إنّ المهامّ التي توكّل المعهد العالي للموسيقا في دمشق بأن ينفّذها، لم تكن تقتصر على تدريس الطّلاب الذين ينضوون إلى ذلك المعهد، المبادئَ العلميّةَ التي يستند إليها الفنّ الموسيقيّ الجادّ، بل إنّ ذلك المعهد الموسيقيّ دأب أيضاً في أن يتيح للنّاس في مدن وأماكن كثيرة، بأن يتذوّقوا روائع المؤلّفات الفنّيّة الموسيقيّة، وقد حرص الموسيقار صلحي الوادي الذي كان تولّى إدارة هذين المعهدين، على أن ينشئ فرقاً موسيقيّة عديدة هدفت إلى تقديم الأعمال الفنّية الموسيقيّة الجادّة إلى النّاس، الذين اشتدّت رغبتهم في أن يطّلعوا على بدائع ذلك الفنّ الموسيقيّ، واستمرّ جمهور غفير على متابعته تلك الحفلات الفنّيّة، التي كانت تؤدّيها هذه الفرق الموسيقيّة، في المسارح والصّالات التي كانت مهيّأة لأن تقام فيها تلك المناشط الفنّيّة، وكان الموسيقار صلحي الوادي ارتأى ببصيرته النّيّرة، أنّه يجب أن تذهب تلك الفرق الموسيقيّة أيضاً إلى الأماكن كافّة، التي يتواجد فيها أولئك النّاس الرّاغبون في أن يستمعوا إلى الأعمال الموسيقيّة الجادّة، إذ كان الموسيقار صلحي الوادي مقتنعاً بأنّ تلك الحفلات الموسيقيّة، التي تقيمها تلك الفرق الموسيقيّة في تلك المناطق المتعدّدة، التي كانت تقصدها للعزف فيها، ستحثّ أولئك النّاس الذي يحضرون تلك الحفلات، على أن يوثّقوا ارتباطهم بعالم ذلك الفنّ الموسيقيّ الجادّ.

استمرّ العازفون الفنّانون في الفرقة السّيمفونيّة الوطنيّة السّوريّة، وفرقة موسيقا الحجرة على أن يعرّفوا الجمهور دائماً على الأعمال الموسيقيّة البديعة، التي كانت تعزفها هاتان الفرقتان في أماكن شتّى، وكان أناس عديدون دأبوا في أن يدعوا  هاتين الفرقتين الموسيقيّتين، إلى أن تعزفا في تلك الأماكن التي كانوا يتواجدون فيها، وكان الموسيقار صلحي الوادي يجيب تلك الدّعوات التي كانت تتلقّاها هاتان الفرقتان، ويقبل أن يحقّق تلك الرّغبات التي كان أفصح عنها هؤلاء الأشخاص، الذين تاقوا إلى أن يستمعوا إلى المؤلّفات الموسيقيّة الجادّة التي تعزفها هاتان الفرقتان، وكانت فرقة المعهد العالي لموسيقا الحجرة تلقّت دعوة من دار السّعادة للمسنين في دمشق، لتقيم حفلة في يوم الأحد 17 شباط عام 2002، وكانت تلك الدّار قد خصّصت لأن يقيم فيها النّزلاء المسنين، الذين كانت تتوفّر لهم الرّعاية المناسبة لهم في هذه الدّار، ووافق الموسيقار صلحي الوادي على أن يجيب تلك الدّعوة التي تلقّاها من دار السّعادة، لتقديم حفلة موسيقيّة في مقرّ دار السّعادة، حيث قرّر أن تعزف في تلك الحفلة فرقة موسيقا الحجرة التّابعة للمعهد العالي للموسيقا بدمشق.

رأى أعضاء فرقة المعهد العالي لموسيقا الحجرة أنّ نزلاء دار السّعادة للمسنين، جديرون حقّاً بأن تقدّم إليهم هذه الفرقة تلك الحفلة الموسيقيّة، التي يتاح فيها لهؤلاء النّزلاء أن يستمعوا إلى تلك الأعمال الموسيقيّة البديعة، وكان يشقّ على كثير من هؤلاء النّزلاء الذّهاب إلى تلك الأماكن، التي دأبت في أن تقيم فرقة موسيقا الحجرة فيها حفلاتها الموسيقيّة، وقد ذهبت هذه الفرقة الموسيقيّة إلى دار السّعادة للمسنين، حيث قدّمت حفلة إلى أولئك النّزلاء المسنين، الذين سرّوا جدّاً بإصغائهم إلى تلك القطع الموسيقيّة، التي عزفتها هذه الفرقة في مقرّ تلك الدّار التي كان يقيم فيها هؤلاء المسنون، الذين كانوا أفصحوا عن رغبتهم في أن يروا أصحاب المواهب الموسيقيّة، ويستمعوا إلى تلك المقطوعات الموسيقيّة التي أدّتها إليهم فرقة موسيقا الحجرة.

قاد الموسيقار صلحي الوادي فرقة موسيقا الحجرة في هذه الحفلة الموسيقيّة، التي أقبل فيها نزلاء الدّار على الإنصات إلى مؤلفات الموسيقا الجادّة، وبعد أن أنهت تلك الفرقة عزف تلك الأعمال الموسيقّيّة التي تضمّنها برنامج هذه الحفلة، أخذت إحدى الفتيات في تقديم طاقات الورود إلى المايسترو صلحي الوادي، وإلى بعض العازفات والعازفين في هذه الفرقة، ولم تكد تلك الفتاة تمضي على تقديم تلك الورود إلى هؤلاء الموسيقيّين البارعين، حتّى أوعز الموسيقار صلحي الوادي إليها، أن تقدّم طاقة من الورود إلى رجل كان يجلس بين النّاس الحاضرين الذين كانوا يتابعون تلك الحفلة الموسيقيّة، وكان ذلك الشّخص هو أحد نزلاء دار السّعادة، حيث كان يقيم فيها، وقد كان يستمع بانتباه إلى تلك المؤلّفات الموسيقيّة التي عزفتها فرقة موسيقا الحجرة، ويتأمّل بإعجاب في قدرات العازفين البارعين على العزف على آلاتهم الموسيقيّة، واتجّهت تلك الفتاة العازفة التي كانت في ميعة الشّباب، إلى ذلك الرّجل الذي كان يجلس بوقار بين أفراد الجمهور، ولم تكد تقترب منه تلك الفتاة وتقدّم إليه تلك الورود، حتّى تناول منها تلك الطّاقة الجميلة، وقد بلغ تأثّره حدّاً كبيراً، بتلك المبادرة التي صدرت من أعضاء هذه الفرقة الموسيقيّة، فامتلأت نفسه بالحبور والسّعادة، حيث أيقن بأنّ الموسيقار صلحي الوادي والعازفين في هذه الفرقة الموسيقيّة، قد قرّروا أن يخصّوه بذلك التّكريم الذي جرى بطريقة عفويّة، إذ قدّموا إليه تلك الطّاقة من الورود.

