اتّبعت دول جنوب وشرق آسيا نهج الانفتاح الاقتصاديّ، ودأبت في أن توطّد الأسس التي ترتكز عليها عمليّة تحرير أنظمتها الماليّة ومبادلاتها التّجاريّة، فرفعت القيود التي تعرقل تحقّق عمليّة التّحرير الاقتصادي الذي اعتمدته في إدارة المعاملات الماليّة، التي أقامتها مع المؤسّسات والأجهزة الاقتصاديّة الأجنبيّة، حيث أزيلت العوائق التي تمنع من أن تتدفّق رؤوس الأموال إلى تلك الدّول الآسيويّة، التي سعت جاهدة إلى أن تحفز الأموال الأجنبيّة للقدوم إليها، لتساهم في تمويل المشاريع الاقتصاديّة القائمة، وقد شجّعت المؤسّسات الاقتصاديّة الدّوليّة تلك الدّول على اتّباع نهج التّحرير الماليّ، بيد أنّ ما لبثت بعد أن وقعت تلك الدّول الآسيويّة في أزمتها الماليّة، أن ألقت عليها اللّوم لتسرّعها في تطبيق تحرير حساب رأس المال، حيث"تؤكّد تجربة الأزمة الآسيويّة أنّ التّحرير الماليّ السّريع الذي بدأ تطبيقه في دول تلك الأزمة، في السّنوات الأخيرة من الثّمانينيّات والسّنوات الأولى من التّسعينيّات، كان عاملاً حاسماً في التّمهيد للأزمة وتحقّق أسبابها"(1)، وكانت تلك الدّول الآسيويّة اقتنعت بأنّ لا مناص من أن تحقّق عمليّة التّحرير الماليّ، في سعيها إلى أن تجلب إليها الاستثمارات الماليّة، وقد نجمت تلك الأزمة المصرفيّة عن ذلك "الإسراع في تحرير حساب رأس المال بالكامل. إذ تشير التّجربة الآسيويّة إلى أنّ قدرة الحكومة على الرّقابة، وإدارة هذا التّحرير الماليّ لم تتمّ بذات سرعة عمليّة التّحرير الماليّ، ذلك أنّ تحرير حساب رأس المال يجب أن يتمّ على جرعات يفصلها عن بعض، فجوة زمنيّة حتّى يمكن استيعاب كلّ جرعة منها. ولا بدّ عند كلّ جرعة من جرعات التّحرير، خلق أدوات الرّقابة التي تضمن عدم انفلاتها. فتشير التّجربة الآسيويّة إلى أنّ تحرير حساب رأس المال الماليّ، قد تمّ دفعة واحدة ودون أن يتكوّن الإطار المؤسّسي للرّقابة"(2)، فبعد أن أصابت الأزمة الماليّة تلك الدّول الآسيويّة، ما برحت تتلقّى اللّوم لتهاونها في مراعاة مسألة تحديد تلك الفترات الزّمنيّة، التي يتدرّج فيها تحقّق عمليّة تحرير حساب رأس المال.

تدفّقت على دول النّمور الآسيويّة، الاستثمارات الماليّة التي كانت غالبيّتها رؤوس أموال قصيرة الأجل، وقد كانت تلك الأموال أحد أسباب نشوء تلك الأزمة المصرفيّة في تلك الدّول الآسيويّة، حيث استخدمت تلك التّدفّقات الماليّة قصيرة المدى "في القروض المصرفيّة قصيرة الأجل وفي تدفّقات رأس المال الماليّ أو التّدفّقات بغرض الاستثمار في المحافظ الماليّة"(3)، ويتاح لهذه الأموال قصيرة المدى أن تتحرّك بسهولة ويسر، فيسببّ انتقالها السّريع بين البلدان، الاضّطراب في قطّاع أسواق المال، وقد رئي أن يتحقّق في التّعامل مع تلك التدّفقات قصيرة الأجل "إحكام الرّقابة واستخدام الأدوات المناسبة لتقييد هذا النّوع من التّدفّقات قصيرة المدى"(4)، وقد زاد مقدار هذه التّدفّقات قصيرة الأجل في هذه الدّول الآسيويّة، في إثر تحقّق التّوسّع في عمليّات تحرير النّظم الماليّة، التي بدأت مع مطلع سنوات التّسعينيّات، وقد استطاعت عدد من دول العالم، أن تضبط عمليّة تدفّق رأس المال القصير الأجل، وقد أشيدت بالطّريقة التي تعاملت فيها دولة شيلي، مع تدفّق ذلك النّوع من رؤوس الأموال إليها، ففرضت الضّرائب على تدفّقات رأس المال قصيرة الأجل "حيث اشترطت شيلي ضرورة إيداع جزء من الأموال الأجنبيّة، في حساب لا يدرّ عائداً (فائدة) لمدّة عام. ويقال إنّ سبب نجاح شيلي في تجنّب الأزمة عند انفجار الاضّطراب الماليّ في المكسيك، هو هذه القيود المفروضة على تدفّقات رؤوس الأموال قصيرة الأجل"(5)، وبالإضافة إلى ذلك التّصرّف الذي بادرت فيه دولة شيلي، إلى التّعامل مع ذلك النّوع من رؤوس الأموال، فإنّه قدّم العديد من الباحثين أفكاراً أخرى، في سعيهم إلى أن يوجدوا الطّرائق المثلى في استخدام تدفّقات رؤوس الأموال قصيرة الأجل.

لم تراع دول النّمور الآسيويّة تلك المحاذير، التي أكّدت فحواها نشوء المخاطر عن ذلك النّمط من القروض، التي تدفّقت إلى تلك الدّول الآسيويّة، لأنّ "القروض قصيرة الأجل مثيرة للمصاعب بوجه خاصّ، فهي خلافاً للاستثمار الأجنبيّ المباشر لا تجلب معها خبرة أو تكنولوجيا أجنبيّة، أمّا المستثمرون المباشرون فليس لديهم ما يخشونه من الضّوابط المفروضة على العملة الصّعبة، وحركة رأس المال، شريطة ضمان حقوق الملكيّة وتوافر وضع تجاريّ سليم. فالهدف الرّئيسيّ للمستثمرين المباشرين هو الإفادة من الأجور المتدنّية في بلدان مثل إندونيسيا أو الإفادة من مزايا الموقع، كما هي حال سنغافورة"(6)، وإذا أردنا أن نستدلّ على النّفوذ الذي تتمّتع به القروض قصيرة الأجل، في إثارة تلك الأزمة المصرفيّة، فيتوجّب أن ننظر في التّفاوت الحاصل بين الدّول في مقدار اعتمادها على ذلك النّمط من القروض، وقد اتّضح "أنّ البلدان التي كانت فيها مستويات التّدفّقات الماليّة قصيرة الأجل، أدنى من حيث نسبتها في الاستثمار الأجنبيّ المباشر، تأثّرت بدرجة أخفّ"(7)، فتفاوتت دول النّمور في حجم تفاقم الأزمة الماليّة فيها، بحسب مقدار سيطرتها على تدفّق القروض قصيرة الأجل،  وثبت أنّ "البلدان التي حرصت على ضبط الإقراض قصير الأجل، لم تكن عزلاء بلا إستراتيجيّات قوميّة لصدّ هجمات المضاربة. فتايوان لم تتأثّر عمليّاً بالأزمة، لأنّها حرصت كلّ الحرص على تجنّب عبء دين كبير، ولأنّ نظامها الصّناعيّ بالغ التّنوّع، القائم على مشاريع صغيرة ومتوسّطة، كان يحصل على التّمويل من مصادر محلّيّة إلى حدّ كبير"(8)، فاختلفت الطّرائق التي تعاملت فيها تلك الدّول الآسيويّة مع ذلك النّوع من التّدفّقات الماليّة، التي كان يتاح لها المجال لأن تسخّرها لتحقيق منافعها الاقتصاديّة.

لم تكن دول النّمور الآسيويّة تعدم الوسيلة الملائمة للتّعامل مع المشاكل التي تسبّب بنشوئها، التّدفّقات الضّخمة لرؤوس الأموال السّاخنة، التي وصفت بأنّها تكون قصيرة المدى وتهدف إلى المضاربة، وقد "اضّطرت الحكومة الماليزيّة إلى فرض القيود والعقوبات المتعلّقة بحسابات الرّينجيت لغير المقيمين"(9)، واعتمدت أكثريّة العاملين في النّشاط الاقتصاديّ، على استخدام القروض قصيرة الأجل في تلك الدّول الآسيويّة، إذ كان "التّصميم الخاصّ لبرنامج التّحرير الماليّ في تلك الدّول، شجّع الاقتراض قصير الأجل من الخارج، ذلك أنّ إجراءات تقديم واستيفاء القروض قصيرة الأجل أقلّ تعقيداً من عمليّة الاقتراض طويل الأجل"(10)، وبالإضافة إلى ذلك التّساهل في تطبيق الإجراءات الماليّة الملائمة للاستثمار الماليّ، فإنّ الحكومة في كوريا الجنوبيّة "صرّحت للمؤسّسات غير البنكيّة بالاقتراض من الخارج لحسابها الخاصّ وتحت مسؤوليّتها ودون تنسيق مركزيّ. ويبلغ نصيب هذه المؤسّسات غير البنكيّة حوالي ثلث الدّين الخارجيّ لكويا الجنوبيّة. وبينما تقع مديونيّة هذه المؤسّسات غير البنكيّة خارج إجراءات ورقابة البنك المركزيّ إلّا أنّها تشكّل جزءاً من خصومه (مطلوباته) بالنّقد الأجنبيّ(11)، وقد بلغت تدفقّات القروض القصيرة الأجل إلى تلك البلدان الآسيويّة قدراً كبيراً، إذ كان "نصيب تدفّقات رؤوس الأموال قصيرة المدى من جملة التّدفّقات، قد بلغ حوالي 77% في كلّ من عام 1995 و1996. وقد تحوّل صافي تدفّق القروض الخاصّة (البنوك التّجاريّة) من تدفّق موجب نحو الدّاخل بلغ 62,7 بليون دولار أمريكيّ عام 1996، إلى صافي تدفّق نحو الخارج بلغ رقماً قياسياً قدره (_021,2) بليون دولار أمريكيّ عام 1996، وهو ما يعني أنّ حجم التّدفّقات التي عكست اتّجاهها نحو الخارج بدلاً من الاتّجاه نحو الدّاخل عام 1997، قد بلغت 83,9 بليون دولار أمريكيّ، وهي مبالغ ضخمة لا تتحمّلها موازين مدفوعات هذه الدّول، ومن شأن تغيير اتّجاهها حدوث اختلالات عنيفة لا تتحمّلها موازين مدفوعات هذه البلدان"(12)، وقد كان بإمكان تلك الدّول الآسيويّة أن تكبح الاندفاع في تقديم تلك القروض، ولم يكن يتعذّر عليها أن تجد الوسيلة الملائمة التي تمهّد لها السّبيل إلى تلافي تلك المشاكل، التي تنجم عن ذلك النّوع من القروض الماليّة.

لم تكن المصارف في دول النّمور الآسيويّة مهيّأة لاستقبال رؤوس الأموال قصيرة المدى، التي كان المقدار الكبير منها، عبارة عن قروض خارجيّة، وكانت كوريا الجنوبيّة وتايلاند أكثر دول النّمور اعتماداً على القروض الخارجيّة، وإذا نظرنا في أحوال البنوك في كوريا الجنوبيّة، فإنّنا نرى أنّه قد  "ترتّب على سلوك هذه البنوك الاستثماريّة قليلة الخبرة النّمو البالونيّ لديون كوريا الخارجيّة من 44 بليون دولار أمريكيّ عام 1993، إلى 120 بليون دولار أمريكيّ عام 1997، وأغلبها ديون خاصّة، هذا بجانب أنّ المديونيّة قصيرة الأجل يصل نصيبها إلى 70% من حجم هذه المديونيّة"(13)، ويسبّب تراكم الدّين الخارجيّ بمعدّل يفوق تكلفة الاقتراض، مضارّ جمّة، حيث كانت "المشكلة أنّ مثل هذه الدّيون الخاصّة الكبيرة من شأنها أن تقوّض سعر صرف العملة، إذا ما سحب المقرضون مقداراً كبيراً من الأرصدة قصيرة الأجل"(14)، وكان نجاح تلك الدّول الآسيويّة في تحقيق النّمو الاقتصاديّ  "من أهمّ العوامل التي دفعت إلى تدفّقات ضخمة من رؤوس الأموال (كانت في أغلبها رؤوس أموال ساخنة_ قصيرة الأجل) لم يستطع النّظام الماليّ استيعابها وتوجيهها نحو القنوات المنتجة، ومن هنا انهار النّظام عند تغيّر اتّجاه هذه الأموال من الدّاخل إلى الخارج"(15)، فلم يكد يرى أولئك المستثمرون الذين اندفعوا إلى أن يغتنموا تلك المنافع في تلك الدّول الآسيويّة، تباشير الأزمة الماليّة التي تطرأ على النّشاط الماليّ، حتّى سارعوا إلى أن يسحبوا رؤوس أموالهم من مصارف تلك البلدان الآسيويّة.

ازدادت كمّيّات الأموال التي وفدت إلى تلك الدّول النّامية، التي كانت تنتهج سبيل النّمو الاقتصاديّ، فالتّدفّقات الماليّة إلى البلدان النّامية منذ أواخر عقد الثّمانينات "كانت من أكثر التّدفّقات الماليّة إلى البلدان المتطوّرة من حيث نسبتها المئويّة إلى إجماليّ النّاتج المحلّيّ، وهي 2% مقابل 1% من إجماليّ النّاتج المحلّيّ"(16)، وقد سبّب انسحاب الأموال من البلدان الآسيويّة أزمة ماليّة طاحنة، وتعدّدت تلك المسوّغات التي احتجّ بها في تحريك تلك الأموال، التي ذكر في عداد الأسباب التي دعت إلى سحب تلك الأموال، الرّغبةُ في "استدعاء هذه القروض أو عدم مدّ آجالها أو رفض تجديدها عند حلول مواعيد استحقاقها. وقد استمرّ هذا التّدفّق السّالب ( الخروج ) طوال عام 1998"(17)، وقد كان النّشاط الماليّ يعتمد اعتماداً كبيراً على الاستثمار الأجنبيّ، حيث كان "ضيق أسواق حقوق الملكيّة (الأسهم) والأدوات الماليّة ذات الدّخل الثّابت في هذه البلاد، أدّى إلى زيادة أهمّيّة الجهاز المصرفيّ في توفير فرص عديدة للوساطة الماليّة الأجنبيّة"(18)، ولم تكن الشّروط التي وضعت لتحقيق عمليّة الإقراض في القطّاع الماليّ، ملائمة للحدّ من وقوع المخاطر، حيث "كان الإقراض قصير الأجل (سنة فأقلّ) وهو الذي يحتلّ النّصيب الأكبر من الإقراض المصرفيّ الدّوليّ (حوالي 70%)، هو النّمط الذي فضّلته البنوك الدّوليّة نظراً لتلاؤمه مع طبيعة أصول هذه البنوك، كما أنّها أكثر اتّساقاً مع آجال استحقاق أموالها (ودائعها) وبالتّالي لا تثير مشكلة عدم التّوافق أو عدم الاتّساق بين آجال استحقاق أصول وخصوم البنوك الدّوليّة وهي المشكلة المعروفة باسم (Mismatching)"(19)، فلم تتبّع تلك المصارف الآسيويّة ذلك السّبيل، الذي يفضي بها إلى مجابهة المخاطر، التي كانت اتّخذت في ذلك الأوان من عام 1997، مظهر تلك الأزمة الماليّة القاسية التي وقعت فيها.

لم تكن المصارف الآسيويّة تراعي مسألة فجوة آجال الاستحقاق، التي تحدث في وجود التّباين بين تلك الأوقات التي يجب أن تفي فيها بالتزاماتها، وقد غاب التّناسق بين الأصول المتوفّرة، وتلك الالتزامات التي كانت تعهّدت تلك المصارف بأنّ تنفّذها، وكانت القروض المصرفيّة التي ضخّت في قطّاع المصارف الآسيويّة، هي قروض قصيرة الأجل، وقد "استُخدمت لتمويل شراء أصول محلّيّة طويلة الأجل مثل العقار، أو لتمويل مشروعات محلّيّة طويلة الأجل أو حتّى شراء الأسهم. وقد خلق ذلك عدم توافق أو عدم اتّساق(Mismatching) بين آجال استحقاق كلّ من أصول وخصوم الجهاز المصرفيّ، وهو أمر على جانب كبير من الخطورة وينطوي على آثار سلبيّة مهمّة. وتظهر هذه الخطورة عندما يرغب الدّائنون (البنوك الدّوليّة) في عدم تجديد قروضهم، أو مدّ آجال هذه القروض Roll_ Over، وهو ما حدث بالفعل. كما كان عدم التّوافق أيضاً واضحاً بين الأصول والخصوم من حيث العملة المقوّم بها الأصل أو الخصم (الموجودات والمطلوبات)"(20)، ولم تسلم تلك الدّول الأسيويّة من المخاطر التي تتسبّب بنشوئها قروض القصيرة الأجل، حتّى عندما كانت تنساب إلى تلك الدّول الآسيويّة قروض متوسّطة وطويلة المدى، التي يفترض أنّها لا تسبّب تلك المشاكل التي تثيرها القروض قصيرة المدى، بيد أنّ العديد من عقود القروض المتوسّطة والطّويلة المدى تضمّنت "شروطاً متشابهة للمقرض تجعل من حقّه طلب السّداد خلال فترات محدّدة في أثناء عقد القرض. بمعنى آخر: إنّ الفروق بين القروض قصيرة المدى وطويلة المدى قد اختلّت"(21)، فكانت القروض قصيرة إحدى الأسباب التي أنتجت تلك الأزمة الماليّة، التي اندلع شررها في قطّاع ماليّ، كانت تكثر فيه مكامن الخلل والضّعف.

