يدأب الإنسان في سعيه إلى الاندماج في ذلك الوسط الاجتماعيّ الذي يعيش فيه، فيميل إلى أن يكتسب تلك العادات والمعارف والتّقاليد المتنوّعة من ذلك المجتمع، الذي ينضمّ إليه ذلك الإنسان الذي يحرص على أن يثبت استعداده لأن يَسِم شخصيّته بتلك الخصائص الثّقافيّة التي يتميّز بها ذلك المحيط الاجتماعيّ الذي يكتنف ذلك الإنسان، وإذا كان الباحثون كثيراً ما أداروا فيما بينهم الحديث عن ظاهرة امتناع النّاس في الوطن العربيّ عن مطالعة الكتب، فإنّ ذلك التّصرّف الذي صدر عن هؤلاء القوم في امتناعهم عن قراءة الكتب، لم ينجم قطعاً عن رسوخ استعداد ذاتيّ في أنفس أولئك الأفراد العرب للإعراض عن مطالعة الكتب، فلم يفطروا على ذلك الخلق الذي يكرّه إليهم ملازمة الكتب، وقد حفل التّاريخ العربيّ بسير أولئك الأقوام الذين بنوا الحضارة العربيّة الإسلاميّة، ومن يتصفّح التّصانيف التي ذكرت فيها الأخبار عن تاريخ تلك الحضارة، يقف على الشّواهد الغزيرة والدّلائل الجليّة على احتفاء بناة تلك الحضارة بالكتب، التي تكتنز أسفار التّاريخ بالأخبار التي تتحدّث عن شدّة اعتناء العرب بها، إذ حقّقوا إبّان قيام تلك الحضارة العربيّة الإسلاميّة، مآثر ناصعة، ومكارم جليلة، كشفت عن شدّة مضائهم في إيلائهم الكتب عنايتهم الموفورة، واهتمامهم الكبير، فتلك العلّة التي حلّت بشخصيّة الإنسان العربيّ في العصر الحاليّ، الذي أحجم فيه عن الاحتفاء بالكتب، هي عارض طرأ عليه، من دون أن يتوارثها عن القوم الذين عاشوا في عصر تلك الحضارة العربيّة الإسلاميّة، وفي وسع الأفراد العرب في العصر الحاليّ أن يكتسبوا تلك العادة الثّقافيّة التي تدفعهم إلى الانكباب على مطالعة الكتب.

إنّ تلك الأزمات والآفات الاجتماعيّة العديدة التي تنزل بالمجتمعات العربيّة، جارى نشوؤها واستفحالها استشراءَ تلك العلّة التي تنتاب شخصيّة ذلك الإنسان العربيّ، الذي سرى في نفسه ذلك النّفور من صحبة تلك الكتب، وذلك التّرابط النّاشئ بين تلك الآفات الاجتماعيّة التي تفاقم استشراؤها في أرجاء العالم العربيّ، يسترعي نظر من يتأمّل في شؤون تلك المجتمعات العربيّة، ومهما يكن شأن تلك الرّابطة التي تجمع بين تلك الآفات والعلل مثل المرض والجهل والفقر، فإن شاء الإنسان العربيّ في الأوان الحاليّ، أن يسعى إلى أن يتنصّل من التّسبّب بإلحاق تلك المضارّ والآفات بتلك المجتمعات العربيّة، التي ما برحت تتفشّى فيها تلك العلل الاجتماعيّة، فلا ريب في أنّه يتحمّل تبعات الاستكانة لتلك العاقبة الوخيمة، التي أفضى إليها استشراء تلك الآفات الاجتماعيّة في تلك المجتمعات، فبدلاً من أن يرضخ لذلك المصير الذي آلت إليه شؤون تلك المجتمعات، كان الأحرى به أن ينهمك في أن يدفع عنها تلك المضارّ التي تسبّبت بإلحاقها بتلك المجتمعات، آفات المرض والجهل والفقر، إذ توجّب عليه أن يحشد قدراته كلّها، ويحدّ بصره إلى تلك المضارّ التي تحدق بالدّول العربيّة، ويشحذ ذهنه، ويعمل فكره في حلّ تلك المشاكل التي تعانيها تلك المجتمعات العربيّة، ويركّز وعيه في تلك الأزمات التي تلمّ بها، ليتمكّن من أن يحضّر العلاج النّاجع، لمكافحة تلك الآفات التي تستشري فيها، ولا يتأتّى له أن يأخذ لمعالجة مشاكل تلك المجتمعات أهبتها، إن لم يسلك ذلك النّهج الذي يفضي به إلى أن يستمدّ تلك العدّة من متون الكتب، ومضامين الأسفار، التي إن لم ينكبّ على مطالعتها، ولم يستفد منها علماً، فسيهدر تلك الفرصة التي كان يتاح له أن يغتنمها، إذ كان يهيّأ له أن يسعى فيها إلى أن يجنّب المجتمعات العربيّة مقاساة تلك الأزمات التي أصابتها.

ألحّت الفتوق على المجتمعات العربيّة، حيث تمكّنت من الحلول بأرجاء الوطن العربيّ، تلك الآفات التي اشتملت على أدواء الجهل والفقر والمرض، وإن كان بعض تلك العلل يصيب في أغلب الأحيان ذلك الإنسان العربيّ، الذي يحجم عن مطالعة الكتب، إذ كانت تتلبّس به آفة الجهل، الذي سواء أكان ذلك الفرد العربيّ يتحمّل وزر إصابة نفسه به، أم أنّ ذلك الإنسان شاء أن ينسب مسؤوليّة التسبّب بوقوعه في شرك تلك الآفة، إلى ذلك المجتمع الذي يعيش فيه، فلا ريب في أنّه قد تقاعس عن أن يطرح عنه إصر ذلك الجهل، بل أنّه كاد أن يكون قانعاً وراضياً بوقوعه في حبالة تلك الآفة، التي قعّدته عن أن يوسّع آفاق تلك المعرفة، التي كان يتاح له أن يقتبس منها أفكاراً نافعة، وعلوماً غزيرة، بيد أنّه آثر أن ينعم بتلك الجهالة التي ربض بشركها، حتّى أنّه لم يبال بأن يؤكّد رسوخه في ذلك الخسران الكبير الذي أوقع نفسه فيه.

 

انتشرت بين النّاس في المجتمعات العربيّة تلك الأحاديث الكثيرة التي تضمّنت تلك الإحصاءات التي تؤكّد شدّة ضآلة عدد القرّاء العرب، إلّا أنّ ما يسترعي انتباه من يقف على تلك الأقاويل الغزيرة، هو قلّة تلك الدّراسات والأبحاث، التي تطرّق فيها إلى دراسة وتفسير استشراء ظاهرة إعراض النّاس عن قراءة الكتب في المجتمعات العربيّة، حيث كانت أغلبيّة الباحثين في تلك الأوضاع المزرية التي آل إليها مصير تلك الأسفار، تقتصر على إيرادها تلك الإحصاءات التي تكشف عن شناعة تلك الحالة، التي تسبّبت بإنشائها قلّة عدد هؤلاء القرّاء العرب، فكانت يتردّد في تلك الأحاديث المنتشرة بين النّاس، ذلك التّشكّي والتّفجّع لذلك المصير السّيئ الذي انتهت إليه في الوطن العربيّ تلك الكتب، التي ما برح النّاس يندبونها بأشدّ المراثي حزناً وحسرة، بينما كانت تلك الأزمة التي تصيب ذلك الكتاب، يستمرّ تفاقمها، من دون أن تعالج معالجة ناجعة، ولا يستفاض في البحث في تلك الأسباب التي أدّت إلى استشرائها الشّديد في المجتمعات العربيّة، التي رسخت في نفوس غالبيّة الأقوام فيها، تلك البواعث على إحجامهم عن مطالعة الكتب، بينما لم يكن يعسر على من يتأمّل في شخصيّات هؤلاء الأشخاص، الذين أعرضوا عن صحبة الكتب، أن يتبيّن  تلك الدّوافع  التي حثّتهم  على العزوف عن القراءة، ويتعرّف على تلك الأسباب التي حضّتهم على أن ينبذوا الكتاب.

تعدّدت تلك الوسائل التي كان النّاس يتذرّعون بها إلى استكشاف حقائق ذلك العالم الذي ينضوون إليه، فظلّوا يجهدون في سلوكهم سبلاً متنوّعة في تحصيلهم المعارف، التي تهيّئ لهم الوقوف على كنه ذلك العالم، الذي سعوا إلى أن يتبيّنوا خفاياه الغامضة، وأخذوا ينتهجون طرائق العلوم المتنوّعة لينمّوا حصيلة تلك المعارف التي كانت تنير بصائرهم، فإذا كان أولئك النّاس يعوّلون كثيراً على الاستناد إلى تلك الوسائل، التي تهيّئ لهم أن يستكشفوا خفايا ذلك العالم، فلا ريب في أنّ وقوعهم على وسائل أخرى يلحقونها بتلك الأدوات، التي اعتادوا أن يستخدموها في استكشاف خبايا تلك الظّواهر التي كانت تتراءى لهم، سيوفّر لهم فرصاً متزايدة في سعيهم إلى أن يحصّلوا تلك المعارف، التي تفتح أذهانهم على كنه ذلك العالم، وكان هؤلاء النّاس دأبوا في أن يستغرقوا في تذوّق الأعمال الفنّيّة المبتكرة، التي طالما كانت تكشف لهم عن حقائق تلك المواضيع المختلفة، التي كان الفنّانون يتناولونها في ذلك النّتاج الفنّيّ الذي ابتدعوه، فأتاحت لهم تلك الأعمال الفنّيّة التي أقبلوا على أن يتذوّقوها، أن يسلكوا سبيلاً آخر يفضي بهم إلى الوقوف على حقائق تلك الموضوعات التي كانوا يطّلعون عليها، وما لبث أن رسخ في ذهنهم الاعتقاد برسوخ تلك السّمة المشتركة بين العلم والفنّ، اللذين يسهم كلاهما في زيادة الحصيلة المعرفية عند النّاس، الذين باتوا يقتنعون تماماً بأنّ "طرق المعرفة المختلفة التي يسلكها الإنسان ليست بالطّرق المنفصلة، بل هي طرق متكاملة، كأنّها خيوط تتضافر معاً لنسج بنية واحدة مكتملة وكلّيّة ألا وهي المعرفة، فالفنّ ليس _ كما يرى الكثيرون _ طريقاً ثانويّاً في الحصول على المعرفة، بل هو جزء من حياة مكتملة معرفيّاً"(1).

ما برحت تلك المكانة الرّفيعة التي يحلّ بها الفنّ في ميدان المعرفة تزداد رسوخاً وثباتاً، كلّما أوغل الإنسان قدماً في استجلائه تلك الوسائل، التي تتيح له أن يحصل على تلك المعارف، التي تعمّق إدراكه بتلك المواضيع التي تتجلّى في مجرى الحياة، حيث بات يتيقّن بوجود لون آخر من أنواع تلك المعارف التي كان يعهدها الإنسان سابقاً، وأصبح يقف على "أحدث أنواع المعرفة، الذي يتزايد ثقله على خريطة المعرفة الإنسانيّة ألا وهو: معرفة الفنون، فالفنّ ضرب من المعرفة، يختلف جوهريّاً عن ضروب المعرفة الأخرى، لكنّه _ بالقطع _ لا يقلّ أهميّة عنها، وهل للمرء أن ينسى تلك المقولة الموجزة الشّديدة الإيحاء لهربرت ريد: (يبدأ الفنّ عندما ينتهي العلم ) وتكامل العلوم والفنون هو أحد التّوجّهات الرّئيسيّة لمعرفة عصر المعلومات"(2)، فإن اختلف سبيلا العلم والفنّ عن بعضهما البعض، بيد أنّهما يفضيان بذلك الإنسان الذي يسلكهما، إلى أن يقف على حقائق ذلك العالم الذي يحيا فيه، فإذا ما أنعم ذاك الإنسان نظره في العلاقة التي تجمع بين العلم والفنّ، يجد أنّهما يتوافقان على تحقيق معرفة الإنسان بأحوال تلك الوقائع والموضوعات، التي يسعى إلى أن يستجلي حقائقها المستترة، وقد أفصح هربرت ريد عن رأيه في تلك الرّابطة التي تجمع بين نهجي العلم والفنّ، إذ قال: "أنا في النّهاية لا أميّز بين العلم والفنّ إلاّ باعتبارهما مناهج، هذا إلى أنّي أعتقد أنّ التّناقض الذي قام بينهما في الماضي كان راجعاً إلى نظرة قاصرة محدودة إلى كلّ من النّشاطين، إذ الحقّ أنّ الفنّ هو وسيلة تمثيل إحدى الحقائق، وأنّ العلم هو وسيلة تفسير الحقيقة نفسها"(3)، وبيّن برونوفسكي أيضاً ذلك الائتلاف الحاصل بين العلم والفنّ، حيث ذكر: "ليس العلم مجرّد معلومات آليّة لا شخصيّة، بل إنّ للعلم إلى جانب القيم التي ينفرد بها كالنّزاهة والموضوعيّة وحبّ الحقّ، قيماً أخرى يقترب بها من الجمال الشّخصيّ الذي يختصّ به الفنّ كالاحترام والتّسامح"(4).

لا تقتصر الأعمال الفنّيّة على أن تهيّئ للإنسان الاطّلاع على حقائق العوالم التي تحدق به، بل أنّها توسّع إدراكه ليحيط بدخيلة نفسه، ويلمّ بخبايا ذاته، فالفنّ "ليس مجرّد ممارسة ذاتيّة خلّاقة تنبعث من الفنّان وحده ولا تؤثّر إلّا فيه، وإنّما هو يتجاوز الفرد، إذ يقدّم إلينا معرفة من نوع خاصّ هي معرفة الذّات. والمقصود بمعرفة الذّات هو أنّه يعرف الإنسان نفسه من خلال ما يعرضه العمل الفنّيّ أو الأدبيّ من نماذج، ويتوحّد مع المعنى أو المشاعر التي يتضمّنها العمل، لكي يفهم نفسه ويفهم الإنسانيّة كلّها، على نحو أفضل، وهكذا يتخطّى الفنّ حاجز الفرديّة لكي يقيم جسوراً بيننا وبين الذّوات الأخرى شأنه في ذلك شأن العلم"(5)، فإن سلك النّاس نهجي العلم والفنّ، فلا بدّ من أن يصلوا إلى الوقوف على كنه تلك الوقائع التي يخوضون غمارها في هذه الحياة التي يعيشونها، وقد رأى أرنست كاسيرر "أنّ الفنّ كسائر الأشكال الرّمزيّة ليس نسخاً حرفيّاً لحقيقة جاهزة معطاة، وإنّما هو إحدى الطّرق المؤدّية إلى نظرة موضوعيّة للأشياء والحياة الإنسانيّة... فالعلم اختزال للواقع، والفنّ تكثيف للواقع، والعلم يقوم بذلك عن طريق التّجريد، والفنّ عمليّة مستمرّة من التّجسيد، إلاّ أنّهما يصلان _ مع اختلاف منهجهما _ إلى غاية واحدة هي أنّ الفنّان يستكشف صور الطّبيعة مثلما أنّ العالم يستكشف حقائق القوانين الطّبيعيّة"(6)، وعلّقت وفاء محمّد إبراهيم على آراء إرنست كاسيرر قائلة: "الفنّان يكشف الحجب عن إمكانات يحدّها الإدراك العادّيّ أو يختزلها في بعد واحد الإدراك العلميّ، ولعل ذلك ما يميّز الفنّ ويجعله من أكثر الأنشطة الإنسانيّة سحراً وفتنة"(7).