كان ذلك الرّجل المسنّ الذي حظي بتلك الحفاوة والتّكريم من أعضاء الفرقة الموسيقيّة، هو المغنّي بهجت الأستاذ الذي اشتهر بلقبه فتى دمشق، وهو كان ابتدأ في الغناء في منتصف سنوات الأربعينيّات من القرن العشرين، وكان أشهر المطربين في ذلك الأوان، وكنت أنا أجلس على مقربة منه في الصّالة التي قدّمت فيها تلك الحفلة الموسيقيّة، وعلى الرّغم من مرور تلك المدّة الطّويلة على تلك الحفلة، فإنّي ما زلت إلى الآن أذكر ذلك المشهد الذي جرى فيه تكريم المغنّي فتى دمشق، ولن أنسى أبداً معالم الحبور الذي انفرجت عنها أساريره، إذ كان ذلك التّصرّف الذي صدر عن أعضاء هذه الفرقة الموسيقيّة، قد أثّر تأثيراً طيّباً في نفس ذلك المطرب، ولا ريب في أنّ أعضاء الفرقة الموسيقيّة، لن ينسوا أيضاً ذلك المشهد، وخاصّة تلك الفتاة الشّابّة التي قدّمت طاقة الورود للمغنّي بهجت الأستاذ، وقد عمد الموسيقار صلحي الوادي إلى أن يهدي المطرب بهجت الأستاذ بعد أن جرت هذه الحفلة، مذياعاً قيّماً كان يحتفظ به منذ زمن بعيد.

إنّ ذلك التّكريم الذي خصّت فرقة موسيقا الحجرة به المطرب بهجت الأستاذ، أكّد تلك المعاني التربويّة الجليلة، التي كان يحرص الموسيقار صلحي الوادي على أن يحقّقها في تلك المساعي، التي أتاها في رعايته أفراد الأجيال النّاشئة من الموسيقيّين، إذ أظهر أهميّة التّحلّي بالإخلاص والوفاء لأولئك الأشخاص الذين تجمعهم بهم وشائج الألفة، سواء أنشأت تلك العلاقات في ميدان المناشط الفنّيّة، أم في سائر مجالات تلك الأنشطة التي يلتقي فيها النّاس مع بعضهم البعض، وقد أيقن المطرب بهجت الأستاذ بأنّ الأشخاص الذين يمتلكون ذاكرة نابهة، ما زالوا يذكرون تلك الأعمال التي أنجزها، وقد رأى أيضاً تلك المساعي التي أتاها أفراد الجيل النّاشئ في محاولتهم أن يتعرّفوا على ذلك النّشاط الموسيقيّ الذي كان يزاوله، وقد كان وفاء الموسيقار صلحي الوادي إلى الأشخاص الذين ربطته بهم وشائج المودّة، يدفعه إلى أن يبادر دائماً إلى أن يستذكر أولئك الأفراد، مهما حاولت ظروف الشّغل أن تباعد فيما بينه وبينهم، فكان يتذكّر أولئك النّاس الذين كان تربطه بهم تلك العلاقات، التي كانت تثير في ذهنه ذكريات تلك المناسبات الماضية، التي كان يلتقي فيها بهم، وهو كان يؤكّد وفاءه لهؤلاء الأفراد، مهما طال ذلك الزّمن الذي كان يباعد بين تلك المناسبات، التي كان يلتقي فيها بهؤلاء الأشخاص الذين نشأت بينه وبينهم وشائج الألفة.



ارتبطت التّصرّفات التي كان يأتيها الإنسان، في أغلب الأحيان، برغبته في أن يدرك تلك الحاجات، التي لم يكن في وسعه أن يتغاضى عنها، فكان يسعى إلى أن يبلغ حاجاته الملحّة، من دون أن يفتر عن المواظبة على دأبه في أن يدرك مآربه، وقد تطرّق مفكّرون ودارسون عديدون، إلى أن يبحثوا في ذلك الفعل الذي يجيئه الإنسان، فوضعوا نظريّات وصاغوا آراء، قصدوا إلى أن يفسّروا بها تلك الأسس، التي تقوم عليها تلك التّصرّفات التي تبدر منه، وأن يوضّحوا أيضاً تلك الدّوافع التي تحثّه إلى أن يأتي تلك المساعي التي تفضي به إلى أن يدرك حاجاته، وقد اتّجه أولئك الباحثون إلى النّظر في طبيعة ذلك الفعل الذي يتصرّف به ذلك الإنسان، إذ حصر الدّارسون في أبحاثهم، جملةً من تلك التّصرّفات الصّادرة عنه، وجهدوا في أن يحيطوها في تعريف يحدّد الأسس التي تستند إليها الأعمال، التي كان يجيئها ذلك الإنسان، وكان التّعريف الذي حدّد به المعجم الوسيط المعنى اللّغوي للفعل عمل، هو التّعريف التّالي: فعل فعلاً عن قصد(1)، وأمّا التّعريف الشّائع في الموسوعات التي اهتمّت بشرح المفاهيم، التي ارتبطت بالأنشطة التي يزاولها النّاس، فحدّد فيه معنى العمل بأنّه ما "يقوم به الشّخص من مجهود إراديّ واعي، وهو ما يستهدف منه الإنسان إنتاج تلك السّلع والخدمات لإشباع الحاجات التي تخصّه"(2)، وقد عيّن معنى عبارة المجهود الإراديّ الواعي الذي يبذله الإنسان بذلك "المجهود الحركيّ أو ما يسمّى الطّاقة والجهد الذي يبذله الإنسان من أجل تحصيل أو إنتاج ما يؤدّي إلى إشباع حاجة معيّنة"(3)، فتحدّدت تلك العناصر التي يتحلّل إليها قوام ذلك العمل الذي يأتيه الإنسان، بذلك الوعي الذي يحيط بتلك الحاجة التي تظهر عند الإنسان، وعيّن عنصر آخر مندرج في قوام ذلك العمل، بذلك الجهد الذي يبذله الإنسان ليتهيّأ له أن يصل إلى ذلك الهدف، الذي كان ذلك الإنسان في البدء قصد إلى أن يدركه، وقد أوضح أيضاً ذلك التّعريف الذي حدّد به مفهوم العمل، تلك النّتيجة التي هدّف الإنسان إلى أن يحقّقها بذلك التّصرّف الذي أتاه.

عمدت فئة من المفكّرين إلى أن تدرج في التّعريف الذي وضعته لمفهوم العمل، فكرة تلك الغاية التي يهدف إلى أن يدركها ذلك الإنسان بتلك التّصرّفات التي كان يأتيها، فرأى هؤلاء المفكّرون أنّ "ركني العمل الأساسيّين هما النّشاط والإنتاج، فالنّشاط هو لبُّ العمل سواء أكان نشاطاً جسديّاً أو ذهنيّاً"(4)، ويتّضح في ذلك التّعريف الذي اعتمده بعض المفكّرين، أنّهم أطلقوا كلمة الإنتاج على ذلك الرّكن الثّاني الذي يقوم عليه العمل الذي يأتيه الإنسان، ورأى هؤلاء المفكّرون أيضاً أنّ ذلك الإنتاج، يتهيّأ له أن يتّخذ أحد شكلين اثنين، إذ قد يكون "إنتاجاً مادّيّاً كصناعة شيء ما.... أو معنويّاً كالوظائف الكتابيّة..."(5)، وعنى الباحثون الذين جهدوا في أن يعرّفوا مفهوم العمل، بأن يزيدوا في توضيح ذلك الرّكن الثّاني وهو الإنّتاج الذي يحدّد ذلك المظهر الذي تبدو فيه، تلك الوجهةَ المقصودة التي يسعى عمل الإنسان إلى أن يبلغها، فإن كان يظهر ذلك الإنتاج في أحد شكلين اثنين كما ذكرت آنفاً، فإنّه حينئذ "يمكن أن يكون سلعة، كما أنّه قد يكون خدمة"(6)، وقد بحث الفلاسفة والمفكّرون في شأن ذلك الاختلاف بين هذين المظهرين، اللذين يتجلّى في أحدهما، شكلُ ذاك النّتاج الذي يأتي به عمل الإنسان، فصاغ أولئك المفكّرون الآراء والأفكار التي بيّنوا فيها طبيعة ذلك الاختلاف بين هذين المظهرين، وإن تبدّى في ذلك التّعريف الذي وضع لمفهوم العمل، الرّكنان اللذان كان يقوم عليهما العمل، وهما الجهد المبذول، والنّتيجة التي تنجم عن ذلك العمل الذي يجيئه الإنسان، فإنّ المفكّرين الذين انضووا إلى المذاهب الفكريّة المتنوّعة، ما لبثوا أن اهتمّوا أيضاً بدراسة تلك العلاقة التي تجمع بين ذلك الجهد الذي يبذله الإنسان، والنّتيجة التي يحقّقها ذلك العمل المنجز.