تضرّت تلك الدّول الآسيويّة من تسرّعها في تحرير أسواق المال فيها، حيث كانت تلك الدّول ارتكبت "خطأ السّرعة والعجلة التي تمّ بها تحرير حساب رأس المال لميزان المدفوعات في تلك الدّول، دونما ترتيبات تصاحب ذلك من شأنها تنظيم دخول وخروج رؤوس الأموال قصيرة الأجل (بهدف المضاربة)، كذلك فإنّ فتح الباب على مصراعيه لدخول رؤوس الأموال دون ترتيبات متعلّقة بالجهاز المصرفيّ المحلّيّ، إنّما هو أمر ينطوي على مخاطر جمّة"(22)، ولم تقتصر الأخطاء التي ارتكبتها تلك الدّول، على ذلك القرار الخاطئ في التّسرّع في تحرير حساب رؤوس الأموال، بل أنّها ارتكبت تلك الدّول الآسيويّة أخطاء أخرى، تبدّى أحدها في تحديدها التّوقيت الذي اعتمدته لتدخّلها في معالجة الأزمة الماليّة، وفرضها الرّقابة على تدفّق تلك الأموال قصيرة الأجل، حيث كان ذلك الخطأ هو "التّدخل لفرض هذه الرّقابة والتّنظيم، أو فرض نوع من القيود في أثناء الأزمة، ذلك أنّ مثل هذا الإجراء قد يكون من شأنه زيادة النّار اشتعالاً، بمعنى أن يكون كمن صبّ الزّيت على النّار ليزيدها اشتعالاً"(23)، فتنظيم الإجراءات الماليّة في أثناء نشوء تلك الأزمة الماليّة، قد يثير في نفوس المستثمرين الذّعر من ذلك التّغيّر الذي يطرأ على القواعد، التي كانت تطبّق في مجرى الأنشطة الماليّة والاقتصاديّة التي كانوا يستثمرون فيها أموالهم.

إنّ الطّريقة التي تعاملت بها المصارف الآسيوّية مع الأموال قصيرة الأجل، أثبتت في اعتقاد بعض الباحثين الرّأي بأنّه لا شكّ في "أن تحرير حساب رأس المال كاملاً قد تمّ قبل أوانه، وقبل أن تنضج الظّروف اللّازمة لذلك، وأنّه كان ولا بدّ أن يصاحب التّحرير على جرعات ترتيبات تنظيميّة تحول دون حدوث المشاكل النّاجمة عن تدفّق رؤوس الأموال قصيرة الأجل"(24)، والمضارّ التي تنجم عن تحرير حساب رأس المال، هي كبيرة إذا لم تنظّم الهيكليّة الإداريّة في قطّاع المصارف، كي تواكب سيل تلك المعاملات الماليّة التي تفد إلى تلك المصارف، التي ستنكب بالأزمات إذا كانت افتقدت "قاعدة مصرفيّة قويّة قادرة على الصّمود في وجه هذه التّدفّقات الضّخمة، ومعنى الصّمود هنا القدرة على الاستيعاب وتوجيهها إلى قنوات الاستثمار الكفء، والتّحوّط تجاهها وتهيئة الظّروف لسدادها. ومن هنا فإنّ تحرير أسواق رأس المال يتطلّب نظاماً مصرفيّاً متقدّماً يستند إلى قاعدة رأسماليّة قويّة، قادرة على تكوين خطّ الدّفاع ضدّ مخاطر العمل المصرفيّ"(25)، وقد كانت إحدى النّتائج التي استخلصت من النّظر في تلك الأزمة الماليّة، التي أصابت الدّول الآسيويّة، هي أنّ "حمى الإقراض المحلّيّ وتوسّعه ومن ثمّ زيادة نسبة الأصول المتعثّرة لدى البنوك، كانت عاملاً حاسماً في الأزمة"(26)، ولم يكد ينهار سوق العقار في تايلاند، حتّى بلغت النّتائج التي تمخّض بها ذلك الانهيار، القطّاع الماليّ، ثمّ أدركت أيضاً سوق الصّرف الأجنبيّ، فعمد المستشمرون والدّائنون آنئذ إلى أن يسحبوا أموالهم بعد أن أيقنوا "بأنّ المقترضين المحلّيّين لن يستطيعوا تحمّل أعباء خدمة قروضهم قصيرة الأجل"(27)، ولم تعترض العوائق سبيل المضاربين إلى أن يغنموا المكاسب من تلك المعاملات الماليّة، التي أنشؤوها في القطّاعات الماليّة في تلك البلدان الآسيويّة.

إنّ القروض قصيرة المدى، تتسبّب بإيقاع المصارف في الأزمات الماليّة، لا سيّما إذا كانت تلك المصارف تفتقد مقداراً كافياً من السّيولة بالعملة الأجنبيّة، وهي التي تسمّى بالسّيولة الدّوليّة التي يتيّح توافرها عند الأنظمة الماليّة، أن تتحقّق معالجة ومواجهة "أيّ أزمة من الأزمات المعروفة على وجه السّرعة وبكفاءة عالية، سواء أكانت هذه الأزمة الماليّة هي أزمة سعر صرف Foreign Exchange Crisis، أو هي أزمة هيكليّة في النّظام الماليّ Balance Sheet Crisis، بمعنى أنّ الدّولة في حالة ملاءة ولديها فائض في ميزان المدفوعات، ولكنّ الالتزامات قصيرة المدى للحكومة والقّطاع الخاصّ هي دون المتاح من احتياطيّ النّقد الأجنبيّ. هذه الدّولة قد تكون مليئة لكنّها تعاني من نقص في السّيولة الدّوليّة_ أزمة بنوك الاستثمار الكوريّة في التّسعينيّات (1997) مثلاً_ أو إذا كانت أزمة مصرفيّة تنطوي على تزاحم المودعين لسحب ودائعهم من البنوك"(28)، وكان المضاربون والمستثمرون يحرصون على متابعة حالة السّيولة الماليّة من العملات الأجنبيّة المتوفّرة في البلدان، التي يضخّون فيها رؤوس أموالهم، وكانت الأزمة الآسيويّة "قد بيّنت بما لا يدع مجالاً للشّكّ في أن نسبة الدّيون قصيرة الأجل إلى رصيد الاحتياطيّ الرّسميّ من العملات الأجنبيّة، هي من أهمّ بل هي أهمّ المؤشّرات التي يتابعها المستثمرون والمضاربون في الأسواق الماليّة المحلّيّة، وأنّ أيّ اختلال أو انهيار في هذا المؤشّر يؤدّي إلى سباق سريع للتّخلّص من الأصول الماليّة وغير الماليّة المقوّمة بالعملة المحلّيّة، ومن ثمّ الإسراع بوتيرة انهيار سعر الصّرف للعملة المحلّيّة"(29)، فإن كان يجب أن تولى عمليّة تنظيم الإقراض الماليّ، العناية الملائمة، فإنّه يلزم أن يراعى أيضاً، ألّا تعرقل عمليّة ذلك التّنظيم، تحقّق تلك المعاملات الماليّة التي توفّرها حالة الانفتاح على أسواق المال العالميّة.

1- عمرو محيي الدّين، أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص288.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السّابق.

4- المصدر السّابق.

5- المصدر السّابق.

6-بول هيرست وجراهام طومبسون، ما العولمة، الاقتصاد العالميّ وإمكانات التّحكّم، ترجمة: د. فالح عبد الجبّار، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 273، الكويت، سبتمبر 2001 ، ص216.

7- المصدر السابق.

8- المصدر السّابق.

9- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص154.

10- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص153.

11- المصدر السّابق.

12- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص121، 122.

13- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص153.

14- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص211.

15- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص101، 102.

16- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص213.

17- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص158.

18- المصدر السّابق، ص159.

19- المصدر السّابق، ص161.

20- المصدر السّابق، ص177.    

21- المصدر السّابق.

22- المصدر السّابق، ص201.

23- المصدر السّابق.

24- المصدر السّابق.

25- المصدر السّابق، ص289.

26- المصدر السّابق.

27- المصدر السّابق، ص169.

28- المصدر السّابق، ص210.

 

29- المصدر السّابق، ص200.

عمدت دول النّمور الآسيويّة إلى أن تمهّد السّبيل لرؤوس الأموال، إلى أن تعبر حدودها التي تفصلها عن سائر بلدان العالم، من غير أن تحول القيود أو الموانع دون أن تتحرّك تلك الأموال، سواء أكان جرى تحرّكها وانتقالها في أثناء دخولها إلى تلك البلاد الآسيويّة، أو في غضون خروجها منها، فتيسّرت حركة رؤوس الأموال من دون أن تتخّذ الإجراءات الرّقابيّة، التي تقيّد عمليّة انتقال رؤوس الأموال، فقرّرت تلك الدّول الآسيويّة أن تنفّذ تحرير حساب رأس المال، وقد كانت الأدوات والأجهزة التكنولوجيّة الحديثة التي تستخدم في بلدان عديدة، هيّأت للأموال أن تتحرّك بيسر وسهولة عبر حدود دول العالم، وقد نسبت علّة نشوء الأزمة المصرفيّة في تلك البلاد الآسيويّة، إلى ذلك المسعى الذي بادرت فيه مؤسّسات وأجهزة تلك الدّول، إلى تسهيل عمليّة انتقال الأموال، فأصابت الأزمة المصرفيّة تلك البلدان الآسيويّة، التي لم يهيّأ فيها النّظام المصرفيّ لعمليّة التّحوّل الطّارئة على مجرى العمليّات الماليّة، التي أصبحت مندرجة في نطاق تلك المؤسّسات، التي تدار فيها عمليّة انتقال رؤوس الأموال، فلم يكن القّطاع المصرفيّ في تلك البلاد الآسيويّة "مستعدّاً لهذه الخطوة التّحريريّة الكبيرة"(1)، وقد ذهب القيّمون على إدارة الصّندوق الدّوليّ إلى أن يذكروا أنّ تحرير حساب رأس المال، الذي اعتمدته تلك الدّول الآسيويّة "قد تمّ بجرعات كبيرة ولم تكن هذه الاقتصادات ناضجة تماماً لاستيعابه، وكان من الواجب أن يتمّ بجرعات صغيرة، مع الاحتفاظ ببعض أنواع الرّقابة والقيود، التي تحول دون غرق هذه البلاد في فيضان تدفّق وانسحاب رؤوس الأموال خاصّة قصيرة الأجل"(2)، وقد يسّرت أيضاً عمليّة تحرير حساب رأس المال لأسواق المال الآسيويّة، أن تنفتح على أسواق رأس المال العالميّة.

أقدمت المصارف الآسيويّة على تطبيق القواعد التي تسهّل تنفيذ عمليّات تحويل ونقل رؤوس الأموال، وتمكّنت تلك البنوك الآسيويّة من "الاقتراض من الخارج، وبذلك أضيف إلى الموارد المتاحة للجهاز المصرفيّ من خلال ادّخار القطّاع العائليّ القروض الأجنبيّة، ولقد استحوذت البنوك الأجنبيّة على هذه الفرصة بكاملها"(3)، وقد جرت عمليّة الانفتاح على أسواق الصّرف العالميّة، بينما كان النّظام الماليّ في تلك البلاد الآسيويّة "يتّسم بالهشاشة" فتسبّب ذلك الضّعف الذي نكب به النّظام الماليّ في تلك البلدان، بأن تقلّ ثقة النّاس كثيراً بالأوضاع الماليّة في بلدان النّمور الآسيويّة، التي سرعان ما تدهورت فيها أنظمتها الماليّة، فكان ذلك الضّعف هو "العامل الأساسيّ المسؤول عن حدّة التّدهور،... وتعمّق عدم الثّقة"(4)، وقد أدّى الضّعف الهيكليّ في الجهاز الماليّ والمصرفيّ في بعض دول الأزمة الآسيويّة، إلى أن تستفحل فيها تلك الأزمة المصرفيّة، إذ لم يكن ذلك الجهاز المصرفيّ "قادراً على التّلاؤم مع التّغيير السّريع والمفاجئ في اتّجاه انسياب رؤوس الأموال قصيرة المدى، خاصّة القروض المصرفيّة التي تمثّل النّسبة الكبرى من هذا التّدفّق"(5)، فأفضى انهيار الأصول في البنوك، إلى أن تتفاقم معالم الأزمة الماليّة في دول جنوب وشرق آسيا، فكانت مظاهر الضّعف جليّة في المصارف الآسيويّة، حيث اتّضحت فيها "السّلبيّات الكامنة في أعماق النّظام المصرفيّ" فكانت تلك المصارف تعتمد على القروض الخارجيّة قصيرة المدى، بالإضافة إلى "الإفراط الزّائد والمتسارع في منح الائتمان المصرفيّ"(6)، وقد سلكت سبيل المخاطر من دون أن تراعي تطبيق قواعد التّحوّط والتّوقّي، التي تحول دون أن تتعرّض أوضاع تلك المصارف للتّدهور.

إنّ تلك النّقائص التي اتّسمت بها طريقة تنفيذ العمليّات المصرفيّة في تلك البلدان الآسيويّة، لم تكن لتتحقّق لو لم يتّسم "النّظام المصرفيّ في هذه الدّول بضعف الرّقابة الدّاخليّة والخارجيّة وتخلّف إجراءاته ولوائحه، وغياب الالتزام بالقواعد والأعراف المصرفيّة المتعارف عليها في إدارة وحساب المخاطر"(7)، وتتضّح معالم الهشاشة أو الضّعف الهيكليّ في تلك المصارف أيضاً في "نسبة القروض غير المنتظمة إلى جملة الأصول أو إلى جملة القروض، ونسبة كفاية رأس المال، فالمؤشّر الأوّل يترجم مدى كفاءة الرّقابة الدّاخليّة وكفاءة إدارة المخاطر، واتّباع قواعد الحيطة والحصافة في حساب المخاطر وتقديرها، في حين أنّ المؤشّر الثّاني يترجم قدرة المؤسّسة وكفاءتها في استيعاب الصّدمات، بتكوين وسادة كبيرة أو خطّ دفاع أوّل قادر على امتصاص هذه الصّدمات الخارجيّة، وكلا المؤشّرين يرتبط بالآخر برباط متين بحيث يصبّ كلّ منهما في الآخر"(8)، وقد عمد صندوق النّقد الدّوليّ الذي بحث مع تلك الدّول، في تطبيق عمليّة إنقاذ أوضاعها الماليّة، إلى أن يشترط على كوريا الجنوبيّة "تغيير مراقبي الحسابات للبنوك، وضرورة لجوء البنوك الكوريّة إلى مراقبي حسابات خارج كوريا"، ومضت أوضاع البنوك في تايلاند، على ذلك المنوال من التّدهور، حيث كانت "البنوك الحكوميّة أو الخاضعة لسيطرة الحكومة هي أسوأ أنواع البنوك حالاً"، ولم تتوخ تلك البنوك في هذه الدّولة اتّباع طرائق التّحوط في عمليّة منح القروض، حتّى أنّه ظهر العديد من الدّلائل على "تراخي هذه البنوك وتسيّبها في منح الائتمان، وغياب قواعد الحيطة والحذر لديها في حساب المخاطر، هذا بجانب أنّها لا بدّ وأن تكون قد استخدمت كأداة لتوجيه الاستثمارات لقطّاعات، وأنشطة معيّنة على حساب البعض الآخر، حيث كانت هذه البنوك أداة لرأسماليّة المحاباة أو المحسوبيّة"(9)، فتعدّدت في أنظمة تلك القطّاعات الماليّة الآسيويّة، مكامن الخلل، الذي أضعف بنيان النّظام الماليّ في تلك المصارف الآسيويّة.

عكفت أجهزة ومؤسّسات دوليّة على البحث في شؤون تلك المصارف الآسيويّة، وكانت الآراء التي استخلصت من الأبحاث التي أجرتها تلك المؤسّسات الدّوليّة، أكّدت "انخفاض مؤشّر الكفاءة الرّأسماليّة طبقاً لمعيار بنك التّسويات الدّوليّة بصورة عامّة، وبالنّسبة للبنوك الحكوميّة بصورة خاصّة التي وصلت في بعضها إلى الصّفر أو إلى رقم سالب"(10)، فاتصّف النّظام الماليّ في تلك البنوك الآسيويّة "بالاختلالات الهيكليّة ورخاوة النّظام الماليّ متمثّلاً في جوانب الضّعف الهيكليّ في الجهاز المصرفيّ في هذه الدّول"(11)، وقد كانت تلك الهشاشة التي أصابت هيكليّة تلك المصارف، قد دفعت المستثمرين إلى أن يستغلّوا ذلك الخلل الذي اتّسمت به تلك المصارف، إذ كانت الأزمة المصرفيّة نجمت "عن الإغراءات المتأصّلة عند الوسطاء الماليّين. في ظلّ ضعف الضّوابط المقيّدة لهم، للقيام باستثمارات غزيرة. فحين يكون المستثمرون في إطار معيّن يحملهم على الاعتقاد بأنّ الحكومة تحميهم من خطر المجازفة (حتّى لو كان هذا الاعتقاد زائفاً)، فإنّهم سوف يقرضون للوسطاء الماليّين بفائدة في استثمارات مضاربة، تنطوي على مجازفة عالية ولكنّها لم تعد بمكافأة عالية،.....إنّ القيم المفرطة في التّفاؤل، قد اختيرت لأنّ الوسطاء يؤمنون بأنّ بإمكانهم تحقيق أرباح طائلة، وأنّ المستثمرين محميّون من أيّ خسائر"(12)، وقد اتّفقت مجموعة من المؤسّسات الماليّة الدّوليّة وبعض الدّول، على أن تضع مؤشّرات عمليّة تقيّم بها أداء المصارف، حيث تعيّن فيها مكامن القوّة والضّعف، باستخدام تلك المؤشّرات التي تحدّد مدى كفاية رأس المال، وسلامة الأصول وكفاءة الإدارة وبالإضافة إلى تحديد المكاسب أو الإيرادات، والسّيولة والحساسيّة للمخاطر, التي تتسبّب بتفاقم انتشارها، نشوءُ الأدوات الماليّة المتطوّرة.