ليس في وسع العالم أن يقتصر على التّعويل على نظره الثّاقب وبصيرته النّيّرة في تفحّص تلك الموضوعات التي يدرسها، إذ ذهب ستيفن بيبر إلى أن يعتقد أنّ "رجل العلم يحتاج للشّعور الجماليّ من حيث أنّه نوع من المصفاة التي لا تسمح بالمرور إلاّ لتلك الأشياء التي تبدو بحكم اتّساقها صادقة، حقيقيّة، ومن لا يتمتّع بهذه الصّفات لن يصبح أبداً مخترعاً حقيقيّاً"(8)، وقد تحدّثت وفاء محمّد إبراهيم عن تلك العلاقة التي تجمع بين العلم والفنّ، حيث رأت أنّ "العلم يبحث من أجل الحقيقة بوصفها حقيقة، والفنّ يقدّم الحقيقة كحقيقة تمّ الشّعور بها من خلال ذات مبدعة"(9)، وقد أكّدت تلك الفكرة التي تحدّثت عنها، باستشهادها برأي نيلسون جودمان الذي اعتقد أنّه "في الخبرة الجماليّة تعمل العواطف على نحو معرفيّ"(10)، وقد نوّه ت. م. جرين بذلك المسلك الذي ينتهجه الفنّان، الذي يجلو نتاجه الفنّيّ طبيعة تلك الموضوعات التي ينعم نظره فيها، فأشاد جرين بتلك الحقائق التي يعرضها ذاك الفنّان، حيث قال: "إنّ الفنّان، في محاولته فهم الواقع بطريقته الخاصّة، يشبه العالم والفيلسوف والأخلاقيّ واللاّهوتيّ، أمّا من يتجاهل هذه السّمة الأساسيّة في الفنّ، فإنّه يغفل طابعه التّاريخيّ، ويسلبه قدراً كبيراً من دلالته الإنسانيّة"(11)، وقد ظلّ الفنّانون سبّاقين إلى أن يشتقّوا السبيل دائماً إلى اكتشاف حقائق ذلك العالم، الذي كانت تجلو خفاياه المستترة تلك الأعمال الفنّيّة المبتكرة التي يبدعها أولئك الفنّانون الأفذاذ.

1_ وفاء محمّد إبراهيم، علم الجمال "قضايا تاريخيّة ومعاصرة"، مكتبة غريب، القاهرة د ت، ص 194.

2- نبيل علي، العقل العربيّ ومجتمع المعرفة، مظاهر الأزمة واقتراحات بالحلول (الجزء الأوّل)، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 369، الكويت، نوفمبر / تشرين الثّاني 2009، ص 59.

3- وفاء محمّد إبراهيم، علم الجمال "قضايا تاريخيّة ومعاصرة"، مكتبة غريب، القاهرة، د ت، ص 195.

4- المصدر السّابق.

5- المصدر السّابق.

6-  المصدر السّابق، ص 196.

7- المصدر السّابق.

8- المصدر السّابق، ص 197.

9- المصدر السّابق.

10- المصدر السّابق، ص 198_ 199.

 

11- المصدر السّابق، ص 200.

لم يكد فلاسفة الفنّ وعلماء الجمال يتيقّنون بتأصّل القيم الجماليّة في ذلك النّتاج الفنّيّ الذي أنجزه الفنّانون المبدعون، حتّى أخذ هؤلاء المفكّرون في البحث في تلك الوشائج التي تجمع بين أنواع تلك الفنون المختلفة، وقد جهد روبرت م. غروس وجورج ن. ستانسيو في أن يبحثا في تلك السّمات الجماليّة المشتركة بين الأعمال الفنّيّة البديعة، والنّظريّات والقواعد العلميّة، وقد كان هذان المؤلّفان  استفاضا في الحديث عن تلك المعالم المشتركة بين الفنّون والعلوم، ولم يفتهما أن يعرّجا في حديثهما المسهب، على موضوع تلك العلائق، التي تجمع بين المبتكرات الفنّيّة المتنوّعة، التي كانا في تحدّثهما عنها، قد اقتصرا على تناولهما نشاطين فنّيّين اثنين، وهما الفنّ الموسيقيّ، والفنون التّشكيليّة، حيث قال هذان المؤلّفان: "أمّا بخصوص الموسيقا فممّا لا سبيل إلى إنكاره أنّ وضوح الصّوت عنصر من عناصر جماله. يقول آرون كوبلاند: (إنّ الجرس في الموسيقا هو نظير الضّوء في لوحة الرّسم)، فالجرس أو [اللّون النّغميّ] يمكّن الإذن من التّمييز بين النّاي والبوق حين تعزف الآلتان كلتاهما النّغمة نفسها"(1).

إنّ ذلك التّشابه الذي لاحظه الموسيقار الأمريكيّ كوبلاند بين الأعمال الموسيقيّة، ومبتكرات الفنّ التّشكيليّ، أثبت سداد ذلك الرّأي الذي طالما اعتنقه الفلاسفة وعلماء الجمال والفنّانون، الذين ذهبوا إلى تأكيدهم حصول ذلك التآلف الذي يجمع بين البدائع الفنّيّة المتنوّعة، ووالى غروس وستانسيو حديثهما عن ذلك التّوافق المتحقّق بين تلك المبتكرات الفنّيّة، فقالا: "في القرن التّاسع عشر أخذ الملحّنون يستخدمون اللّون النّغميّ لإنتاج تألّق موسيقيّ أشبه بتألّق الألوان الملاحظ في الرّسوم الانطباعيّة. ويعلّق رمسكي _ كورساكوف على هذه الحركة في الموسيقا بقوله: (إنّ عصرنا الذي أعقب عصر فاغنر هو عصر التّألّق والإبداع الخياليّ في تلوين الجرس الأوركستريّ. وقد بلغ برلييوز وغلينكا، وليست، وفاغنر وغيرهم بهذا الجانب من الفنّ الموسيقيّ الذّروة، فتفوّقوا بهذه الصّفة على أسلافهم"(2)، وما لبث أن خلص هذان المؤلّفان إلى تأكيدهما زبدة ذلك الحديث الذي أورداه، إذ اختتما كلامهما بعبارة اتّحذت صورة النّتيجة، التي جهدا كثيراً في أن يمهّدا للإفصاح عنها، في حديثهما عن ذلك التّشابه الحاصل بين الأعمال الفنّيّة المختلفة، إذ قالا: "إذاً فالتّألّق واللّون كلاهما من عناصر الجمال في الرّسم والموسيقا على السّواء"(3).

لم تخف الرّوابط التي تجمع بين العلم والفنّ، على أولئك العلماء، الذّين تبصّروا في تلك المبادئ التي تستند إليها الأبحاث العلميّة والمبتكرات الفنّيّة، بل إنّ هؤلاء العلماء الذين أكّدوا ثبوت ذلك التّشابه بين العلم والفنّ، استمرّوا على أن يجهروا بآرائهم التي ذهبوا فيها إلى إثبات تحقّق ذلك التّآلف بين هذين النّشاطين، ولم يغب عن ذهني المؤلّفين أغروس وستانسيو أيضاً، وجاهة وسداد ذلك الرّأي الذي اعتنقه الفيزيائيّ ستيفن فاينبيرغ الذي نوّه بأهمّيّة الإدراك المباشر للحقيقة من دون أن يعوّل على الاستناد إلى العمليّات العقليّة الواعية، إذ بادرا إلى الحديث عنه فقالا: "يشير فاينبيرغ إلى وجه شبه آخر يكمن في الطّريقة التي يعمل بها كلّ من العلماء والفنّانين فيقول: (العلماء، شأنهم في ذلك شأن الفنّانين، يعتمدون اعتماداً شديداً على الحدس. فغالباً ما أعرض عن منهج كامل في البحث لمجرّد إحساسيّ بأنّه غير صحيح، أو قد أمضي شهوراً في تطوير منهج آخر لمجرّد إحساسي بأنّه صحيح)"(4).

لم يفتر روبرت م. أغروس، وجورج ن. ستانسيو عن أن يثبتا تحقّق ذلك الترابط الذي يلأم بين الفنون والعلوم، فعمدا إلى أن يؤكّدا أنّ: "البساطة والتّناسق والتّماثل والتّناسب والتّألّق والوضوح _ وهي عناصر نلحظها في أجمل النّظريّات الفيزيائيّة _ لها نظائر موازية في الجمال الذي نجده في الرّسم والموسيقا. وليس من العسير أن نتصوّر أنّ هذه المعايير الجماليّة ذاتها تنطبق كذلك على الشّعر والرّقص وغيرها من الفنون"(5)، وإن كان هذان المؤلّفان جهدا في دراستهما الفكريّة التي وضعاها، أن يغيّرا وجهات نظر أولئك العلماء، الذين اعتادوا في العهود الماضية، أن يتبصّروا بجهات محدّدة ثابتة من النّظر، في تلك الطّرائق التي يتّبعها العلماء في تحقيقهم أبحاثهم العلميّة، فإنّ هذين المؤلّفين تحدّثا عن هذه النّظرة القديمة قائلين: "ولكن المادّة وفقاً للنّظرة القديمة ليس لها إلّا خواصّ كمّيّة كالوزن والحجم والجسم والشّكل والعدد. وحيث أنّ الجمال ليس من جملة هذه الخواصّ فالنّظرة القديمة تميل إلى اعتباره خاصّة من خواصّ المراقب، لا صفة من صفات الأشياء الطّبيعيّة"(6)، وقد كانت غالبيّة فلاسفة الفنّ وعلماء الجمال تعارض تلك النّظرة القديمة إلى موضوع الجمال، الذي كانت تتناوله أكثريّة هؤلاء المفكّرين بالبحث الذي يستند إلى طرق وقواعد دقيقة منتظمة.

إنّ ذلك المعتقد الذي أخذ به العلماء والمفكّرون الذين تمسّكوا بالنّظرة القديمة إلى موضوع الجمال، ما لبث أن تمخّض بتلك الفكرة التي ذهب فحواها إلى اعتبار أنّ "الفنون الجميلة، بقدر ما تنشد الجمال، لا يمكن أن يكون بينها وبين العلوم أيّ شيء مشترك"(7) وإن كان توسّع المؤلّفان أغروس وستانسيو في دحضمها تلك الفكرة القديمة، فإنّهما توصّلا في خاتمة بحثهما إلى أن يؤكّدا أنّ "النّظرة الجديدة تبيّن أنّ عناصر الجمال غير المرئيّ والذهنيّ في الفيزياء تماثل عناصر الجمال المرئيّ والمسموع في الفنون الجميلة. إنّ العالم والفنّان في النّظرة الجديدة ينشدان الهدف الجماليّ نفسه عبر مسالك مختلفة. يقول هايزنبيرغ (لعل من الصّواب أن نقول إنّ عالم الشّعر كان مألوفاً لدى جميع العلماء الكبار حقّاً. ومهما يكن من أمر فالفيزيائيّ يحتاج كذلك إلى اكتشاف أوجه التّناسق بين الظّواهر الطّبيعيّة)"(8)، وقد أصاب هذان المؤلّفان أغروس وستانسيو في تبيين تلك المعالم المشتركة بين العلوم والفنون، فإن أنعم الإنسان النّظر في تأمّل تلك النّظريّات العلميّة، فسرعان ما يغترق نظره تلك السّمات الجماليّة، التي تتبدّى في القوانين والنّظريّات العلميّة، ولا يلبث ذاك الإنسان أن يدرك أنّ العلم والفنّ، هما نشاطان مختلفان، بيد أنّهما تجمع بينهما تلك المعالم المشتركة العديدة، التي تتألّق فيها مظاهر الجمال.

1- روبرت م. أغروس وجورج ن. ستانسيو، العلم في منظوره الجديد، ترجمة: كمال خلايليّ، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 134، الكويت، فبراير / شباط 1989، ص 54.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السّابق.

4- المصدر السّابق، ص 54- 55.

5- المصدر السّابق ص 55.

6- المصدر السّابق، ص 45.

7- المصدر السّابق ص 46.

 

8- المصدر السّابق ص 55.

لم يجدّ النّاس بدّاً من أن يقبسوا من أنوار المعارف، التي يهتدوا بها في سعيهم إلى أن يشتقّوا سبل التّطوّر في تلك المجتمعات التي ينضوون إليها، وإن كان يحتم على الإنسان العربيّ أن يدأب دائماً في أن يستقي المعارف من مظانّها المعهودة، ويتوسّع متوغّلاً في ميادين الفكر، فهو في الوقت الحاليّ في أمسّ الحاجة إلى أن يترقّى في المعارف والعلوم، إذ ظلّ معظم النّاس في الوطن العربيّ، يصدفون عن أن يقبسوا العلم من مآخذه النّيّرة، فعوضاً عن أن يتّبعوا سبيل تلك المعارف التي يجب عليهم أن يهتدوا بأنوارها، فما برحت غالبيّة أبناء تلك الأمّة العربيّة تعرض عن المضيّ في ذلك النّهج، الذي يفضي بهم إلى أن يثقّفوا أنفسهم وينمّوا حصيلة معارفهم، فأعرضت أكثريّة أفراد الشّعب العربيّ عن أن تأخذ بالرّكيزة الوطيدة، التي يستند إليها عالم تلك المعارف، التي يجب عليها أن تتبحّر فيها، ويتأكّد الدّليل القويّ والحجّة الدّامغة على ثبوت ذلك  التصرّف، الذي بدر من أغلبّية النّاس في الأقطار العربيّة، في صدوف هؤلاء الأفراد عن مطالعة الكتب، فإن ما برحت تعيي أفراد الشّعب العربيّ الحيل في الخلاص من تلك الأزمات العديدة التي كانوا غاصوا فيها، فوجب عليهم أن يهتدوا السّبيل إلى الانفراج من تلك الشّدائد، التي كثيراً ما كانت تحلّ بهم، وإذا أرادوا أن يقعوا على الوسيلة المثلى النّاجعة التي يقتضي أن يتذرّعوا بها، إن رموا حقّاً إلى معالجة تلك الأزمات التي تحدق بهم، فلا مناص حينئذ من أن يقبضوا على عرى تلك المعارف، التي تكتنز بتلك الدّلائل التي تهديهم إلى تلك السّبيل، التي تفضي بهم إلى النّجاة من تلك الشّدائد التي وقعوا فيها، فلا مفرّ من أنّ يستمسكوا بالكتب التي هي مغارف تلك المعارف، حيث يستقون من تلك الأسفار التّجارب والأفكار، التي تسدّدهم وترشدهم إلى مغانم ذلك الفلاح الذي طالما حاولوا أن يسعوا إلى أن ينعموا به.

يقرّ أصحاب العقول النّيّرة والأذهان الفطنة بصواب تلك المساعي التي يأتيها أولئك النّاس، الذين يأتمّون بتلك الهداية التي تفصح عنها الكتب، وليس أفراد الشّعب العربيّ بالخيار، ليتاح لهم أن ينتقوا المقصد الذي يمّمون شطره، إذ لا يتيسّر لهم أن يمايلوا بين التّوغّل في عالم تلك الكتب، والإعراض عن ميادين تلك المعارف الغرّاء، لأنّ ذلك التّرجيح بين هاتين الوجهتين التي يفاضلون بينهما، قد حسم النّقاش فيه منذ أمد بعيد، فلا بدّ من أن يأخذ النّاس في البلدان العربيّة في اللّواذ بموئل تلك الكتب، إذ يعود عليهم من مطالعة تلك الأسفار الخير الوفير، والنّفع الغزير، وإذا ما أصرّ ذلك الإنسان العربيّ على أن ينبذ الكتاب، ويتزهّف عنه معرضاً عن ميدان تلك المعارف، فتزداد حينئذ فظاعة تلك الحالة الأليمة التي أوقع الإنسان العربيّ نفسه فيها، حيث بات يتوغّن على أن يلجّ في تلك الأزمات، التي تزيد نكارة ذلك الحرج الذي انتهى إلى الوقوع فيه، فبدلاً من أن يختار سلوك درب النّجاة بإقباله على مطالعة الكتب، عمد إلى أن يقع منكباً على مواضع الخسران، حيث تلحقه المضارّ وتصيبه الأزمات.

