تسبّب نشوء الأزمة التي أصابت الأسواق الماليّة في دول جنوب وشرق آسيا، بانهيار العديد من المناشط الاقتصاديّة، التي ظنّ أنّها ستكون في منأى عن المضارّ النّاجمة عن الأزمة الماليّة، التي لم تنحصر في نطاق أسعار الصّرف والمعاملات الماليّة، إذ بلغت تلك الأزمة مناشط اقتصاديّة، لم تندرج في نطاق الأسواق الماليّة، فكان "التّصوّر السّائد.... أنّ الأزمة انفجرت في القطّاع الماليّ وترتبط بالمؤشّرات الماليّة، وأنّ الاقتصاد الحقيقيّ سليم تماماً وحركة مؤشّراته لم يصبها أيّ شيء، وأنّ الأزمة سوف تظلّ محصورة داخل القطّاع الماليّ، أمّا القطّاع الحقيقيّ فهو بخير. وقد ثبت زيف هذه الحجّة وتلك الفرضيّة، فالارتباط المتبادل بين النّشاط الماليّ والنّشاط الحقيقيّ ارتباط قويّ، كان من شأنه أن انتقلت الأزمة إلى الاقتصاد الحقيقيّ وبصورة سريعة وحاسمة، وأدّت إلى تراجع بل وتقلّص شديد في النّشاط الاقتصاديّ غير مسبوق"(1)، وإذا حدّدت تلك الأزمة التي أصابت تلك الدّول الآسيويّة، بأنّها أزمة ماليّة، إلّا أنّه كان تأثير تلك الأزمة "على الثّروة وحقوق الملكيّة عنيفاً، ممّا ترتّب عليه إفلاس العديد من وحدات قطّاع الأعمال في أيام قليلة، وهو أمر كان له تأثير أيضاً على القطّاع المصرفيّ. فالأزمة الماليّة أدّى غبارها إلى التّأثير على القطّاع الحقيقيّ، وتراجع القطّاع الحقيقيّ أدّى إلى تعميق الأزمة الماليّة من خلال تأثيره على القطّاع المصرفيّ"(2)، فأصابت تلك الأزمة الماليّة الاقتصاد الحقيقيّ وهو قطّاعات إنتاج السّلع والخدمات، فانتقلت تلك الأزمة إلى ذلك الاقتصاد العينيّ، بعد أنّ تجلّى في بداية نشوء تلك الأزمة، انهيار أسعار الصّرف وتقهقر أسعار الأصول الماليّة التي انحدرت قيمتها انحداراً شديداً.

بلغ امتداد تلك الأزمة الماليّة التي وقعت فيها دول النّمور الآسيويّة، إلى القطّاع المصرفيّ حيث "كان الوجه الآخر لانهيار أسعار الصّرف وأسعار الأصول الماليّة (الأسهم) هو تصاعد حجم الدّيون غير المنتظمة لدى الجهاز المصرفيّ، وزاد من حدّة هذا الأمر محاولات بعض السّلطات النّقديّة في هذه الدّول رفع سعر الفائدة لوقف تدهور أسعار الصّرف، حيث زاد ذلك من أعباء السّداد ممّا أدّى إلى تزايد عبء سداد الدّيون لوحدات القطّاع الأعمال ومن ثمّ تزايد حجم الدّيون غير المنتظمة لدى الجهاز المصرفيّ"(3)، فأدّى وقوع تلك المصارف في تلك الأزمة الماليّة، إلى أن تصبح "عاجزة عن سداد التزاماتها الخارجيّة"(4)، فتضرّرت الشّركات الإنتاجيّة ووحدات قطّاع الأعمال ضرراً بالغاً، إذ تعرّضت تلك الشّركات "لصعوبات عديدة في الحصول على الائتمان لتشغيل طاقاتها وسداد التزاماتها، ويرجع ذلك إلى عدم قدرتها على سداد التزاماتها الأولى، نظراً لانهيار أسعار الصّرف وقيم الضّمانات (الأصول الماليّة)"(5)، وممّا زاد الطّين بلّة والمشاكل علّة عند تلك الشّركات الإنتاجيّة، أنّ البنوك "تردّدت في منح الائتمان الجديد لها نظراً لاعتبارات المخاطر من ناحية ونتيجة لتزايد حجم الدّيون عير المنتظمة لديها من ناحية أخرى. وهكذا نشأت أزمة شحّ في السّيولة وأزمة شحّ في الائتمان لدى قطّاعات الإنتاج، ممّا أدّى إلى تراجع في معدّلات الإنتاج في جميع القطّاعات"(6)، فتعرقلت الأعمال التي كانت تنفّذها تلك الشّركات الصّناعيّة الإنتاجيّة، التي كانت المناشط التي تؤدّيها، تندرج أساساً في نطاق الاقتصاد الحقيقيّ.