اقتضت سلامة العمل المنتظم في المصارف، أن تتحقّق فيها المتطلّبات الدّنيا لرأس المال، كي تتجنّب تلك المصارف التّعرّض للمخاطر، فوجب على تلك المصارف أن تحقّق التّوافق بين كمّيّة رأس المال، ومقدار المخاطر التي تتهدّد تلك المصارف، فكان "من الضّروريّ أن تخضع المصارف في البلدان النّامية إلى متطلّبات مختلفة من كفاية رأس المال،.... إنّ الشّرط الحاليّ، بموجب اتّفاقيّة بازل (التي تضع معايير الضّبط العالميّة لأعمال المصارف) هو أن تتوافر المصارف على 8% من رأس المال، لكنّ كثرة من حكومات البلدان النّامية، تجد صعوبة في ضبط المعاملات الأجنبيّة والمتاجرة بالأسهم المتفرّعة"(13)، وقد صوّرت حالة تلك المؤسّسات الماليّة المستهترة بتقدير المخاطر الطّارئة على العمل المصرفيّ، بأنّ إدارات البنوك تتصرّف "وكأنّها تلعب اللّعبة التّالية: إذا نجحنا فالمكاسب لنا وإذا فشلنا فسوف تتحمّل التّبعة والنّتائج الخزانة العامّة... أي دافعو الضّرائب"(14)، فوجب أن يراعى تنفيذ المراقبة على حركات رؤوس الأموال، نظراً "للدّور المهمّ الذي لعبته تدفّقات رؤوس الأموال الأجنبيّة الضّخمة إلى دول الأزمة الآسيوّية، في سنوات التّسعينيّات الأولى بعد تحرير حساب رأس مالها، في تفجير الأزمة خاصّة عندما غيّرت هذه الأموال وبشكل مفاجئ اتّجاهها، من الحركة نحو الدّاخل إلى الحركة نحو الخارج، فقد طرح موضوع فرض رقابة على حركة رؤوس الأموال بمعنى أن تكون هذه الرّقابة واقية أي تحول دون حدوث الأزمات النّاشئة عن التّقلّبات العنيفة في رؤوس الأموال قصيرة المدى واتّجاه تدفّقها"(15)، وإن دعت المحافظة على سلامة واستقرار العمل في القطّاع المصرفيّ، أن تتحقّق تلك الرّقابة الفعّالة، فإنّ المصارف لا يعسر عليها أن تتّبع الطّرائق، التي تفضي بها إلى أن تدرأ عنها تلك المخاطر، التي تتهدّد بإيقاع الخلل في مجرى تلك العمليّات الماليّة التي تدار في تلك المصارف.

لم تكد تنشأ تلك الأزمة الماليّة في البلدان الآسيويّة، التي بدأ فيها انهيار أسعار الصّرف، حتّى طعن في تسرّع تلك الدّول في تنفيذ عمليّة تحرير حساب رأس المال "بوصفه السّبب المباشر لانفجار الأزمة وبالتّالي فإنّ الرّقابة على حساب رأس المال، سوف تكون إجراء علاجيّاً يحول دون تفاقم الأزمة وانتشار المرض"(16)، وقد اعتقد أنّه يجب أن يدعم القطّاع الماليّ والمصرفيّ، ويبنى على أسس قويّة ومتينة، قبل الشّروع في عمليّة تحرير حساب المال لأنّ "تحرير التّجارة ينطوي على إعادة هيكلة قطّاعات إنتاج السّلع والخدمات، وتحرير حساب رأس المال ينطوي على إعادة هيكلة القطّاع الماليّ"(17)، وقد روعي أن تنفّذ عمليّة التّحرير الفضلى وفق مراحل مدروسة بدّقة لأنّ "سرعة تحرير حساب رأس المال تنطوي على مخاطر عديدة لا بدّ من أخذها في الاعتبار"(18)، ولعل الحالة الأبرز التي تتّضح فيها هشاشة النّظام الماليّ هي "التّسهيلات الماليّة الدّوليّة المصرفيّة  لبانكوك BIBF" ويسمح هذا النّظام للبنوك التّجاريّة والمحلّيّة بتلقّي الودائع والاقتراض بالعملة الأجنبيّة من الخارج، كما سمح لها بإقراض هذه الأموال في الدّاخل والخارج، كما يمكن عن طريق هذا النّظام أيضاً لأيّ وحدة من وحدات قطّاع الأعمال، الاقتراض من الخارج مباشرة بالعملة الأجنبيّة. فالمقرضون كانوا قادرين على توفير قروض قصيرة المدى بالعملة الأجنبيّة في مقابل هامش يعلو على سعر الفائدة"(19)، وقد تسبّب هذا النّظام للتّسهيلات الدّوليّة، بأن يتدفّق سيل من الأموال التي استخدمت في "تمويل برنامج ضخم من الاستثمارات ساهمت بالتّالي في تحقيق معدّلات النّمو المرتفعة، كما ساهمت في إذكاء موجة تضخّم أسعار الأصول الماليّة والعقاريّة"(20)، فاستغلّ المستثمرون مكامن الخلل في تلك المصارف، ليجنوا منها المغانم الماليّة الوفيرة.

هيّأ تنفيذ عمليّة تحرير حساب رأس المال في دول النّمور الآسيويّة، لأن تتيسّر عمليّة منح القروض، فتمكّنت "وحدات قطّاع الأعمال سواء أكانت صناعيّة أم تجاريّة الاقتراض بالعملة الأجنبيّة من البنوك الدّوليّة مباشرة. وقد شجّعها على ذلك الفروق الكبيرة بين سعر فائدة الاقتراض بالعملة الأجنبيّة، وسعر الفائدة السّائد محلّيّاً. ولعلّ أحد العوامل المهمّة والمساعدة على تشجيع الإقراض بالعملة الأجنبيّة، هو افتراض غياب مخاطر أسعار الصّرف، نظراً للقناعة الضّمنيّة باستمرار نظام سعر الصّرف الثّابت المرتبط بالدّولار"(21)، وقد ظهرت نواقص عديدة شابت العمليّات الماليّة، التي تولّت المصارف الآسيويّة أن تنفّذها، حيث كانت "اتّسعت نسبة القروض العقاريّة في المحفظة الائتمانيّة للبنوك التّجاريّة، وهو أمر خطير للغاية حيث ينطوي على عدم اتّساق أو توافق بين آجال استحقاق خصوم هذه البنوك، والمؤسّسات الماليّة وأصولها، فقد استخدمت القروض الماليّة الدّوليّة قصيرة الأجل، والأموال المحلّيّة قصيرة الأجل (الودائع) لتمويل نشاط استثماريّ طويل الأجل (العقار)، وهو أمر له سلبيّاته العديدة حينما وقعت الأزمة"(22)، فاكتملت سلسلة تلك المخاطر التي هدّدت استقرار تلك المصارف، التي كان أوضاعها المتردّية دليلاً على نشوء الأزمة الماليّة التي أصابت تلك البلدان الآسيويّة.

أتاح انفتاح المصارف الآسيويّة على أسواق الصّرف العالميّة، أن تفد إلى تلك البنوك رؤوس الأموال الأجنبيّة، التي كان جزء لا بأس به منها "قد تدفّق في شكل أوراق ماليّة وتجاريّة قصيرة الأجل أصدرتها المؤسّسات الماليّة غير المصرفيّة، مثل شركات الأموال، ولقد استخدمت هذه الأموال لتمويل شراء الأصول العقاريّة والماليّة كالأسهم"(23)، ولمّا كانت أموال البنوك التّجاريّة هي بطبيعتها أموال قصيرة الأجل، فإنّ "نسبة انكشاف البنوك التّجاريّة على قطاع العقار، تمثّل مؤشّراً مهمّاً على احتمالات انهيار هذه المؤسّسات في مواجهة أيّ أزمة طارئة لسوق العقار"(24)، ولم تتنبّه تلك المصارف إلى فحوى تلك المحاذير، التي ذكرت في أثناء الطّعن في عمليّة منح تلك القروض العقاريّة، إذ كان يجب أن تدرك تلك المخاطر التي تنجم عن منحها تلك القروض، حيث "ساعد توسّع الائتمان لكلّ من أنشطة العقار وشراء الأسهم، على حدوث ارتفاع حادّ في أسعار الأصول العقاريّة والماليّة. وقد شجّع ارتفاع قيم هذه الأصول البنوك على مزيد من الإقراض، نظراً لأنّ قيم ضمانات هذه القروض في تزايد مستمرّ. وهكذا تضخّمت محافظ البنوك وشركات الأموال بضمانات عقاريّة بجانب الأسهم. ولا شكّ في أنّ هذا وضع يتّسم بالخطورة لكلّ من المقرض والمقترض في حالة انخفاض هذه الأسعار، لأنّه سيؤدّي إلى تراجع حادّ في قيم ضمانات القروض"(25)، فأظهر الإفراط في عمليّة منح القروض العقاريّة، تلك العلل التي أخلّت بانتظام العمليّات الماليّة، التي جرت في تلك المصارف التي قدّمت القروض الماليّة.

لم تراع المصارف الآسيويّة تفاقم تلك المخاطر التي تتمخّض بها، عمليّة منح القروض العقاريّة، إذ كان "ترتّب على تراجع سوق العقار بدءاً من عام 1995 في أغلب بلدان الأزمة الآسيويّة، قبل حدوث انهيارها الكامل في النّصف الثّاني من عام 1997، ظهور العديد من الدّيون غير المنتظمة والمشكوك فيها، في المحافظ الائتمانيّة للجهاز الماليّ، سواء أكانت مصارف أم مؤسّسات ماليّة غير مصرفيّة. هذا بجانب اختلال التّوازن بين آجال استحقاق كلّ من الأصول والخصوم، خاصّة للبنوك التّجاريّة والشّركات الماليّة"(26)، ولم تكتف تلك المصارف باستهتارها في تنفيذ عمليّة الإقراض العقاريّ، بل أنّها تهاونت في تطبيق المعايير الدّوليّة التي نصّت عليها الاتّفاقيّات الدّوليّة، فنهجت سبيل المخاطر من دون أن تبالي بتلك المضارّ التي ستتسبّب بحدوثها، فكان "تسارع معدّلات نمو الائتمان للقطّاع الخاصّ، مع التّراخي في اتّباع قواعد الحيطة والحذر في حساب جدوى المشروعات أو مخاطر الاستثمار، أدّى إلى ظهور نسبة لا بأس بها من الدّيون غير المنتظمة في المحافظ الائتمانيّة للبنوك، وشركات الأموال وذلك قبل انفجار الأزمة، بحيث ترتّب على انفجار الأزمة، وما ترتّب عليها من انهيار أسعار الصّرف وأسعار الأصول الماليّة والعقاريّة، وارتفاع أسعار الفائدة، إلى زيادة نسبة هذه الأصول غير المنتظمة، ممّا وضع النّظام الماليّ والمصرفيّ بصورة خاصّة في هذه البلاد على شفا الانهيار"(27)، فأدّى ذلك الضّعف الذي اتّسمت به تلك المصارف الآسيويّة، إلى نشوء تلك الأزمة الماليّة المتفاقمة، التي بلغ مداها مصارف دوليّة عديدة في أقطار شتّى في هذا العالم.

1- عمرو محيي الدّين، أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص196.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السّابق، ص150.

4- المصدر السّابق، ص97.

5- المصدر السّابق، ص176، 177.

6- المصدر السّابق، ص171.

7- المصدر السّابق.

8- المصدر السّابق.

9- المصدر السّابق، ص176.

10- المصدر السّابق.

11- المصدر السّابق، ص195.

12- بول هيرست وجراهام طومبسون، ما العولمة، الاقتصاد العالميّ وإمكانات التّحكّم، ترجمة: د. فالح عبد الجبّار، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 273، الكويت، سبتمبر 2001، ص209.

13- المصدر السّابق، ص228.

14- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص93.

15- المصدر السّابق، ص268.

16- المصدر السّابق.

17- المصدر السّابق، ص269.

18- المصدر السّابق.

19- المصدر السّابق، ص151.

20- المصدر السّابق.

21- المصدر السّابق، ص162.

22- المصدر السّابق، ص168.

23- المصدر السّابق.

24- المصدر السّابق، ص169.

25- المصدر السّابق.

26- المصدر السّابق، ص170.

         27- المصدر السّابق.

باغت حدوث الأزمة الماليّة التي وقعت فيها دول النّمور الآسيويّة، العديد من الأفراد الذين كانوا يتابعون معالم النّمو الاقتصاديّ، الذي كانت تحقّقه تلك الدّول الآسيويّة، وكان هؤلاء الأشخاص الذين فوجئوا بنشوء تلك الأزمة، اعتقدوا أنّ دول جنوب وشرق آسيا، ستواصل تحقيق نجاحها المطّرد في إنجاز عمليّة النّمو الاقتصاديّ، وقد بدأت الأزمة الماليّة التي أصابت تلك الدّول الآسيويّة، في يوم 2 يوليو "تمّوز" في عام 1997، إذ انهار في ذلك الأوان سعر صرف البات التّايلانديّ، وأثار نشوء تلك الأزمة الماليّة، مسألة إعداد الدّراسات الاقتصاديّة التي تتيح للنّاس إمكانيّة التّنبّؤ مسبقاً بحدوث الأزمات الماليّة، كي يتمكّنوا من أن يتوخّوا الحيطة في التّصدّي لتلك الأزمات الطّارئة، وأن يسعوا أيضاً إلى أن يحولوا دون أن تحدث أساساً تلك الأزمات، إن تيسّر لهم أن يعترضوا دون أن يخلّ الاضطّراب بانتظام تلك الأنشطة الاقتصاديّة التي يزاولونها، وإذا كان بعض الباحثين شكّك في قدرة النّاس على أن يتوقّعوا بدقّة، حدوث الأزمات الاقتصاديّة، إلّا أنّه اعُتقد أيضاً أنّه "إذا كان من الصّعب، بل يكاد يكون من المستحيل، التّنبّؤ بميعاد وقوع الأزمة الماليّة (أزمة سعر الصّرف)، فإنّ ذلك لا يمنع من محاولة بناء نظام للإنذار المبكّر، أو جهاز للإنذار المبكّر يستطيع عن طريق تتبّع حركة وسلوك عدد من المتغيّرات المنتقاة، إرسال إشارات مهمّة عن احتمال حدوث الأزمة خلال فترة زمنيّة مستقبليّة، بمعنى أنّ هذه الإشارات الصّادرة من النّظام المبكّر، تشير إلى احتمال دخول دولة ما في طريق الأزمة الماليّة. ولا شكّ في أنّ مثل هذا النّظام للإنذار المبكّر والإشارات التي يصدرها محلّ ترحيب كبير من جانب المستثمرين، وصانعي السّياسة والاقتصاد، ورجال البحث العلميّ"(1)، وما برح الباحثون يولون مسألة التّنبّؤ بحدوث الأزمات الاقتصاديّة، عنايتهم الموفورة في تلك الأبحاث الاقتصاديّة التي يجرونها، كي يمهّدوا للنّاس السّبيل إلى أن يتجنّبوا التّعرّض للنّكبات والمضارّ التي تحدثها تلك الأزمات الماليّة.

إنّ حدوث تلك الأزمة الماليّة في دول النّمور الآسيويّة، إذا كان فاجأ العديد من الأشخاص الذين تابعوا المناشط الاقتصاديّة الجارية في تلك الدّول، فإنّ الباحثين الاقتصاديّين الذين كانوا يشكّكون في استمرار حالة ارتفاع معدّلات النّمو الاقتصاديّ، في تلك البلدان الآسيويّة، لم يتصوّروا هم أنفسهم أن تقع في تلك الدّول "انهيارات كبرى في إجماليّ النّاتج المحلّيّ"(2)، وإن كان يتعذّر على من يرغب في مزاولة الأنشطة الاقتصاديّة، أن يحدّد بدقّة المآل الذي ستنتهي إليه، تلك المناشط الاقتصاديّة التي يخوض في ميدانها، فقد نشأتمؤسّسات التّصنيف الائتمانيّ، لتسدّ حاجة النّاس إلى الحصول على المعلومات الوافية عن تلك الأجهزة والشّركات، التي يرغبون في أن يتعاملوا معها، ومؤسّسات التّصنيف الائتمانيّ هي شركات خاصّة مستقلّة، تنفّذ عمليّة تقيّيم الجدارة الائتمانيّة للدّول والأجهزة المتنوّعة والشّركات، كي تحدّد قدرتها على سداد الدّيون التي تقترضها، وتعيّن مدى استطاعة الدّول أو الشّركات على الوفاء بتحقيق الالتزامات، التي تعهّدت بأن تنفّذها، وتسعى مؤسّسات التّصنيف إلى أن تحدّد أيضاً مقدار توفّر شروط قيام النّشاط الاستثماريّ القويم، في تلك الدّول أو الشّركات، التي تبحث في أوضاعها مؤسّسات التّصنيف الائتمانيّ، ويعتمد المستثمرون في دول العالم على نتائج تلك الدّراسات التي تجريها وكالات التّصنيف الائتمانيّ، كي يبتّوا القرار الذي يعتمدونه في شأن مسألة تعاملهم مع تلك الشّركات أو المؤسّسات، التي كانت درست شؤونها  وكالات التّصنيف الائتمانيّ.