 

سيقت بين النّاس الأحاديث الكثيرة، التي أُدليَتْ فيها بحجج عديدة لتبرير إعراض الإنسان العربيّ عن مطالعة الكتب، فشاعت بينهم تلك الأحاديث التي سعى أولئك النّاس فيها، إلى أن يسوّغوا إصداف أفراد الشّعب العربيّ عن قراءة الكتب، وإن استعرضنا على سبيل المثال بعض تلك الحجج التي كانوا يدلون بها، فكثيراً ما كانوا يحتجّون بارتفاع أسعار الكتب، ليبرّروا بتلك الحجّة امتناع الإنسان العربيّ عن مطالعة تلك الأسفار، وكانوا يذكرون أيضاً علّة تسليط الرّقابة الشّديدة على عمليتي طبع ونشر الكتب في أرجاء الأقطار العربيّة، ليبيّنوا السّبب الذي يؤدّي إلى تعثّر رواج الكتب في تلك البلدان العربيّة، بيد أنّ هاتين الحجّتين اللّتين عمد النّاس في الوطن العربيّ إلى الإدلاء بهما، لا تفسّران كلّ الأسباب التي تؤدّي بالإنسان العربيّ إلى أن يفتقد الدّافع إلى مطالعة الكتب، وإن كان النّاس اعتادوا أن يذكروا الحجج العديدة، التي يعلّلون بها أسباب تعرقل انتشار الكتب في البلدان العربيّة، إلّا أنّ المصاعب التي تتمخّض بها معظم تلك العلل التي كان يتحدّث عنها أولئك النّاس، لا يكابدها إلّا أفراد قليلون جدّاً من أفراد الشّعب العربيّ، وهؤلاء الأشخاص الذين ينضوون إلى هذه الفئة الصّغيرة جدّاً، التي تعاني من تلك الأوضاع التي انتهت إليها عملّية انتشار الكتب في الوطن العربيّ، هم أصلاً يواظبون مثابرين على قراءة الكتب، فهؤلاء الأفراد القليلون جدّاً قد يصيبهم العسر، بسبب علّة غلاء ثمن الكتب، بيد أنّهم يظلّ يرسخ في نفوسهم متأصلاً استعدادهم ليبذلوا النّفيس من أموالهم التي يقتنونها، ليشتروا بها الكتب التي يتشوّقون إلى أن يطالعوها، وأمّا أولئك الأشخاص الذّين يحجمون عن قراءة الكتب، فهم لا يكترثون البتّة لارتفاع أسعار الكتب، التي لا يكون ازدياد أثمانها من بالهم، ولا تؤرّقهم ندرة الكتب، ولا يأسفون على غيابها، إن هم تنبّهوا أصلاً لتواريها عن أنظارهم، حيث أنّهم لا يفتقدونها مطلقاً، فلا يقرؤون تلك الكتب أساساً، وجموع هؤلاء النّاس الذين يكثر عددهم جدّاً، ما برحوا ينكصون عن قراءة الكتب، حتّى أنّهم إن منحوا تلك الكتب مجاناً بغير ثمن، فسيستمرّون على إحجامهم عن القراءة، وسيواصلون امتناعهم عن مطالعة تلك الكتب.

واظب النّاس طيلة أزمنة ممتدّة على تذوّق البدائع الفنّيّة، التي تأصّلت فيها مظاهر الجمال، الذي طالما كان يكشف عن صوره الزّاهية، ذلك النّتاجُ الفنّيّ الذي أنجزه الفنّانون الأفذاذ، الذين كانوا يتّبعون سنن ذلك التّعبير الفنّيّ الجميل في ابتكارهم أعمالهم الفنّيّة، وكانت فئة من العلماء النّوابغ، مضت على تحقيق الأبحاث العلميّة، فعمدت إلى أن تهتدي في توغّلها في ميدان تلك الدّراسات العلميّة، بتلك المبادئ التي قامت عليها مظاهر الجمال، الذي كان يبهر أنظار النّاس كافّة، حتّى أدرك العلماء أنفسهم تلك الوشائج، التي اعتقدوا بيقين ثابت أنّها تجمع بين الأبحاث العلميّة التي ينجزونها، وذلك النّتاج الفنّيّ الذي يبتكره الفنّانون، وقد ذهب روبرت م. أغروس، وجورج ن ستانسيو إلى أن يؤكّدا تحقّق ذلك التّآلف الحاصل بين العلم والفنّ، فأوردا حديث أدّى فيه عالم فيزيائيّ شهادته التي حصّلها من تلك الأبحاث العلميّة التي أجراها، حيث تحدّثا عن ذلك العالم قائلين: "يشدّد الفيزيائيّ ستيفن فاينبيرغ على الوحدة الجديدة بين العلم والفنون الجميلة، فيقول (هناك أوجه شبه معيّنة بين العلم والفنّ، أوّلها أنّ العلماء يلتمسون الجمال والبساطة، ونحن نلتمس ذلك لاعتقادنا بأنّ القوانين الأساسيّة التي تشكّل ركائز الطّبيعة لا بدّ من أن تكون بسيطة. ولذلك نفتّش عن أوجه بساطة قد تعكس أوجه البساطة المطلقة في نواميس الطّبيعة. وقد اكتشفنا في مجال تخصّصيّ _ وهو فيزياء الجسيمات الأوّليّة_ أنّ الطّبيعة أبسط كثيراً ممّا تبدو في ظاهرها. وهذه البساطة تتّخذ شكل مبادئ التّماثل. ومن ذلك مثلاً أنّ هناك تماثلاً عميقاً بين جسيمين أوّليّين _ النّيوترون والألكترون_ رغم ما يبدو في الظّاهر من اختلاف تامّ بين خواصّ كلّ منهما)"(1).

تابع روبرت م. أغروس، وجورج ن. ستانسيو تحرّيهما عن عناصر الجمال، الذي يتبدّى في الأبحاث العلميّة التي يجريها العلماء، وقد استخلصا من تلك الأعمال التي كان ينجزها هؤلاء الباحثون في المسائل العلميّة، تلك الفكرةَ التي قرّرا فيها أنّ "العالم الذي يعمى عن رؤية الجمال هو عالم ضئيل الحظّ من العلم"(2)، وقد كان هذان المؤلّفان ينسبان ذاك الجمال الذي يجب على العالم أن يعاينه، إلى الطّبيعة ذاتها التي كانت تطالع هؤلاء الفنّانين والعلماء بمشاهدها الغزيرة، حيث توصّل هذان المؤلّفان إلى أن يستنتجا أنّ تلك الطّبيعة "تشقّ طريقاً مشتركاً بين العلوم والفنون الجميلة"(3)، وما إن تحدّث هذان المؤلّفان عن ذلك التّشابه الحاصل بين هذين الصّنفين من أوجه النّشاط الإنسانيّ، حتّى وجدا الفرصة سانحة لهما، في تعزيز رأيهما بإيراد شهادة صاحب تجربة ثرّة في هذين اللّونين من أنواع المناشط الإنسانيّة، إذ ذكرا أنّ "الفيزيائيّ والرّوائيّ ش. ب. سنو، بعد خبرته في كلّ من العلوم والفنون، مؤهّل بطريقة غير عاديّة للتّحدّث عن الجمال الموجود في كلا المجالين"(4)، وفي إثر تلك التّوطئة التي بيّنا فيها تلك المكانة الرّفيعة التي بلغها ش. ب. سنو، أخذا في أن يذكرا أقواله، التي ذكرها فيها أنّ "كلّ من اشتغل في أيّ وقت بعلم من العلوم يعرف مدى ما حصل عليه من لذّة جماليّة. أي أنّ أحدنا في ممارسته الفعليّة للنّشاط العلميّ وفي مسيرته إلى اكتشاف ما، بالغاً ما بلغ من التّواضع، لا يملك إلاّ أن يحسّ بوجود الجمال، فالتّجربة الذّاتيّة، تجربة المتعة الجماليّة، هي على ما يظهر عين المتعة التي يحصل عليها المرء من نظم قصيدة، أو تأليف رواية أو قطعة موسيقيّة. لا أخال أحداً استطاع أن يميّز بين الأمرين. وتاريخ الكشوف العلميّة زاخر بهذه اللّذة الجماليّة"(5)، وذلك الحديث الذي سرده ش. ب. سنو، تضمّن الإفصاح عن بعض تلك الخصائص التي كان يتّسم بها كلّ من هذين النّشاطين العلميّ والفنّيّ، اللّذين جهد الدّارسون في البحث في تلك المعالم المشتركة بينهما.

إنّ سمات ذلك الجمال الذي تجلّى في الأبحاث العلميّة، طابقت تلك الخصائص الجماليّة التي تتميّز بها الأعمال الفنّيّة المبتكرة، حتّى بات كلّ من تلك العناصر التي تتحلّل إليها صور الجمال الذي تظهره الدّراسات العلميّة، يتبدّى نظير له في بنيان الأعمال الفنّيّة، وقد أكّد روبرت م. غروس وجورج ن. ستانسيو ذلك التّماثل الذي يتحقّق بين العلوم والفنون، حيث قالا: "عناصر الجمال لا توجد في الفيزياء فحسب، بل إنّ لها أيضاً ما يناظرها في الفنون. فالبساطة، مثلاً، هي بجلاء هدف من أهداف الفنّان. ومن المسلّم به عموماً أنّ الآثار الفنّيّة الجليلة تفي بالمعيار الصّارم المتمثّل في تفادي النّقصان أو الحشو. ومن المؤكّد أن ألبرت دورر كان يفكّر بمبدأ البساطة حين أسدى للفنّانين هذه النّصيحة: هناك وسط عدل بين الإفراط والتّفريط. حاولوا أن تهتدوا إليه في جميع أعمالكم"(6)، وقد ألحّ غروس وستانسيو على التّنويه بعنصر البساطة، التي تشترك الأبحاث العلميّة والمبتكرات الفنّيّة في اتّصافها بها، وقد سعيا إلى يؤكّدا ذلك المعتقد الذي أخذا به، باستشهادهما بتجربة فنّان فذّ خاض في غمار التّأليف الفنّيّ الموسيقيّ، إذ أوردا رأي الموسيقار برامز في تلك الخاصيّة الجماليّة، إذ ذكرا: "ويتحدّث يوهانز برامز عن صعوبة تحقيق البساطة في الموسيقا فيقول: ليس التّأليف صعباً، ولكن الصّعب صعوبة مذهلة أن تطرح جانباً ما كان زائداً من النّغمات"(7)، وقد وجد هذان المؤلّفان في عالم الفنّ التّشكيليّ الشّواهد البيّنة الغزيرة، التي تيسّر لهما تأكيد وجهة نظرهما في حديثهما عن النّشاطين الفنّيّ والعلميّ، فأخذا في التّعليق على تلك الآراء التي استشهدا بها، حيث ذكرا: "كما أنّ النّظريّة العلميّة الجميلة فسيحة الأفق على بساطتها كذلك تعبّر اللّوحة الممتازة عن مجموعة واسعة النّطاق من التّجارب بطريقة بسيطة"(8).

عمد روبرت م. غروس وجورج ن. ستانسيو إلى أن يبيّنا آراء كلّ من العلماء والفنّانين في تلك العناصر التي تندرج في مفهوم الجمال، وكان هؤلاء المبدعون في ميداني العلم والفنّ، جهدوا في أن يظهروا دائماً معالم الجمال في تلك الأعمال التي ينجزونها، وسعى المؤلّفان غروس وستانسيو إلى أن يتابعا تحرّيهما عن ذلك التّوافق المتحقّق بين العلوم والفنون، فقصدا أن يترويّا في العنصر الثّاني، الذي يسهم في تحقيق ذلك المظهر الجماليّ الذي يتجلّى في الأعمال الفنّيّة والأبحاث العلميّة، وقد أطلق على ذلك العنصر اسم التّناسق، الذي تحدّثا عنه قائلين: "في وسعنا أن ندمج في العنصر الثّاني _ التّناسق _ التّماثل والتّناسب اللذين يشير إليهما الفيزيائيّون. يقول دورر: من دون التّناسب الصّحيح لا يمكن لأيّ شكل أن يكون كاملاً مهما اجتهد في إنجازه"(9)، وإذا كان الفنّانون كافّة، يستنون بالقواعد ذاتها التي ينتظم بها نشوء المظاهر الجماليّة في تلك الأعمال الفنّيّة التي يبتكرها أولئك الفنّانون، فإنّ المؤلّفين غروس وستانسيو دأبا في أن يشركا فئة العلماء في تحقيق تلك المساعي، التي بدرت من أولئك الفنّانين الذين كانوا يقتدون بقواعد الجمال في تنفيذ أعمالهم الفنّيّة المبتكرة، وقد عمد هذان المؤلّفان إلى أن يثبتا سداد ذلك القول الذي أدلى به الرّسّام الألمانيّ ألبرت دورر، فقصدا أن يردفا ذلك الكلام الذي قاله ذلك الرّسّام، بتلك العبارات التي أفصح فيها الموسيقار كريستوف غلوك عن رأيه في تلك العناصر التي تتحلّل إليها معالم الجمال، الذي يتجلّى في النّتاج الفنّيّ، فسعى المؤلّفان غروس وستانسيو إلى أن يؤكّدا رسوخ عنصر التّناسق في تلك الأعمال الفنّيّة المتنّوعة التي كان يبتكرها الفنّانون، حيث ذكرا: "شبّه الملحّن كريستوف غلوك، الذي عاش في القرن الثّامن عشر، التّناسق في الموسيقا بالتّناسب في الشّكل المرسوم فقال: (إنّ أدنى تغيير في الخطّ الكفافيّ (OUTLINE) _ وهو أمر لا يقضي بتاتاً على الشّكل في رسم كاريكاتوريّ _ يمكن أن يشوّه كلّيّاً صورة لسيّدة حسناء. وأعظم الجوانب الجماليّة للحن أو للتّناسق تصبح عيوباً ونقائص إذا استخدمت في غير مكانها المناسب"(10)، ولم يكن يعسر على الباحثين في مسائل تلك الأنشطة الفنّيّة، أن يحدّدوا العناصر المشتركة التي تشكّل معالم الجمال الظّاهر في الأعمال، التي ينجزها كلّ من العلماء والفنّانين، وهذه العناصر التي اندرجت في مفهوم الجمال، اتّخذت صيغة تلك القاعدة الكلّيّة التي تنطبق على المناشط كافّة، التي يؤدّيها هؤلاء العلماء والفنّانون.