كانت الأزمة الماليّة التي وقعت فيها تلك الدّول الآسيويّة، تمتدّ حتّى شملت العديد من فئات المجتمع، حيث رجع من تقهقر أسعار الأصول المتنوّعة، الضّررُ على "الثّروة أو حقوق الملكيّة سواء في وحدات قطّاع الأعمال أو وحدات القطّاع العائليّ، ممّا أثّر سالباً على الثّروة كان من نتيجته تراجع كلّ من الإنفاق النّهائيّ الاستهلاكيّ والاستثماريّ ممّا أدّى إلى التّأثير سلباً على معدّلات نمو الناتج المحلّيّ الإجماليّ والقطّاعيّ، وقد أدّت هذه العوامل إلى تراجع نشاط وحدات قطّاع الأعمال، وبالتّاليّ تراجع معدّلات أرباحها بشكل ملحوظ، وهو من العوامل التي ساعدت أيضاً على تراجع مؤشّرات الأسهم في بورصات هذه الدّول"(7)، فظلّت تلك الأزمة الماليّة، تشتدّ حتّى أحاطت بالعديد من تلك المناشط الجارية في بلدان الاقتصاديّات النّاشئة الآسيويّة، التي سبّب أيضاً تردي الأوضاع الاقتصاديّة فيها، بتأزّم معيشة النّاس في تلك البلدان الآسيويّة.

لم تكن أسواق رأس المال في تلك الدّول الآسيويّة، مهيأة لأن يدار فيها بكفاءة ذلك القدر من رؤوس الأموال، التي توفّرت في تلك الأسواق الماليّة، وقد كانت الشّركات الإنتاجيّة في تلك البلدان الآسيويّة، تعتمد على الائتمان المصرفيّ، في سعيها إلى الحصول على الأموال التي كانت بحاجة إليها، وقد تحدّد شحّ الائتمان الذي نجم عن اندلاع شرر تلك الأزمة، بأنّه كان "شحّاً مصرفيّاً؛ إذ ترتّب على انهيار أسواق الأصول وارتفاع أسعار الفائدة وتدهور سعر الصّرف، إخلال العديد من وحدات قطّاع الأعمال بالتزاماتها الماليّة تجاه البنوك، ممّا أدّى إلى زيادة حجم ونسبة الأصول المتعثّرة في محافظ البنوك الائتمانيّة، وهو ما يؤثّر في ربحيّتها، وكان تآكل قاعدتها الرّأسماليّة يهدّد تقييم بيوت الجدارة الائتمانيّة العالميّة لها، ويؤثر في مسألة منح خطوط الائتمان لها من البنوك العالميّة"(8)، وكانت البنوك في تلك الدّول الآسيويّة عمدت إلى الإحجام عن "منح ائتمان جديد حتّى للشّركات ذات البيانات الماليّة السّليمة نظراً لعدم قدرة هذه الشّركات على سداد التزاماتها القديمة كلّيّة، ولم تكن هذه الشّركات قادرة على الوفاء بالتزاماتها في ظلّ الأعباء الجديدة، ما لم تحصل على ائتمان جديد يمكّنها من تشغيل طاقاتها الإنتاجيّة، وبالتّالي زيادة تدفّقاتها النّقديّة لتتمكّن من الوفاء بالتزاماتها"(9)، ومن يتأمّل في تلك المصاعب المتفاقمة التي عانتها تلك الشّركات، سرعان ما يأخذه العجب من تلك الحالة التي آلت إليها أوضاع تلك الشّركات، ويعتقد حقّاً أنّ "الغريب أنّ بعض الشّركات التّصديريّة وقعت فريسة لهذه الحلقة المفرغة"(10)، فاشتدّ تقهقر أوضاع تلك الشّركات الإنتاجيّة في بلدان النّمور الآسيويّة، من دون أن يقدّم إليها الحلّ الذي يتيح لتلك الشّركات تحقيق الانفراج من تلك الأزمة الطّاحنة التي وقعت فيها.

أدّى نشوء الأزمة التي أصابت الأسواق الماليّة في دول الاقتصادات الآسيويّة النّاشئة، إلى أن تقع جموع العمّال في شراك البطالة، وقد تدهور في تلك الدّول الآسيويّة أيضاً الإنتاج الصّناعيّ، وما لبث أن تسبّب الانكماش في الطّلب المحلّيّ النّاجم عن تلك الأزمة الماليّة بإخلال "العديد من وحدات قطّاع الأعمال بالوفاء بالتزاماتها"(11)، فتراجع الإنتاج على المستوى الكلّيّ والقطّاعيّ، وكان "لا بدّ من أن تظهر على السّطح ظاهرة البطالة وتتعمّق مستوى معيشة أصحاب الأجور"(12)، فبعد أن تقهقرت أسعار صرف العملات الوطنيّة في العديد من تلك الدّول الآسيويّة، حدث "تراخي شديد في الطّلب المحلّيّ الإجماليّ وتراجع في حركة النّشاط الاقتصاديّ المحلّيّ. كما صاحب التّخفيض الحقيقيّ لسعر الصّرف _النّاجم عن الانخفاض الحادّ في سعر الصّرف الاسميّ_ في دول الأزمة الأربعة (كوريا، ماليزيا، إندونيسيا، الفلبين) تراجع في تقديرات النّاتج المحلّيّ الإجماليّ لعام 1998، وهي السّنة التّالية لسنة اندلاع الأزمة عام 1997"(13)، وقد اعتقد أنّ تخفيض أسعار الصّرف في تلك البلدان الآسيويّة، قد "يتولّد عنه آثار انكماشيّة على مستوى الإنتاج"، بيد أنّ ذهب بعض الدّارسين إلى الاعتقاد بأنّ "هذه الآثار الانكماشيّة قاصرة فقط على المدّة القصيرة"(14)، فكانت تلك الطّرائق العلاجيّة، التي اتّبعتها تلك الدّول الآسيويّة، قد أدّت إلى أن تشتدّ الأحوال الاقتصاديّة تأزّماً، وأن تزداد بخاصّة أوضاع الأسواق الماليّة تدهوراً، وأمّا الطّريقة الفضلى التي كان يجب على تلك الدّول أن تتّبعها، فإنّها تحدّدت في السّعي إلى دعم تلك الشّركات التي مازالت قائمة عند نشوء الأزمة الماليّة، بيد أنّ تلك الدّول الآسيويّة، لم تتمكّن من أن تهتدي إلى إيجاد الحلول النّاجعة، التي تعالج بها أوضاع تلك الشّركات، التي أخذت في أثناء اندلاع تلك الأزمة الماليّة في التّقهقر والتّدهور الشّديدين.