يستند المستثمرون في دول العالم، إلى تلك المعلومات التي توفّرها لهم وكالات التّصنيف الائتمانيّ، كي يسدّوا بها النّقصان في تلك الأفكار التي يتصوّرون بها أوضاع تلك الدّول أو الشّركات، التي يرغبون في أن يستثمروا فيها رؤوس الأموال التي يملكونها، وتقيّم وكالات التّصنيف الائتمانيّ أيضاً الجدارة الائتمانيّة للدّول والمؤسّسات والشّركات التي تصدّر السّندات، وتقدّر أيضاً مستوى المخاطر النّاجمة عن عمليّة الإقراض التي تجري بين المتعاملين في المناشط الاقتصادية القائمة في دول العالم، و"تقوم العديد من البنوك الدّوليّة _سواء كانت من بنوك الاستثمار الدّوليّة أو البنوك التّجاريّة_ بعمل تنبّؤات وتوقّعات مستقبليّة لاقتصاديّات العديد من الدّول سواء الدّول الصّناعيّة المتقدّمة أو الدّول النّامية، كما تقوم أيضاً بعمل تنبّؤات بحركة الأسواق الماليّة الإقليميّة مثل الأسواق الماليّة الآسيويّة"(3)، وقد نشأت صناعة تصنيف الائتمان والجدارة الائتمانيّة منذ زمن بعيد، إذ قامت شركات خدمات المعلومات الائتمانية فى منتصف القرن التّاسع عشر، ثمّ أنشئت وكالات التّصنيف الائتمانيّ في مستهلّ القرن العشرين، وقد أخذت منذ ذلك الأوان صناعة تصنيف الائتمان والجدارة الائتمانيّة في أن تتطوّر، وإذا استعرضنا تلك الظّروف التي نشأت فيها أزمة تلك الدّول الآسيويّة، فإنّنا نتيقّن بأنّ تلك الأزمة "لم تدخل في بنيان التّوقّعات لأيّ من دول الأزمة، أو المؤسّسات العالميّة، أو البنوك الدّوليّة، أو مؤسّسات ترتيب الجدارة الائتمانيّة، أو كبار المستثمرين، ولم تصدر أسواق المال تحذيرات بالخطر، أو لم تدقّ الأسواق الماليّة أجراس الخطر"(4)، ويؤكّد وقع المفاجأة الكبير، في نفوس النّاس الذين تابعوا أنشطة دول النّمور الآسيويّة، عدم قدرة تلك المؤسّسات المختلفة على التّنبّؤ بحدوث الأزمة في تلك البلدان الآسيويّة.

إنّ أولئك الأفراد المتفائلين الذين اعتقدوا في تمكّن تلك الدّول الآسيويّة، من أن تواصل نجاحها في تحقيق النّمو الاقتصاديّ، ذهبوا إلى آماد قصيّة في آمالهم في استمرار نجاح تلك الدّول في الميدان الاقتصاديّ، وقد كانت أغلب التّنبّؤات والتّوقّعات "تشير إلى معدّلات عالية للنّمو سواء كانت هذه التّنبّؤات في عام 1996، أو في منتصف عام 1997 قبل انفجار الأزمة بشهر أو شهرين"(5)، وقد اتّسع نطاق تلك الدّلائل على تحقيق ذلك النّمو، في تصوّر أولئك الأشخاص الذين كانت تغمر نفوسهم تلك الآمال الكبيرة، إذ كانت "موجة التّفاؤل التي سادت تنبّؤات وتقديرات البنوك العالميّة، لم تقتصر فقط على معدّلات نمو النّاتج المحلّيّ الإجماليّ، بل امتدّت إلى باقي المتغيّرات الإجماليّة الأساسيّة"(6)، وإذا نظرنا في ذلك الرّأي الذي ذكره ذلك الباحث، الذي أوردت ذلك الاعتقاد الذي أفصح عنه، فإنّه يجدر بنا أن نتيقّن بأنّ وكالات التّصنيف الائتمانيّ، وإن كانت عند أغلبها خبرة واسعة في نطاق عمل التّصنيف الائتمانيّ، وقد أدرك بعضها شهرة طنّانة كبيرة، إلّا أنّ بعض تلك المؤسّسات، قد تنقص أحياناً الدّراسات التي تنجزها، الدّقة في تحديد أوضاع الشّركات التي تبحث في شؤونها الماليّة والاقتصاديّة، فيتوجّب أن يتّخذ الحذر والتّيقّظ من يرغب في الرّكون إلى النّتائج التي تقدّمها وكالات التّصنيف الائتمانيّ.

إنّ النّهج الذي سلكته وكالات التّصنيف الائتمانيّ، في سعيها إلى تحديد الجدارة الائتمانيّة للدّول الآسيويّة، يؤكّد تلك الملاحظة التي ذكرتها سابقاً، فهي لم تتمكّن من أن تتوقّع حدوث الأزمة الماليّة، التي أصابت تلك الدّول الآسيويّة، علماً بأنّ "مؤشّرات أسعار الأسهم في العديد من البورصات الآسيويّة قد أظهرت اتّجاهاً نزوليّاً منذ أوائل 1997"(7)، وقد وافقت تلك التّوقّعات التي ذكرتها وكالات التّصنيف الائتمانيّ، تلك التّنبّؤات التي صدرت عن المؤسّسات العالميّة، إذ "لا يقتصر الأمر عند حدود تنبّؤات البنوك الدّوليّة، ذلك أنّ المؤسّسات الماليّة العالميّة كصندوق النّقد الدّوليّ والبنك الدّوليّ سارت على ذات المنوال، حيث تشير كلّ تقديراتها حتّى منتصف عام 1997 إلى رؤية متفائلة، بالنّسبة لمستقبل هذه المنطقة"(8)، فطغى الشّعور بالتّفاؤل في نفوس جميع الأفراد، الذين كانوا يديرون المؤسّسات التي كانت تراقب مجرى النّشاط الاقتصاديّ في تلك الدّول الآسيويّة، وقد وقر في اعتقاد عدد من الباحثين أنّه "بما لا يدع مجالاً للشّكّ، أنّ هذه المؤسّسات لم تتوقّع أو تتنبّأ بزيادة المخاطر في هذه الدّول"(9)، وعلى قدر كبر ذلك التّفاؤل الذي ملأ نفوس الأفراد، الذين كانوا يتوقّعون دوام الأوضاع الجيّدة، في تلك الأنشطة الاقتصاديّة التي تجري في تلك الدّول الآسيويّة، فإنّ وقع الصّدمة كان عظيماً في نفوس أولئك الأشخاص، عندما أصابت الأزمة بلدان النّمور الآسيويّة، وإذا كان للنّجاح ضريبة، يجب أن يدفعها الأفراد والمؤسّسات الذين يدركون النّجاح في تلك الأعمال التي يزاولونها، فإنّ الباحثين الذين نظروا في تلك الأزمة التي أصابت الدّول الآسيويّة، اعتقدوا أنّه "ليس غريباً أن يطلق على هذه الأزمة "أزمة نجاح" بمعنى أنّ نجاح هذه الدّول قد يكون سبباً في أزمتها"(10)، فازدياد ثقة النّاس بدوام النّجاح الاقتصاديّ الذي حقّقته تلك الدّول الآسيويّة، حجب عن بصائرهم تلك النّذر البيّنة بقدوم تلك الأزمة الماليّة التي ستصيب تلك البلدان الآسيويّة.

إنّ الأفراد والمؤسّسات، الذين توقّعوا استمرار ذلك النّجاح في تحقيق النّمو الاقتصاديّ في تلك البلاد الآسيويّة، استندوا إلى دلائل عديدة على تحقّق ذلك النّجاح في الزّمن، الذي سبق موعد حدوث تلك الأزمة الماليّة، وقد فسّرت تلك الحالة التي وقع فيها أولئك الأشخاص المتفائلون بدوام ذلك النّجاح الاقتصاديّ، إذ اعتقد أنّه "لا شكّ في أنّ استمرار معدّلات النّمو المرتفعة (7%_ 9%) للنّاتج المحلّيّ الإجماليّ في هذه الدّول، عبر فترة ممتدّة من الزّمن، قد ساعد على تولّد الاقتناع باستمرار هذه المعدّلات في المستقبل، وبالتّالي استمرار انتعاش الطّلب المحلّيّ والأسواق المحلّيّة. وقد يكون هذا العامل هو أحد المتغيّرات المهمّة التي ساعدت على بناء طاقات إنتاجيّة دون دراسة حقيقيّة لجدواها بمعنى أنّها حالة قد تنشأ عن شيوع حمّى النّجاح والانتعاش"(11)، وإذا كان النّاس يعتقدون بسداد العبارة التي ذكرها أحد الكتّاب الفرنسيّين، وهي النّجاح يجرّ النّجاح كما يجرّ المال المال، فإنّ معدّلات النّمو المرتفعة خلال مدّة زمنيّة متطاولة "قد تخلق حالة من الإفراط في التّفاؤل بأنّ الإيقاع السّريع للنّمو والتّوسّع الاقتصاديّ سوف يستمرّ في المستقبل دون توقّف، وأنّ الطّريق مفتوح أمامه بلا قيود. ولا شكّ في أنّ من شأن هذه التّوقّعات المتفائلة أن تخلق حالة من الرّواج، في كلّ من الإنفاق الاستهلاكيّ والاستثماريّ الخاصّ، كما تؤدّي إلى زيادة تدفّق رؤوس الأموال نحو الدّاخل، بحيث يصبح من السّهل توفير التّمويل اللّازم لهذه الزّيادة في كلّ من الطّلب الاستهلاكيّ والاستثماريّ. ويرى أصحاب هذا الرّأي أنّه في مثل هذه الظّروف، فإنّ أيّ صدمة خارجيّة من شأنها إحداث تغيير مفاجئ في التّوقّعات، قد يتولّد عنها تغيّر سريع ومفاجئ في اتّجاه حركة انسياب رؤوس الأموال، ممّا قد يفجّر أزمة في سعر الصّرف"(12)، ولا ريب في أنّ تقلّب أحوال تلك الأنشطة الماليّة التي جرت في تلك البلاد الآسيويّة، قد فاجأ أولئك النّاس، الذين كانوا اعتقدوا أنّه لا بدّ من أن تواصل تلك الدّول تحقيقها ذلك النّجاح الاقتصاديّ، الذي امتدّ خلال فترة طويلة في السّنوات الماضية.

إنّ السّبيل الملائم التي وجب أن تتّبع في السّعي إلى تلافي تحقّق تلك الأزمة الماليّة، التي أحدثها خروج الأموال المفاجئ من دول النّمور الآسيويّة، كانت تتبدّى في "المتابعة الدّقيقة لمعدّل تزايد كلّ من الأصول الدّوليّة السّائلة والالتزامات الدّوليّة قصيرة الأجل"(13)، وقد نشأت في الفترة التي امتدتّ خلال سنوات السّبعينيّات والثّمانينيّات من القرن العشرين، أزمات ماليّة كثيرة في العالم، إذ قدّر عددها بأنّه يزيد كثيراً على 150 أزمة، وكانت بعض تلك الأزمات تتّسم بخصائص مشتركة فيما بينها، حيث اعتقد أنّ "أزمة شيلي 1982 وأزمة المكسيك 1994 والأزمة الآسيويّة 1997 تتّسم جميعها بفقدان النّظام الماليّ للسّيولة الدّوليّة. ولا شكّ في أنّ فقدان النّظام الماليّ لسيولته الدّوليّة يخلق أزمة ثقة ويدفع إلى سيادة الذّعر الماليّ"(14)، وقد حدّدت الأسباب التي تؤدّي إلى انخفاض مقدار السّيولة الدّوليّة للنّظام الماليّ، في الدّول التي تتعرّض للأزمات الماليّة، ببرامج "سياسات التّحرير الماليّ قبل الأزمة، وزيادة الالتزامات الدّوليّة قصيرة الأجل بمعدّلات متسارعة، وزيادة المديونيّة المقوّمة بالعملات الأجنبيّة. ولا شكّ أنّ فقدان النّظام الماليّ لسيولته الدّوليّة يجعل النّظام الماليّ أكثر ضعفاً وأقلّ قدرة على مواجهة أيّ صدمة خارجيّة"(15)، وكي تتّضح أهمّيّة السّيولة النّقديّة في مجال الأنشطة الاقتصاديّة، فإنّه صيغت عبارة صوّرت فيها في تشبيه بلاغيّ، عمليّة تدفّق السّيولة النّقديّة، بالنّسبة إلى الاقتصاد، بأنّها تماثل تدفّق الدّورة الدّمويّة في جسم الإنسان.

اعتمدت دول جنوب وشرق آسيا على تصدير منتجاتها المصّنعة في سعيها إلى تحقيق الازدهار، فأدّى استنادها القويّ إلى التّجارة الخارجيّة، إلى أن تصبح أقطاراً "مكشوفة في الاقتصاد العالميّ. ذلك أنّ كامل ازدهارها ينبني على التّصدير، وهي تفتقر إلى قطّاع محلّي كبير "محمّي" يمكن الرّكون إليه"(16)، وإذا نظرنا في أحوال الكتل الثّلاثة الاقتصاديّة البارزة في العالم وهي الولايات المتّحدة، واليابان، والاتّحاد الأووبيّ، نجد أنّها راعت تحقيق عمليّة التّوازن بين الأنشطة التي تندرج في التّجارة العالميّة، وسائر القطاعات التي تدخل في نطاق النّشاط المحلّيّ، وإذا كانت دول النّمور الآسيويّة هي "دول مكشوفة في الاقتصاد العالميّ" مثلما ذكرت آنفاً، فإنّ "الاقتصادات الأقلّ انكشافاً فهي اقتصادات الكتل الثّلاث التي تنعم بنشاط اقتصاديّ محلّيّ خالص يتراوح بين 75- 80 في المائة من إجماليّ ناتجها المحلّيّ. إنّ من السّهل على هذه الاقتصادات أن تخرج من أيّ تدهور يطرأ على النّشاط الاقتصاديّ الكونيّ ممّا قد تتسبّب فيه السّياسة التّجاريّة، أو أيّ تغييرات اقتصاديّة أخرى. وإنّ معظم البلدان الحديثة التّصنيع في شرق آسيا، مثلاً، هي في الواقع أسيرة السّياسة التّجاريّة للولايات المتّحدة أو اليابان أو الاتّحاد الأوروبيّ"(17)، وتلك الدّول الآسيويّة التي استندت أساساً إلى عمليّة التّصدير، إن كانت وثقّت ارتباطها في علاقاتها التّجاريّة بتلك الكتل الاقتصاديّة الثّلاث، فإنّها لم تكن تجد مجالاً واسعاً، يتيح لها أن تتلافى تلك المشاكل الطّارئة على علاقاتها التّجاريّة العالميّة، التي نشأت قبل أن تصيب الأزمة الماليّة تلك البلاد الآسيويّة.

عرقلت عمليّةَ التّصدير التي اعتمدتها تلك الدّول الآسيويّة النّاشئة اقتصاديّاً، مصاعبُ عديدة حالت دون أن تمضي تلك البلدان على اتبّاع نهج التّصدير، الذي كان أتاح لها أن تروّج بنجاح منتجاتها الصّناعيّة في أقطار عديدة في هذا العالم، وقد حدث "تراجع واضح في معدّل نمو الصّادرات لدول جنوب شرق آسيا (دول الآسين) خلال عام 1996، حيث زادت نسبة الصّادرات بنسبة 8,5 % لدول الآسين الأربعة (ماليزيا، تايلاند، الفلبين، إندونيسيا) مقارنة بمعدّل زيادة نسبته 23% في العام السّابق 1995"(18)، وذلك التّقهقر في معدّل نمو السّلع الصّناعيّة التي صدّرتها تلك الدّول الأربعة، أنتج عجزاً في ميزانها التّجاريّ، وقد كان "استمرار العجز منذ بداية التّسعينيّات وتصاعده منذ عام 1995، ووصوله إلى ذروته عام 1996، هو أحد أهمّ الأسباب الأساسيّة الكامنة وراء تزايد حدّة التوقّعات باحتمالات تخفيض سعر صرف العملة المحلّيّة، وهو ما أدّى إلى تصاعد الضّغوط على العملة"(19)، وقد زادت حدّة تلك المصاعب التي تعرّضت لها تلك الدّول الآسيويّة، إيغالها في الاعتماد على تصدير سلعها المصنّعة، التي كانت تطرحها في الأسواق العالميّة، التي لم تكن تجني منها المردود الماليّ، الذي يفي بتمهيد السّبيل لتلك البلدان إلى مواصلة تحقيق نموها الاقصاديّ.