ظلّ ذاك التّناسق الذي يلأم بين عناصر العمل الفنّيّ، يؤثّر أيضاً في تحديد تلك العلاقة التي تجمع بين الموادّ التي تشكّل بنيان العمل الفنّيّ ذاته، من دون أن ينحصر تأثير مبدأ التّناسق في الإسهام في تحقيق تلك الصّيغ الفنّيّة الجميلة، التي تظهر فيها تلك الأعمال التي ينجزها الفنّانون، وقد ذكر روبرت م. غروس وجورج ن. ستانسيو أنّ "الرّسّامين يتحدّثون عن (الصّداقة) بين ألوان معيّنة وعن تناسقها الطّبيعيّ. ويصفّ ماتيس هدفه في الرّسم فيقول: متى عثرت على العلاقة اللّازمة بين جميع درجات إشراق الألوان لا بدّ من أن تكون النّتيجة تناسقاً حيّاً بين الألوان، وهو تناسق يشبه التّناسق في قطعة موسيقيّة. وأظلّ أسعى وأواصل السّعي من أجل تحقيق هذا التّناسب في جميع أجزاء القطعة إلى أن أجده"(11)، ويخلص روبرت م. غروس وجورج ن. ستانسيو بعد أن عرضا رأي الفنّان ماتيس، إلى أن يثبتا حصول ذلك التّشابه بين العلوم والفنون، حيث أكّدا أنّ "الهدف الذي يسعى إليه ماتيس مشابه لهدف عالم الفيزياء النّظريّة الذي يسعى جاهداً إلى تنسيق البيانات في أبسط صورة لها"(12).

تزداد فتنة العمل الفنّيّ روعة وبهاء، كلّما كانت تلك العناصر التي تشكّل قوام ذلك النّتاج الفنّيّ، تزهو في تألّق مشرق، فيتّضح آنئذ ذلك التّعبير الفنّيّ النّيّر الذي يجلو تلك المعاني التي ينطوي عليها ذلك العمل الفنّيّ، وكان روبرت م. غروس وجورج ن. ستانسيو أكّدا في حديثهما عن عناصر الجمال، اتّصاف العمل الفنّيّ البديع بتلك الفتنة الباهرة التي تنبعث من أعطاف ذلك العمل، الذي تتّضح فيه نصاعة ذلك التّعبير الفنّي الرّائع، إذ قالا: "العنصر الأخير من عناصر الجمال هو التّألّق. يقول إدوار مانيه: (الضّوء هو الشّخصيّة الرّئيسة في لوحة الرّسم)، ويقترح ليوناردو دا فينشي، في الكتيب الذي وضعه عن فنّ الرّسم، رسم أشخاص رسماً تخطيطيّاً وهم يجلسون في مدخل بيت مظلم فيقول: (هذا الأسلوب في معالجة وتكثيف الضّوء والظّلّ يضيف الشّيء الكثير إلى جمال الوجوه)، غير أنّ الضّوء يكتسب بهاء خاصّاً وإشراقاً قوّيّاً عندما يقسم إلى ألوان. ومن هنا جمال غروب الشّمس، وقوس قزح، والأسماك الاستوائيّة، والفراش، والأزهار، ومن دواعي إعجابنا بالرّسوم الانطباعيّة التي ظهرت في أواخر القرن التّاسع عشر أنّها تؤكّد على الجمال الاستثنائيّ للضّوء واللّون"(13)، فظلّ العلماء والفنّانون يستمرّون على إبراز تلك السّمات الجماليّة في تلك الأعمال التي ينجزونها، من دون أن يألوا جهداً في سعيهم إلى أن يدركوا ذلك النّجاح، في تحقيق تلك الأغراض الجماليّة في الأنشطة الإبداعيّة المتنوّعة التي كانوا يزاولونها.

1- روبرت م. أغروس وجورج ن. ستانسيو، العلم في منظوره الجديد، ترجمة: كمال خلايليّ، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 134، الكويت، فبراير / شباط 1989، ص54.

2- المصدر السّابق، ص51.

3- المصدر السّابق.

4- المصدر السّابق.

5- المصدر السّابق.

6- المصدر السّابق، ص52.

7- المصدر السّابق.

8- المصدر السّابق.

9- المصدر السّابق.

10- المصدر السّابق، ص53.

11- المصدر السّابق.

12- المصدر السّابق.

 

13- المصدر السّابق.

عكف العلماء على أن يسلكوا السّبل التي تفضي بهم إلى أن يتبيّنوا تلك الحقائق التي ينطوي عليها ذلك الكون، الذي عمدوا إلى أن يمدّوا أنظارهم إلى آفاقه الفسيحة وأرجائه القصيّة، ليكتنهوا طبائع تلك الظّواهر المتنوّعة التي كانت تتراءى لهم في أرجاء شتّى من ذلك الكون، ودأب أولئك العلماء في أن يركنوا إلى أدوات ووسائل المعرفة، التي تتيح لهم الإحاطة بتلك الحقائق التي لجّوا في أن يستكشفوها، وكانوا يعوّلون دائماً على تلك التّجارب التي كانوا يجرونها في أبحاثهم ودراساتهم العلميّة، ليتيسّر لهم أن يبتّوا الحكم على تلك النّتائج، التي كانوا يستخلصونها من تلك الأبحاث العلميّة التي دأبوا في أن ينجزوها، بيد أنّ روبرت م. أغروس ، وجورج ن. ستانسيو ذهبا إلى أن يعتقدا أنّ "الجمال يتحدّى الحقائق"(1)، وكانا قد استرعى أنظارهما "بحث علميّ قدّمه الفيزيائيّان ريتشارد فينمان ومري جيل _ مان عام 1958 وعرضا فيه نظريّة جديدة لتفسير التّفاعلات الضّعيفة"(2)، وقد كانت الفكرة التي لفتت انتباههما في ذلك البحث هو أنّ "النّظريّة تناقض بشكل صارخ عدداً من التّجارب. أمّا الجانب الرّئيس الجذّاب فيها فكان الجمال"(3)، وقد ذكر روبرت م. أغروس، وجورج ن. ستانسيو أقوال العالمين فينمان وجيل _ مان في تعليقهما على نظريتهما التي عرضاها، حيث قالا: "إنّها نظريّة عالميّة ومتناسقة وهي أبسط الإمكانات، ممّا يدلّ على أنّ تلك التّجارب غير صحيحة"(4).

إنّ ذلك الرّأي الذي أفصح عنه هذان الفيزيائيّان، يظهر حالة ذلك التّعارض الحاصل بين النّظريّة العلميّة، ونتائج تلك التّجارب التي لا تثبت صواب تلك النّظريّة، التي يجري عليها العالم اختباراته العلميّة، ليتبيّن بها مبلغ ذلك السّداد الذي تتصف به تلك النّظريّة، وقد تابع الفيزيائيّ جيل _ مان حديثه عن تلك النّظريّة الذي وضعها، إذ ذكر: "غالباً ما يطرح العالم النّظريّ مقداراً كبيراً من البيانات على أساس أنّها إذا كانت لا تنسجم مع خطّة أنيقة فهي غير صحيحة. وقد حدث هذا معي مرّات عديدة، كما في نظريّة التّفاعلات الضّعيفة: لقد كانت هناك تسع تجارب تناقض النّظريّة وكلّها بلا استثناء غير صحيحة. فإذا كانت لديك نظريّة بسيطة تتّفق مع سائر قوانين الفيزياء، ويبدو أنّها تفسّر فعلاً ما يحدث، فلا عليك أن وجدت كمّيّة قليلة من البيانات التّجريبيّة التي لا تؤيّدها. فمن المؤكّد تقريباً أن تكون هذه البيانات غير صحيحة"(5).

عمد العلماء إلى أن يراجعوا دائماً بدقّة تلك المساعي التي يحقّقونها في أبحاثهم العلميّة، بيد أنّهم لم يجدوا بدّاً من أن يقيسوا بمعيار الجمال، تلك النّتائج التي كانت تسفر عنها تلك التجارب التي كانوا يجرونها في دراساتهم العلميّة، حتّى أصبح في وسع هؤلاء العلماء أن يحتكموا إلى مبادئ الجمال، لترشدهم إلى بلوغ الحقائق التي طالما دأبوا في السّعي إلى أن يقفوا عليها، وقد رأى روبرت م. أغروس، وجورج ن. ستانسيو أنّ "الجمال في الفيزياء هو السّمة الغالبة. فالتّجربة تخطئ في الغالب والجمال قلّما يخطئ. فإذا اتّفق أن وجدت نظريّة أنيقة للغاية لا تنسجم مع مجموعة من الحقائق فهي لا محالة واجدة لها تطبيقاً في مجال آخر"(6)، وذاك الرّأي الذي عبّرا عنه، أثبتاه في سياق حديثهما عن الرّياضيّ والفيزيائيّ هرمان فيل الذي ذكرا أنّه كان "مقتنعاً بأنّ نظريّته في القياس لا تنطبق على الجاذبيّة، ولكنه نظراً لكمالها الفنّيّ لم يرد التّخلّي عنها كلّيّاً. وقد تبيّن بعد ذلك بوقت طويل أنّ نظريّة فيل تلقي ضوءاً على ديناميكا الكم الكهربائيّة، فجاء ذلك مصداقاً لحسّه الجماليّ"(7)، وذهب هذان المؤلّفان إلى اعتبارهما الجمال الظّاهر في العلم، هو كالنّبض المتردّد في الأجسام، إذ يثير الجمال أنسام الحياة في بنيان ذلك العلم، حيث قالا: "الجمال - وهو أبعد ما يكون عن الأسلوب غير العلميّ - يبثّ الحياة في العلم"(8).

اشتدّ النّقاش بين أهل الفكر في تحديد ذلك الطّابع، الذي تتّسم به عمليّة التّذوّق الفنّيّ، الذي يتبيّن به الناس معالم الأعمال الفنّيّة، وكان ذلك الجدل الحاصل بين الفلاسفة والباحثين كثيراً ما يحتدّ فيما بينهم، إلى أنّ حسم ذلك النّقاش الدّائر بين هؤلاء المفكّرين، حيث أقرّ بامتلاك بنيان تلك الأعمال الفنّيّة خصائص، تحدّد كنه عمليّة ذاك التّذوّق الفنّيّ، الذي يتقبّل به النّاس ذلك النّتاج الفنّيّ الذي يطّلعون عليه، حيث تتّسم عمليّة التّذوّق الفنّيّ بالطّابع الموضوعيّ، وقد أكّد المفكّر زكريا إيراهيم أنّ "الموضوع الجماليّ ليس مجرّد دعوة إلى التّذوّق أو الاستماع، وإنّما هو أيضاً شيء يتمتّع بطبيعة خاصّة ويفرض علينا (قاعدة) خاصّة في تأمّله، ولئن كنت أنا مصدر الدّيناميكيّة الإستطيقيّة التي ينطوي عليها فعل التّأمّل، إلّا أنّ الاتّجاه الذي تتّخذه تلك الدّيناميكيّة التي أنسبها إلى الأشياء (حين أتأمّلها تأمّلاً فنّيّاً) إنّما يكمن في الأشياء نفسها"(9)، وقد أثبت روبرت م. أغروس، وجورج ن. ستانسيو فحوى تلك النّتيجة الباتّة، التي استخلصت من ذلك البحث الذي أجري للكشف عن طبيعة عمليّة التّذوّق الفنّيّ، الذي ينجزه النّاس الذين يطّلعون على الأعمال الفنّيّة، وإن كانا قد أدركا تلك النّتيجة ذاتها، في اتّباعهما سبيلاً يغاير ذلك النّهج الذي يتّبعه فلاسفة الفنّ وعلماء الجمال، حيث تبصّر هذان المؤلّفان في مباحث المناشط العلميّة، فأكّدا أنّ: "الجمال الذي يبحث عنه الفيزيائيّون ليس نتاج عاطفة فرديّة أو خصوصيّة، بل هو على عكس ذلك. فالفيزيائيّون أنفسهم يشيرون إلى ثلاثة عناصر محدّدة للجمال"(10)، وقد أورد المؤلّفان حديث أينشتاين عن تلك الخصائص الجماليّة التي تتميّز بها النّظريّات العلميّة، إذ قالا: "يلخّص أينشتاين هذه العناصر الثّلاثة للجمال العلميّ بعبارة واحدة فيقول: النّظريّة تكون أدعى إلى إثارة الإعجاب كلّما كانت مقدّماتها أبسط، والأشياء التي تربط بينها أشدّ اختلافاً، وصلاحيّتها للتّطبيق أوسع نطاقاً"(11).

أجمل أينشتاين الحديث عن تلك الخصائص التي تتميّز بها النّظريّة العلميّة، وعمد المؤلّفان روبرت م. أغروس، وجورج ن. ستانسيو إلى أن يصدّقا على ذلك الرّأي الذي ذهب إليه أينشتاين، وما لبثا أن أخذا في تفصيل ذلك الكلام الذي أورده أينشتاين، فقالا: "البساطة إذاً هي العنصر الأول من عناصر الجمال.... ونستطيع أن نطلق على العنصر الثّاني اسم (التّناسق)، واتّساع نطاق تطبيق النّظريّة يراد به روعتها، أيّ مدى وضوح النّظريّة بحدّ ذاتها وإلقائها الضّوء على غيرها من الأشياء"(12)، وقد أردف هذان المؤلّفان على تلك الكلمات التي ذكراها، تعليقهما على حديث الفيزيائيّ جيل _ مان عن النّظريّة التي وضعها، حيث قالا أن تلك العبارة التي تكلّم بها هي "بسيطة تنسجم فعلاً مع سائر قوانين الفيزياء"(13)، وقد تابع حديثهما عن تلك العبارة التي قالها ذلك الفيزيائيّ فقالا أنّها "تصّور الجوانب الثّلاثة للجمال بعبارة واحدة مختصرة، البساطة والتّناسق والروعة"(14)، وأجمع العلماء على اعتبار البساطة هي أحد العناصر، التي يتحلّل إليها مبدأ الجمال الذي يظهر في النّظريّات العلميّة، وقد استشهد روبرت م. أغروس، وجورج ن. ستانسيو، برأي عالم الفيزياء الفلكيّة روجر بنروز في نظريّة أينشتاين في الجاذبيّة، ليؤكّدا أهمّيّة عنصر البساطة في قوام تلك النّظريّات العلميّة التي يضعها العلماء، وكان العالم روجر بنروز قال أنّ "معظم النّظريّات المنافسة ثبت بطلانها بالحجج المقنعة، أمّا القلّة القليلة الباقية فهي على الأغلب مستنبطة مباشرة بحيث تنسجم مع تجارب سبق إجراؤها بالفعل. وليس هناك أيّ نظريّة منافسة تداني النّسبيّة العامّة في أناقتها وبساطة افتراضها"(15).

يؤكّد عنصر البساطة الذي تحدّث عنه العلماء، تلك الخصائص التي كانت تتميّز بها تلك المساعي التي بذلوها في تحقيق أبحاثهم العلميّة، إذ جهدوا في أن يعنوا بدراسة تلك المسائل التي بحثوها، من دون أن يألوا جهداً في تعمّقهم في تحقيق تلك الدّراسات العلميّة، التي سعوا إلى أن يحيطوا فيها إحاطة تامّة، بتلك الموضوعات التي كانوا يعالجونها، حيث اعتقد هذان المؤلفان أنّ مبدأ البساطة "يستلزم شيئين اثنين، الكمال والاقتصاد"(16)، فلا تتحقّق تلك البساطة في تلك النّظريّات العلميّة، إن لم يتمكّن العالم الذي يضعها، من أن يحيط بتلك المسائل كافّة التي كان يعالجها، ولا يتمّ تشكّل ذلك المبدأ إن لم يجهد ذلك العالم في أن يوضّح تلك المسائل التي يتناولها، فيرفع عنها غشاية الغموض الذي كان يكتنفها، وقد أورد هذان المؤلّفان رأي عالم الرّياضيّات والفيزياء هنري بوانكاريه، في عنصر البساطة الذي تتميّز به النّظريّات العلميّة، حيث قال ذلك العالم: "لأنّ في البساطة والضّخامة كلتيهما جمالاً فنحن نؤثر البحث عن حقائق بسيطة وعن حقائق كبيرة"(17)، وعقّب هذان المؤلّفان على كلام العالم بوانكاريه، حيث ذكرا أنّ "النّظريّة الجميلة بهذا المعيار لا بدّ لها من أن تأخذ في الحسبان كلّ الحقائق، وألا تشمل إلّا ما هو ضروريّ، فلا تفريط ولا إفراط. أجل إنّه معيار يصعب استيفاؤه"(18)، ثمّ عمد هذان المؤلّفان إلى أن يزيدا في تأكيدهما ذلك الرّأي الذي اعتمداه، فأوردا حديث هايزنبرغ عن نظريّة الكم، إذ تكلّم عنها قائلاً: "لقد اتّضح على الفور أنّها مقنعة بفضل كمالها وجمالها التّجريديّ"(19).