تعدّدت تلك التّعاريف التي وضعت لتوضيح مفهوم العمل، فكان كلّ مفكّر يسعى إلى أن يضع ذلك التّعريف، الذي يجلو به كنه ذلك العمل الذي دأب في أن يجئيه الإنسان، وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن يعتبر العمل هو "مجموعة محدّدة من الواجبات والمسؤوليّات، يلزم للقيام بها توافر اشتراطات معيّنة من شاغلها، تتّفق مع نوعها وأهمّيّتها وتسمح بتحقيق الهدف من إيجادها"(7)، وقد أظهر أحد التّعاريف التي وضعت لتوضيح مفهوم العمل، النّفوذ الذي يمتلكه المجتمع في إثارة الدّافع عند الإنسان إلى أن يأتي ذلك العمل، الذي يهدف به إلى إدراك غاية محدّدة، حيث اعتبر العمل هو "فاعليّة جسميّة أو عقليّة يقتضيها المجتمع من الفرد أو يفرضها الفرد على نفسه لغرض معيّن"(8)، وكان تعريف آخر وضع لتبيان مفهوم العمل، قصد فيه إلى إبراز فكرة ذلك الجهد الذي يبذله الإنسان، من دون أن يغفل سائر العناصر التي تشكّل قوام العمل الذي عدّ "كلّ نشاط إنسانيّ يهدف إلى إنتاج ويقضي بذل قدر من الجهد العضليّ أو الذّهنيّ أو العصبيّ..."(9)، ومن يدقّق في تلك التّعاريف الصّادرة عن مدارس ومذاهب فكريّة مختلفة، لم يكن يلحظ اختلافاً ظاهراً بينها، إذ تكاد لا تختلف فيما بينها في تحديد مفهوم العمل، وهذا الاتّفاق الحاصل بين تلك المذاهب على تعريف مفهوم العمل، يفسّر ذلك التّشابه النّاشئ بين تلك التّعاريف التي وضعت لتفسير مفهوم العمل، بيد أنّ لا تلبث أن تظهر شقة الخلاف بين تلك المذاهب الفكريّة، حينما يأخذ الفلاسفة والباحثون في أن ينظروا في شأن العلاقة، التي تنشأ بين العناصر التي يتحلّل إليها قوام ذلك العمل الذي يأتيه ذلك الإنسان، إذ كانوا كثيراً ما يتنابذون مختلفين في تحديدهم تلك العلاقة التي كانت تنشأ بين الجهد الذي يبذله الإنسان، وذاك النّتاج الذي يحقّقه.

إنّ تلك التّعاريف التي وضعت لتوضيح مفهوم العمل، قد تفسّر تلك الأسس التي يستند إليه ذلك النّشاط الذي يزاوله الكاتب، بيد أنّها لا تفي تلك التّعاريف بإزالة الغموض، الذي يشوب تلك الصّورة التي تبدو فيها مهنة الكتابة الأدبيّة، في أذهان بعض النّاس، الذين قد تظلّ طبيعة ذلك النّشاط الذي يزاوله الكاتب تلتبس عليهم، لكن هذه التّعاريف التي وضّحت شأن ذلك العمل الذي يأتيه الإنسان، لا بدّ من أن يستحضرها من يقصد إلى أن يتبيّن طبيعة ذلك النّشاط الذي يمارسه الكاتب، وإن كان يجب ألّا يغيب عن النّاس طبيعة ذلك النّتاج، الذي تتمخّض به تلك العمليّة الإبداعيّة الفنّيّة التي ينجزها الكاتب، فلأنّ ذلك النّتاج الأدبيّ المنجز، يختلف عن بقيّة تلك المنتوجات التي تأتي بها سائر الأنشطة التي يزاولها النّاس، وذلك الاختلاف بين هذين النّوعين من ذلك النّتاج، الذي ينجم عن الأعمال التي يجيئها النّاس، يبيّن تلك الخصائص الأساسيّة، التي تميّز النّتاج الفنّيّ عن بقيّة المنتوجات التي ينجزها الأقوام، وإن كنت لم أعمد إلى أن أتوسّع في تحديد سمات ذلك الاختلاف، بين هذين النّوعين من نتائج تلك الأفعال التي يأتيها النّاس، فلأنّي اجتزأت حاليّاً بأن استعرضت التّعاريف التي وضّحت مفهوم العمل، وإن كانت توجد مفاهيم أخرى، تقتضي على من يبحث في تلك الأنشطة التي يزاولها النّاس، أن يحيط بها علماً، وهي مفاهيم المهنة والحرفة والوظيفة، وسواء أكانت تلك المفاهيم التي ذكرتها آنفاً، ترتبط بذاك النّشاط الذي يزاوله الكاتب، أم كانت لا تمّت بصلة بطبيعة ذلك النشاط الأدبيّ، فإنّ الأبحاث التي يجريها الدّارسون في تبيانهم طبيعة تلك الأنشطة التي يزاولها النّاس، ستسهم في توضيح الخصائص الذي يتّصف بها ذلك العمل، الذي يأتيه الكاتب في إنجازه مؤلّفاته الأدبيّة.

1- المعجم الوسيط _ مجمع اللّغة العربيّة في القاهرة.

2- ويكيبيديا الموسوعة الحرّة.

3- المصدر السّابق.

4_ موقع المركز الأكاديميّ لتجميع الدّراسات والبحوث العلميّة.

5- المصدر السّابق.

6- ويكيبيديا الموسوعة الحرّة.

7- موقع المركز الأكاديميّ لتجميع الدّراسات والبحوث العلميّة.

8- نوربير سلامي _ المعجم الموسوعيّ في علم النفس _ وزارة الثّقافة _ دمشق 2000 _ ص 1856.

9- موسوعة السّياسة.



يزاول الفنّان المبدع نشاطه الفنّيّ الخلّاق جاهداً في أن يراعي تلك المبادئ، التي تنصّ عليها سنن الفنّ، فلا يتهاون مطلقاً بتطبيقه تلك القواعد الفنّيّة، التي تتأصّل فيها الأسس التي تنهض عليها روائع الأعمال الفنّيّة، التي طالما كان النّاس يسعون إلى أن يتمتّعوا باطّلاعهم عليها، وإذا دأب الفنّان في أن ينذر على نفسه أن يواظب على تطبيق تلك المبادئ الفنّيّة، فهو يحقّق للنّاس حينئذ ذلك النّفع العميم، الذي ما برحوا يحاولون أن يدركوه في تذوّقهم تلك الرّوائع الفنّيّة، التي يبدعها ذلك الفنّان، الذي كلّما أدرك رغبة أولئك النّاس في الوقوف على تلك الأعمال الفنّيّة البديعة التي ينتجها، يعي حينئذ عظم تلك المهمّة التي نهض إلى أن ينجزها، فتزداد عزيمته شدّة على أن يحرص على ابتكار تلك الأعمال الفنّيّة، التي تمتع أولئك النّاس، الذين ما برحوا يتشوّقون إلى تلقّي تلك المبتكرات التي يبدعها الفنّانون الأفذاذ.