إنّ تدنّي كمّيّات السّلع التي كانت تصدّرها تلك الدّول الآسيويّة، إذا كان أدّى إلى أن يتّسع عندها العجز في ميزان المدفوعات، فإنّ أبرز الأسباب التي أدّت إلى نشوء ذلك العجز هو "زيادة معدّل نمو الواردات الذي تخطّى كثيراً معدّل نمو الصّادرات في السّنوات الأخيرة، فكلّ من كوريا الجنوبيّة وتايلاند والفلبين تزايد فيها حجم العجز في الميزان التّجاريّ في السّنوات الأخيرة عام ( 1990 _ 1995).... مقارنة بالسّنوات السّابقة"(20)، وما لبثت أن تبدّت في جلاء بيّن، الظّواهر التي تمخّضت عن انخفاض معدّل السّلع المصدّرة عند تلك الدّول، فبدأت في "العام 1997 أولى علائم المشكلات بالظّهور. فتباطأت معدّلات نموّ الصّادرات تباطؤاً ملحوظاً في العامين 1995- 1996. فقد ارتفعت الصّادرات في اقتصادات النّمور السّتة بنسبة 3,5% العام 1996 قياساً إلى 14,4% في العام السّابق, وقياساً إلى معدّل نموّ وسطيّ يبلغ 10% خلال الفترة من 1990 إلى 1996،.... وتباطأ نموّ إجماليّ النّاتج المحلّيّ أيضاً عند عدد من النّمور، وهو لا يثير الدّهشة قط نظراً لقوّة الاتّجاه التّصديريّ في هذه الاقتصادات. وتباطأ المعدّل الوسطيّ لنمو إجماليّ النّاتج المحلّيّ في المنطقة، فهبط من 9 العام 1995 إلى 7% العام 1996"(21)، إنّ تلك النّذر بحدوث تلك الأزمة الماليّة، لم تكن لتخفى على العديد من المستثمرين الذين ما لبثوا أن بدؤوا في سحب أموالهم من تلك البلدان الآسيويّة.

إنّ انخفاض نسبة معدّل الصّادرات وحدوث انكماش الصّادرات في تلك الأقطار الآسيويّة، عزيا إلى "الرّكود الذي أصاب السّوق العالميّ لصناعة الإلكترونيّات (خاصّة صناعة أشباه الموصلات)، حيث أصاب هذا السّوق حالة من التّشبّع. ويرجع ذلك إلى الإفراط في الاستثمار في هذا القطّاع وهو ما نتج عنه ظاهرة فائض العرض في هذه الصّناعة وانهيار الأسعار"(22)، وقد رافق تعثّر الدّول الآسيويّة في اتّباع سبيل التّصدير، زيادة في مقدار ديونها الخارجيّة، فكان "ابتداء من منتصف عقد التّسعينيّات، أخذت نمور آسيويّة عدّة تراكم مستويات كبيرة من الدّين الخارجيّ في شكل قروض قصيرة الأجل للمصارف الخاصّة، ولاستثمارات الأسهم والسّندات الماليّة بدرجة أقلّ"(23)، وإذا دقّقنا النّظر في النّتائج، التي نجمت عن تلقّي تلك الدّول الآسيويّة كميّات متزايدة من رؤوس الأموال، التي وفدت إليها في الفترة التي سبقت نشوء الأزمة الماليّة فيها، فإنّنا نرى أنّه "أدّى تدفّق الأرصدة إلى هذه البلدان ابتداء من العام 1994 حتّى العام 1996، إلى تعميق العجز في الحساب الجاري، وتميّز بإقراض واسع من جانب المصارف التّجاريّة الأجنبيّة: إذ زاد تدفّق قروض المصارف إلى المنطقة 24 مليار دولار العام 1994 إلى 56 مليار العام 1996. وانقلب التّيار في العام 1997 إلى صافي خروج الأرصدة من المنطقة بمقدار 21,3 مليار دولار. وهكذا كانت النّمور تقترض حتّى العام 1997 على حساب أداء اقتصاديّ يتدهور"(24)، وقد كانت تلك الدّيون الخاصّة التي زاد مقدارها، أحد الأسباب البارزة التي أدّت إلى أن تنشأ الأزمة الماليّة في تلك البلدان الآسيويّة.

نشأت في ذلك الأوان في سنوات منتصف التّسعينيّات، منافسة شديدة بين الدّول التي صدّرت الأجهزة الصّناعيّة العالميّة، التي كان جزء غير يسير منها، قد أنتجتها بلدان دخلت حديثاً إلى ميدان التّجارة العالميّة، فلوحظ في تلك الفترة أنّه "تراجعت المقدرة التّنافسيّة لدول جنوب شرق آسيا بشكل واضح بعد النّصف الثّاني من عام 1995 خاصّة فيما يتعلّق بالسّلع الصّناعيّة كثيفة العمل"(25)، وكانت الصّين اندرجت في عداد المنافسين الجدد الذين اقتحموا ميدان الأسواق العالميّة، إذ تبدّى في ذلك الأوان "دخول الصّين على نطاق واسع مجال التّصدير بالنّسبة للسّلع الصّناعيّة التّقليديّة وكثيفة العمل التي تنتجها دول جنوب شرق آسيا، حيث استطاعت أن تنافس منتجات الدّول الآسيويّة الأخرى وتستحوذ على جزء كبير من أسواق صادراتها خاصّة الصّادرات الصّناعيّة التّقليديّة لهذه الدّول"(26)، ولم تكن تلك المنافسة التي حدثت في تلك الأسواق العالميّة، هي السّبب الرّئيسيّ الذي أدّى إلى نشوء الأزمة في تلك الدّول الآسيويّة، ولا يتعذّر الاقتناع بذلك الرّأي في تقييم النّتائج، التي نجمت عن وجود تلك المنافسة في ميدان التّجارة الدّوليّة، ولا سيّما إذا وازنا بين تلك المنافسة الحادثة في ميدان التّجارة الخارجيّة، وسائر الأسباب التي أدّت إلى نشوء تلك الأزمة الماليّة التي أصابت دول النّمور الآسيويّة.

إن الأسباب التي أدّت إلى نشوء الأزمة الماليّة في بلدان النّمور الآسيويّة، إذا كانت على الأغلب متماثلة فيما بينها، في تلك البلدان التي وقعت في تلك الأزمة، إلّا أنّ فاعليّة نفوذ تلك الأسباب لم تكن على المقدار ذاته من القوّة في تلك البلاد الآسيويّة جمعاء، ولا غرو من أن يكون الظّهور البارز لتلك الأسباب في البلد الذي نشأت فيه تلك الأزمة الماليّة، وهو تايلاند حيث تحقّقت في ذلك البلد زيادة الاقتراض الخارجيّ، وظهرت معالم الفشل في إدارة سوق صرف العملة، إذ بدئ في العام 1990 "بإزالة الضّوابط عن صرف العملة، وتطوير أسواق المال غير المصرفيّة، وإلغاء السّقف على معدّلات الفائدة، والتّخلّي عن قواعد توزيع رأس المال. وتحرّك الوسطاء الماليّون للإفادة القصوى من هذه التّخفيفات في السّياسة، فاقترضوا بالعملات الصّعبة بمعدّلات فائدة أجنبيّة أوطأ. وهكذا ارتفعت التّدفّقات الدّاخلة من رأس المال إلى الذّروة فبلغت 12,3% من إجماليّ النّاتج المحلّيّ العام 1995، وكان 11,6% من هذه التّدفّقات يتألّف مناستثمارات أسهم وسندات ماليّة، وتدفّقات أسهم عاديّة بدلاً عن استثمارات أجنبيّة طويلة الأمد"(27)، وتلك الأموال التي تدفّقت على ذلك البلد، لم تكن لتسهم في زيادة الإنتاج المحلّيّ الفعليّ الذي كان يشتمل عليه قطّاع الاقتصاد الحقيقيّ.

كانت أبرز النّتائج التي تمخّضت عن البحث في الأزمة الماليّة، التي وقعت فيها تلك البلدان الآسيويّة، هو ظهور مسألة "المخاطر المعنويّة Moral Hazard "، وهي تنجم عن الحالة التي يكون فيها عند الأفراد أو المؤسّسات اتّجاه إلى ارتكاب مخاطر لا يوجد مسوّغ إلى نشوئها، إذ يكون من يعتمد أن يأتي بتلك المخاطر، في مأمن وحرز من أن يغرّم بتحمّل تكاليف الخسائر، التي تنجم عن انتهاجه سبيل تلك المخاطر، فيتّسم من يرتكب تلك المخاطر باللّامبالاة، إذ لا يكترث بتحقّق تلك الخسائر، إذ غالباً ما يكون معتمداً على عقود التّأمين، التي تعوّض تلك الخسائر التي يتسبّب بحدوثها، وقد تطرّق إلى إثارة موضوع المخاطر المعنويّة "بصورة خاصّة تقرير صندوق النّقد الدّوليّ (مايو 1998)، على أساس أنّ المخاطر المعنويّة لعبت دوراً محوريّاً في الأزمة الآسيويّة. وتتحقّق المخاطر المعنويّة حينما يفشل الطّرف المؤمّن لصالحه من اتّخاذ الاحتياطات الواجبة لمنع حدوث الواقعة أو الحدث المؤمّن ضدّه"(28)، فاتّسعت الأبعاد العديدة التي امتدّت إليها تلك الأزمة الماليّة، التي ما لبثت النّتائج التي تمخّضت عنها، أن بدأت تشمل أيضاً بلداناً عديدة أخرى في هذا العالم.

1- عمرو محيي الدّين، أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص271، 272.

2- بول هيرست وجراهام طومبسون، ما العولمة، الاقتصاد العالميّ وإمكانات التّحكّم، ترجمة: د. فالح عبد الجبّار، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 273، الكويت، سبتمبر 2001 ، ص204.

3- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص75، 76.

4- المصدر السّابق، ص72.

5- المصدر السّابق، ص76.

6- المصدر السّابق، ص77.

7- المصدر السّابق، ص72.

8- المصدر السّابق، ص78.

9- المصدر السّابق، ص75.

10- المصدر السّابق، ص118.

11- المصدر السّابق، ص78.

12- المصدر السّابق، ص106.

13- المصدر السّابق، ص95.

14- المصدر السّابق.

15- المصدر السّابق.

16- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص194.

17- المصدر السّابق.

18- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص111.

19- المصدر السّابق.

20- المصدر السّابق، ص113.

21- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص206، 207.

22- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص112.

23- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص207.

24- المصدر السّابق.

25- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص112، 113.

26- المصدر السّابق.

27- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص210، 211.

 

28- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص91.

أصابت أزمة مستفحلة ضارية ذلك النّشاط الاقتصاديّ الجاري في دول النّمور الآسيويّة في عام 1997، وقد تسبّبت وقائع النّشاط الماليّ في تلك البلدان، بنشوء تلك الأزمة المتفاقمة، ونظراً لطبيعة تلك الأسباب الماليّة التي أدّت إلى نشوء الاضطّراب، الذي عرقل انتظام مجرى النّشاط الاقتصاديّ في تلك الأقطار الآسيويّة، حدّد ذلك الاضّطراب المستشري في ذلك النّشاط بأنّه أزمة ماليّة، وهي كانت "تفجّرت بفعل الضّغوط النّاتجة عن تغيّر اتّجاه حركة تدفّق رؤوس الأموال الخاصّة من الدّاخل إلى الخارج"(1)، وإذا أردنا أن ندرك الأبعاد القصيّة التي بلغتها تلك الأزمة في شدّتها، في دول النّمور الآسيويّة وهيهونج كونج، وتايوان، وجمهوريّة كوريا الجنوبيّة، وسنغافورة، وتايلاند، وإندونيسيا، وماليزيا، والفليبين، فيجب أن نحيط بكنه النّشاط الماليّ الذي يمارسه النّاس في الوقت الحاليّ، في أقطار هذه المعمورة حيث "يتّسم عالم اليوم الذي تتكامل فيه أسواق المال العالميّة وتسود العولمة النّشاط الماليّ بالحركة السّريعة لرؤوس الأموال عبر الحدود وخاصّة رؤوس الأموال قصيرة الأجل"(2)، فكان أحد الأسباب البارزة في نشوء تلك الأزمة الماليّة هو رؤوس الأموال القصيرة الأجل، وهي تحديداً الودائع المصرفيّة التي لا تتجاوز السّنة بالإضافة إلى العملات الأجنبيّة والأوراق الماليّة والقروض القصيرة الأجل، وقد اعتبرت رؤوس الأموال القصيرة الأجل، عاملاً أساسيّاً في التّأثير في النّشاط الاقتصاديّ في بلدان النّمور الآسيويّة، التي تلقّت تلك الأموال لأنّها "بحكم طبيعتها ونمط استثمارها تغيّر من اتّجاه حركتها بسرعة فائقة، ويمثّل هذا التّغيّر في اتّجاه حركة رؤوس الأموال السّبب الرّئيسيّ في اندلاع الأزمة الماليّة. فرؤوس الأموال التي اتّجهت إلى الدّول الآسيويّة خلال الفترة من 1990_ 1996 غيّرت من اتّجاهها عام 1997 وخاصّة في النّصف الثّاني منه، وبلغ حجم هذه الأموال التي غيّرت اتّجاهها حوالي 10% من النّاتج المحلّيّ الإجماليّ _لدول الأزمة الآسيويّة مجتمعة_ قبل انفجار الأزمة"(3)، وقد نجم عن ارتفاع هذه النّسبة العالية من كمّيّة الأموال الخارجة من تلك الأقطار، أن تعرقل فيها النّشاط الاقتصاديّ الذي ما لبث أن وقع آنئذ في أزمات ماليّة عسيرة.

إنّ انسحاب كمّيّة الأموال الضّخمة من تلك البلدان الآسيّويّة، قد أخلّ بانتظام مجرى النّشاط الاقتصاديّ في تلك الدّول النّاشئة اقتصاديّاً، وكي ندرك ذلك الضّرر الفادح الذي ألحقه بتلك البلدان، خروج تلك الأموال، فحسبنا أن نتخيّل "أنّ 10% من النّاتج المحلّيّ الإجماليّ في الولايات المتّحدة الأمريكيّة قد قرّر الخروج والهروب من الولايات المتّحدة فإنّ وقع هذا الخروج سوف يكون مدمّراً على الاقتصاد الأمريكيّ، فنتصوّر خروج ما مقداره 699 بليون دولار أمريكيّ من الولايات المتّحدة في عام واحد حتّى يمكن لنا أن نتصوّر حجم الأزمة التي يمكن أن تنجم عن ذلك"(4)، وسيقتصر حديثي حاليّاً على معالجة مسألة انتقال رؤوس الأموال بين بلدان العالم، حيث أدّت عولمة النّشاط الماليّ إلى أن تندمج الأسواق الماليّة بعضها ببعض، بعد أن طبّقت غالبيّة دول العالم قواعد انفتاح النّظام الماليّ الذي أدّى "خلق نوع جديد من الأصول. فالأصول التي كانت معروفة تقليديّاً من قبل هي العقار، والسّندات، والأسهم، والسّلع. أمّا اليوم فإنّ لدينا أصولاً جديدة متمثّلة في العملات. بمعنى أنّ النّقود _التي هي وسيط للتّبادل_ أصبحت هي ذاتها أصلاً يدخل في تركيب وحركة المحافظ الاستثماريّة"(5)، فيستثمر النّاس الأصول التي يملكونها، في تلك المحافظ الاستثماريّة، سواء أكانت تلك الأصول ماليّة أم حقيقيّة، وقد بات "سوق النّقد الأجنبيّ هو المكان الطّبيعيّ لتحريك كمّيّات ضخمة من الأموال"(6)، وكانت القواعد التي تأسّس عليها الانفتاح الاقتصاديّ، في الدّول التي تيسّر فيها انتقال رؤوس الأموال فيما بينها، قد هيّأت سوق الصّرف الأجنبيّ لأن يصبح "أوّل الأسواق الماليّة التي تكاملت واندمجت بحيث أصبح سوقاً واحداً، كما تصاعد حجم التّعامل فيه بمعدّلات سريعة"(7)، فكانت أسواق الصّرف أحد تلك القواعد التي استند إليها النّشاط الاقتصاديّ المعولم.