1- عمرو محيي الدّين، أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص286.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السّابق، ص67.

4- المصدر السّابق.

5- المصدر السّابق.

6- المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق.

8- المصدر السّابق، ص284، 285.

9- المصدر السّابق، ص285.

10- المصدر السّابق.

11- المصدر السّابق، ص176.

12-  المصدر السّابق، ص70.

13- المصدر السّابق، ص263.

 

14- المصدر السّابق.

كان النّاس الذين يدخلون إلى باحة خان أسعد باشا، يصعّدون نظرهم في الجدران التي توالت فيها المداميك في تلك الصّفوف المتتالية، التي ظهر فيها تعاقب الحجر الكلسيّ الأبيض والحجر البازلتيّ الأسود، فكانت تلك المداميك المتراصفة التي اختلفت ألوانها، تتوالى على الجدران العالية، وما يلبث هؤلاء الزّوّار الذين يؤمّون ذلك الخان، أن يرنوا إلى تلك القبب الثّمانية التي تعلو فوق ذلك الصّحن الفسيح، الذي توسّط الحجرات التي أحاطت بباحة ذلك الخان، حيث استندت تلك القِبب على أعمدة شاهقة، رسخت بالأرض في ثبات ومتانة، من دون أن تتجرّد من طابع الرّشاقة، إذ لم تكن لتنوء بها تلك الأحمال التي نهضت بها، وكانت تلك القبب التي تجاورت متحاذية، تحيط بأجواء ذلك الخان، وتكلأ باحته الرّحيبة، فأبرزت وفرة تلك القبب، وكثرة عددها، احتضان تلك القبب أرجاء ذلك الخان، وكانت تخلّلت وسط تلك القبب، فرجة تنفتح عن نواحي السّماء، التي اتّخذ مظهرها من خلال تلك الفتحة المركزيّة، هيئة القبّة، لتماثل أشكال تلك القبب التي توسّطتها، فيخلب أبصار زوّار ذلك الخان، منظر تلك السّماء، فيفتنون بذلك السّقف الذي تجمّعت فيه تلك القبب الثّمانيّة، التي أضيفت إليها قبّة السّماء الشّاهقة.

اشتدّت وطأة الأزمة الماليّة على بلدان النّمور الآسيويّة، التي عكف العديد من النّاس فيها، على التّحرّي عن أسباب نشوء ذلك الانهيار الذي أصاب المؤسّسات الماليّة، ولم يتوان الأفراد الذين انتموا إلى دول خارج ذلك الإقليم الآسيويّ، في أن يدلوا أيضاً بآرائهم في تلك النّقاشات، التي بحثت فيها علل نشوء تلك الأزمة الماليّة في تلك الأقطار الآسيويّة، وكثيراً ما كان يستحكم الخلاف الحادّ بين أولئك الأفراد الذين ساهموا في ذلك الحوار، الذي تطرّقوا فيه إلى النّظر في تلك الأزمة التي وقعت فيها دول جنوب شرق آسيا، فتباينت آراء أولئك المتحاورين، في تفسير تلك الأزمة الماليّة، إذ عمد كلّ منهم إلى أن ينحي باللّوائم على الأشخاص أو المؤسّسات، الذين اعتقد أنّها تتحمّل مسؤوليّة نشوء تلك الأزمة الماليّة، ولا غرو من أن تتناقض وتختلف تلك التّفاسير التي طرحت في تلك النّقاشات الجارية المحتدمة، حيث كانت الأزمة شديدة الوقع على تلك الدّول الآسيويّة، التي اعتقد أنّ تدهور المؤسّسات الماليّة فيها، كان التّعبير عن "أزمة محلّيّة عميقة الجذور"(1)، فحدّد مصدر نشوء تلك الأزمة الماليّة، التي اعتقد أنّ شررها قد اندلع من تلك المؤسّسات الماليّة القائمة في بلدان النّمور الآسيويّة.

