استطاع الإنسان الأمّيّ أن يدرك تلك الحاجات التي تبرز في المجتمع، ويحيط بتلك المعتقدات والمبادئ التي يستنّ بها الأفراد في تصرفاتهم التي يجيئونها، فلا يحقّ لأحد من النّاس أن يجرّده عندئذ من تلك السّمة الثّقافيّة، التي تتميّز بها شخصيّته، ولا يجوز أيضاً أن يتطاول أحد من أولئك المتعلّمين، على هؤلاء الأمّيّين، ولا يستهينوا بقدراتهم على النّجاح في معالجة تلك القضايا التي تظهر في المجتمع.

دأب الإنسان في أن يشدّد دائماً عزيمته على مجابهة تلك المخاطر التي تتهدّده، فلَمْ يكن يستكين لتلك المشاكل التي كانت تهدف إلى أن تكدّر عيشه، ولم يكن يختلف شأن ذلك الإنسان، حينما يتبيّن تلك الأعراض المرضيّة التي تحلّ به، فكان يسعى إلى أن يستشفي من علّته، من دون أن تفتر همّته بمجابهة ذلك المرض الذي يدهمه، وكان والدي ينوّه دائماً بفعاليّة تأثير المعنويات العالية، التي يجب أن يتحلّى بها المريض، في مجابهته ذلك الدّاء الذي يصيبه، وقد سألت والدي ذات يوم، عن أمر ما برح يخطر ببالي، إذ كنت أفكّر في ذلك التّنافس الجاري بين بلدان العالم، في السّعي إلى تحقيق النّجاح في معالجة الأمراض، فاستفسرت والدي عن ذلك التّنافس الحاصل بين أقطار العالم، فقلت له: "إذا تماثلت الدّول كافّة في اقتنائها وسائل العلاج الطّبّيّ نفسها، وإن توفّرت في تلك الدّول كلّها الشّروط ذاتها لتحقيق الرّعاية الصّحّيّة المثلى، وإذا تكافأت أقطار العالم في حيازتها كافّة الأدوية الفعّالة ذاتها، فكيف تتمايز الدّول بعضها عن بعض، وكيف يبرز التّباين فيما بينها، في تحقيق النّجاح في معالجة المرضى".

ولم أكد أفرغ من إلقائي ذلك السّؤال، حتّى أجابني والدي قائلاً: "يمتاز الأطباء بعضهم عن بعض في كلّ دول العالم، في مبلغ تلك الاستطاعة، التي تصل إليها قدراتهم على أن يشخّصوا تشخيصاً محكماً صائباً، الأمراضَ التي يعالجونها، فإذا حدّدوا بدقّة أسباب تلك الأعراض المرضّية، يسهل على الأطباء حينئذ أن يعالجوا علاجاً ناجعاً المرضى الذين يداوونهم، فالتّشخيص السّديد، هو الرّكيزة الأساسيّة التي يستند عليها تحقيق الشّفاء من الأمراض".

تلقّيت جواب والدي عن سؤالي، واستغرقت في أن أتفكّر في تلك الكلمات التي تفوّه بها، وما لبث أن تابع والدي كلامه قائلاً: "إنّ الطّبيب إذا تمتّع برؤية نافذة وعقل ثاقب، يتيسّر له أن يدرك أسباب الأعراض المرضيّة الظّاهرة، وكلّ إنسان هو بحاجة إلى أن يتحلّى بالرّؤية الحادّة، في تدبّره وتأمّله في تلك المشاكل التي يتعرّض لها، ليتمّكن من أن يشخّص بدقّة أسباب تلك المشاكل، كي يتسنّى له أن يحلّها، فيجب على الإنسان، أن يمتلك القدرة الفعّالة على تحقيق التّشخيص المحكم، في معالجة كلّ المشكلات التي تعترض مجرى تلك الحياة التي يعيشها، فالأساس الذي تعتمد عليه أيضاً معالجة تلك المعضلات العويصة، هو تحقيق التّشخيص الصّائب الذي ييسّر معالجة تلك المشاكل العسيرة، فلا غنى للإنسان مطلقاً عن أن يحقّق دقّة التّشخيص في مجابهته الأزمات كافّة، التي تطرأ عليه".