لم تقتصر المشاقّ التي كابدتها تلك الدّول الآسيويّة، على نشوء أزمة العملة أو أزمة سعر الصّرف، لأنّ الأزمة الاقتصاديّة في تلك البلدان، اتّسعت آمادها حتّى أصابت أيضاً الاقتصاد الحقيقيّ الذي يتضمّن حركة السّلع والخدمات، حيث كانت "النّتائج التي ترتّبت على فيضان خروج (هروب) الدّائنين من العملة المحلّيّة ومحاولة تخلّصهم من الأصول المحلّيّة على سعر الصّرف وأسعار الأصول من جهة وعلى الجهاز المصرفيّ من جهة أخرى، هي تأثير ذلك على الوحدات العاملة في قطّاع الأعمال، ومن ثمّ انتقال الأزمة إلى الاقتصاد الحقيقيّ"(8)،وذلك الاقتصادالحقيقيّالذي أدركته تلك الأزمة يطلق عليه أيضاً عبارة الاقتصاد الإنتاجيّ أو العينيّ ( Real Economy )،وقد كانت تلك الأزمة الماليّة "تعود في الأساس إلى التّدفّقات الضّخمة لرؤوس الأموال الخاصّة قصيرة المدى، التي اتّجهت إلى بلدان الأزمة الآسيوّيّة، نتيجة لقدرة جذب مؤشّرات الأداء الاقتصاديّ الناجح لهذه الدّول من ناحية، وقوّة دفع توافر فائض سيولة عالميّة (خاصّة في اليابان وأوروبا)  بجانب تراجع العائد على الأصول في الأسواق العالميّة من جهة أخرى، وقد انتقل هذا الانسياب لرؤوس الأموال من خلال مؤسّسات الوساطة الماليّة التي لم تكن مستعدّة لا لهذا الفيضان من التّدفّق إلى الدّاخل ولا إلى تغيير اتّجاهه نحو الخارج وبسرعة مرّة أخرى"(9)، وكي نتبيّن الأبعاد التي تصل إليها تلك الأزمة التي يسبّبها انسحاب رؤوس الأموال من تلك البلدان، فإنّ يجب أن ندرك حجم رؤوس الأموال المتنقّلة بين دول العالم، فإذا نظرنا في مقدار تداول الأسهم في سوق وول ستريت فإنّنا نجد أنّه "بلغ مليار سهم سنويّاً في العام 1929، ومع نهاية القرن بات تداول مليون سهم يوميّاً المعيار الشّائع"(10)، فأدّى نموّ تلك الأموال التي تستثمر في البورصات، إلى أن يزداد النّفوذ الذي تتمتّع به الأموال في الأنشطة الاقتصاديّة التي تجري في الدّول، التي تتنقّل فيما بينها رؤوس الأموال.

إنّ كبر مقدار الأموال التي تتداول في سوق الأسهم، جعل "البورصات في العالم الآن، حلبة تستقطب المضاربين، حلبة يتمّ التّعامل فيها بأكثر من 3 تريليونات دولار أمريكيّ في اليوم الواحد _أي بنحو 90 ضعفاً مقارنة بحجم التّجارة السّلعيّة العالميّة،فأسواق المال تتطوّر، حاليّاً، إلى حلبة للجشع ومكان لتحقيق الرّبح بأقصى سرعة. فالمصارف تعرض في الأسواق أدوات ماليّة مفعمة بالمخاطر، وما خلا بضعة أفراد، ما عاد أحد يفهم مغزى هذه الأدوات وكنهها"(11)، وكانت بعض تلك البلدان الآسيويّة حرّرت أسواقها الماليّة في مطلع عقد التّسعينيّات في القرن الماضي، إذ بدأ "الكثير من الأموال بالتّدفّق بسرعة إلى اقتصاداتها، ممّا أدّى إلى فقاعة سببها المضاربة، لتعود هذه الأموال وتسحب منها عند أوّل مؤشّر إلى حدوث مشكلة"(12)، وقد واكبت تلك الدّول الآسيويّة بلدان العالم التي عمدت إلى تحريرأسواقهاالماليّة، إذأصبحت الأسهمتتداولفيمعظمالأسواقالماليّةالعالميّة، من دون أن تعترض تنقّلها بين تلك الأسواقالقيود أو العوائق، وكانت تلك الأزمة التي نشأت عن انسحاب رؤوس الأموال من تلك الدّول الآسيويّة، هي "بداية لطريق التّراجع الحادّ لأسعار صرف عملات تلك الدّول وإلى اتّجاه نزوليّ تزايد في حدّته يوماً بعد يوم في مؤشّرات أسعار بورصات الأوراق الماليّة هناك"(13)، وهذه الوتيرة المتسارعة لتداول الأموال بين دول العالم لم تكن لتتحقّق لولا أن "ساعد التّطوّر الهائل في وسائل الاتّصال وفي تكنولوجيا المعلومات على تنمية وتطوير عدد من الأدوات الماليّة بعضها بالغ التّعقيد والتّركيب ويعرف باسم المشتقّات الماليّة Financial Deri _ viativis كالمقايضة أو المبادلة، والخيارات، والعقود الآجلة والعقود المستقبليّة والتّوقّي أو التّحوّط... إلخ."(14)، وقد مهّد ذلك التّطوّر في تكنولوجيا المعلومات السّبيل، السّبيل لأن يتحقّق التّرابط بين الأسواق الماليّة في دول شتّى في هذا العالم.

قلّصت أدوات الاتّصال الحديثة المسافات الفاصلة بين الدّول، وقد ألغت أيضاً الفارق الزّمنيّ الذي كان يفصل بين الأحداث المتتابعة، حتّى أصبح "عالم أسواق المال اليوم يتّسم بما يمكن أن يسمّى بالاتّصال اللّحظيّ Instant Communication"(15)، فغدا في إمكان الأفراد أن يرسلوا ويستقبلوا المعلومات في الوقت نفسه، فإن تلكّأ النّاس الذين يتعاملون مع أسواق المال في العالم، في متابعة الوقائع التي ما تبرح تتجدّد، دون أن تكفّ عن التّدفّق المستمرّ في ميدان تلك الأنشطة الاقتصاديّة، فإنّه سيفوتون عليهم تحقيق الأرباح التي تعود من التّعامل مع تلك الأسواق العالميّة، إن لم يغرّموا بالخسارة الماليّة الفادحة في أغلب الأحيان إن انقطعوا عن الاتّصال بتلك المراكز الماليّة، فالمعاملات التي كانت تجري في الماضي عبر المؤسّسات الماليّة، أصبحت في متناول يد الإنسان وهو يمكث في منزله، دون أن يضطّر إلى أن يغادره، فتوثّقت مشاركته وزاد ارتباطه بتلك السّوق الماليّة التي ما برحت تنمو باطّراد"ولنيقتصرالأمرمعالتّجارةالإلكترونيّةعلى شراءالسّلعوبيعهامنخلالالتّعامل معالإنترنت،بلستتّجهالتّعاملاتفي البورصةإلىأنتصبحعملاًمنزليّاًيقومبه فردمنخلالشاشاتالكومبيوتر للتّعاملمباشرةفيالأوراقالماليّةمنخلال أجهزتهالمنزليّة"(16)، ولم يكن يشقّ على الأفراد في منازلهم أن يسهموا في تحريك تلك الأموال إذ"جاءتثورة المعلوماتوالاتّصالاتفساعدتعلىانتقالهذهالثّرواتالماليّةفي شكلومضة كهربائيّةأونبضةإلكترونيّة،تتّصلبينالبلدانالمختلفةدونأن تصطدمبحواجز أوحدودسياسيّة.وأصبحتالثّروةالماليّةأقربإلىالاستقلالعن الثّروةالعينيّة، وأصبحتتتوافرلهاحياتهاالخاصّةالتيتتمرّدعلىالحدودالسّياسيّة وتتجاوزها. وانتقلالعالمإلىنوعمنالاقتصادالرّمزيّتحرّكههذهالأصولالماليّةالتي تنتقلمنمكانإلىآخرومنعملةإلىأخرىفيلحظاتدونأنتدركهاعينأو تعوقها سلطة"(17)، فتحرّرت عمليّة انتقال تلك الأموال من القيود العديدة، التي كانت تعترض دون أن تواصل تطوافها بين الأسواق العالميّة.

 

إنّ تلك الأداوت الماليّة التي أحدثتها أدوات الاتّصال الحديثة، ما برحت تنمو أيضاً، حيث أتاحت لها أسواق الصّرف أن تزداد وتعظم كميّتها، إذ "ارتفع حجم المتاجرة بالمشتقّات التّقليديّة، أي حجم المقامرة على معدّلات الفائدة ومؤشّرات البورصات، بين العام 1986 والعام 2004، بنحو ثمانين ضعفاً _ارتفع من 614 مليار دولار أمريكيّ إلى 46,6 تريليون دولار أمريكيّ. ومعنى هذا التّطوّر هو أنّ تطوّر أسواق المال ما عادت له علاقة بتطوّر الاقتصاد الحقيقيّ، أي الاقتصاد الإنتاجيّ: ففي سابق الزّمن كانت أسواق المال تزوّد الصّناعة بما تحتاج إليه من قروض؛ أمّا في اليوم الحاضر، فإنّها تهيمن على الاقتصاد العالميّ وتجبر المشاريع على تنفيذ التّغيّرات التي تفرضها عليها"(18)، وتؤكّد ضخامة تلك رؤوس الأموال المتداولة في سوق الصّرف تلك الإحصائيّات التي نشرت في عام 1997، إذ "كانت تشير التّقديرات إلى أنّه في عام 1997 بلغت صفقات بيع وشراء العملات في سوق النّقد الأجنبيّ 3 ترليون دولار أمريكيّ في اليوم، بمعنى ما يقرب من الدّخل القوميّ للولايات المتّحدة يجري تداوله في سوق النّقد الأجنبيّ كلّ ثلاثة أيام"(19)، فتعذّر أن يحدّ من انتقال تلك الأموال، أو تعرقل عمليّة تداولها بين دول العالم، وقد ذهب أحد الباحثين إلى أن يعتقد أنّ عمليّة نقل تلك الأموال قد تخطّت عوائق الرّقابة والموانع القانونيّة، التي تحول دون أن تخرج الأموال إلى خارج البلدان، التي تسنّ فيها القوانين التي تنصّ على منع مغادرة الأموال، وقد تحدّث ذلك الباحث عن انعدام جدوى الرّقابة على عمليّة نقل تلك الأموال، فقال: "مع قدرة التّقنيّات والمؤسّسات الماليّة على تحريك رأس المال باستخدام الحاسوب، فمن الصّعب تصوّر تشديد الرّقابة على رأس المال. القوانين يمكن تشريعها ولكنّ من المتعذّر فرضها"(20)، فلم يكن في يد غالبيّة دول العالم الحيلة في الحدّ من تنقّل تلك الأموال فيما بينها.

ما برحت تتأكّد يوماً إثر يوم تحرّر الأموال من تلك العوائق، التي كانت تقيّد عمليّة تنقّلها بين بلدان العالم، فأصبح لأسواق الصّرف نشاط عصيّ على أن يضبط، حتّى بات يمكنالقول"أنّ النّظامالنّقديّقدانفصلبعضالشّيءعن علاقتهالوطنيّةلكلّدولة،ليصبحلهوجودوحياةمستقلانيتأثّرانبمايحدثفيمجموع العلاقاتالدّوليّة،وليسفقطبمايحدثفيدولةواحدة.ولايعنيذلك بطبيعة الأحوالأنّتأثيرالدّولمتساوفيهذاالشّأن،بلإنّ لبعضهاتأثيراًأوضح وللبعض الآخرتأثيراًأقلّ.لكنّندرأنأصبحتالنّقودمسألةوطنيّةبحتة"(21)، ولم تكن الأزمة الآسيويّة هي أولى الأزمات الماليّة التي اندلع شررها في عام 1997، فمنذ أن بدأت تنطلق أسواق المال من القيود، التي كانت تعرقل الأنشطة التي تجري ضمن ميدان تلك الأسواق، حتّى "بدأالعالميعرفمجموعةمنالأزماتالماليّةالتيتجاوزأوضاعالاقتصادالعينيّالوطنيّ، لكنّ ترتبطبتحرّكاترؤوسالأموالوانتقالها منمكانإلىآخرأومنطقةإلىأخرىلأسبابسياسيّةأونفسيّة.فكانأن عرفالعالمأزمةأوروبيّة ١٩٩٢،ثمّأزمةالمكسيكفي ١٩٩٤_١٩٩٥،وأخيراً الأزمةالآسيّويةفي١٩٩٧.وهيجميعاًتدورحولحركاتالأموالالتيأطلقت منعقالها.وهكذاأدّتالثّورةالماليّةفيأدواتالتّمويلوأساليبهإلىتجاوزالحدود السّياسيّةللدّول، وقيّدتبالتّاليمنقدرةالسّياسةالاقتصاديّةالوطنيّةفيمواجهة هذهالثّرواتالماليّةالهائمة"(22)، واقتضى تتابع نشوء تلك الأزمات الماليّة، أن يتنبّه النّاس إلى مسألة تداول تلك العملات، التي بات يتعذّر أن يحدّ من تنقّلها بين أسواق الصرف التي اندمجت ببعضها البعض.

تسبّبت تلك الأزمات الماليّة الحادثة في العديد من بلدان العالم، بإلحاق مضارّ فادحة بأولئك الأفراد، الذين اكتووا بالهموم التي أثارتها في نفوسهم تلك الاضطّرابات الماليّة، بيد أنّ تلك الأزمات ما برحت تفتح الأذهان "علىخطورة انتقالاترؤوسالأموالوتأثيرها فيأوضاعالاقتصاداتالوطنيّة،فضلاًعن خطورتهاعلىالاقتصادالعالميّ.فانتقال رؤوسالأموال،وخاصّةالأموالالسّاخنة،وهيتتأثّرباعتباراتالثّقةوالحالة النّفسيّةللمتعاملين، يمكنأنيتمّبشكلفجائيّ علىنحويربكالسّلطاتالنّقديّة والماليّة.فالأموالالتيتتوافدعلىدولةماخلال سنواتيمكنأنتخرج،أو بالأحرىتهرب،خلالأيام ساعات،ممّايؤدّيإلىأزمة ماليّةيصعبالسّيطرةعليها"(23)، وقد امتدّت حقّاً النّتائج النّاجمة عن تلك الأزمة التي وقعت فيها النّمور الآسيويّة، لتشمل بلدان عديدة وقد كان وكيل وزير الماليّة في اليابان آيزوكه ساكاكيبارا "أكّد في يناير من العام 1998 على أنّ الأزمة ليست أزمة آسيويّة، بل هي أزمة النّظام الرّأسماليّ العالميّ"، وهذا الرّأي الذي أفصح عنه وكيل وزارة الماليّة اليابانيّة، يثبت أنّ "الأمر الذي لا شكّ فيه هو أنّ الأزمة التي شهدتها دول جنوب شرقي آسيا لم تكن سوى الحلقة الأولى من سلسلة حلقات أخرى. فبعد مرور نصف عام من اندلاع الأزمة، وصلت أمواجها الهادرة إلى "وول ستريت فقد ترنّح أكبر صناديق المخاطر في العالم أجمع وأوشك على دفع عالم المال إلى الهاوية"(24)، فلم تجبه الأزمات الاقتصاديّة العوائق في تنقّلها بين بلدان العالم، مثلما كان شأن تلك الأموال التي كانت تنقل بسهولة بين أسواق الصرف العالميّة.

أصبحت تلك الأزمات الاقتصاديّة تجتاز أيضاً الحدود المفتوحة بين الدّول، مثلما كان شأن تلك الأموال التي تحقّقت عمليّة انتقالها بين بلدان العالم بسهولة فنظراً "لهذه الطّبيعةالسّائلةلحركاتالأموال،فإنّاحتمالاتالعدوىتنتقلليسفقطمن مستثمرإلىآخر،بلمنبلدإلىآخرومنقارةإلىأخرى.وهذاما حدثفي دولجنوبشرقآسياحيثعمّتالعدوىمعظمهذهالدّولخلال فترةقصيرة، ووصلتأثيرهاإلىروسياوبعضدولأمريكااللّاتينيّة.وهكذافإنّهمع هذهالثّورة الماليّة،أصبحالاقتصادأقربإلىالاقتصادالرّمزي ( Symbolieconomy ) يتأثّربعددمنالمؤشّراتوالرّموز،مثلأسعارالفائدة،ومؤشّرات أسعارالأسهم Dow Jones ) )، والشّائعاتالسّياسيّة،وإحصاءاتوزارات العمل، وكثيراً ماتتأثّرالأوضاعالاقتصاديّةبهذهالرّموز،علىرغمأنّعناصر الاقتصادالعينيّ ( Fundamentals ) تظلّمستقرّة"(25)، وقد ناقشت في حديثي الذي ذكرته آنفاً تلك الأزمة التي تسبّب بنشوئها الأموالُ السّاخنة، التي أصبحت مصطلحاً "يستخدم على نطاق واسع في الأسواق الماليّة للإشارة إلى تدفّق رؤوس الأموال من دولة إلى أخرى لكسب فائدة بسيطة على سعر الفائدة لتغيير سعر الصّرف، وقد أطلق عليها هذا الاسم لسرعة تحرّك الأموال داخل وخارج الأسواق، ممّا قد يؤدي إلى عدم استقرار السّوق"(26)، وكي أوضّح المسائل التي يثيرها موضوع انتقال رؤوس الأموال، فإنّي سأتحدّث أيضاً عن الأموال التي تتجرّد عن الانغماس في غمار المضاربات الماليّة، ولنأخذ مثلاً موضوع الاستثمارات الأجنبيّة الماليّة حيث كان "خروجالأرباحمنالبلدانالمستوردةلرأسالماليفوقفيالواقع عمليّةتدفّقالأموالالخارجيّةوالتّكنولوجيّاتإلىهذهالبلدان.ففيعام١٩٨٠ مثلاً، ومقابل٧٬٦ملياردولار تمثّلجملةالاستثماراتالأجنبيّةالتيتدفّقتعلى البلدانالنّامية، خرجمنهذهالبلدان١٥٬٨ملياردولارفيصورةأرباح"(27)، ويتّضح من عمليّة المقارنة التي أوردتها آنفاً، كمّيّة الأموال التي يجنيها المستثمرون الأجانب، وهي تفوق حجم تلك الفوائد التي تحصل عليها الدّول التي تلّقت تلك الاستثمارات الأجنبيّة.