استرعت أنظار الدّارسين الذين بحثوا في أزمة النّمور الآسيويّة، مسألة تلك العلاقة التي جمعت بين المسؤولين الحكوميّين في تلك البلاد الآسيويّة، والأفراد الذين استثمروا أموالهم في المشاريع التّجاريّة المتنوّعة، وقد عزي نشوء الأزمة الماليّة في بلدان جنوب شرق آسيا، إلى قيام تلك العلاقات بين مجموعة أولئك الأفراد، الذين ذكرتهم آنفاً، وقد أطلق مصطلح رأسماليّة المحسوبيّة "crony capitalism على تلك العلاقات النّاشئة بين المستثمرين والأفراد الذين يعملون في المؤسّسات الحكوميّة، حيث حدّدت تلك الرّأسماليّة بأنّها "نوع من رأسماليّة غير نظاميّة تلعب فيها شبكات المعارف والأصدقاء والأقرباء، دوراً طاغياً في تقرير العلاقات الاقتصاديّة"(2)، فكانت عمليّة الحصول على التّراخيص لإقامة المشاريع التّجاريّة، تستند في نطاق رأسماليّة المحاسيب إلى"العلاقات القويّة التي تنشأ بين القائمين على العمل التّجاريّ والمسؤولين الحكوميّين، ويمكن أن تتّسم بالمحاباة فيما يتعلّق بتوزيع التّصاريح القانونيّة، أو المنح الحكوميّة أو التّخفيضات الضّريبيّة الخاصّة أو غيرها من أشكال تدخّل الدّولة في توجيه الشّؤون الاقتصاديّة"(3)، فإن توخّى كلّ من هؤلاء الأفراد أن يحقّق مصالحه الخاصّة، في نطاق ذلك النّظام الذي تنشئه رأسماليّة المحاسيب، فإنّه كان يمهّد السّبيل للأشخاص الآخرين أن يحقّقوا أيضاً منافعهم الذّاتيّة، فدأب كلّ منهم في أن يحابي سائر الأفراد في تلك العلاقات التي جمعتهم معاً، وقد اقتضى اقتصار أولئك الأفراد جميعهم على تحقيقهم مصالحهم الذّاتيّة، ألا يراعوا في تلك الأعمال التي كانوا ينجزونها، مسألة جلب المنافع إلى مجموعات كبيرة من النّاس، الذين كانوا يشاركونهم في العيش ضمن المجتمع الذي ينضوون جميعهم إليه.

رجعت على الشّركات الكبرى في دول جنوب شرق آسيا، المنافع من نشوء تلك العلاقات بينها وبين المؤسّسات الحكوميّة في تلك البلدان الآسيويّة، التي اعتبرت فيها رأسماليّة المحاسيب نظاماً ينطوي على"توجيه حكوميّ للاستثمار يتمّ تمويله بصورة رئيسيّة من خلال البنوك من أجل تحقيق أهداف الدّولة"، وقد طعن في قدر تلك الجدوى التي تتحقّق في اتّباع ذلك النّهج، الذي كانت تسلكه تلك البلدان الآسيويّة، لأنّ نظام رأسماليّة المحاسيب كان "لا بدّ من أن يؤدّي إلى الانهيار.... لما يحتوي عليه من إفراط في الاستثمار وأخطاء في التّقدير والحساب"(4) وكانت الرّكائز التي استند إليها نظام رأسماليّة المحاسيب، تتشكّل من "الثّالوث الأساسيّ وهو البنوك والحكومة ووحدات قطّاع الأعمال، هذا النّظام القائم على التّشابك أو رأسماليّة المحسوبيّة "Crony Capitalism"، ولا شكّ في أنّ مصلحة كلّ طرف من هذه الأطراف في التّوسّع في الائتمان واضحة والعائد من هذا التّوسّع ظاهر لكلّ طرف من أطراف هذا الثّالوث"(5) فتتبيّن في جلاء تلك المضارّ التي تنجم عن ارتباط البنوك بتلك العلاقات، التي تنشأ في نطاق رأسماليّة المحاسيب، لأنّ "المخاطر المعنويّة تثور حينما تقوم البنوك بالاقتراض (تلقّي الودائع) على أساس وجود ضمان ضمنيّ أو ظاهريّ لخصوم أو مطلوبات البنك. فإذا كانت القاعدة الرّأسماليّة في البنوك ضعيفة أو أنّ البنوك لا تتّبع قواعد الحيطة والحذر، فإنّها قد تستخدم الأموال المتاحة لديها لإقراض مشروعات ذات مخاطر عاليّة"(6)، فتهاون البنوك في انتهاج سبيل الحيطة، التي تحول دون التّعرّض لتلك الأخطار المعنويّة، يثير عند النّاس الشّكوك في الأعمال التي تنجزها تلك المصارف، إذ كان "استخدام البنوك السّيّئ للودائع المتاحة لديهم (الأموال المتاحة لديهم) نظراً لاعتبار وجود أو توافر الضّمانات الحكوميّة يدخل تحت مسمّى "اقتصاديّات السّرقة"(7)، وقد ذكر أنّ تلك النّقائص التي شابت الطّريقة التي اتبّعتها المصارف في كوريا الجنوبيّة، في تعاملها مع المؤسّسات الصّناعيّة، قد أتاح للفساد أن ينشأ في نطاق تلك العلاقات التي جمعت بين المصارف والمؤسّسات الصّناعيّة الإنتاجيّة.