يحتشد الفنّان في سعيه إلى أن يسعد أولئك الأفراد، الذين يقبلون على الاطّلاع على تلك الأعمال الفنّيّة التي ابتكرها، فيأخذ بمزاولة نشاطه الفنّيّ الإبداعيّ موفور الهمّة، وقوّي العزيمة على أن يحقّق القيم الفنّيّة الرّفيعة في تلك الأعمال التي ينتجها، فيكرّس الفنّان نفسه على الوفاء بتحقيق تلك المبادئ الفنّيّة المثلى، التي تستند إليها الأعمال التي ينجزها، وتمتلئ نفس الفنّان بمحبّة هؤلاء النّاس الذين يقدّم إليهم نتاجه الفنّيّ الذي أبدعه، إذ يخصّهم بثمرة تلك الجهود الكبيرة التي بذلها في تحقيقه عمله الفنّيّ، الذي يقبل هؤلاء النّاس على أن يتذوّقوه، فتثبت عاطفة ذلك الودّ راسخة في نفسه، وإن كان يعبّر عن إحساسه بتلك المحبّة في أبهى صور التعبير، الذي يتّخذ صيغة تلك الأعمال الفنّيّة التي ينتجها، لكنه لم يكن يقتصر على الإفصاح عن تلك العاطفة، بتلك الأعمال الفنّيّة، التي كان يتوسّل بها إلى أن يؤكّد استمراره على أن يخلص المودّة للنّاس كافّة، الذين كانت العلاقاتُ التي تنشأ بينه وبينهم في مجرى الحياة، التي تقع أحداثها في منأى عن ميدان النّشاط الفنّيّ، تؤكّدُ اندفاعه أيضاً في محبّته هؤلاء النّاس، وسواء أكان الفنّان قد باشر التقاءه معهم في مجرى المعاملات الشّخصيّة التي تجمع فيما بينهم، أم قدّم إليهم تلك الأعمال الفنّيّة التي ابتكرها، فكان في كلا الحالين يعمد إلى أن يفصح عن تلك العاطفة، التي كان يتأصّل فيها ميله إلى أن يخلص المحبّة لهؤلاء النّاس جميعهم.

إنّ هذين النّهجين من طرائق التّعبير الذي كان الفنّان يعتمده للإفصاح عن مشاعره، كانا يتجلّيان ظاهرين في تلك العلاقات التي كانت تجمع بين الموسيقار صلحي الوادي وسائر النّاس، فإنّي أذكر أنّي استمعت قبل خمس وثلاثين سنة إلى برنامج إذاعيّ، بثّته محطّة إذاعة دمشق، وكان الوقت الذي استمعت فيه إلى ذلك البرنامج، يقارب السّاعة الواحدة والنّصف بعيد الظّهر، بينما كان اليوم الذي انبثّ فيه ذلك البرنامج هو يوم الجمعة، إذ قدّمت إذاعة دمشق آنذاك برنامجاً غلب عليه الطّابع الفنّيّ والثقافيّ، وقد شارك في ذلك البرنامج الإذاعيّ، الموسيقار صلحي الوادي، وعلى الرّغم من مضيّ تلك المدّة الطّويلة على ذلك الوقت الذي أذيع فيه ذلك البرنامج، فإنّي ما زلت أذكر جيّداً ذلك الحديث الذي جرى بين الموسيقار صلحي الوادي، والمذيع الذي حاوره، إذ تطرّق الموسيقار صلحي الوادي إلى الحديث عن موضوعات ترتبط بالفنّ الموسيقيّ الجادّ، فأكّد في حديثه الذي ذكره في ذاك البرنامج، أن يجب أن يحظى ذلك الفنّ الموسيقيّ بالرّعاية اللّائقة بذاك النّشاط الفنّيّ الرّفيع، وقد أفصح الموسيقار صلحي الوادي عن تلك الهواجس التي كانت تخطر في باله، وأوضح أيضاً ذلك النّهج الذي يجب أن يتّبع لتحقيق النّهوض بذاك الفنّ الموسيقيّ الجادّ.

لم يكد ذلك البرنامج الإذاعيّ يشارف على الانتهاء، حتّى أتاح المذيعُ للموسيقار صلحي الوادي فرصة الحديث عن الموضوع، الذي يرتئي أن يتكلّم عنه في خاتمة ذلك اللّقاء الإذاعيّ، واللّحظات التي تحلّ في ختام كلّ البرامج الحواريّة، تتّسم بأهميّة بالغة، إذ يتوجّب أن يُستغلّ ذلك الوقت لتأكيد تلك الأفكار التي ذكرت خلال تلك اللّقاءات، ويعتبر ذلك القول الذي يذكر في ذلك الأوان من خاتمة البرنامج، هو زبدة الكلام ومسك الختام، وأمّا ذلك الحديث الذي أراد أن يختم به الموسيقار صلحي الوادي ذاك البرنامج، فقد تضمّن عبارات أفصح فيها عن ندائه إلى ضرورة تهيئة الرّعاية الصّحّيّة الموفورة المناسبة لعازف آلة البزق محمّد عبد الكريم، إذ كان طريح الفراش يعاني وطأة المرض الذي حلّ به في ذلك الأوان الذي بثّ فيه ذلك البرنامج الإذاعيّ، وقد ألحّ الموسيقار صلحي الوادي كثيراً، على الدّعوة إلى أن يُعتنى به، حيث كان يكابد ذلك الوضع الصّحّيّ القاسي، ولا أدري إن كانت إذاعة دمشق ما زالت محتفظة حتّى الآن بذلك البرنامج الإذاعيّ، الذي جرى فيه ذلك اللّقاء مع الموسيقار صلحي الوادي، الذي كان بعض الأشخاص يتّهمونه زوراً وبهتاناً بأنّه يتحامل على الموسيقيّين الذين يعملون في مجال الموسيقا الشّرقيّة والعربيّة، التي لا تنضوي إلى ميدان الموسيقا الجادّة، وقد كنت فنّدت تلك التّهم الباطلة في مؤلّفاتي التي نشرتها في الفترة الماضية، فلَمْ يكد الموسيقار صلحي الوادي يحظى في ذلك البرنامج الإذاعيّ، بتلك الفرصة النّادرة التي يتيسّر له فيها أن يتحدّث فيها عن شؤون الموسيقا الجادّة، حتّى آثر أن يعبّر عن إخلاصه المودّة لعازف آلة البزق محمّد عبد الكريم الذي كان يلقّب بأمير البزق.