يندرج في نطاق تلك الأموال التي تنتقل بين دول العالم، تلك القروض الماليّة، التي تحدّث أحد الباحثين الاقتصاديّين عن اتّساع مدى انتشارها، حيث قال: "زادتحركاترأسالمالالدّوليّوخصوصاً فيصورةالقروض.وفيمطلع الثّمانيناتبلغت القروضالمصرفيّةالدّوليّة١٠٢٠ملياردولارمقابل٥٧ مليار دولارقبلهابعشرسنواتفقط.ونشأتظاهرةدوليّة،ولانقولمشكلة دوليّة، اسمهاالدّيون الأجنبيّة.وهيفيالحقّ ظاهرةاقتصاديّةبالغةالخطر، في نشأتهاوفياستفحالها _وقبلذلكفيمنحهاوتوزيعهاواستخدامها، حيثتؤثّرفي الدّخلالقوميّالمتاحوفياستخدامهلأغراضالاستثماروالاستهلاك"(28)، فتنجم عن موضوع تداول المال في عصر العولمة، مسائل تستوجب أن تلاحظ وينعم النّظر فيها، إذ كان "معتقدّمعمليّةتدويلالعلاقاتالاقتصاديّةوتعميقتقسيمالعمل الدّوليّوالتّوسّعالمصاحبفيعمليّاتإعادةالإنتاجالدّوليّة،نمّت أهمّيّةوخطورة رأسالمالالنّقديّ والماليّ.ومعاضطّرادتدويلهوازديادتركيزهوتمركزه فيأيديعدد قليلمنالمصارفالاحتكاريّةالدّوليّةأصبحتالعلاقاتالماليّة والنّقديّةفي الاقتصادالرّأسماليّالعالميّهينقطةالتقاءالمصالحالاقتصاديّةالمتنافسة والمتناقضة"(29)، فإن تحدّدت أسباب نشوء الأزمة الماليّة في دول النّمور الآسيويّة، فإنّه يجب أن يحاط أيضاً بالمسائل التي تنجم عن تداول الأموال، كي تتيسّر معالجة تلك المضارّ التي تلحقها الاضطّرابات الماليّة بذلك النّشاط الاقتصاديّ، الذي يجري في الدّول التي تصيبها تلك الأزمات الماليّة.

1- عمرو محيي الدّين، أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص143.

2- المصدر السّابق، ص285.

3- المصدر السّابق.

4- المصدر السّابق، ص285، 286.

5- المصدر السّابق، ص207.

6- المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق، ص24.

8- المصدر السّابق، ص143.

9- المصدر السّابق، ص143، 144.

10- جون ستيل جوردان، امبراطوريّة الثّروة، التّاريخ الملحميّ للقوّة الاقتصاديّة الأمريكيّة، الجزء الثّاني، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 358، الكويت، ديسمبر 2008، ص228.

11-أولريش شيفر، انهيار الرّأسماليّة، أسباب إخفاق اقتصاد السّوق المحرّرة من القيود، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 371، الكويت، يناير 2010، ص57.

12- مصدر سابق.

13- عمرو محيي الدّين،أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص18.

14- المصدر السّابق، ص23.

15- المصدر السّابق، ص23، 24.

16- حازم الببلاويّ، النّظام الاقتصاديّ الدّوليّ المعاصر، من نهاية الحرب العالميّة الثّانية إلى نهاية الحرب الباردة، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ص137.

17- المصدر السّابق، ص135، 136.

18- أولريش شيفر، انهيار الرّأسماليّة، أسباب إخفاق اقتصاد السّوق المحرّرة من القيود، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 371، الكويت، يناير 2010، ص195.

19- عمرو محيي الدّين،أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص206.

20- وليام هلال، كينث ب. تايلر، اقتصاد القرن العشرين، آفاق اقتصاديّة_ اجتماعيّة لعالم متغيّر، المنظّمة العربيّة للتّرجمة، الطّبعة الأولى: بيروت، آذار (مارس) 2009، ص 503.

21- حازم الببلاويّ، النّظام الاقتصاديّ الدّوليّ المعاصر، من نهاية الحرب العالميّة الثّانية إلى نهاية الحرب الباردة، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، الكويت ص135.

22- المصدر السّابق، ص136.

23- المصدر السّابق، ص136، 137.

24- أولريش شيفر، انهيار الرّأسماليّة، أسباب إخفاق اقتصاد السّوق المحرّرة من القيود، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 371، الكويت، يناير 2010، ص154.

25- حازم الببلاويّ، النّظام الاقتصاديّ الدّوليّ المعاصر، من نهاية الحرب العالميّة الثّانية إلى نهاية الحرب الباردة، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، الكويت ص137.

26- موقع ويكيبيديا.

27- الرّأسماليّة تجدّد نفسها، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 147، الكويت، مارس_ آذار1990، ص134.

28- المصدر السّابق، ص236، 237.

 

29- المصدر السّابق.

كثر انتشار الصّور الضّوئيّة في أماكن شتّى في هذا العالم، الذي بات النّاس فيه يتلقّون السّيل المنهمر من اللّقطات التي تستغرق أنظارهم، حيث دأب هؤلاء الأشخاص في معاينتهم تلك المشاهد التي تحتويها تلك الصّور التي تعرض عليهم، ولا نغالي في حديثنا إذا ذكرنا أنّ هؤلاء الأفراد، قد أصبحوا يستعيضون برؤية تلك المناظر التي تظهر في تلك الصّور، عن النّظر إلى تلك المشاهد التي اعتادوا أن يروها حولهم في مجرى الحياة التي يعيشونها، فلا عجب من أن يسمّى العصر الحاليّ الذي نعيش فيه، بعصر الصّورة، وتلك العبارة التي أطلقت على زمننا الحاضر، لم توضع عبثاً، لأنّها كانت لسان حال ذلك الأوان الذي يعيش فيه الأنام، وإن كانت تعدّدت أنماط تلك الصّور التي كانت تعرض على الأشخاص، إلّا أنّي سأنظر الآن في شأن تلك الصّور التي كانت تعدّ صوراً وثائقيّة، إذ كان العديد منها يتّسم بخصائص جماليّة، حتّى بات في وسعنا أن نعتبر تلك الصّور أعمالاً فنّيّة، لأنّها قد توفّرت فيها تلك الخصائص التي تنسب إلى الأعمال الفنّيّة المبتكرة، وقد بات فنّ التّصوير الضّوئيّ، يندرج في زمرة تلك الأنشطة الفنّيّة العديدة التي كان الفنّانون يزاولونها، فإن كانت تلك الصّور التي تقدّم إلى المشاهدين، عدّت مادّة وثائقيّة، فإنّ تلك الصّفة التي وسمت بها تلك الصّور البديعة، لا تجرّدها من ذلك الطّابع الفنّيّ الذي انبنت فيه تلك الصّور الضّوئيّة، التي حلّت بمكانة وطيدة من مراتب الفنّ، فاندرجت تلك الصّور في عداد تلك الأعمال الفنّيّة التي يتمخّض بها فنّ التّصوير الضّوئيّ، الذي أخذ يضارع سائر ضروب الأنشطة الفنّيّة في الاستواء فوق ذرى الفنّ الرّفيع، وقد قصدت تحديداً بحديثي الذي ذكرته آنفاً تلك الصّور، التي كانت تتوافر فيها تلك العناصر، التي يقتضي فنّ التّصوير الضّوئيّ أن توجد في الصّورة الضّوئيّة، كي تأخذ مكانتها الرّفيعة بين زمرة الأعمال الفنّيّة الرّائعة.

إنّ الإنسان الذي يشاهد تلك الصّور الضّوئيّة، التي تتميّز بخصائص فنّيّة راسخة فيها، لا يغمط شأن تلك الصّور الضّوئيّة التي يتأمّلها، إن اعتبرها أيضاً مادّة وثائقيّة، أفلم تكن الأعمال الفنّيّة المتنوّعة تجلو دائماً المعاني العميقة والمغازي القصيّة، التي تنطوي عليها تلك الأحداث التي صوّرت في تلك الأعمال الفنّيّة، التي كانت تبيّن أيضاً أحوال تلك المجتمعات، التي تجري فيها الوقائع التي تناولها الفنّانون في الأعمال التي ابتكروها، أفلا تعتبر الرّوائع الفنّيّة أيضاً أصدق الشّواهد على ذلك المدى، الذي يبلغه تأثير تلك الأحداث في نفوس الأشخاص الذين يخوضون غمارها، فتكشف تلك الأعمال الفنّيّة عن حقيقة الأسباب، التي أدّت إلى أن تجري تلك الوقائع في حياة أولئك الأفراد، فكانت تلك المناظر التي تتضمّنها الأعمال الفنّيّة، تتّضح جليّة لبصائر أولئك النّاس الذين يقبلون على تذوّق روائع النّتاج الفنّيّ، فيلتقط هؤلاء الأشخاص في يسر وسهولة تلك المعاني التي تنطوي عليها تلك المشاهد التي ينظرون إليها.

إنّ الإنسان يستطيع أن يدرك كنه تلك المشاهد التي تعرضها تلك المبتكرات الفنّيّة، وإن لم تكن عنده دراية بالنّظريّات والتّفاسير التي توضّح حقيقة تلك الأحداث، التي اعتبرت هي الموضوع الذي استند إليه العمل الفنّيّ، الذي اعتبر أيضاً مادّة وثائقيّة، فيتمكّن ذلك الإنسان من أن يحيط بتلك الحقائق التي تجلوها تلك الأعمال الفنّيّة، التي تنبئ النّاس كنهَ تلك الأحداث، التي قد تعجز أحياناً كثيرة التّفاسير والنّظريات الفكريّة عن أن توضّحها، أو تفسّرها في ضحة وجلاء بيّنين، وإذا تخطّينا البحث في مسألة إطلاق اسم الوثائق على تلك الصّور الضّوئيّة، وقبلنا أن توسم بتلك السّمة، فلأنّ تلك الصّور تضارع الوثائق في تحقيقها الفائدة الجلّى، التي تتبدّى في حفظها تلك الوقائع التي ظهرت في الصّور الضّوئيّة، التي تضبط تلك الأحداث في مأمن حريز، حيث أودعتها سفر التّاريخ، بل إنّ تلك الصّور الضّوئيّة تبزّ الوثائق العاديّة في القدرة على إظهار تلك الخصائص العميقة، التي تتميّز بها تلك الأحداث التي تظهرها تلك الصّور الضّوئيّة، ولا تستطيع سائر الأنشطة التي تجري في ميادين البحوث الفكريّة، أن تجاري النّشاط الفنّيّ في تبيان كنه تلك الوقائع، التي يعبّر عنها ذاك الفنّ في صورة جليّة واضحة.

أخبرني أحد الأشخاص الأعزاء برأيه في عدد من المسائل، التي تعترض مجرى الحياة التي تعيشها النّساء في مجتمعات شتّى في هذا العالم، فقال لي أنّ من ينظر إلى ذلك الشّقاء الذي تعانيه المرأة، فإنّه يخيّل له للوهلة الأولى أنّ المرأة تُولَد وتأتي إلى هذه الحياة، وقد كُتِبت على جبينها كلمة واحدة هي الضّحيّة، ويتبدّى معنى هذه الكلمة شيئاً فشيئاً في أحوال تلك المعيشة التي تحياها تلك المرأة، ولا ريب في أنّ ذلك الشّخص الذي أفصح عن رأيه في تلك المسألة التي تهمّ المرأة، يتحلّى بنظر سديد صائب، وكي لا تذهب الظّنون بمن يقرأ هذا الكلام، إلى أن يأخذ بمعان تجافي ذلك المغزى الذي تضمّنه ذلك الحديث الذي نصتُّ إليه، وإذا كانت العين ترى ما يكتب على الجبين، فإنّ ذلك الشّخص عندما أفصح عن رأيه، كان يعلم أنّ ذلك الظّنّ في أنّ معاناة المرأة، تعزا إلى تلك الكلمة المكتوبة على الجبين، هو ظنّ غير دقيق، لأنّ ذلك العناء الذي تكابده المرأة، هو حالة من المعاناة والشّقاء اللذين حاولت المجتمعات في دول هذا العالم أن توهم المرأة، أنّها لا تستطيع أن تتخلّص من وطأتهما، وذلك الشّخص كان يعتقد حقّاً أنّ المرأة تستحقّ أن تنعم بطيب العيش وهناء البال، وإنّي اهتممت بيوم المرأة العالميّ منذ زمن بعيد، علماً بأنّ عدداً من المجتمعات في دول هذا العالم، بدأت حديثاً بالاحتفاء بيوم المرأة العالميّ، وقد كان العديد من الكاتبات والكتّاب والمفكّرين العرب، عالجوا قضايا المرأة قبل زمن طويل يزيد على المائة سنة.

تعدّدت الرّاوبط التي تجمع بين النّاس، الذين ظلّت تؤلّف بينهم تلك العلاقات خلال مراحل العصور المتتالية، من دون أن تهي تلك الصّلات التي كانت تجمعهم معاً، وما برح بعض تلك العلاقات التي نشأت بينهم، تمتّن ارتباطهم ببعضهم البعض منذ العهود السّحيقة الغابرة، وإذا نظرنا في شؤون تلك الرّابطة الأسريّة، التي كانت تمتّن أواصر الألفة بين الأعضاء الذين ينضوون إلى تلك الأسرة التي تضمّهم معاً، فإنّنا نرى أنّ الزّمن الذي نشأت فيه الرّابطة الأسريّة، يمتدّ إلى عصر موغل في القدم، فكانت تلك العلاقة تربط بين الأفراد بلحمة النّسب، والأسرة هي الخليّة الأولى في بنيان المجتمع، وقد ظلّت خلال العهود الزّمنيّة الطّويلة، اللّبنة الأساسيّة التي يقوم عليها ذلك المجتمع، ومصطلح أسرة "Familly" "لا يخلو من بعض الغموض لأنّه يُستعمل من قبل غير المختصّين وحتّى العلماء الاجتماعيّين بصورة غير محدّدة، الأمر الذي يجعله يفتقر إلى الدّقة والوضوح"(1)، وعلى الرّغم من الاختلاف الحاصل بين الباحثين في تحديد مفهوم ذلك المصطلح، إلّا أنّنا نلحظ ثبات القواعد الوطيدة التي يتأسّس كيان الأسرة عليها، إذ حدّدت العناصر الرّئيسيّة، التي يتجزّأ إليها مفهوم الأسرة، التي جهد الدّارسون في تعيين الخصائص التي تتميّز بها، فاعتبرت الأسرة "جماعة أو وحدة اجتماعيّة تتّسم بالسّكنى المشتركة والتّعاون الاقتصاديّ ووظيفة الإنجاب"(2)، وإن اتّخذت الأسرة هيئة الجماعة البشريّة، فلا مرية من أنّها تعدّ أيضاً أهمّ الجماعات الأوّليّة في المجتمع حيث "تتكوّن من أفراد تربط بينهم صلات القرابة والرّحم ويزاولون النّشاط الاجتماعيّ في كلّ جوانبه المادّيّة والرّوحيّة والعقائديّة والاقتصاديّة"(3)،وإن اتّضحت في كل المجتمعات جليّاً تلك المكانة التي تحلّ بها الأسرة، فلأنّها وحدة اجتماعيّة أساسيّة وجوهريّة، وهي أيضاً "من أقدم الوحدات الاجتماعيّة، أو ربّما كانت أصل كلّ تنظيم اجتماعيّ آخر والوعاء الحاوي للتّنظيمات الأخرى"(4).

كانت العلاقات التي تنشأ بين الأفراد ضمن العائلة نفسها، تتنوّع أيضاً، وتتّخذ أنماطاً مختلفة، فلأنّ العائلة هي "نواة المجتمع التي تقوم على الزّواج والصّلة الحميمة، أي العلاقات بين الزّوج والزّوجة، والآباء والأبناء، والأخوة والأخوات، الخ. وتتميّز حياة العائلة بالعمليّات المادّيّة والرّوحيّة على السّواء. فالأولى تتضمّن العلاقات الحيويّة (البيولوجيّة) والاقتصاديّة _الاستهلاكيّة، والثّانية تتضمّن العلاقات القانونيّة والأخلاقيّة والنّفسيّة"(5)، وقد عني بتعيين الأصل الذي انبعثت منه تلك الوحدة الاجتماعيّة الجوهريّة، وهي تحديداً الأسرة، التي اعتبرت جماعة من النّاس الذين كانوا "ينحدرون من نسب واحد. وفي أكثر المجتمعات تقوم العائلة على رابطة الدّمّ أي نسب الأب، بينما ما زالت تقوم في بعض القبائل على نسب الأمّ، وهذا ما كان سائداً في مراحل تاريخيّة سابقة، والعائلة هي مرحلة متطوّرة من العشيرة والقبيلة، وهي تتألّف من عدّة أسر يجمعها النّسب. فالأسرة، كما اصطلح على تسميتها، تطلق على من يسكنون معاً من الأبوين والأولاد (الأسرة النّواتيّة أو الزّواجيّة) وهذا هو الشّكل الأكثر تطوّراً للأسرة، وقد تضمّ زوجات الأولاد والأحفاد (الأسرة الممتدّة) كما قد تضمّ الأسرة النّواتيّة بعض أفراد الأسرة القديمة {الأسرة السّائرة نحو التّطوّر}(6)، والأسرة النّواتيّة، التي تتّخذ ذاك الشّكل المتطوّر، إن اقتصرت مجموعة الأعضاء الذين تضمّهم معاً على "الأب والأمّ وذرّيّتهما من أصلابهما، دعيت الأسرة الطّبيعيّة أو البيولوجيّة"(7)، وقد عزي ظهور ذلك الشّكل النّوويّ للعائلة إلى بروز الطّبقة الوسطى التي كانت "هي عماد النّمط النّوويّ"(8)، وقد تبدّى ذلك التّغيّر الذي طرأ على شكل العائلة، عبر مراحل الزّمن المتتالية المديدة.