ترتّب على إلقاء اللّوم على الأجهزة الماليّة في بلدان النّمور الآسيويّة، أن غدا المستثمرون الأجانب بريئوا السّاحة، حيث عزي نشوء الأزمة الماليّة إلى وجود "نواقص أساسيّة في سياسات ومؤسّسات البلد المتلقّي"(8)، وقد ذكر في الحديث عن تلك المثالب التي كانت تعتري الأنشطة الاقتصاديّة، التي كانت تزاول في تلك البلدان الآسيويّة "أنّ آسيا تعرّضت لأزمة لأنّ مختلف بلدانها لم تقم بلبرلة قطّاعات المال بدرجة كافية. وإنّ هذه البلدان أخفقت في تحويل بنوكها المحلّيّة إلى مؤسّسات تعمل على الطّراز الغربيّ، بدرجة عالية من الشّفافيّة، وتخصيص الموارد اعتماداً على معايير عقلانيّة موجّهة للسّوق. وإنّها فشلت في تطوير المؤسّسات الملائمة للإشراف على الشّؤون الماليّة القوميّة وانتهاج سياسات حصيفة لضبط الاقتراض المفرط"(9)، ومن يطّلع على تلك اللّوائم التي كانت أنحيت على دول النّمور الآسيويّة، قد تنتابه الدّهشة، التي لن تثيرها في نفسه تلك المغازي التي تضمّنتها تلك التّصاريح التي ذكرت فيها تلك اللّوائم، بل أنّ سبب نشوء تلك الدّهشة هو تحديداً أنّ "مؤسّسات غربيّة ملتزمة بمشروع لبرلة الأسواق، مثل صندوق النّقد الدّوليّ والبنك الدّوليّ، قد أغرقت الثّناء على جهود أندونيسيا، مثلاً، للبرلة أسواق المال"(10)، وكان أغلب المؤسّسات والأفراد الذين انتقدوا تلك الدّول الآسيويّة على النّهج، الذي اتّبعته في إدارة الأنشطة الاقتصاديّة القائمة فيها، قد لامت تلك الأقطار الآسيويّة على تسرّعها في تحقيق الانفتاح الاقتصاديّ، بل إنّه وصف أيضاً ذلك التّصرّف الذي اعتمدته تلك الأقطار الآسيّوية، في تحقيقها تحرير أسواقها الماليّة، بأنّه كان تصرّفاً متهوّراً، إذ لم تراع تلك البلدان الآسيويّة تطبيق قواعد الحيطة والحذر المناسبين لقيام النشّاط الماليّ المستقرّ.

لم يكن يعسر على النّاس أن يدركوا أسباب ذلك التّراشق بالتهمّ، الذي جرى بين الأفراد والمؤسّسات، الذين كانوا على صلة وثيقة بتلك الحالة، التي نشأ فيها ذلك النّهج الاقتصاديّ الذي اتّبعته دول النّمور الآسيويّة، إذ سعت الأجهزة والمؤّسّسات الاقتصاديّة الدّوليّة، إلى أن تلقي عنها مسؤوليّة انهيار الأسواق الماليّة في تلك الدّول الآسيويّة، فلا عجب من أن نرى تفسيراً إضافيّاً يناقض ويجابه تلك التّفاسير التي سيقت من قبل، وقد وصف ذلك التّفسير الإضافيّ بأنّه "الصّورة المقلوبة"(11)، للتّفسير الذي أورده أولئك الأفراد، الذين ألقوا مسؤوليّة قيام الأزمة الماليّة على تلك الدّول الآسيويّة ذاتها، وقد كان هذا التّفسير الإضافيّ تضمّن المغازي التي أكّدت أنّ تلك الأزمة الماليّة قد تسبّب بنشوئها "وجود اقتصاد كونيّ جديد، ووجود نزعة تدميريّة متأصّلة فيه. وإنّ الأزمة ترجع إلى السّحب الفجائيّ للأرصدة قصيرة الأجل من جانب المستثمرين الغربيّين، والبيع المبكّر واسع النّطاق في البورصات الأجنبيّة وأسواق الأسهم من جانب المضاربين. وقد أدّى ذلك إلى إيقاع اضّطرابات حادّة في مختلف الاقتصادات الآسيويّة دونما وجود ضرورة محلّيّة فعليّة: إنّها أزمة صنعتها الأسواق الكونيّة المتقلّبة"(12)، فإذا كنت استعرضت في مستهلّ حديثي، تلك التّفاسير التي تحدّد مصدر نشوء الأزمة في داخل بلدان جنوب شرق آسيا، فإنّه قد طرح ذلك التّفسير الإضافيّ، كي يبرهن على سداد تلك الفكرة التي أكّد فحواها أنّ الأزمة الماليّة قد "صنعتها الأسواق الكونيّة المتقلّبة. إنّ منابع الأزمة هنا، خارجيّة من حيث الجوهر. وإنّ المشكلات النّاشبة هي نواتج عرضيّة للهروب المفرط، غير العقلانيّ إلى حدّ كبير، للرّساميل، وتأثيرات العدوى التي عمّمت الأزمة"(13)، فظهر التّعارض جليّاً بين تلك التّفاسير التي أوردت في تلك المناقشات، التي حاول الأفراد الذين ساهموا فيها، أن يتنصّلوا من تحمّل مسؤوليّة نشوء تلك الأزمة الماليّة التي وقعت فيها بلدان النّمور الآسيويّة.