استرعت أنظار العلماء تلك الخصائصُ الجماليّة التي كانت تجلّت في الأبحاث التي أجروها، وتبدّت في النّظرّيات التي وضعوها، فكانت تستميلهم إليها تلك المظاهر الجماليّة، التي كانت يطغى نفوذها في نفوسهم، وظلّ ذلك الطّابع الجماليّ الذي تتّسم به نظريّاتهم العلميّة، يهيمن أيضاً على عقول هؤلاء العلماء، الذين اندفعوا في الإخبار عن تلك المكتشفات الجماليّة التي كانوا يحقّقونها، وظلّوا يردفون على حديثهم عن تلك الخصائص الجماليّة، تلك العبارات التي تكلّموا بها عن اكتشفاتهم العلميّة، وقد واصل روبرت م. أغروس، وجورج ن. ستانسيو حديثهما عن ظهور تلك الخصائص الجماليّة في تلك النّظريّات التي صاغها العلماء، وكانا لاحظا طابع ذلك التّناسق الذي يندرج في عداد تلك الخصائص الجماليّة، التي طالما اهتم المفكّرون بتتبّع مظاهرها المنتشرة في تلك الأنشطة التي يزاولها الناس، فأورد هذان المؤلّفان حديث العالم أينشتاين عن خاصيّة ذلك التّناسق حيث ذكر أنّه "لا علم من غير الاعتقاد بوجود تناسق داخليّ في الكون"(20)، وألحق هذان المؤلّفان حديث العالم هايزنبيرغ عن ذلك العنصر الجماليّ، بذلك الرّأي الذي أفصح عنه أينشتاين، إذ فسّر العالم هايزنبرغ خاصيّة ذلك التّناسق فحدّدها بأنها "انسجام الأجزاء بعضها مع بعض ومع الكلّ"(21)، وعلّق المؤلّفان أغروس وستانسيو على آراء هذين العالمين، فتحدّثا عن خاصيّة التّناسق، إذ قالا: "النّظريّة الجيّدة في أيّ علم من العلوم هي التي توفّق بين حقائق عديدة لم تكن فيما مضى تربط بينها صلة. كما أن التّناسق يدلّ ضمناً على التّماثل. إنّ في جميع قوانين الفيزياء تماثلاً سارّاً"(22)، وما لبث أن أسهب هذان المؤلّفان في عرضهما آراء بعض العلماء في ذلك العنصر الجماليّ، إذ بدءا بإيرادهما حديث ويلر عن خاصيّة ذلك التّناسق، حيث ذكر "إنّ كلّ قانون من قوانين الفيزياء مردّه إلى شيء من التّماثل في الطّبيعة"(23)، ثم شرع أغروس وستانسيو يستشهدان برأي هايزنبيرغ، ليؤكّدا أهمّيّة خاصيّة ذلك التّناسق، الذي كانا لاحظاه في تلك النّظرّيات العلميّة التي تعمّقا في التّبصّر فيها، حيث كان العالم هايزنبيرغ  يعتقد أنّ "خواص التماثل تشكّل على الدّوام أهمّ سمات النّظريّة"(24)، وخلص هذان المؤلّفان إلى أن يقرّرا حقيقة وجود ذلك التّماثل في القوانين العلميّة أيضاً، إذ قالا أنّ "قانون نيوتن الثّالث مثال معروف على التّماثل في الفيزياء: لكلّ فعل دائماً ردّ فعل معاكس ومساوٍ له، وهذا التّماثل التامّ موجود على المستوى دون الذّرّيّ حيث يقابل كلَّ نوع من الجسيمات جسيم مضادّ له الكتلة نفسها، ولكن بخصائص معاكسة. بل إنّ التّنبّؤ الصّحيح بوجود العديد من الجسيمات دون الذّرّيّة تمّ في المقام الأوّل على أساس هذا التّماثل"(25).

تابع روبرت م. أغروس، وجورج ن. ستانسيو حديثهما عن عناصر الجمال الذي يتجلّى في تلك الأبحاث، التي كان يجريها العلماء، فأخذا في توضيح طابع الرّوعة، التي كانت تتّصف به تلك النّظريّات العلميّة، فرأيا أنّ: "للنّظريّة التي تتّسم بهذه الصّفة وضوح شديد في ذاتها. وهي تلقي ضوءاً على الكثير من الأشياء الأخرى، موحية بإجراء تجارب جديدة. إن نيوتن، مثلاً، قد أدهش العالم بتفسيره للأجسام السّاقطة، ولظاهرتي المدّ والجزر، ولحركة الكواكب والمذنّبات بثلاثة قوانين بسيطة"(26)، ثمّ أورد المؤلّفان أقوال العالم جورج تومسون الذي وافقت آراؤه التي أفصح عنها، ذلك الاعتقاد الذي ذهب إليه هذان المؤلّفان في تحديدهما حقيقة تلك الصّفة الجماليّة، حيث قال العالم تومسون: "إنّه لأمر جميل في الفيزياء كما في الرّياضيات أن تستطيع نظريّة من النّظريّات الجمع بين ظواهر شديدة الاختلاف، وتبيّن اتّصال الظّواهر بعضها ببعض اتّصالاً وثيقاً، أو أن تجمع بين مختلف عناصر الظّاهرة الواحدة"(27)، وأكّد هذان المؤلّفان انطباق آراء العالم تومسون على تلك الخصائص التي كانت تتّسم بها نظريّة النّسبيّة العامّة، إذ ذكرا: "وهذا بالضّبط ما تفعله نظريّة النّسبيّة العامّة بطريقة أنيقة ومدهشة كما يشير إلى ذلك عالم الفيزياء الفلكيّة س. تشاندرا سيكار بقوله: إنّها تكمن أساساً في الرّبط بين مفهومي جوهريّين بوضع أحدهما بجانب الآخر، وهما مفهومان ظلاّ يعبران حتّى ذلك الحين مستقلّين تمام الاستقلال: مفهومي المكان والزّمان من جهة، ومفهومي المادّة والحركة من جهة أخرى، وعلاوة على ذلك أثبتت النّسبيّة العامّة روعتها غير العادّيّة بإلقائها الضّوء على علم الكونيّات، والفيزياء الفلكيّة، وميكانيكا الكم"(28)، فإن كان العلماء قد توغّلوا في إنجازهم دراساتهم العلميّة، إلّا أنّ لم تكن تغيب عن أذهانهم فكرة استكشاف مظاهر الجمال، الذي كانت تفتنهم سماته البادية في تلك الأبحاث العلميّة التي كانوا يجرونها.

1_ روبرت م. أغروس وجورج ن. ستانسيو، العلم في منظوره الجديد، ترجمة: كمال خلايليّ، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 134، الكويت، فبراير / شباط 1989، ص47.

2_ المصدر السّابق.

3_ المصدر السّابق.

4_ المصدر السّابق.

5- المصدر السّابق.

6_ المصدر السّابق، ص 48.

7_ المصدر السّابق.

8_ المصدر السّابق.

9_ زكريا إبراهيم، مشكلة الفنّ، مكتبة مصر، القاهرة 1959، ص 221.

10_ روبرت م. أغروس وجورج ن. ستانسيو، العلم في منظوره الجديد، ترجمة: كمال خلايليّ، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 134، الكويت، فبراير / شباط 1989، ص 48.

11_ المصدر السّابق.

12_ المصدر السّابق.

13_ المصدر السّابق.

14- المصدر السّابق.

15- المصدر السّابق، ص 48- 49.

16_ المصدر السّابق، ص 49.

17_ المصدر السّابق.

18_ المصدر السّابق.

19_ المصدر السّابق.

20- المصدر السّابق.

21_ المصدر السّابق.

22_ المصدر السّابق.

23_ المصدر السّابق.

24_ المصدر السّابق.

25_ المصدر السّابق.

26_ المصدر السّابق، ص 49_ 50.

27_ المصدر السّابق، ص 50.

 

28_ المصدر السّابق.

يغشى قتام الجهالة أبصار النّاس بأستاره الحالكة، ليحجب عن أنظارهم كنه ذلك العالم الذي يحيون فيه، فتطبق تلك الدّياجير الدّامسة مناكب الأرض، لتوصد منافذ الضّياء على ذلك الإنسان الذي تأبّى أن يتقلّب في وقائع الحياة، خابطاً في عماية الجهالة، وأنف من أن يسلك معتسفاً مدارج الأرض، فاهتدى الطّريق إلى استجلائه كنه ذلك الكون، فركب سبيل العلم الذي يفضي بمن يسلكه إلى أن يتبصّر تلك الحقائق التي يضمرها ذلك العالم، واتّبع الإنسان تلك الطّرائق والأساليب التي تعتمدها قواعد ذلك العلم، فدأب في أن يفضّ ختم تلك الأبواب التي تنفرج عن شعاب ذلك العالم، الذي تطرّق ذلك الإنسان إلى أن يسبر غوره القصيّ، حيث استفرغ طاقاته في أن يزيل حجب تلك الجهالة عن بصيرته ليتأتّى لطرفه أن ينفسح مستجلياً تلك السّرائر، التي ينطوي عليها ذلك الكون الذي يعيش فيه ذلك الإنسان.

تناجحت مساعي الإنسان في خوضه غمار ذلك النّشاط العلميّ الذي زاوله، إذ أدار فكره بظواهر عديدة تجلّى عنها ذلك العالم، وأحاط ذهنه بدقائقها الغامضة، ووضع النّظريّات والتّفاسير التي تبيّن تلك الحقائق التي تبطنها هذه الظّواهر، وكان ذلك الإنسان يشتقّ طريقه قدماً في نشاط آخر، بينما كان يغذّ سيره في ذلك السّبيل العلميّ الذي انتهجه، حيث واصل أولئك الفنّانون الأفذاذ ابتكار الأعمال الفنّيّة الجليلة، سالكين سنن النّشاط الفنّيّ الإبداعيّ، وقد اختلف هذان النّهجان اللذان تفرّق النّاس في اتّباعهما، إذ كانت الطّرائق التي يجري عليها العلماء في مزاولة أنشطتهم العلميّة، تباين الشّرائع التي يمضي عليها الفنّانون في إنجازهم الأعمال الفنّيّة، حتّى وقر في أفئدة النّاس أنّ اختلاف هذين الطّريقين، اللذين تشّعبوا في انتهاجهما، يرسخ القطيعة بين ميداني الفنّ والعلم، ويفرّق بين تلك المقاصد، التي توخّى النّاس أن يدركوها في مزاولتهم هذين النّشاطين، اللذين كانا يسفران لمن يبلغ آمادهما القصيّة عن مرام متوافقة، ومقاصد متطابقة، تكاد تلأم بين هذين النّشاطين برابطة وثيقة لا تنفصم، فقد أيقنت فئة من العلماء الذين سلكوا المنهج العلميّ، أنّ النّتائج التي خلصت إليها من تلك الأبحاث العلميّة التي أنجزتها، تطابق تلك المضامين التي تنجلي عنها الأعمال الفنّيّة، فكأنّما حقائق هذا العالم، يشعّ سناها متشعّباً في هذين النّهجين اللذين توزّع الفنّانون والعلماء في اتّباعهما، فينتشر ضياء تلك الحصيلة المعرفيّة في هذين النّشاطين اللذين عمد إلى أن يمارسهما النّاس، الذين اهتدوا فيهما السّبيل إلى تلك الحقائق التي طالما سعوا إلى أن يحيطوا بها علماً.

ذهبت جماعة من العلماء إلى تأكيد تماثل تلك الأسس، التي يعتمدها العلم والفنّ في تلك الأنشطة التي تنضوي تحت لوائهما، فإذا كانت يشترط على النّتاج الذي ينجزه الفنّانون أن يتميّز بصفة الجمال، الذي يسم أعمالهم بالخاصيّة الفنّيّة الأصيلة التي تدرج نتاجهم في عداد المبتكرات الفنّيّة، فإنّ الفيزيائيّ لويس دو بروجلي تكلّم عن سمة الجمال التي تبرز في البحوث العلميّة، إذ قال: "كان الإحساس بالجمال في كلّ عصر من تاريخ العلوم دليلاً يهدي العلماء في أبحاثهم"(1)، وقد أكّد روبرت م. غروس وجورج ن. ستانسيو ذلك الأثر الذي يحدثه ذلك الشّعور بالجمال في الأعمال التي يزاولها العلماء، حيث قالا: "نجد الجمال في النّظرة الجديدة وسيلة من وسائل اكتشاف الحقيقة العلميّة"(2)، وقد أوردا فقرات ذكرها جيمس واتسن في كتابه "اللّولب المزدوج"، حيث بيّن أنّ الجمال كان هادياً له إلى اكتشاف التّركيب الجزيئيّ ل دن ا DNA، إذ قال "كنّا نتناول طعام الغذاء ويقول كلّ منّا للآخر إنّه لا بدّ من وجود تركيب على هذا الجانب من الجمال، وأقرّ جميع الحاضرين تقريباً بأنّ تركيباً في مثل هذا الجمال لا بدّ من أن يكون موجوداً"(3).

تعدّدت شهادات العلماء على تأكيد الخصائص التي تحدّد سمة الجمال، الذي كان أولئك العلماء يستهدون به في نشاطهم العلميّ الذي يزاولونه، وقد أورد روبرت م. غروس وجورج ن. ستانسيو بعضاً من أقاويل العلماء، الذين كانوا يستدلّون بوجود صفة الجمال على صحة تلك الحقائق العلميّة، التي كانوا يتهيّؤون لإعلانها، حيث قالا: "يجمع أبرز علماء الفيزياء في القرن العشرين على أنّ الجمال هو المقياس الأساسيّ للحقيقة العلميّة، فالفيزيائيّ ريتشارد فينمان يرى أنّ المرء يمكن أن يستبين الحقيقة بفضل جمالها وبساطتها، ويعلن هايزنبيرغ أنّ الجمال في العلوم الدّقيقة وفي الفنون على السّواء هو أهمّ مصدر من مصادر الاستنارة والوضوح، وكبار علماء الفيزياء النّظريّة في عصرنا هذا، أحرزوا كشوفاً كبيرة بنشدانهم الجمال. ويلاحظ فيرنز هايزنبيرغ فيما يتعلّق بميكانيكا الكم _ وهو المجال الذي قام فيه ببحوث رائدة _ أنّه ثبت في الحال أنّ النّظريّة مقنعة بفضل كمالها وجمالها التّجريديّ"(4)، ويذهب روبرت م. غروس وجورج ن. ستانسيو إلى الإشارة إلى أنّ "علماء الفيزياء يرون أنّ نظريّة النّسبيّة العامّة هي أجمل النّظريّات الفيزيائيّة الموجودة على الإطلاق"(5)، وقد أورد هذان المؤلّفان في كتابهما العلم في منظوره الجديد، إشادة إيرون شرودنغر بهذه النّظريّة حيث قال: "إنّ نظريّة أينشتاين المذهلة في الجاذبيّة لا يتأتّى اكتشافها إلا لعبقريّ رزق إحساساً عميقاً ببساطة الأفكار وجمالها"(6)، ولم يجد هذان المؤلّفان في تعليقهما على رأي إيرون بدّاً من أن يقتصرا في قولهما على إيراد حديث العالم أينشتاين بذاته عن هذه النّظريّة، إذ ذكرا: "كما أشار أينشتاين نفسه إلى جمال هذه النّظريّة في خاتمة مقالته الأولى عن الجاذبيّة حيث قال: لا يكاد أحد يفهم هذه النّظريّة تمام الفهم يفلت من سحرها"(7).