توطّدت الصّلة النّاشئة بين العائلة والمجتمع، فبُتْنا نلحظ أنّ "المجتمع صورة مكبَّرة للعائلة، والعائلة صورة مصغّرة للمجتمع، فكلاهما مرآة للآخر، وليس من فروق كبرى بين الثّقافة والعلاقات والأدوار التي تسود في كلّ منهما. وما يحدث من تغيّرات في أحدهما يؤدّي بالضّرورة إلى تغيّرات مشابهة في الآخر"(9)، وتهيّئ الأسرة الأبناء الذين ينضوون إليها، ليندمجوا في المجتمع، فكانت الأسرة هي "السّبب المباشر في الحفاظ على الجنس البشريّ و الإبقاء عليه حتّى الآن. فلقد ظلّت الأسرة التّنظيم الأهمّ الذي ينشأ فيه معظم النّاس وعند مرحلة معيّنة ينفصل البالغون عن الأسرة ليكوّنوا أسرهم الخاصّة"(10)، فالأسرة تمّهد السّبيل للأشخاص البالغين لأن يبنوا عائلاتهم، فتطبّق في تلك الأسرة القواعد التي تنهض عليها عمليّة التّنشئة الاجتماعيّة، التي يتلقّى الأبناء فيها من أسرهم القيم والمبادئ والعادات التي تيسّر لهم أن يندمجوا في مجتمعهم،والأسرة النّواة، هي أهمّ وحدة اجتماعيّة يرتكز عليها المجتمع البشريّ، لأنّها تنجز مهمّة تنشئة الفرد، وتهيّئه للانضمام إلى ذلك المجتمع، فتنمّي شخصيّته، وتغرس في نفسه القيم والمثل التي تنتشر في المجتمع، والأسرة هي أيضاً "وحدة إنتاجيّة اقتصاديّة ونواة للتّنظيم الاجتماعيّ"(11)، فهي تجمع أفراد الأسرة، بعلائق القرابة التي تقوم على روابط النّسب في أشكالها المتنوّعة، فأنجزت الأسرة تلك الوظائف الأساسيّة في العصور المتعاقبة، وهي كانت "سبقت دور الدّولة في تأمين الاحتياجات العاطفيّة والمادّيّة والمعنويّة للأفراد, فإنّه يمكن القول بأنّ أفضل السّبل نحو بناء المجتمع هو البدء من اللّبنة الأولى والأهمّ في البناء الاجتماعيّ والاقتصاديّ والإنسانيّ ألا وهي الأسرة"(12)، وإن كانت تتحقّق في ظلّ الأسرة حاجات أولئك الأفراد الذين تجمع بينهم، فلأنّهم كانوا يؤسّسون في كنف تلك الأسرة، الرّكائز التي تقوم عليها حاجاتهم المعيشيّة المشتركة، التي كانت تزيد صلابة تلك الرّوابط التي تجمع بين أعضاء الأسرة، الذين ظلّت ترسخ في نفوسهم الرّغبة في تحقيق عمليّة المشاركة في العيش ضمن تلك الأسرة.

إنّ ذلك التّغيّر الذي طرأ على الشّكل الذي تتبدّى فيه الأسرة، غالباً ما كان يعزى إلى علّة تبدّل أنماط تلك المهامّ، التي كانت تؤدّيها الأسرة خلال الحقب الزّمنيّة الطّويلة، التي مضت على ذلك الوقت الذي نشأت فيه، وقد عزي تحديداً سبب التّغيّر الحادث، إلى عامل المنافسة التي تعرّضت لها الأسرة، التي نازعتها سائر المؤسّسات في المجتمع، في تنفيذ المهامّ والوظائف التي كانت تنفرد الأسرة سابقاً بأن تنجزها، فسهّل للباحثين، ذلك الامتداد الزّمنيّ الذي استغرقه وجود الأسرة في المجتمع، أن يرصدوا ذلك التّطوّر الذي كان يطرأ على الشّكل الذي تظهر فيه الأسرة، التي كانت سائر المؤسّسات الأخرى تسعى إلى أن تنوب عنها في تأدية تلك المهامّ، التي توكّلت بتحقيقها الأسرة خلال الأزمنة الماضية، وقد اتّضح في تلك المناشط التي تجري في المجتمع، طابع المنافسة النّاشئة بين الأسرة وسائر المؤسّسات المتنوّعة، التي ظهرت في المجتمع في أثناء تلك العصور العديدة المتعاقبة.

وقر في اعتقاد العديد من الباحثين أنّ تلك المؤسّسات، التي نابت عن الأسرة في تأدية الأعمال التي كانت تنجز في الزّمن الماضي في نطاق ذلك التّنظيم العائليّ، قد حقّقت عمليّة تلبية الحاجات المعيشيّة، بوساطة الوسائل التي بدأت تتوفّر في المجتمع، فذهب بعض الباحثين إلى أن يفسّر التّغيّر الذي طرأ على شكل الأسرة والمهامّ التي تقوم بها، وأن يحدّد عوامل حدوث التّغيير الذي طرأ على شكل الأسرة، فصيغت الآراء التي تحدّد أساس ذلك التّغيّر الذي كان يطرأ على الأسرة،  فعزي تغيّر شكل الأسرة إلى حدوث التّطوّر الحادث في المهامّ التي تنفّذها المؤسّسات في المجتمع،وفسّرت ظاهرة تفكّك الرّوابط الأسريّة، بعلّة تطوّر ونمو تلك الأنشطة التي تمارسها تلك المؤسّسات التي نشأت في المجتمع حديثاً، قياساً إلى ذلك الزّمن الطّويل الذي مرّ على نشوء الأسرة، وضرب مثلاً لحدوث التّغيّر الطّارئ على شكل الأسرة، بانقسام الأسرة الممتدّة التي نشأت عنها الأسرة النّوويّة التي تشتمل على الوالدين والأبناء، إذ حدّدت مظاهر التّغيّر الحادث في شكل الأسرة "بنقصان حجمها وتدعيم عزلتها, والقضاء على الرّوابط القرابيّة"(13)، ولم يكن يقتصر مسألة التّغيّر على شكل الذي تتّخذه الأسرة، بل أنّه كان يشمل أيضاً تلك الأنشطة، التي كانت يزاولها أعضاء الأسرة، والذين كانوا يواكبون تلك الأعمال التي تنشأ حديثاً في المجتمع، فكانت الأسرة هي "المرآة التي تعكس صورة التّغيّر الاجتماعيّ على المجتمع, وذلك عندما تتبنّى مجموعة من الأسر شيئاً جديداً (تكنولوجيّ أو إيديولوجيّ) فإنّه بمجرّد ظهور فائدة هذا الشّيء تتبنّاه بالتّدريج الأسر الأخرى حتّى يشمل المجتمع بأسره"(14)، فإن حدّد ذلك التّطوّر الذي يطرأ على شكل الأسرة، فإنّه لم تكن تغيب أيضاً عن أذهان النّاس، تلك الرّكائز الثّابتة التي استند إليها بنيان الأسرة، في تلك العهود الزّمنيّة الطوّيلة التي مضت على ذلك الوقت الذي نشأت فيه.

1-الموسوعة الفلسفيّة العربيّة، الاصطلاحات والمفاهيم، المجلّد الأوّل، معهد الإنماء العربيّ، الطّبعة الأولى، 1986، ص65.

2- المصدر السّابق.

3- موقع الموسوعة العربيّة.

4- المصدر السّابق.

5- الموسوعة الفلسفيّة، الطّبعة الرّابعة (ديسمبر) 1981، دار الطّليعة للطّباعة والنّشر، بيروت، ص290، 291.

6- موسوعة السّياسة.

7- موقع الموسوعة العربيّة.

8- مصدر سابق.

9- المصدر السّابق، ص417.

10- موقع العلوم الاجتماعيّة والنّفسيّة.

11- مصدر سابق.

12- موقع العلوم الاجتماعيّة والنّفسيّة.

13- المصدر السّابق.

 

14- المصدر السّابق.

يتوسّط خان أسعد باشا سوق البزوريّة، التي تعجّ فيها روائح البهارات والحبوب الأريجة، وكان والي دمشق أسعد باشا العظم قرّر أن يبني ذلك الخان، في أثناء تلك المدّة التي حكم فيها، إذ امتدّت فترة ولايته بين عامي 1170_ 1156ه/ 1757_ 1743م، فبدئ في بناء ذلك الخان في سنة 1166ه_ 1751م، وأمّا المدّة التي استغرقتها عمليّة ذلك البناء فبلغت أربعة عشر (14) شهراً، إذ فرغ في عام 1167ه_ 1753م من إشادة ذلك الخان، الذي ما برحت تؤمّه منذ ذلك الأوان، الذي أنشئ فيها، جماعات كثيرة من الأقوام الذين طالما فتنتهم معالم ذلك الخان، وكان المعماريّون الذين أبدعوا في وضعهم التّصاميم المعماريّة المبتكرة، التي نفّذ بها البنّاؤون عمليّة بناء ذلك الخان، حرصوا على أن يوافق مظهر ذلك الخان، أشكال تلك الأبنية التّاريخيّة التي أقيم بينها، وقد أحاط خيال أولئك المعماريّين بأشكال تلك الآطام والأوابد التاريخيّة التي ظلتّ شامخة البنيان، طوال قرون عديدة في مدينة دمشق، وتعمّق هؤلاء المعماريّون في معاينة أشكال ذلك الفنّ البديع، الذي تجلّى في معالم البدائع المعماريّة التي كانوا يطالعونها، فتوخّوا أن يحافظوا في ذلك التّصميم الهندسيّ الذي كرّسوه لمبنى الخان، على طابع ذلك الفنّ المعماريّ الذي تميّزت به تلك الأبنية التي أقيم بجوارها ذلك الخان.

أثارت الأنشطة الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي كان يزاولها النّاس في مدينة دمشق، خلال العهود الغابرة، تلك الحاجّة الماسّة إلى وجود مبنى يحتضن تلك المناشط المتنوّعة التي كانت تقام في تلك المدينة، وقد بلغت تلك الأنشطة الاقتصاديّة والاجتماعيّة مرتبة عالية من الرّقي والتّطوّر، في كثير من تلك العهود التي مرّت على تلك المدينة، فلا غرو من أن تنتشر في دمشق منذ تلك الأزمنة السّحيقة، الخانات التي كانت تقام فيها الأنشطة التي كان يزاولها النّاس في هذه المدينة العريقة، وإن كان خان أسعد باشا العظم قد جاور العديد من الأبنية الموغلة في القدم، فإنّه تجلّت في مبنى ذلك الخان معالم تلك العراقة والأصالة اللتين تتّسم بهما تلك الأبنية التّاريخيّة التي أقيمت في العصور الغابرة، وسرعان ما لاءم موافقاً سائر تلك الأبنية والأوابد التّاريخيّة التي كان يتاخمها، فذلك التّوافق الذي تحقّق بين مظهر ذلك الخان، وسائر أشكال الأبنية التّاريخيّة التي أحاطت به، أضفت على ذلك الخان قيمة تاريخيّة، علاوة على تلك الأهمّيّة التي نجمت عن المقدار الذي بلغه عدد تلك السّنوات، التي أمضاها شامخاً في بنيانه فوق أديم مدينة دمشق، وبني الخان على أرض فسيحة وسيعة، إذ بلغت مساحته 2500م2 واتّخذ مخطّط البناء شكل مربّع منحرف قليلاً في الزّاوية الجنوبيّة الغربيّة، وقد تاخم الجدار الشّماليّ لذاك الخان المدرسة التّنكزيّة وحمام نور الدّين الشّهيد، وأشرف الجدار الجنوبيّ على سوق الورق، وأمّا الجدار الشّرقيّ فهو جاور نزلة معاوية، بينما كان سوق البزوريّة يتصّل بتلك النّاحية التي أقيم فيها الجدار الغربيّ الذي أنشئ في وسطه مدخل ذلك الخان، الذي تميّز ببوابته الخشبيّة التي اتّسمت بفخامة الشّكل، وعظمة المظهر، فكانت تلك البوابة تخلب ألباب أولئك النّاس الذين كانوا يقصدون ذلك الخان.

لم تشاد بوابة ذلك الخان عبثاً وفق ذلك المظهر من الأبّهة والرّواء اللذين اتّصفت بهما، إذ كان يتضمّن ذلك المظهر الذي لاحت فيه، تلك المعاني الجليلة التي قصد المعماريّون إلى أن يبرزوها في معالم ذلك الخان، فكانتتلك البوّابة الخشبيّة قد زخرفت بالمسامير وصفّحت بالحديد، وأمّا الشّكل الذي اتّخذه ساكف هذه البوّابة، فقد تميّز بوجود قوسين متشابكين تعلوهما مجموعة من المقرنصات المزخرفة البهيّة المنظر، والرّائعة المظهر، وعلا هذه المقرنصات، تجويف مقعّر اتّخذ هيئة الصّدفة،وكان اتّساع تلك الأقسام التي اشتملت عليها واجهة الخان، تمهّد السّبيل لأولئك النّاس الذين يقصدونه، للتّنعّم بحفاوة الاستقبال الذي يحظون به، فكانت تغمر نفوسهم الطّمأنينة بانفراج أقسام تلك الواجهة، عن الفضاء الرّحب الذي اشتمل عليه مبنى ذلك الخان، إذ لاءمت تلك الضّخامة التي اتّسمت بها تلك البوابة، عظمة التّرحاب الذي كان يستقبلون به في ذلك الخان، الذي كانت الزّخارف الجميلة التي لاحت في واجهته، تهيّئ النّاس للاطّلاع على معالم تلك الأبهّة والفخامة التي تتّسم بهما الأقسام الدّاخليّة التي يشتمل عليها ذلك الخان، الذي امتزجت في ذلك المظهر الذي لاح فيه، بدائع الفنّ المعماريّ، مع تلك المعاني الجليلة التي يحرص سكّان تلك المدينة على أن يؤكّدوها في حفاوة الضّيافة، التي اعتادوا أن يستقبلوا بها الأفراد الذين يفدون إليهم.

كانت تلك البوابة الخشبيّة الضّخمة التي برزت في واجهة ذلك الخان، تنفتح عن دهليز فسيح يلي مباشرة واجهة ذلك الخان، وقد سقّف ذلك الدّهليز بعقود حجريّة، زيّنت بزخارف جصيّة، ويفضي ذلك الدّهليز إلى باحة اتّخذت شكل المربّع، وقد أحاطت بصحن ذلك الخان الفسيح طبقتان توزّعت فيهما الغرف، وكانت الجدران التي تطلّ على تلك الباحة، تتوالى فيها المداميك التي تعاقب فيها ظهور الأحجار الكلسيّة البيضاء، والأحجار البازلتيّة السّوداء، ورصفت أرضيّة صحن الخان بالحجر البازلتيّ الأسود، وقد توسّطت تلك الباحة بحرة مضّلعة الشّكل، إذ بلغ عدد أضلعها ستة عشرة ضلعاً، وكانت نوافذ غرف الطّابق الأرضيّ تطلّ مباشرة على صحن ذلك الخان، فكان الأشخاص الذين يشغلون تلك الغرف، تتبدّى لهم من خلال تلك النّوافذ، الفسحة الواسعة التي امتدّ فيها صحن ذلك الخان، وقد تزيّنت أبواب الطّابق الأرضيّ بالزّخارف البديعة، وأمّا الطّابق الأوّل فكانت تفصل غرفه عن الباحة رواق يطلّ على صحن ذلك الخان، فالتفّ حول تلك الباحة الفسيحة ذلك الرّواق الذي بلغ عرضه 3 أمتار، وبلغ عدد غرف هذا الخان 84 غرفة، وهي أعدّت لاستضافة حشود الأقوام الذين يقصدون ذلك الخان، وكانت كلّ من القباب التي علت الباحة الفسيحة، تضمّ ستة عشر ضلعاً، وقد بلغ مقدار ارتفاع أعلى قمّة في ذلك الخان عن أرضيّة الباحة 22 متراً، وتبدّت في كلّ ضلع منها نافذة خشبيّة معشّقة بالجبس والزّجاج، وحوت أربع من تلك القباب مناور خشبيّة تتيح للضّوء أن ينفذ فيها لينير ذلك الخان.

أقيمت في ذلك الخان مناشط فنّية عديدة، توزّعت في صنوف شتّى من ألوان الفنون، فإن كان النّاس في هذا الأوان الحاليّ، يقصدون ذلك الخان للاطّلاع على مآثر الفنّ المعماريّ البديع، فإنّ مبنى ذلك الخان أصبح أيضاً مقصد الزّائرين الذين يسعون إلى مشاهدة المناشط الفنّيّة التي تقام في خان أسعد باشا، الذي ما برح النّاس يقبلون إليه، فكانت معالم العمران الجميلة، التي يتميّز بها ذلك الخان، تلائم وتوافق السّمات الجماليّة، التي تتضمّنها أصناف الفنون المتنوّعة التي كانت تقدّم إلى الجمهور في ذلك الخان، الذي كانت تجري فيه تلك الأنشطة الثّقافيّة والفنّيّة التي تبرز صلابة ذلك التّآلف، ومتانة ذلك التّرابط، اللذين يجمعان بين أصناف الفنون المتنوّعة، فكان ذلك الخان مكاناً ملائماً ومناسباً لاحتضان المناشط الفنّيّة العديدة، التي كانت تقام في أرجاء باحة الخان الفسيحة.