أنّ آراء الاقتصاديّين الذين ظنّوا أنّ الأسواق الكونيّة تتحمّل المسؤوليّة عن نشوء تلك الأزمة الماليّة، لم تكن بمنأى عن الشّكوك التي طعن بها في مضامين تلك الآراء التي نعتت بالضّعف والرّكاكة، وذكر أنّ أولئك الأشخاص الذين أوردوا تلك الآراء، التي تعرّضت للطّعن، قد عرضوا التّحليل الذي كان "يغفل الأبعاد والمنابع الدّاخليّة للأزمة. ذلك أنّ مختلف البلدان تعرّضت لدرجات مختلفة من الاضّطراب، تبدأ من الحالة التي تضارع الانهيار الماليّ في أندونيسيا، ومروراً بما يرجّح أن يكون نكوصاً كبيراً...، وانتهاء بغليان الاقتصاد. كما هي حال ماليزيا"(14)، وقد تنصّل المضاربون أيضاً من تحمّل مسؤوليّة التّسبّب بنشوء تلك الأزمة الماليّة، التي ظنّ أنّ علّتها لا تكمن في ذلك النّشاط الماليّ الذي زاوله أولئك المضاربون، بل تعزا إلى "إفراط دول النّمور في الاستدانة من العالم الخارجيّ بغية تمويل تطلّعات تفوق إمكاناتها بكثير. فهذا الإفراط في المديونيّة هو الأمر الذي أغرى البعض بممارسة المضاربة"(15)، وربّما بات في إمكاننا أن نجمع كلّ تلك الأقوال المتناقضة والمتعارضة فيما بينها، لنشكّل صورة واضحة تامّة تتبيّن فيها أحداث تلك الأزمة الماليّة، إذ اتّضح أنّ "ليس ثمّة شكّ في أنّ الحقّ مع كلتا وجهتي النّظر. فالمضاربون أزاحوا السّتار، على أعنف ما يكون، عن مناحي الضّعف السّائدة في البلدان الصّاعدة حديثاً. فهم وضعوا أصابعهم في جرح متقيّح وزادوه اتّساعاً من غير إبداء أيّ اهتمام بالنّتائج الاجتماعيّة النّاتجة عن فعلهم هذا"(16)، فإذا كان أولئك المتحاورين قد تبادلوا إلقاء التّهم على بعضهم البعض، إلّا أنّ حقائق تلك الأزمة الماليّة كانت في الآن ذاته، تتكشّفت في تلك التّفاسير المتعارضة، التي كان طرحها أولئك المتحاورون في تلك النّقاشات التي دارت بينهم.

1- عمرو محيي الدّين، أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص67.

2- بول هيرست وجراهام طومبسون، ما العولمة، الاقتصاد العالميّ وإمكانات التّحكّم، ترجمة: د. فالح عبد الجبّار، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 273، الكويت، سبتمبر 2001 ، ص202.

3- الموسوعة الاقتصاديّة.

4- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص150.

5- المصدر السّابق، ص164.

6- المصدر السّابق، ص92.

7- المصدر السّابق.

8- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص203.

9- المصدر السّابق.

10- المصدر السّابق.

11- المصدر السّابق.

12- المصدر السّابق.

13- المصدر السّابق.

14- المصدر السّابق، ص203، 204.

15- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص151.

 

16- المصدر السّابق.

اشتدّت وطأة الأزمة الماليّة على بلدان النّمور الآسيويّة، التي عكف العديد من النّاس فيها، على التّحرّي عن أسباب نشوء ذلك الانهيار الذي أصاب المؤسّسات الماليّة، ولم يتوان الأفراد الذين انتموا إلى دول خارج ذلك الإقليم الآسيويّ، في أن يدلوا أيضاً بآرائهم في تلك النّقاشات، التي بحثت فيها علل نشوء تلك الأزمة الماليّة في تلك الأقطار الآسيويّة، وكثيراً ما كان يستحكم الخلاف الحادّ بين أولئك الأفراد الذين ساهموا في ذلك الحوار، الذي تطرّقوا فيه إلى النّظر في تلك الأزمة التي وقعت فيها دول جنوب شرق آسيا، فتباينت آراء أولئك المتحاورين، في تفسير تلك الأزمة الماليّة، إذ عمد كلّ منهم إلى أن ينحي باللّوائم على الأشخاص أو المؤسّسات، الذين اعتقد أنّها تتحمّل مسؤوليّة نشوء تلك الأزمة الماليّة، ولا غرو من أن تتناقض وتختلف تلك التّفاسير التي طرحت في تلك النّقاشات الجارية المحتدمة، حيث كانت الأزمة شديدة الوقع على تلك الدّول الآسيويّة، التي اعتقد أنّ تدهور المؤسّسات الماليّة فيها، كان التّعبير عن "أزمة محلّيّة عميقة الجذور"(1)، فحدّد مصدر نشوء تلك الأزمة الماليّة، التي اعتقد أنّ شررها قد اندلع من تلك المؤسّسات الماليّة القائمة في بلدان النّمور الآسيويّة.