دأب العلماء في أن يدرجوا إجراء التّجارب في مدار ذلك المنهج العلميّ الذي يتّبعونه، فكانوا يلتمسون منها تلك الحجّة الرّاجحة التي ترشح بها، ليّتخذوها دليلاً دامغاً على صحّة تلك الحقائق التي يتوصّلون إلى إثباتها، وقد اشتطّ بعض العلماء في الاعتماد على انتهاج سبيل تلك التّجارب، حتّى عدّوها حكماً فيصلاً في تقدير شؤون تلك النّظريات التي عكفوا على صياغتها، بيد أنّ روبرت م. غروس وجورج ن. ستانسيو خالفا سعي العلماء إلى الاقتصار على الأخذ بمقياس التّجارب، لتبيان حقيقة تلك النّظريّات التي يضعها هؤلاء العلماء، حيث أكّدا أنّ "الجمال معيار أساسيّ في الفيزياء لدرجة أنّه يقدّم حتّى على التّجربة"(8)، وقد استشهد غروس وستانسيو أيضاً برأي الفيزيائيّ بول ديراك الذي رأى أنّ "وجود الجمال في معادلات العالم أهمّ من جعل هذه المعادلات تنطبق على التّجربة"(9)، واعتقد هذان المؤلّفان "أنّ الجمال دليل جدير بالثّقة"(10)، ثمّ خلصا إلى تأكيد ذلك الرّأي بإيرادهما أقوال الفيزيائيّ جورج تومسون إذ ذكر: "إنّ المرء يستطيع دائماً أن يقدّم نظريّة، أو عدداً كبيراً من النّظريّات، لتفسير حقائق معروفة، بل للتّنبّؤ بحقائق جديدة أحياناً. والجمال هو الفيصل. فالنّظريّات بعضها صعب المأخذ ومحدود النّطاق وتعسّفيّ. وقلّما تدوم هذه طويلاً"(11)، فمضى الفنّانون والعلماء معاً على تحقيق صيغ الجمال في تلك المبتكرات التي وضعوها، حيث تعدّدت تلك السّبل التي تفضي إلى الوقوف على مظاهر الجمال في تلك الأفعال التي يأتيها النّاس.

1- روبرت م. أغروس وجورج ن. ستانسيو، العلم في منظوره الجديد، ترجمة: كمال خلايليّ، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 134، الكويت، فبراير / شباط 1989، ص45.

2- المصدر السّابق، ص 46.

3- المصدر السّابق.

4- المصدر السّابق.

5- المصدر السّابق.

6- المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق، ص 46، 47.

8- المصدر السّابق، ص 47.

9- المصدر السّابق.

10- المصدر السّابق.

 

11- المصدر السّابق. 

استمرّ النّاس على افتتانهم بروائع الأعمال الفنّيّة، التي كانت تتوزّع إلى ميادين الفنون المتنوّعة، فكانت تستهويهم مقطوعات الألحان الموسيقيّة الأخّاذة، وتستميلهم روائع الفنون التّشكيليّة، ويعجبون بنتاج الأعمال الدّراميّة، ويتابعون بشغف سائر أصناف المبتكرات الفنّيّة، فكانوا يتذوّقون الأعمال الفنّيّة المتعدّدة، التي كانت تجمع بينها الخصائص الفنّيّة المشتركة، التي اتّسمت بها تلك البدائع الفنّيّة المتنوّعة، فإن تفرّق الفنّانون في ميادين شتّى في مزاولتهم الأنشطة الفنّيّة المختلفة، بيد أنّ كانت تربط بين الرّوائع المبتكرة التي يبدعونها، تلك السّماتُ الفنّيّة التي كانت تتميّز بها مبتكرات الفنون المتعدّدة، التي أنجزها أولئك الفنّانون المبدعون، وقد عني الفلاسفة وعلماء الجمال بالتّروّي في تلك الرّابطة التي تجمع بين بدائع الفنون المتنوّعة، وما لبثوا أن أفصحوا عن آرائهم، التي حدّدوا فيها طبيعة تلك الخصائص المشتركة بين الأعمال الفنّيّة المتعدّدة، وكان يقع في اعتقاد جموع النّاس الذين مضوا على تذوّق المبتكرات الفنّيّة، أنّهم تبيّنوا وجود تلك العلاقة، التي تربط بين صنوف الأعمال الفنّية المتنوّعة التي يتذوّقونها، وإن كان هؤلاء الأفراد لم يشغلوا أنفسهم كثيراً، بالبحث في خصائص تلك العلاقة التي كانت تجمع بين تلك البدائع الفنّيّة، التي استغرق علماء الجمال والفلاسفة في التّبصّر في تلك الرّوابط التي تجمع بينها، حتّى وقر في فكر هؤلاء الفلاسفة أنّ الفنّ هو "هذا الشّيء المشترك الذي يجمع بين الكاتدرائيّة والسّيمفونيّة، بين المنحوت والمنقوش، بين المنظوم والمنغوم، أو هو ما يسمّح لنا بأنّ نقارن التّصوير بالشّعر، والمعمار بالرّقص، والموسيقا بالنّحت"(1).

جهد علماء الجمال والباحثون في أن يحيطوا بتلك العلاقة التي تجمع بين أصناف الفنون المتعدّدة، وحاولوا أن يتخيّروا أنسب الطّرائق التي تفضي بهم إلى أن يستكشفوا الخصائص المشتركة، بين بدائع الفنون المتنوّعة، وكثيراً ما كانوا يسترشدون بتلك الوقائع التي تحفل بها سير الفنانين أنفسهم، الذين أنشؤوا علاقات متنوّعة مع أصناف الفنون، التي كانت تغاير ذلك النّشاط الفنّيّ الذي كانوا يتمرّسون بمزاولته، فإن كانت الأقوام التي تقبل على تذوّق الأعمال الفنّيّة المتنوّعة، لم تفتر عن أن تلمّح إلى معالم التّشابه، التي تتمكّن من أن تجدها بين الأعمال الفنّيّة المتنوّعة، وإذا كان الباحثون يقدمون على أن يضعوا النّظريّات ويصيغوا القواعد، التي تؤكّد تحقّق تآلف تلك الفنون المتنوّعة، بعد أن تبصّروا في بنيان تلك الأعمال الفنّيّة المختلفة، لكن إذا اندفع الفنّان نفسه في أن يفصح عن تلك الرّابطة، التي يتيقّن بوجودها بين البدائع الفنّيّة التي كان يعاينها، فإنّه يؤكّد تحقّق تلك الخصائص المشتركة بين أصناف الفنون المختلفة، بعد أن كان تعمّق في ممارسة ذلك النّشاط الفنّيّ، الذي كان يتناول فيه تلك القواعد والأسس التي تنبني عليها، تلك الخصائص الفنّيّة المشتركة التي تجمع بين صنوف الفنون المتنوّعة.

إن أولئك الفنّانين الذين تمرّسوا بمزاولة نشاطهم الفنّي الإبداعيّ، كان يتهيّأ لهم أن يهتدوا ببصائرهم النّيّرة إلى الوقوف على تلك الصّلة، التي تجمع بين تلك المبتكرات الفنّيّة المتنوّعة التي كانوا يطّلعون عليها، وأمّا إذا سعى أولئك الفنّانون بأنفسهم، إلى أن ينشئوا تلك العلائق المتنوّعة مع سائر المبتكرات الفنّيّة، فتتّضح آنئذ في جلاء تامّ تلك الرّابطة التي تجمع بين تلك الفنون المختلفة، فمهما تنوّعت طبيعة تلك العلاقة التي تربط أولئك الفنّانين مع أصناف تلك الفنون المتعدّدة، فهي تبيّن قيام تلك الخصائص المشتركة بين أنواع تلك الفنون، وإذا أخذ الفنّانون أنفسهم في الحديث عن طبيعة تلك الصّلة النّاشئة بين تلك الفنون المتنوّعة، بعد أن عاينوا تلك العلاقة ببصيرتهم، وتناولوا القواعد التي تتأسّس عليها، في إنجازهم عمليّة الابتكار الفنّيّ، فيثبتون عندئذ بدقّة بالغة تحقّق تلك الصّلة التي تجمع بين تلك الفنون المتنوّعة، وإذا كان فلاسفة الفنّ كثيراً ما دأبوا في أن ينعموا أنظارهم في تلك الأفعال، التي كان يجيئها الفنّانون في استكشافهم تلك الصّلات، التي تجمع بين أصناف الفنون المختلفة، فإنّ الرّسّامة التّشكيليّة خالصة هلال حقّقت تلك المساعي العديدة، التي يتاح للمفكّرين والباحثين أن يسترشدوا بها، ليتبيّنوا تلك العلاقة التي تجمع بين المناشط الفنّيّة المتنوّعة، التي كانت الرّسّامة خالصة هلال وثّقت صلتها بها، وبإمكان أولئك الباحثين أن يتبصّروا في تلك الأحداث التي حفل بها نشاطها الفنّيّ الذي زاولته، وفي وسعهم أن يتّخذوا تلك الوقائع دلائلَ أكيدةً، وبراهين ثابتة على تحقّق تلك الرّابطة التي تجمع بين أصناف الفنون المختلفة.

واصلت الفنّانة خالصة هلال تتبّعها الأنشطة الفنّية كافّة، التي كانت تزخر بمبتكرات الجمال الفنّيّ الرّائع، وكان تفصح في تلك الأحداث التي كانت تعيشها في مجرى الحياة، عن شغفها الشّديد بالاطّلاع على كلّ تلك الأنشطة الفنّيّة، التي كانت اندرجت في عدادها تلك الأعمال المسرحيّة، التي حرصت دائماً على أن تحضرها في مسارح مدينتي حلب ودمشق، وهي لم تكد تشاهد تلك الوقائع التي تشتمل عليها تلك المسرحيّات التي كانت تتابعها، حتّى كانت تتشكّل في فكرها تلك الصّور التي تظهر فيها عناصر تلك المسرحيّة التي شاهدتها، وتطوف في مخيّلتها وقائع ذلك العمل الدّراميّ الذي كانت تمعن النّظر فيه، وسرعان ما كانت ترسخ في فكرها تلك الصّيغ الفنّيّة التي كانت تنبني فيها أحداث تلك المسرحيّة التي تشاهدها، فتتوالى في ذهنها الأحداث المسرحيّة متتابعة، حتّى تكاد تحيط بخيالها بذلك الفضاء الذي تظهر فيه أحداث تلك الأعمال المسرحيّة.

ابتدأت الرّسّامة خالصة هلال في متابعة العروض المسرحيّة منذ كانت طالبة شابّة، تتلقّى العلم في المدرسة إبّان المرحلة الثّانويّة من الدّراسة، وظلّ شغفها بالمسرح ينمو في نفسها واستمرّ ذلك الولع بالمسرح يمسّ شغاف قلبها منذ سنوات تلك اليفاعة التي فتنت فيها بعالم المسرح، وقد تحدّثت الرّسّامة خالصة هلال عن تلك الفترة فقالت: "بدأ تعلّقي بالمسرح منذ كنت بالمرحلة الثّانويّة، وحتّى الآن أنا أحبّ القراءة جدّاً، ومطالعة الكتب تحلّ بالمرتبة الثّانية بعد الرّسم، وفي الوقت الذي كان يتوّقف فيه تقديم العروض المسرحيّة، كنت ألجأ إلى قراءة الكتب المسرحيّة، وكان يستأثر باهتمامي الحوار الذي تتضمّنه المسرحيّات، حيث كان ذلك الكلام الذي يدور بين الممثّلين يعبّر عن الأفكار بعبارات وجيزة وبكلام مختصر"،ولم تكن تكتفي الرّسّامة خالصة هلال بأن تنشئ في خيالها الواسع ذلك البنيان المسرحيّ الدّراميّ، ولم تكن تقنع بالتّفرّج على العمل المسرحيّ الذي كان يجلب إليها السّعادة والغبطة، فلم تجتزئ بأن تتابع تلك المسرحيّات التي كانت تترقّب ذاك الوقت الذي تقدّم فيه على المسارح، بل هي عمدت إلى أن تخوض في المساهمة في إنشاء البنيان المسرحيّ ذاته، الذي يظهر على خشبات المسارح، التي طالما كانت تتردّد إليها، فقد أخذت في أن تشارك في إنجاز تلك الصّيغة الفنّيّة الدّراميّة التي تنبني فيها المسرحيّة، فأغنت الرّسّامة خالصة هلال نشاطها الفنّيّ الإبداعيّ، بمشاركتها في إنجاز مسرحيّات قدّمت على المسارح في مدينة حلب.

اتّبعت الفنّانة خالصة هلال سبيل الإبداع الفنّيّ في مزاولتها نشاط الفنّ التّشكيليّ، وذلك النّهج الذي سلكته في ابتكار لوحات الرّسم البديعة، هيّأ لها أن تساهم مساهمة فعّالة في تنفيذ الأعمال المسرحيّة، التي راعت فيها تحقّق تلك الصّيغة، التي تتكامل فيها العناصر العديدة التي تشكّل البناء الدّراميّ، الذي طالما كانت تنشئ صوره في خيالها، قبل أن تأخذ في المساهمة في صنع ذلك العمل الدّراميّ الذي يقدّم على المسارح، أفلم يصف بايير فنّ الرّسم بأنّه "يعبّر لنا عن الأعماق بالسّطوح، والحركات بالسّكنات، والمعاني بالأشكال"(2)، والمسرح هو فنّ مركّب جماعيّ يتكوّن من مناشط فنّية متنوّعة تضمّ النّصّ الأدبيّ والموسيقا والرّسم بالإضافة إلى سائر العناصر الفنّيّة الأخرى، وقد حدّد هارولد كلارمان المسرح بأنّه "ترجمة نصّ المسرحيّة إلى لغة مسرحيّة، وهذا يعني تطوير المسرحيّة من نصّ مكتوب، إلى عرض واضح، وممتع عن طريق الممثّلين الأحياء، والأصوات، والألوان، والحركة"(3)، وقد سئلت الفنّانة خالصة هلال في أحد اللّقاءات الصّحفيّة عن تلك الرّابطة التي ألّفت بينها وبين المسرح، فقيل لها: "بينك كفنّانة، وبين القراءة المسرحيّة علاقة هامّة ماذا تقولين عنها؟"(4)، وذلك الوصف الذي تضمّنه ذلك السّؤال قرّر حقيقة لم تكن تخفى على أحد، وهي "العلاقة الهامّة" التي نشأت بين الرّسّامة خالصة هلال والفنّ المسرحيّ، وهي أجابت عن ذلك السّؤال قائلة: "عندما كنت في حلب، كنت أرسم خلفيّات الأعمال المسرحيّة التي كانت تمثّلها كلّ من ثراء دبسي وأختها ثناء دبسي... وأنا أحبّ المسرح كثيراً، لأنّ قراءة الأعمال المسرحيّة تعطي لخيالي شحنات مخزون رمزيّ لأشخاص دون تنميق.. تأخذ رموزاً عندي يفهمها المثقّف، وهي واضحة وبعيدة عن الانغلاق"(5).