يعرف ناس كثيرون جيّداً العديد من تلك المبادرات الإنسانيّة، التي كانت تصدر عن الموسيقار صلحي الوادي، في كلّ أحوال تلك المناسبات المتنوّعة التي كان يمرّ بها، حتّى أنّ الإنسان ليس في حاجة إلى أن يستزيد في أن يذكر الدّلائل على اتّصاف شخصيّة الموسيقار صلحي الوادي، بخصلة الوفاء بعهد المودة للنّاس كلّهم، إلّا أنّ وقائع ذلك البرنامج الإذاعيّ الذي أُجري فيه اللّقاء مع الموسيقار صلحي الوادي، تميّزت عن سائر تلك الأحداث التي كان يمرّ بها، حيث تجلّى بوضوح في ذلك اللّقاء الإذاعيّ، التّطابق بين تلك الأهداف، التي كان يسعى إلى أن يدركها في اتّباعه سبل الأنشطة المتعددة التي كان يزاولها، والسّياق الذي جرى فيه الحوار مع الموسيقار صلحي الوادي، أكّد حصول ذلك التّطابق بين تلك الأهداف التي كان يسعى إلى أن يدركها، مهما تنوّعت تلك السّبل التي كان يتبّعها للوصول إلى تلك الأغراض، فقد بدأ حديثه في ذلك البرنامج الإذاعيّ عن نشاطه الفنّيّ الموسيقيّ الجادّ، الذي ثبت في فحوى ذلك الكلام الذي أورده في ذلك الحديث، أنه دأب في أن يمحض النّاس جميعهم محبّته الصّادقة، ثمّ عندما انتقل في خاتمة ذلك اللّقاء الإذاعيّ إلى أن يتحدّث عن عازف البزق محمّد عبد الكريم، فإن مضمون ذلك الكلام الذي أورده الموسيقار صلحي الوادي في ختام هذا الحوار، لم يتجافَ عن فحوى حديثه عن نشاطه الفنّيّ الموسيقيّ، إذ أكّد أيضاً في الحديث الذي أورده في خاتمة هذا البرنامج، عن إخلاصه المودّة للنّاس كلّهم، وإن كان ذلك الظّرف الذي عبّر فيه عن ذاك الإخلاص، اقتضى أن يقتصر في كلامه على الحديث عن عازف البزق محمّد عبد الكريم، الذي كان يعاني اشتداد وطأة المرض عليه، فسواء أواظب الموسيقار صلحي الوادي على أن يبدع المؤلّفات الموسيقيّة الجادّة، أم كان يتعامل مع النّاس في تلك العلاقات التي كانت تنشأ بينه وبينهم، فإنّ الموسيقار صلحي الوادي في كلا الحالين كان يهدف إلى أن يؤكّد إخلاصه المحبّة لكلّ النّاس.



يميل النّاس إلى أن يتردّدوا إلى تلك الأمكنة، التي ما تبرح تنطبع صور معالمها البهيّة في أخيلتهم، ويمعن أولئك الأقوام في تأكيد ارتباطهم بتلك الأمكنة، كلّما تواردت إلى أذهانهم مخايل تلك العراقة التي تتأصّل فيها تلك الأمكنة، وقد كان أشخاص كثيرون فتنتهم مظاهر تلك الأصالة، التي ضربت بجذورها في أرجاء مدينة دمشق، التي وطّدت الرّسامة التّشكيليّة خالصة هلال ارتباطها بها، بأشدّ العلائق متانة، وكان يشتدّ على الدّوام ولعها بحاراتها المتشعّبة وعمائرها المتضامّة وسوابلها الممتدّة، التي أخذت تظهر ملامحها في تلك اللّوحات البديعة التي رسمتها، ومن يتأمّل في تلك الأعمال الفنّيّة التي أنجزتها، يتبيّن فيها معالم من تلك المدينة، لم يكن يتيسّر أن تلحظها بسهولة أعين المارّين على طرقات تلك المدينة، فكان النّاظر إلى تلك اللّوحات، يفتن بمعالم تلك الحارات والعمائر، التي تأمّلتها الرّسّامة خالصة هلال، بنظرها الثّاقب، وببصيرتها النّيّرة، فكان أولئك النّظارة يتبيّنون في لوحاتها، كلّ تلك المظاهر التي كان يصعب عليهم أن يهتدوا إلى رؤيتها، بينما كانوا يسيرون في أرجاء مدينة دمشق، وإذا كانت اللّوحات التي رسمت فيها معالم هذه المدينة، قد اشتملت على المعاني العميقة، فلأنّها كانت تدأب في أن تستحضر في هذه الأعمال الفنّيّة أيضاً، تلك الشّواهد على الأصالة الثّابتة، التي طالما كانت تعزا إلى مدينة دمشق.

استغرقت الفنّانة خالصة هلال في أن تتأمّل في معالم مدينة دمشق، التي كانت تستدعي في ذاكرتها أيضاً تلك الأمجاد، التي اكتنز بها تاريخ هذه المدينة، فكانت تقصد أحياء المدينة، التي كانت تسير في سوابلها، وهي ترنو إلى مناظر العمائر والدّروب التي تتفرّع بينها، من دون أن تغيب عن ذاكرتها النّابهة معالم تلك المدينة؛ وكان من ينظر إلى تلك اللّوحات التي رسمتها، يتبيّن تلك المعاني العميقة، التي تمتلئ بها لوحاتها، فيمضي في سعيه إلى أن يستجلي ذلك التّكوين البديع، الذي كانت تصوغ فيه عناصر اللّوحة، حتّى أنّ ذلك النّاظر يشعر بأنّه يذهل عمّا يحيط به من أحداث الحياة الجارية، بينما يكون ماضياً في توغّله في أجواء تلك اللّوحة التي يشاهدها، وحالة ذلك التّذوّق الفنّيّ، الذي يخبره ذلك النّاظر إلى تلك اللّوحات، تكشف عن متانة تلك الرّوابط التي أنشأتها لوحات الفنّانة خالصة هلال، بين النّاس وتلك المعالم الظّاهرة في أعمالها الفنّيّة، التي هيّأت لمن ينظر إلى المشاهد التي تلوح فيها، أن يوثّق عرى الرّوابط بينه وبين تلك الأجواء الأخّاذة، التي تشتمل عليها أحياء هذه المدينة، التي كانت ترسم معالمها الفنّانة خالصة هلال، ولا يتمكّن النّاظر إلى لوحاتها، من أن يحيط ببهاء ذلك التّناسق، الذي يجمع بين عناصر العمل الفنّيّ، الذي كان يتأمّله، إذا لم يستجلِ تلك المرامي القصيّة، التي أفصحت عنها الفنّانة خالصة هلال في أعمالها الفنّيّة، التي لأمت فيها بين الأفكار العميقة ونصاعة تلك الأشكال الظّاهرة في لوحاتها الفنّيّة.

دأبت الفنّانة خالصة هلال في أن تستطلع في تلك الأماكن التي عهدَتْها، طابعَ تلك الأصالة التي كان يواريها ركام تلك الأحداث، التي ينشغل بها النّاس الذين كانوا يعيشون في تلك الأمكنة، فكانت الفنّانة خالصة هلال كثيراً ما تتبصّر في تلك المشاهد، التي طالعتها بها معالم تلك الأمكنة التي عاشت فيها، فهي ولدت ونشأت مترعرعة في مدينة حلب، التي فتنت بجمال مبانيها، التي ما برحت تغشاها ملامح البهاء، مذ قامت تلك المغاني العامرة إبّان العصور الغابرة، فإذا كانت بدأت في أن تفتتن بعراقة العمران، إذ اغترقت نظرها معالم مدينة حلب، إلّا أنّها أردفت بشغفها بتلك المدينة، ولعَها بمدينة ثانية أخرى، حيث لم تكتف الفنّانة خالصة هلال بأن تستغرق في محبّة مدينة واحدة، فكانت تلك المدينة الثّانية هي دمشق، التي خصّتها الرّسّامة خالصة هلال، بإنجازها عدداً من اللّوحات الفنّيّة التّشكيليّة، التي أظهرت فيها ملامح تلك الأصالة التي عمّت أرجاء تلك المدينة، التي افتتنت الرّسّامة خالصة هلال بمعالم العراقة الرّاسخة في ربوعها، فلا عجب من أن تحرص على أن تدعو إلى الحفاظ على ذلك الطّابع الأخّاذ الأصيل، الذي يغلب على مظهر تلك المدينة، ولم تتوان في أن تظهر في لوحاتها، تلك الموضوعات التي ارتبطت بالأحداث التي جرت في هذه المدينة، التي كانت تحرص على أن تردّ عنها عوادي الدّهر، فخشيت من أن تتبدّل حال تلك المدينة، التي رأت أنّها قد بدأت تدهمها الأخطار، إذ جهدت الفنّانة خالصة هلال في أن تفصح عن ولعها بتلك المدينة، التي كانت تحرص على أن تحذّر النّاس من استشراء تلك الأخطار، التي تهدّد بالنّيل من مظاهر الأصالة الثّابتة في عمران هذه المدينة.