استرعت أنظار الدّارسين الذين بحثوا في أزمة النّمور الآسيويّة، مسألة تلك العلاقة التي جمعت بين المسؤولين الحكوميّين في تلك البلاد الآسيويّة، والأفراد الذين استثمروا أموالهم في المشاريع التّجاريّة المتنوّعة، وقد عزي نشوء الأزمة الماليّة في بلدان جنوب شرق آسيا، إلى قيام تلك العلاقات بين مجموعة أولئك الأفراد، الذين ذكرتهم آنفاً، وقد أطلق مصطلح رأسماليّة المحسوبيّة "crony capitalism على تلك العلاقات النّاشئة بين المستثمرين والأفراد الذين يعملون في المؤسّسات الحكوميّة، حيث حدّدت تلك الرّأسماليّة بأنّها "نوع من رأسماليّة غير نظاميّة تلعب فيها شبكات المعارف والأصدقاء والأقرباء، دوراً طاغياً في تقرير العلاقات الاقتصاديّة"(2)، فكانت عمليّة الحصول على التّراخيص لإقامة المشاريع التّجاريّة، تستند في نطاق رأسماليّة المحاسيب إلى"العلاقات القويّة التي تنشأ بين القائمين على العمل التّجاريّ والمسؤولين الحكوميّين، ويمكن أن تتّسم بالمحاباة فيما يتعلّق بتوزيع التّصاريح القانونيّة، أو المنح الحكوميّة أو التّخفيضات الضّريبيّة الخاصّة أو غيرها من أشكال تدخّل الدّولة في توجيه الشّؤون الاقتصاديّة"(3)، فإن توخّى كلّ من هؤلاء الأفراد أن يحقّق مصالحه الخاصّة، في نطاق ذلك النّظام الذي تنشئه رأسماليّة المحاسيب، فإنّه كان يمهّد السّبيل للأشخاص الآخرين أن يحقّقوا أيضاً منافعهم الذّاتيّة، فدأب كلّ منهم في أن يحابي سائر الأفراد في تلك العلاقات التي جمعتهم معاً، وقد اقتضى اقتصار أولئك الأفراد جميعهم على تحقيقهم مصالحهم الذّاتيّة، ألا يراعوا في تلك الأعمال التي كانوا ينجزونها، مسألة جلب المنافع إلى مجموعات كبيرة من النّاس، الذين كانوا يشاركونهم في العيش ضمن المجتمع الذي ينضوون جميعهم إليه.

رجعت على الشّركات الكبرى في دول جنوب شرق آسيا، المنافع من نشوء تلك العلاقات بينها وبين المؤسّسات الحكوميّة في تلك البلدان الآسيويّة، التي اعتبرت فيها رأسماليّة المحاسيب نظاماً ينطوي على"توجيه حكوميّ للاستثمار يتمّ تمويله بصورة رئيسيّة من خلال البنوك من أجل تحقيق أهداف الدّولة"، وقد طعن في قدر تلك الجدوى التي تتحقّق في اتّباع ذلك النّهج، الذي كانت تسلكه تلك البلدان الآسيويّة، لأنّ نظام رأسماليّة المحاسيب كان "لا بدّ من أن يؤدّي إلى الانهيار.... لما يحتوي عليه من إفراط في الاستثمار وأخطاء في التّقدير والحساب"(4) وكانت الرّكائز التي استند إليها نظام رأسماليّة المحاسيب، تتشكّل من "الثّالوث الأساسيّ وهو البنوك والحكومة ووحدات قطّاع الأعمال، هذا النّظام القائم على التّشابك أو رأسماليّة المحسوبيّة "Crony Capitalism"، ولا شكّ في أنّ مصلحة كلّ طرف من هذه الأطراف في التّوسّع في الائتمان واضحة والعائد من هذا التّوسّع ظاهر لكلّ طرف من أطراف هذا الثّالوث"(5) فتتبيّن في جلاء تلك المضارّ التي تنجم عن ارتباط البنوك بتلك العلاقات، التي تنشأ في نطاق رأسماليّة المحاسيب، لأنّ "المخاطر المعنويّة تثور حينما تقوم البنوك بالاقتراض (تلقّي الودائع) على أساس وجود ضمان ضمنيّ أو ظاهريّ لخصوم أو مطلوبات البنك. فإذا كانت القاعدة الرّأسماليّة في البنوك ضعيفة أو أنّ البنوك لا تتّبع قواعد الحيطة والحذر، فإنّها قد تستخدم الأموال المتاحة لديها لإقراض مشروعات ذات مخاطر عاليّة"(6)، فتهاون البنوك في انتهاج سبيل الحيطة، التي تحول دون التّعرّض لتلك الأخطار المعنويّة، يثير عند النّاس الشّكوك في الأعمال التي تنجزها تلك المصارف، إذ كان "استخدام البنوك السّيّئ للودائع المتاحة لديهم (الأموال المتاحة لديهم) نظراً لاعتبار وجود أو توافر الضّمانات الحكوميّة يدخل تحت مسمّى "اقتصاديّات السّرقة"(7)، وقد ذكر أنّ تلك النّقائص التي شابت الطّريقة التي اتبّعتها المصارف في كوريا الجنوبيّة، في تعاملها مع المؤسّسات الصّناعيّة، قد أتاح للفساد أن ينشأ في نطاق تلك العلاقات التي جمعت بين المصارف والمؤسّسات الصّناعيّة الإنتاجيّة.