كانت الرّسّامة خالصة هلال تجلّ تلك المكانة الرّفيعة التي يحلّ بها المسرح، فاعتبرته المكان الذي تصقل فيه الذّائقة الفنّيّة عند النّاس، الذين يتابعون تلك المسرحيّات، وهي كانت تعتقد اعتقاداً جازماً بأنّ المسرح هو الفنّ الذي يهيّئ لأن تنغرس القيم الجماليّة والفكريّة الرّفيعة عند النّاس كافّة، الذين يشاهدون الأعمال المسرحيّة، وحرصت الفنّانة خالصة هلال على أن تصحب ولديها إلى المسارح منذ كانا يافعين، حيث سعت إلى أن ترسّخ في نفسيهما تلك الرّغبة في متابعة العروض المسرحيّة، وهي تحدّثت عن تلك المسرحيّات التي كانت تحضرها مع ابنيها، إذ قالت: "كنت أحضر مع ولديّ كلّ المسرحيّات في صالة الحمراء في دمشق، حيث شاهدنا عروض المسرح القوميّ بمسرحيّاته الجادّه والرّائعة، وغالباً ما كنا نحضر كل ّعرض مسرحيّ مرّات عديدة، لأنّي كنت بعد أن نشاهد المسرحيّة، ونرجع إلى المنزل، أبدأ في أن أناقش ابنيّ في موضوع تلك المسرحيّة التي رأيناها، وكنت أدأب في أن أبيّن لهما المغازي التي يتضمّنها العرض المسرحيّ، ثمّ كنا نعاود مشاهدة ذلك العرض المسرحيّ مرّه ثانية، وكنت أعجب جداً بتلك المسرحيّات التي كانت تمثّل فيها الممثّلة المبدعة منى واصف". وقد ظلّ المسرح ذلك المكان المأنوس الذي ظلّت توثّق الرّسّامة خالصة هلال علاقتها به، وهي أحبّت أن تنقل إلى أحفادها تلك الرّغبة في متابعة العروض المسرحيّة، فحرصت على أن تنشئهم على محبّة الأعمال المسرحيّة، ودأبت في أن تغرس في نفوسهم منذ الصّغر، الميل الدّائم إلى تذوّق الأعمال الفنّيّة، التي اشتملت على الأعمال المسرحيّة، التي كانت تصطحب أحفادها ليشاهدوها، وهي سعت دائماً إلى أن تؤكّد ذلك المغزى التربويّ الجليل، الذي ظهر في الطّريقة التي اتّبعتها في تنشئة أحفادها تلك النشأة القويمة، إذ قالت: "كنت أتابع العروض المسرحيّة بدار الأوبرا في دمشق، وكنت أحرص على أن أحضر كل الأعمال المسرحيّة، وحاولت أن أعيد ما بنيته مع ولديّ، في علاقتي مع أحفادي الذين كنت أصطحبهم معي ليحضروا تلك العروض المسرحيّة".

وجدت الرّسّامة خالصة هلال في تلك المسرحيّات التي كانت تشغف بمتابعتها، ذلك التّعبيرَ الفنّيّ الجماليّ، الذي كانت تستند إلى قواعده الدّقيقة الرّاسخة، في رسمها لوحاتها الفنّيّة الجميلة، وإن كانت تشكّلت في فكرها دائماً تلك الصّور التي احتوت أحداث العمل الدّراميّ الذي تشاهده، فإنّها تمكّنت أيضاً من أن ترسم على سطح اللّوحة الصّيغة الفنّيّة المبتكرة، التي عبّرت فيها عن تلك المعاني الذي كان ينطوي عليها ذلك البناء الدّراميّ، الذي كانت تنشأ فيه أحداث المسرحيّة، فاستطاعت الرّسّامة خالصة هلال أن تخوض في ميدان ذلك الابتكار الفنّيّ، الذي تضافرت فيه اللّوحات البديعة التي رسمتها مع سائر المبتكرات الفنّيّة، التي تظهر في البناء الدّراميّ، الذي كان مخرج المسرحيّة عمد إلى أن يبدعه في لوحة مسرحيّة فنّيّة مبتكرة، فتعمّقت الرّسامة خالصة هلال في تحقيق عمليّة ذلك الإبداع الفنّيّ، في مزاولتها نشاط فنّ الرّسم التّشكيليّ، وأحاطت بتلك القدرات الكبيرة التي تختزنها اللّوحة، وما كادت تعمد إلى أن تمضي على أن تساهم في إنجاز الأعمال المسرحيّة، حتّى قدّمت نتاجها الفنّيّ المبتكر، الذي ائتلف مع سائر البدائع الفنّيّة، حيث نشأت تلك الصّيغة المسرحيّة البديعة، التي تجمعّت فيها كلّ تلك الطّاقات التّعبيريّة الفنّيّة، التي أبدعها فنّانون عديدون ساهموا جميعهم في إنجاز عناصر تلك المسرحيّة، التي ضمّت نتاج فنون عديدة متنوّعة.

1- زكريا إبراهيم، مشكلة الفنّ، مصر _ دار مصر للطّباعة (د.ت)، ص 248.

2- المرجع السّابق، ص247.

3- سعد أردش، المخرج في المسرح المعاصر، سلسلة كتب عالم المعرفة – المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب _ الكويت، 1979، ص 292.

4- جريدة تشرين، العدد 6966، ص7، تاريخ 22/11/1997.

 

5- المرجع السّابق.

دأب النّاس في المجتمعات كافّة في أن يتداولوا البحث في المسائل والقضايا، التي كان عكف كلّ منهم على أن يجيل النّظر فيها، ولا تكاد تتوافق وجهات نظرهم إلى تلك المسائل، التي عمدوا إلى أن يبحثوا فيها، حتّى يتيسّر لهؤلاء النّاس الذين أدلوا بدلوهم في النّقاش الدّائر بينهم، أن يسعوا إلى تحديد تلك الطّريقة التي يتناولون فيها تلك المسائل، التي كانوا ينظرون فيها في تلك المحاورة التي جرت بينهم، وذلك الاتّفاق بين آراء أولئك الأفراد، يهيّئ لهم أيضاً أن يهمّوا بتحقيق رغائبهم في معالجة المسائل التي كانوا أجالوا الرّأي فيها، وكان الفلاسفة والمفكّرون منذ أزمنة سحيقة في القدم، عنوا بدراسة نشوء ذلك الرّأي المشترك بين النّاس في مجتمعات شتّى، وكان أولئك المفكّرون يسمّون ذلك الرّأي بصوت الجماهير(1)، وذلك الاسم الذي أطلقه هؤلاء المفكّرون على الرّأي المشترك، يطابق في معناه مفهوم ذلك المصطلح الذي خلص المفكّرون إلى أن يطلقوه في العصور الحديثة، على ذلك الرّأي المشترك، الذي اتّفقوا على تسميته بالرّأي العامّ.

ظلّ النّاس في المجتمعات كافّة خلال الحقب التاريخيّة المديدة، يؤكّدون حرصهم على أن يوثّقوا اعتناقهم بتلك الآراء المشتركة فيما بينهم، بيد أنّ كانت تتفاوت قدرات هؤلاء القوم على تحقيق وجهات نظرهم المشتركة، في معالجة المسائل التي برزت في المجتمعات التي يعيشون فيها، ولم تكد تحل سنوات العقد الثّامن من القرن الثّامن عشر، حتّى حدثت في أمريكا الثّورة الأمريكّية، التي لم يلبث أن أعقبها في فرنسا بعد برهة يسيرة، قيام الثّورة الفرنسيّة، وقد اتّضحت في وقائع هاتين الثّورتين جليّاً، تلك المهامّ الكبيرة التي اضطّلعت بالقيام بها، الجماهير التي اندفعت في تحقيق هاتين الثّورتين، إذ أثبت هؤلاء الأقوام في هذين البلدين، امتلاكهم ذلك النّفوذ القويّ في تحقيق رغائبهم في تصريف شؤون المجتمع الذي كانوا يعيشون فيه، وبدأ الفلاسفة والمفكّرون منذ ذلك الحين في ختام القرن الثّامن عشر، يعنون بالتّعمّق في دراسة تلك الأسباب التي تؤدّي إلى نشوء الرّأي المشترك بين النّاس، وقد وضع منذ الحين مصطلح الرّأي العامّ، واهتمّ الباحثون بتحديد أسباب حصول ذلك التّباين في مراتب ذلك التّقدير، الذي كان يحظى به الرّأي العامّ عند النّاس خلال الأزمنة التّاريخيّة المديدة، حيث اعتبر أنّ "الاختلاف الوحيد بين المناقشات القديمة والحديثة، في هذا الصّدد، فهو ذلك الذي يتعلّق بإدراك النّفوذ الذي يفرضه، أو ينبغي أن يفرضه، الرّأي العامّ على تصرّفات السّاسة والفلاسفة".(2)

إنّ ذلك التّبدّل الذي طرأ على قدرة النّاس على فرض إرادتهم في تصريف شؤون المجتمع الذي يعيشون فيه، دفع الباحثين إلى أن يعزوا إلى الرّأي العامّ، حيازة نفوذ قويّ في التّأثير في تلك الأحداث السّياسيّة التي تجري في المجتمع، وعدّوا الرّأي العامّ هو "قوّة ضغط حقيقيّة في النّظم السّياسيّة المعاصرة"(3)، بل أنّ ذهب أحد هؤلاء الدّارسين إلى أن يؤكّد أنّ "الرّأي العامّ يلعب دوراً أساسيّاً في تحديد طبيعة النّظام وفي تشكيل الأفكار السّياسيّة"(4)، واعتبر النّاس ذلك الرّأي العامّ الذي يجمع بينهم، أنّه يعبّر عن وجهات نظرهم الحقيقيّة إلى تلك الأفكار السّياسيّة الرّائجة في المجتمع، الذي كان هؤلاء النّاس ينضوون إليه، وهم عدّوا أيضاً نشوء الرّأي العامّ "كعامل فعّال في اتّجاهات الفكر السّياسيّ، وفي اتّخاذ القرارات السّياسيّة"(5)، ولم يكن يتأتّى للدّارسين أن يغضّوا الطّرف عن ذلك النّفوذ الذي أصبح ذلك الرّأي العامّ يحوزه، فكانت "دراسة النّظم السّياسيّة تشمل تلك القوى التي توجد دون تنظيم من القانون ولكنّها تلعب دوراً في توجيه النّظام، مثل الأحزاب السّياسيّة والرّأي العامّ والدّعاية والصّحافة، وغير ذلك من القوى الفعليّة أو المستترة"(6)، وظلّ اهتمام الباحثين بدراسة الرّأي العامّ، يزداد رسوخاً في الأبحاث كافّة التي كان يجريها علماء السّياسة والاجتماع، وقد ذهب الفقيه أ. ث. بنتلي إلى أن يعتقد أنّ "الذي يكتب عن الدّولة والقانون والسّياسة، دون أن يقترب من الرّأي العامّ ويتفهّمه، فإنّه ببساطة يتجاهل أهمّ الأسس التي تقوم عليها هذه الدّراسة".(7)

عكف الباحثون على أن يصيغوا تلك التّعاريف التي جهدوا في أن يحدّدوا فيها مفهوم الرّأي العامّ، واختلفت تلك السّبل التي انتهجوها في تحديد تلك المعاني التي يتضمّنها ذلك المصطلح، الذي أطلقوا عليه عبارة الرّأي العامّ، فكان كلّ مفكّر يبحث في مفهوم ذلك المصطلح بحسب ذلك النّهج الذي أوجبت عليه أن يتّبعه، تلك الأسباب التي اعتقد أنّها أدّت إلى نشوء الرّأي العامّ، فقد رأى جيمس ت. يونج: "الرّأي العامّ هو الحكم الاجتماعيّ لجماعة ذات وعي ذاتيّ على موضوع ذي أهمّيّة عامّة بعد مناقشة مقبولة"(8)، وإن كان يونج حرص على أن يضمّن ذلك التّعريف الذي صاغه عبارة وجيزة وهي "مناقشة مقبولة"، إلّا أنّها كانت تختصر في جليّة الأمر تلك العبارة النّصّ على شروط وقواعد عديدة، يجب أن تتحقّق كلّها كي يكتمل ذلك التّعريف الذي وضعه يونج للرّأي العامّ، وسأضرب مثلاً أبيّن فيه طبيعة تلك القواعد التي تستند إليها فكرة المناقشة المقبولة، فلا ريب في أن يندرج في طليعة تلك الشّروط والقواعد مبدأ حرّية التّعبير عن الرّأي، وتوفّر الفرص المتكافئة للنّاس كافّة للتّعبير عن آرائهم، ويندرج أيضاً في عداد تلك الشّروط التي يجب أن تتحّقق كي ينشأ الرّأي العامّ، مبدأ الاستقلاليّة في التّفكير التي يجب أن يتمّتع بها النّاس في المجتمع، فلأنّ الرّأي العام "لا يفرض على الجماهير فرضاً، بل هو تعبير إراديّ وهو ردّ فعل واستجابة لمثيرات معيّنة في المجال السّلوكيّ للجماعة"(9)، وقد مضى ر. ه. جولت على أن يعرّف الرّأي العامّ بأنّه "فهم معيّن للمصالح الأساسيّة يتكوّن لدى كافّة أعضاء الجماعة".(10)

ظلّ الباحثون يؤكّدون تمتّع الرّأي العامّ بذلك النّفوذ القويّ في تحديد تلك الطّرائق التي يتوافق النّاس فيما بينهم، على أن يتّبعوها في معالجة تلك المسائل التي  تطرّقوا إلى البحث فيها، وقد ذهب ألبورت إلى أن يعتبر أنّ مصطلح الرّأي العامّ "إنّما يصبح ذا معنى، حين يكون متعلّقاً بموقف يتّخذه أفراد كثيرون يعبّرون _ أو يمكن مناشدتهم التّعبير _ من خلاله عن أنفسهم في شكل تحبيذ وتأييد (وبالعكس، في شكل رفض ومعارضة) لحالة محدّدة، أو شخص معيّن بالذّات، أو اقتراح محدّد، ذي أهمّيّة واسعة النّطاق، بشرط أن يكون هذا التّعبير متمتّعاً بقدر كبير من القوّة العدديّة والصّلابة والصّمود، يسمح باحتمال اتّخاذ إجراء فعّال مباشر أو غير مباشر، إزاء الهدف المقصود"(11)، وإن تأكّدت في ذلك التّعريف الذي صاغه ألبورت، فكرة الصّلابة التي يجب أن يتّصف بها الرّأي العامّ، فهي تنجم عن تأصّل الدّافع الرّاسخ في نفوس النّاس إلى أن يتشّبثوا بآرائهم التي تهيّأت لهم الفرص المناسبة لأن يعبّروا عنها بإرادتهم الحرّة.