لم تعمد الرّسّامة خالصة هلال إلى أن تواري شعورها بالقلق على مصير ذلك الطّابع الأصيل، الذي كانت تتّسم به معالم مدينة دمشق، وقد ذُكر في سياق حوار أُجري معها، تعليقٌ ورد فيه تلميح إلى تلك الحال، التي ظهرت فيها معالم دمشق القديمة في تلك اللّوحات التي رسمتها الفنّانة خالصة هلال، وكانت صيغة ذلك التّعليق تضمّنت العبارات التّالية: "...كانت في لوحاتك، دمشق القديمة تجلّت بكثرة وهي تئن وتنهار"(1)،  وقد ردّت الفنّانة التّشكيليّة خالصة هلال على فحوى ذلك التّعليق، إذ قالت: "نعم، بيني وبين الشّام عشق أزليّ.. وبين الواقع الحاليّ والتّراث القديم هناك مسافة كبيرة، وقد كان عشقي لها ولأخلاقها وعاداتها.. وفعلاً، كما لاحظت، هي في أعمالي بحالة حزن وانهيار لأنّني حزينة على العادات الجميلة التي ميّزت الشّام، وحاراتها التي امتدّت مخزوناً عميقاً عندي منذ كان الفنّان ناظم الجعفريّ يأخذنا إلى دمشق القديمة كلّ يوم ثلاثاء لنستمدّ روح الفنّ الأزليّ منها"(2)، وإن أدركت الفنّانة خالصة هلال طابع الأصالة التي تمّيز معالم مدينة دمشق، فهي وعت أيضاً تلك المآثر والمفاخر التي اشتمل عليها تاريخ مدينة دمشق، وقد دأبت في أن تجلو في لوحاتها معالم هذه المدينة التي يتأصّل فيها طابع تلك المفاخر، التي كانت تجاهر بالاعتزاز بها الفنّانة خالصة هلال، التي إن نبّهت إلى الخطر الدّاهم الذي يتهدّد معالم تلك المدينة، فلتحفز النّاس إلى أن يحبطوا تلك المساعي التي تبذل للنّيل من طابع الأصالة، التي تتّسم به تلك المدينة، التي ظلّت توطّد دائماً ارتباطها بها، فإن سكنت الفنّانة خالصة هلال مقيمة بظلّ بمدينة دمشق، التي شغفت بها، فإنّها لم تفتر عن أن ترسم معالم تلك المدينة، حيث هدفت إلى أن تظهر في لوحاتها، ملامح تلك المدينة التي لم تغب مظاهرها عن خيالها الواسع، وقصدت إلى أن تكشف عن معالمها التي ملأت عينها جمالاً وحسناً، فغدت اللّوحات الفنّيّة التي رسمتها، بدائع فنّيّة جميلة، ودليلاً ثابتاً في الوقت ذاته على وثاقة تعلّق الفنّانة خالصة هلال بمدينة دمشق.

(1)_ جريدة تشرين، العدد 6966، ص 7، تاريخ 22/ 11/ 1997.

(2)_ المصدر السّابق.



اختلط مفهوما الثّقافة والعلم في أذهان عدد كبير من النّاس في الوطن العربيّ، حتّى أنّهم أخذوا يطابقون بينهما، فظنّوا أنّ الإنسان الذي نال حظّاً من التّحصيل العلميّ، في تدرّجه في المراحل الدّراسيّة في المدارس والجامعات، لا بدّ من أن يكون إنساناً مثقّفاً، وقد يتمادى أولئك النّاس في عسفهم في تقدير المرتبة، التي يحلّ بها ذلك الإنسان المتعلّم، فيقيسون المقدار الذي يرتفع به في ارتقائه في مراتب الثّقافة، بحسب مبلغ ذلك التّحصيل العلميّ الذي يحقّقه، علماً بأنّه لا توجد علاقة بتاتاً بين هذين الأمرين اللذين يربط بينهما أولئك النّاس، فالعلم هو أحد أدوات المعرفة، بينما عرّف إدوارد تايلور الثّقافة بأنّها "المجموع الكلّيّ المعقّد الذي يشتمل على الأخلاق والفنون، والمعارف والمعتقدات والقوانين والفلسفة والأديان، وكلّ ما يكتسبه الإنسان من العادات والتّقاليد، والطّباع التي تظهر في المجتمع الذي يعيش فيه"، وقد أحصى علماء الأنثربولوجيا "علم الإنسان" عدد التّعاريف التي أوضحت مفهوم الثّقافة، فذكروا أنّ عددها يزيد على المائة والخمسين تعريفاً، وبعض العلماء اعتقد أنّ عدد تلك التّعاريف، يزيد زيادة كبيرة عن ذلك العدد الذي ذكرته آنفاً.

دأبت في أن أعمد في أحايين كثيرة إلى أن أتبيّن تلك العوامل، التي تؤثّر في إيجاد التّباين بين النّاس في استيعابههم التّواؤم والاتّفاق، اللذين يتطلّب أن يحقّقهما كلّ منهم بين التّصرفات التي تبدر منه، وتلك القواعد التي ينبنى عليها المجتمع الذي يعيش فيه، وكان التّفاوت بين هؤلاء النّاس في تمكّنهم من إدراك تلك الحاجات التي تلوح في مجتمعهم، يفسّر دواعي ذلك الاختلاف بين تلك التّصرّفات، التي يعالجون بها تلك المسائل التي تبرز في ذلك المجتمع، وقد كنت أحرص على أن أبحث في ذلك التّباين في الأفعال، التي يأتيها النّاس، وخصوصاً في تلك الحالة التي يعالجون فيها المشاكل والأزمات، التي كانت تعترض حياتهم في ذلك المجتمع العربي الذي ينضوون إليه، ثمّ كنت أعكف على دراسة آراء أولئك الأشخاص، الذين كانوا يحاولون أن يوجدوا حلولاً ملائمة لتلك الأزمات التي ينظرون فيها، وقد اخترت في إحدى تلك المرّات التي أجريت فيها هذا البحث، مجموعةً من النّاس، الذين وزّعتهم في فئتين اثنتين، حيث كانت المجموعة الأولى تضمّ الأشخاص، الذين حصلوا على شهادات عليا في دراساتهم الجامعيّة، بينما كانت الفئة الثّانية تشتمل على أشخاص أمّيّين، أي أنّهم لم يكونوا يعرفون القراءة ولا الكتابة، وكنت أجهد في أن أنعم النّظر في تلك الآراء التي يدلي بها هؤلاء الأفراد، الذين يتصدّون لحلّ تلك المشاكل التي تعترض مجرى حياة النّاس في المجتمع، وقد استمررت على أن أحاول أن أجمع كلّما تيسّر لي الظّرف المناسب، الآراء التي كان يجهر بها أفراد هاتين الفئتين، حينما يعلّقون على المشاكل والقضايا ذاتها، التي كانت تسترعي أنظار أولئك الأشخاص، الذين انضووا إلى هاتين الفئتين اللتين اشتملهما ذلك البحث الذي أجريته.

أكّدت النّتيجة التي أفضى إليها بحثي في أجوبة هؤلاء الأشخاص، الذين كانوا يصرّحون بآرائهم، أنّ أجوبة عدد من الأشخاص الأمّيّين، كانت تتّصف بالسّداد والصّواب اللذين، لم تكن تتّسم بهما تلك الآراء التي أدلى بها عدد من الأشخاص المتعلّمين، فتمكّن هؤلاء الأفراد الأمّيّون من أن يوجدوا حلولاً ملائمة للمشاكل التي كانوا يتدبّرون عواقبها، بينما عجز عدد من المتعلّمين من أن يجاروا أولئك الأمّيّين، في إيجاد تلك الحلول المناسبة لتلك الأزمات نفسها، التي نظر فيها كلّ من أولئك الأفراد الذين انضووا إلى هاتين الفئتين، وقد عُرّفت أيضاً الثّقافة في أحد التّعاريف العديدة، التي ذكرت في الأبحاث والدّراسات التي جرت في ميدان علم الاجتماع، بأنّها مظاهر تلك القيم والمثل الأخلاقيّة، وهي ميراث اجتماعيّ يشارك فيه كلّ الأشخاص والجماعات، الذين يحرصون على الامتثال للأعراف والتّقاليد والعادات والمعتقدات التي تظهر في المجتمع، فالثّقافة بحسب هذا التّعريف الذي أوردته آنفاً، ترتبط بالسّلوك الذي يعتمده الإنسان، من دون أن تتحدّد بالتّحصيل العلميّ الذي يتمكّن من أن يحقّقه، فإذا كان يجب على المثقّف أن يدرك تلك الحاجات الضّروريّة، التي تظهر في المجتمع، ويحيط بالمسائل التي تبرز فيه، كي يتّخذ السّلوك الذي يهيّئ له أن يؤثّر تأثيراً فعّالاً، في تناوله تلك القضايا التي تبرز في مجتمعه، فإنّ قدرة المثّقف على النّجاح في أن يؤدّي تلك المهامّ الاجتماعيّة، لا ترتبط بالمستوى الذي يصل إليه في تحصيله العلميّ، علماً بأن الشّوائب التي تشوب مناهج التّعليم في الوطن العربيّ، تجعل الإنسان في تلك البلاد العربيّة، يفتقد تلك الخاصيّة العلميّة التي كان يفترض أن تتّسم بها شخصيّته، فإذا استطاع الإنسان الأمّيّ أن يدرك تلك الحاجات التي تبرز في المجتمع، ويحيط بتلك المعتقدات والمبادئ التي يستنّ بها الأفراد في تصرفاتهم التي يجيئونها، فلا يحقّ لأحد من النّاس أن يجرّده عندئذ من تلك السّمة الثّقافيّة، التي تتميّز بها شخصيّته، ولا يجوز أيضاً أن يتطاول أحد من أولئك المتعلّمين، على هؤلاء الأمّيّين، ولا يستهينوا بقدراتهم على النّجاح في معالجة تلك القضايا التي تظهر في المجتمع.



دأب الإنسان في أن يشدّد دائماً عزيمته على مجابهة تلك المخاطر التي تتهدّده، فلَمْ يكن يستكين لتلك المشاكل التي كانت تهدف إلى أن تكدّر عيشه، ولم يكن يختلف شأن ذلك الإنسان، حينما يتبيّن تلك الأعراض المرضيّة التي تحلّ به، فكان يسعى إلى أن يستشفي من علّته، من دون أن تفتر همّته بمجابهة ذلك المرض الذي يدهمه، وكان والدي ينوّه دائماً بفعاليّة تأثير المعنويات العالية، التي يجب أن يتحلّى بها المريض، في مجابهته ذلك الدّاء الذي يصيبه، وقد سألت والدي ذات يوم، عن أمر ما برح يخطر ببالي، إذ كنت أفكّر في ذلك التّنافس الجاري بين بلدان العالم، في السّعي إلى تحقيق النّجاح في معالجة الأمراض، فاستفسرت والدي عن ذلك التّنافس الحاصل بين أقطار العالم، فقلت له: "إذا تماثلت الدّول كافّة في اقتنائها وسائل العلاج الطّبّيّ نفسها، وإن توفّرت في تلك الدّول كلّها الشّروط ذاتها لتحقيق الرّعاية الصّحّيّة المثلى، وإذا تكافأت أقطار العالم في حيازتها كافّة الأدوية الفعّالة ذاتها، فكيف تتمايز الدّول بعضها عن بعض، وكيف يبرز التّباين فيما بينها، في تحقيق النّجاح في معالجة المرضى".

ولم أكد أفرغ من إلقائي ذلك السّؤال، حتّى أجابني والدي قائلاً: "يمتاز الأطباء بعضهم عن بعض في كلّ دول العالم، في مبلغ تلك الاستطاعة، التي تصل إليها قدراتهم على أن يشخّصوا تشخيصاً محكماً صائباً، الأمراضَ التي يعالجونها، فإذا حدّدوا بدقّة أسباب تلك الأعراض المرضّية، يسهل على الأطباء حينئذ أن يعالجوا علاجاً ناجعاً المرضى الذين يداوونهم، فالتّشخيص السّديد، هو الرّكيزة الأساسيّة التي يستند عليها تحقيق الشّفاء من الأمراض".

تلقّيت جواب والدي عن سؤالي، واستغرقت في أن أتفكّر في تلك الكلمات التي تفوّه بها، وما لبث أن تابع والدي كلامه قائلاً: "إنّ الطّبيب إذا تمتّع برؤية نافذة وعقل ثاقب، يتيسّر له أن يدرك أسباب الأعراض المرضيّة الظّاهرة، وكلّ إنسان هو بحاجة إلى أن يتحلّى بالرّؤية الحادّة، في تدبّره وتأمّله في تلك المشاكل التي يتعرّض لها، ليتمّكن من أن يشخّص بدقّة أسباب تلك المشاكل، كي يتسنّى له أن يحلّها، فيجب على الإنسان، أن يمتلك القدرة الفعّالة على تحقيق التّشخيص المحكم، في معالجة كلّ المشكلات التي تعترض مجرى تلك الحياة التي يعيشها، فالأساس الذي تعتمد عليه أيضاً معالجة تلك المعضلات العويصة، هو تحقيق التّشخيص الصّائب الذي ييسّر معالجة تلك المشاكل العسيرة، فلا غنى للإنسان مطلقاً عن أن يحقّق دقّة التّشخيص في مجابهته الأزمات كافّة، التي تطرأ عليه".



التبست على فئة كبيرة من النّاس طبيعةُ ذلك النّشاط، الذي يمارسه الكاتب، الذي يعكف على كتابة المؤلّفات الأدبيّة، التي كانت أغلبيّة الأقوام تتحفّز لأن تتلقّاها كي تستغرق في أن تطالعها، على الرّغم من أنّ أولئك النّاس كانوا كثيراً ما يتناقلون فيما بينهم، تلك الأحاديث التي تخبر بأحوال الأشخاص، الذين كانت تشكُل عليهم طبيعة ذلك العمل الذي يمارسه الكاتب، إذ لم يكونوا يدرجون ذلك النّشاط الأدبيّ الذي يزاوله، في عداد تلك المهن التي كانوا اعتادوا أن ينسبوها إلى الأعمال التي كان النّاس يمارسونها، وقد كثرت تلك الأخبار التي تنبئ بذلك الإشكال، الذي كان يقع فيه الأشخاص الذين كانوا يلتقون بأولئك الكتّاب، فقد ذُكر أنّ أحد الكتّاب الإنكليز سمع خادميه الاثنين، بينما كانا يتحادثان بالقرب من باب غرفته، التي كان في داخلها، فانتهت إلى سمعه كلمات أحد هذين الخادمين، إذ كان يلتمس إذن الدّخول في الغرفة حيث كان يوجد ذلك الكاتب، فألقى ذلك الخادم سؤاله مستفسراً عمّا إذا كان الكاتب قد تفرّغ من الشّغل الذي كان يؤدّيه، وبات متهيّئاً لأن يستقبله، وسمع ذلك الكاتب جواب الخادم الآخر، الذي ردّ على ذلك السّؤال الذي ألقي عليه، إذ قال: "بإمكانك أن تدخل في الغرفة، فهو لا يعمل أيّ شيء، إنّه يكتب فقط".