يهيّئ ذلك الحوار الذي يجري بين النّاس، أن ينشأ ذلك الرّأي العامّ الذي يتمخّض به ذلك النّقاش الذي يخوض فيه جموع النّاس في المجتمع، وقد تحدّث المفكّرون عن تلك الأسباب التي تؤدّي إلى نشوء الرّأي العامّ الذي اعتبروه هو "ذلك الرّأي الذي ينتج عن المؤثّرات وردود الأفعال المتبادلة بين أفراد أيّة جماعة كبيرة من النّاس"(12)، وكانت معظم التّعاريف التي وضعت لتفسير الرّأي العامّ، قد اشتملت على تأكيد فكرة النّقاش الذي كان النّاس يخوضون فيه، فأصبح ذلك الرّأي العامّ "هو جماع الآراء التي هي مواقف يتّخذها الأفراد إزاء مسألة أو قضية متنازع عليها قابلة للجدل. ومعنى هذا أنّ الرّأي العامّ هو التّعميم الحرّ (للرّأي الخاصّ) على شريطة أن يكون هذا الرّأي ناتجاً عن اختيار وطواعيّة واقتناع".(13)

لا ريب في أنّ تلك المصالح التي يهتمّ الفرد بأن يراعي تحقّقها في مجرى الحياة التي يعيشها، لا يحتم أن تنحصر في مجال الأحداث العامّة، التي تتأثّر بها جموع الجماهير الغفيرة، بل إنّ تلك المصالح قد تنسب أيضاً إلى نطاق تلك المسائل الخاصّة الذّاتيّة، التي تبعث عند الإنسان دافعاً قويّاً إلى أن يعالجها، وقد اعتبر جيمس يزايس الرّأي العامّ هو اصطلاح "يستخدم للتّعبير عن مجموع الآراء التي يتوصّل إليها النّاس إزاء المسائل التي تؤثّر في مصالحهم العامّة والخاصّة"(14)، ولم تغب عن أذهان الباحثين أهمّيّة تلك المداورات التي تجري بين الأفراد الذين كانوا يتدالون النّظر في تلك المسائل التي يهتمّون بمعالجتها، ومضى وليم ألبيج في التّعريف الذي وضعه للرّأي العامّ، على أن يؤكّد تلك المعاني التي تضمّنتها التّعاريف التي أوردتها آنفاً، فاعتبر الرّأي العامّ هو "النّاتج عن عمليّة تفاعل أشخاص في أيّ شكل من أشكال الجماعة أو هو موضوع معيّن، يكون محلّ مناقشة في جماعة ما.... هو تعبير أعضاء الجماهير عن الموضوعات المختلف عنها فيما بينهم."(15)، فظلّ النّاس يسعون إلى أن يمتّنوا دائماً تعاضدهم مع سائر الأشخاص، الذين يتّفقون معهم في وجهات النّظر الذي يحدّدون به تلك الطّرائق، التي تفضي بهم إلى تحقيق تلك المصالح المشتركة فيما بينهم.

توفّرت في المجتمعات كافّة بواعث نشوء الرّأي العامّ، وأخذت تزداد عناية أفراد الشّعوب كلّها، بالوقوف على التّأثير المتنامي الذي يتّسم به الرّأي العامّ، في تحديد تلك المصائر التي تنتهي إليها الأحداث التي تجري في تلك المجتمعات البشريّة، وقد عنى الباحثون العرب أيضاً بتحديد مفهوم الرّأي العامّ، حيث توسّعت فئة من هؤلاء الدّارسين في تعيين تلك الحالات التي يظهر فيها الرّأي العامّ، فاعتبر إبراهيم إمام إنّ الرّأي العامّ هو "الفكرة السّائدة بين جمهور من النّاس تربطهم مصلحة مشتركة إزاء موقف من المواقف، أو تصرّف من التّصرّفات أو مسألة من المسائل العامّة، التي تثير اهتمامهم أو تتعلّق بمصالحهم المشتركة"(16)، ولم يتضمّن ذلك التّعريف الذي وضعه إبراهيم إمام للرّأي العامّ، النّصّ على تلك القواعد التي تهيّئ للنّاس أن يعبّروا بإرادتهم الحرّة عن الآراء التي يعتنقونها، ولم يتطرّق فيه إلى تعيين الوسائل التي تؤدّي إلى أن نشوء ذلك الرّأي المشترك، ولا ريب في أنّ الرّأي السّائد إن ساد حقّاً في المجتمع من دون أن يرشح عن تلك "المناقشة المقبولة" التي كان يلحّ الباحثون على ضرورة تحقّقها، فإنّ ذلك الرّأي سيفتقد آنئذ تلك المعاني التي يتضمّنها مفهوم الرّأي العامّ الذي كان النّاس يأخذون أنفسهم بأن يعتدّوا به.

تطرّق الباحثون العرب إلى النّظر في تلك الأحوال التي تهيّئ ظهور الرّأي العامّ، وكانوا يحرصون على أن يؤكّدوا تحقّق فكرة المصلحة العامّة في ذلك النّقاش الدّائر بين النّاس، الذين يتناولون قضايا المجتمع، فقد ذهب سعيد سرّاج إلى أن يعرّف الرّأي العامّ بأنّه "وجهة نظر الأغلبيّة تجاه قضية عامّة معيّنة، في زمن معيّن، تهمّ الجماهير، وتكون مطروحة للنّقاش والجدل، بحثاً عن حلّ يحقّق الصالح العامّ"(17)، وهو أردف على ذاك التّعريف الذي ذكره، تحديده تلك العوامل التي تؤثّر في نشوء الآراء التي يعتنقها أفراد الشّعب فقال: "تختلف وجهة النّظر من قضية إلى أخرى، تبعاً لظروف الشّعب وأفكاره وعقائده"(18)، وقد ارتبطت عمليّة نشوء ذلك الرّأي العامّ، باتّفاق جموع النّاس على الأخذ برأي محدّد، فكان الرّأي العامّ "يعبّر _ في أبلغ صوره _ عن اجتماع كلمة الجماهير. فهو بمثابة تعبير إراديّ عن وجهة نظر الجماعة"(19)، وحدّد قيام ذلك الرّأي العامّ بتحقّق شروط حدوث النّقاش الفعّال بين الأفراد الذين ينظرون إلى القضايا التي تظهر في المجتمع، فاعتبر أنّ "عمليّة نشوء الرّأي العامّ هي عمليّة تبادل المؤثّرات وردود الأفعال التي تحدث بين أفراد الجماعة حول الموضوع المتنازع عليه القابل للجدل. والرّأي العامّ للجماعة هو النّتيجة المترتّبة على العمليّة سالفة الذّكر"(20)، وقد عمد في ذلك التّعريف الذي صاغه سعيد سرّاج، إلى أن يستفيض في الحديث عن تلك الشّروط والقواعد التي يستند إليها نشوء الرّأي العامّ، الذي إن تجرّد عن تلك الأسباب التي تهيّئ له الظّهور، فهو يصبح كسائر الآراء الفرديّة التي تفرض على النّاس أن يقتنعوا بها عنوة.

ما برح الإنسان يحرص على أن يؤكّد انتماءه إلى جماعة محدّدة، يسعى إلى أن يبني بينه وبينها وشائج الاتّصال والائتلاف، وقد أصبح الرّأي العامّ إحدى تلك العلائق التي تربط بين الإنسان وسائر الأشخاص، الذين يشاركهم في الاعتناق بذلك الرّأي العامّ السّائد في المجتمع الذي ينضوون جميعهم إليه، فغدا ذلك الرّأي العامّ هو "مجموعة الآراء التي يعبّر عنها أفراد الجماعة.... تعبيراً مؤيّداً أو معارضاً لحالة محدّدة أو شخص معيّن أو اقتراح خاصّ، ما يترتّب عليه احتمال القيام بسلوك مباشر أو غير مباشر، وكذلك هو محصّلة آراء أفراد الجماعة ويمثّل صورة من صور السّلوك الجماعيّ، تمخّضت عن تفاعل وأخذ وعطاء بين أفراد الجماعة وبين الجماعة والجماعات الأخرى، والرّأي العامّ كنتاج جماعيّ يمثّل الجماعة كلّها معبّأة للسّلوك والعمل فيما يتّصل بموضوع الرّأي العامّ". (21)

وقر في أذهان النّاس الاعتقاد بأنّ الرّأي العامّ هو الرّكيزة المتينة، التي تستند إليها الوسائل التي يدير بها الأفراد بها شؤون المجتمع الذي يحيون فيه، فكانت مقاصد الأفعال التي يأتونها، توافق مغازي تلك الأفكار والآراء التي أفصحوا عنها، فغدا الرّأي العامّ "هو القوّة الحقيقيّة في المجتمع، والحكم الذي تصدره الجماهير على عمل أو حادثة أو نشاط في المجال الدّاخليّ، أو الخارجيّ المحليّ أو العالميّ، وكذلك التّعبير عن وجهة نظر الجماعة وعن اجتماع كلمة الجماهير وصوت الجماهير وإرادة الشّعب"(22)، وقد ذهب أحمد أبو زيد إلى أن يؤكّد امتلاك الرّأي العامّ القدرة على أن يرجح على سائر الآراء، التي كانت تطرح في ميدان تلك المفاضلة التي كان يجريها النّاس بين تلك الآراء، التي كانوا يجيلون النّظر فيها في أثناء النّقاش الذي كان يجري بينهم، إذ اعتقد أنّ "الرّأي العامّ وجهة نظر أغلب الجماعة التي لا يفوقه أو يحجبه رأي آخر، وذلك في وقت معيّن و إزاء مسألة تعني الجماعة تدور حولها المناقشة صراحة، أو ضمناً في إطار هذه الجماعة"(23)، وإن كان يتعذّر في ذلك النّقاش الذي يدور بين النّاس، أن يجمع الأفراد جميعهم على الاقتناع بذلك الرّأي العامّ، الذي يتمخّض عن النّقاش الذي يجري بين هؤلاء النّاس، بيد أنّ الرّأي العام يظلّ "هو الرّأي الغالب على ما حوله من آراء أخرى في جماعة معيّنة أو جمهور نوعيّ معيّن"(24)، فالباحثون الذين أخذوا في صياغة تلك التّعاريف التي حدّدوا فيها مفهوم الرّأي العامّ، جهدوا في أن يعيّنوا نطاق تلك المسائل التي يتناولها الرّأي العامّ بالتمّحيص والتّدبّر، وهم دأبوا أيضاً في أن يضمّنوا التّعاريف التي وضعوها، تلك الشّروط الضّروريّة التي رؤوا أنّها يجب أن تتحقّق لينشأ ذلك الرّأي العامّ.

1- محمّد عبد القادر حاتم، الرّأي العامّ وتأثّره بالإعلام والدّعاية، الهيئة المصريّة العامّة للكتّاب 1993، ص 38.

2- المصدر السّابق، ص 12.

3- سعيد سرّاج، الرّأي العامّ مقوّماته وأثره في النّظم السّياسيّة المعاصرة، الهيئة المصريّة العامّة للكتّاب 1986، ص 22.

4- المصدر السّابق.

5- المصدر السّابق.

6- المصدر السّابق، ص 23.

7- المصدر السّابق، ص23، 24.

8- المصدر السّابق، ص 4.

9- موقع علوم الإعلام والاتّصال.

10- سعيد سرّاج، الرّأي العامّ مقوّماته وأثره في النّظم السّياسيّة المعاصرة، الهيئة المصريّة العامّة للكتّاب 1986، ص4، 5.

11- محمّد عبد القادر حاتم، الرّأي العامّ وتأثّره بالإعلام والدّعاية، الهيئة المصريّة العامّة للكتّاب 1993، ص 27.

12- المصدر السّابق، ص 30.

13- المصدر السّابق، ص 33.

14- موقع علوم الإعلام والاتّصال.

15- سعيد سرّاج، الرّأي العامّ مقوّماته وأثره في النّظم السّياسيّة المعاصرة، الهيئة المصريّة العامّة للكتّاب 1986، ص 5.

16- المصدر السّابق، ص 6.

17- المصدر السّابق، ص 7.

18- المصدر السّابق.

19- أحمد محمّد أبو زيد، سيكولوجيّة الرّأي العامّ ورسالته الدّيمقراطيّة، وأورده سعيد سرّاج، مصدر سابق ص 8.

20- المصدر السّابق، ص 8، 9.

21- موقع علوم الإعلام والاتّصال.

22- المصدر السّابق.

23- المصدر السّابق.

24- المصدر السّابق.

 ليس في وسع أحد من النّاس أن يتخيّل أنّ تلك العلاقة التي تجمع بين الإنسان والكتاب، قد يعتريها الانقطاع، وليس في طوقه أن يتصوّر أنّ تلك الرّابطة التي تجمعهما قد يصيبها الانصرام، فتشمئزّ نفسه من كراهة تلك الصّورة التي يتخيّل تشكّلها في خاطره، إذا افترض نشوء تلك القطيعة بين الكتاب والإنسان، الذي لا ريب في أنّه سيمنى آنئذ بالنّكبات الفادحة، التي ستسبّب بإنزالها به تلك البينونة الحادثة بينه وبين الكتاب، فيفقد الإنسان مغانم جمّة، ويضيّع تلك المكاسب العديدة، التي كان يتوقّع أن يهيّئ له الحصول عليها، انكبابُه على مطالعة الكتب، فتنزل تلك القطيعة التي تحصل بين الإنسان والكتاب، الأضرارَ الفادحة بذاك الإنسان نفسه، الذي أعرض عن الاحتفاء بذلك الكتاب، وصدف عن الانتفاع بتلك الفوائد الغزيرة التي يكتنز بها، وما برحت غالبيّة النّاس في الوطن العربيّ تصاب بذلك الخسران الكبير، الذي يتمخّض عنه ذلك الجفاء الذي يحدث بين هؤلاء النّاس والكتاب، فمن يستعرض تلك الأبحاث التي تتضمّن الأخبار عن أحوال عمليّة مطالعة الكتب في البلدان العربيّة، فسيقف على تلك الأرقام التي تفصح عن تلك الأوضاع الزّريّة التي حلّت بها الكتب في الوطن العربيّ، الذي ضاقت فيه السّبل على انتشار تلك الأسفار المحبّرة بين النّاس، حيث ضربت على تلك الكتب الأرضُ بالأسداد، وقد توثّقت في تلك البحوث الحقائق التي يؤكّد فحواها الإقبال الضّعيف عند أفراد الشّعب العربيّ على مطالعة الكتب.

ذاعت بين النّاس كافّة تلك الدّراسات العديدة، التي بحث فيها ذلك المصير السّيّئ الذي آلت إليه أحوال الكتب في البلدان العربيّة، إذ ذكر في بعض تلك الأبحاث، الحديث عن قصر تلك المدّة التي يكرّسها الإنسان العربيّ لقراءة الكتب، إذ أفصحت تلك الأخبار عن أنّه يقرأ في السّنة مدّة تستغرق ست دقائق فقط، أي أنّ المقدار الذي يقرؤه من الكلمات في كلّ عام، يتراصف في بضعة سطور فحسب، وتلك الأرقام التي تفجع من يطّلع عليها، لا تجلو جلاءً تامّاً مبلغ تلك البليّة الكبيرة التي حلّت بأقطار الوطن العربيّ، إذ أنّ المغارم الباهظة التي تُمنى بها، لا يحيط بها المدلول الذي تشير إليه تلك الأرقام، حتّى خيال الإنسان لا يكاد يستوعب مقدار الضّرر الكبير، الذي ينزله بالمجتمعات العربيّة ذلك الوضع المهين، الذي انتهى إليه شأن ذلك الكتاب في الأقطار العربيّة، التي هي في أمسّ الحاجة إلى أن تنهض من كبوتها، وتعاود انتهاجها مدارج الحضارة، التي طالما طمح النّاس في الوطن العربيّ إلى أن يسلكوا سبلها.