حدثت واقعة أخرى تشابه الحادثة التي أخبر عنها ذلك الكاتب الإنكليزيّ، لكنها جرت تلك الواقعة الثّانية في مكان آخر، حيث حصلت تحديداً في مدينة في إحدى دول أمريكا اللّاتينيّة، وقد روي أنّ كاتباً كان يعيش في تلك المدينة، وذُكر أنّه بينما كان يخرج من منزله ويتأهّب ليسير في طريقه قاصداً أحد الأمكنة في تلك المدينة، سرعان ما استوقفه صاحب أحد المخازن التي كانت واقعة في القرب من منزل ذلك الكاتب، وبعد أن حيّا كلّ منهما الآخر، استفسر صاحب المتجر ذلك الكاتب، عن الدّاعي الذي اضطرّه إلى أن يبقى طيلة الوقت في المنزل، وأخذ يلحف في سؤاله عن ذلك الملل، الذي يظنّ أنّه أصاب ذلك الكاتب، بسبب مكوثه بمنزله زمناً طويلاً متفرّغاً للكتابة، من دون أن يمتهن عملاً يسرّي عن نفسه ذلك الغمّ، الذي يلحقه به إحساسه بتلك الملالة، التي يعتقد صاحب ذلك المتجر أنّها كانت تطبق على الكاتب، الذي تلقّى تلك الأسئلة وهو يدرك ذلك الالتباس الذي وقع فيه جاره صاحب المتجر، وهاتان الحادثتان اللتان خبرهما هذان الكاتبان، تبيّنان أنّ الأشخاص الذين احتكوا بهذين الكاتبين، كانوا يعتقدون أنّ ذلك النّشاط الأدبيّ الذي يمارسه هذان الكاتبان، لا يندرج في عداد تلك الأعمال التي اعتاد النّاس أن يزاولوها.

تمتلئ سير كتّاب كثيرين، بالعديد من تلك الأحداث التي تماثل هاتين الواقعتين، اللتين شهدهما هذان الكاتبان، وتكاد غالبيّة الأقوام في البلاد كافّة، تقع في ذلك الإشكال، الذي يمنع هؤلاء النّاس عن أن يحيطوا بطبيعة النّشاط الذي يزاوله الكاتب، وإنّي خبرتُ حالة ذلك الالتباس ذاته، الذي تحدّثت عنه آنفاً، فعندما كان تحقيق أسباب التّعارف بيني وبين أحد الأشخاص الذين كنت ألتقيهم، يقتضي أن أعرّفه بالعمل الذي أزاوله، بعد أن يكون قد سألني عن طبيعة المهنة التي أمارسها، فكنت أجيب عن ذلك السّؤال، بأن أعرّف نفسي بصفة العمل الذي أزاوله وهو مهنة الكتابة، وأذكر له أنّي كاتب؛ وذلك السّؤال الذي يلقى عليّ، هو استفسار عاديّ شائع جدّاً بين النّاس، الذين يتبادلون الأحاديث التي تجري في تلك المناسبات، التي يلتقي بعضهم بعضاً فيها أوّل مرّة، بيد أنّي كنت أتيقّن بأن ذلك الجواب، الذي كنت أذكره رادّاً على ذلك الشّخص الذي ألقى عليّ بسؤاله، لم يكن ينقع ظمأ الشّخص السّائل إلى معرفة تلك المهنة التي أزاولها، فكان يعاود إلقاء ذلك السّؤال تارة أخرى، بيد أنّه لم يكن يظفر بحسب اعتقاده، بالجواب الشّافي عن ذلك السّؤال الذي طرحه عليّ، لأنّي كنت أكرّر الإجابة ذاتها التي كنت ذكرتها في المرّة الماضية، وربّما لو استمرّ على أن يعيد إلقاء ذلك السّؤال مرّات كثيرة، لما سمع غير الجواب نفسه يتكرّر كلّ مرّة كان يلقي فيها ذلك السّؤال، وهو يتوقّع أن أذكر له اسم إحدى المهن، التي كان يحيط بأسمائها علماً، بينما لم يكن يعتاد أن ينظر إلى الكتابة الأدبيّة باعتبارها مهنة كبقيّة تلك الأعمال، التي يزاولها النّاس.

إنّ النّاس إذا كانوا ينظرون إلى الكتاب في صورته المادّيّة، ويعتبرونه منتجاً يقبلون على أن يقتنوه، فإنّهم ما زالوا ينكرون تلك العمليّة التي تمخّضت بذلك النّتاج الذي كانوا يتناولونه، ويحجمون عن أن يماثلوها بسائر العمليّات، التي تنجم عنها بقيّة المنتوجات التي اعتادوا أن يتلقّوها، ويتعذّر عليهم أن يعتبروا تلك الكتابة الأدبيّة، مهنة يحرص الكاتب على أن يزاولها ليقدّم لهم ذلك المنتج، الذي يملأ أذهانهم بالعبر والخبرات التي تفيدهم، وإذا لم يتحقّق بين الكتّاب وأولئك النّاس الذين كانوا يلتقونهم، ذلك التّفاهم على تحديد طبيعة العمل الذي يزاوله الكتّاب، فإنّ النّاس يُعذرون على عدم تمكّنهم من أن يتبيّنوا طبيعة ذلك النّشاط الأدبيّ، الذي يمارسه الكتّاب، لأنّ إذا نشأت في أذهان هؤلاء الأقوام تلك الصّورة المشوّشة، التي لا تظهر فيها حقيقة تلك الكتابة الأدبيّة جلّية صرفة، فيعزى أسباب وقوع هؤلاء النّاس في ذلك الالتباس الحاصل لهم حينئذ، إلى طبيعة تلك الأفكار التي تصوّر بها طبيعة ذلك النّشاط الأدبيّ، وتصدر تلك التّصوّرات والأفكار عن ميادين شتّى من عوالم  الفكر، الذي تندرج فيه نظريّات فلسفيّة واقتصاديّة، ويتضمّن أيضاً نظريّات وآراء تصدر عن أبحاث تجرى في نطاق علم الاجتماع، فكلّ تلك الميادين الفكريّة انبثقت منها تلك الأفكار، التي حدّدت بها صورة النّشاط الأدبيّ في أذهان النّاس؛ فهؤلاء الأشخاص الودودون اللّطفاء الذين كان الكتّاب يلتقون بهم، لا يتحمّلون مسؤوليّة حصول ذلك الالتباس الذي يقعون فيه، إذا أشكلت عليهم طبيعة تلك الكتابة الأدبيّة، التي تداخلت نظريّات وآراء فكريّة عديدة في تحديد سماتها، وتبيان خصائصها.



الشّراكة الحقيقيّة

يطمح الرّجل دائماً إلى أن يصبح إنساناً عظيماً، فيلتمس من المرأة أن تلهمه وتهديه إلى السّبيل التي تفضي به إلى أن يصل إلى ذروة الأمجاد، ويطلب منها أن تمهّد له الطّريق التي توصله إلى أن يدرك ذلك المطمح، ولا يدري ذلك الرّجل أنّ المرأة حينما توطّئ له تلك السّبيل، فلا بدّ من أنّها ستسبقه إلى الوصول إلى ذروة تلك الأمجاد، فإن كانت المرأة شريكة الرّجل في هذه الحياة التي يعيشانها، فالمرأة هي أيضاً صانعة تلك الأمجاد التي طالما تمنّى الرّجل أن يحقّقها.



تهانينا!

إذا كنت تقرأ هذه السطور ، فهذا يعني أن عملية التسجيل كانت ناجحة وأنه يمكنك البدء في التدوين