ترتّب على إلقاء اللّوم على الأجهزة الماليّة في بلدان النّمور الآسيويّة، أن غدا المستثمرون الأجانب بريئوا السّاحة، حيث عزي نشوء الأزمة الماليّة إلى وجود "نواقص أساسيّة في سياسات ومؤسّسات البلد المتلقّي"(8)، وقد ذكر في الحديث عن تلك المثالب التي كانت تعتري الأنشطة الاقتصاديّة، التي كانت تزاول في تلك البلدان الآسيويّة "أنّ آسيا تعرّضت لأزمة لأنّ مختلف بلدانها لم تقم بلبرلة قطّاعات المال بدرجة كافية. وإنّ هذه البلدان أخفقت في تحويل بنوكها المحلّيّة إلى مؤسّسات تعمل على الطّراز الغربيّ، بدرجة عالية من الشّفافيّة، وتخصيص الموارد اعتماداً على معايير عقلانيّة موجّهة للسّوق. وإنّها فشلت في تطوير المؤسّسات الملائمة للإشراف على الشّؤون الماليّة القوميّة وانتهاج سياسات حصيفة لضبط الاقتراض المفرط"(9)، ومن يطّلع على تلك اللّوائم التي كانت أنحيت على دول النّمور الآسيويّة، قد تنتابه الدّهشة، التي لن تثيرها في نفسه تلك المغازي التي تضمّنتها تلك التّصاريح التي ذكرت فيها تلك اللّوائم، بل أنّ سبب نشوء تلك الدّهشة هو تحديداً أنّ "مؤسّسات غربيّة ملتزمة بمشروع لبرلة الأسواق، مثل صندوق النّقد الدّوليّ والبنك الدّوليّ، قد أغرقت الثّناء على جهود أندونيسيا، مثلاً، للبرلة أسواق المال"(10)، وكان أغلب المؤسّسات والأفراد الذين انتقدوا تلك الدّول الآسيويّة على النّهج، الذي اتّبعته في إدارة الأنشطة الاقتصاديّة القائمة فيها، قد لامت تلك الأقطار الآسيويّة على تسرّعها في تحقيق الانفتاح الاقتصاديّ، بل إنّه وصف أيضاً ذلك التّصرّف الذي اعتمدته تلك الأقطار الآسيّوية، في تحقيقها تحرير أسواقها الماليّة، بأنّه كان تصرّفاً متهوّراً، إذ لم تراع تلك البلدان الآسيويّة تطبيق قواعد الحيطة والحذر المناسبين لقيام النشّاط الماليّ المستقرّ.

لم يكن يعسر على النّاس أن يدركوا أسباب ذلك التّراشق بالتهمّ، الذي جرى بين الأفراد والمؤسّسات، الذين كانوا على صلة وثيقة بتلك الحالة، التي نشأ فيها ذلك النّهج الاقتصاديّ الذي اتّبعته دول النّمور الآسيويّة، إذ سعت الأجهزة والمؤّسّسات الاقتصاديّة الدّوليّة، إلى أن تلقي عنها مسؤوليّة انهيار الأسواق الماليّة في تلك الدّول الآسيويّة، فلا عجب من أن نرى تفسيراً إضافيّاً يناقض ويجابه تلك التّفاسير التي سيقت من قبل، وقد وصف ذلك التّفسير الإضافيّ بأنّه "الصّورة المقلوبة"(11)، للتّفسير الذي أورده أولئك الأفراد، الذين ألقوا مسؤوليّة قيام الأزمة الماليّة على تلك الدّول الآسيويّة ذاتها، وقد كان هذا التّفسير الإضافيّ تضمّن المغازي التي أكّدت أنّ تلك الأزمة الماليّة قد تسبّب بنشوئها "وجود اقتصاد كونيّ جديد، ووجود نزعة تدميريّة متأصّلة فيه. وإنّ الأزمة ترجع إلى السّحب الفجائيّ للأرصدة قصيرة الأجل من جانب المستثمرين الغربيّين، والبيع المبكّر واسع النّطاق في البورصات الأجنبيّة وأسواق الأسهم من جانب المضاربين. وقد أدّى ذلك إلى إيقاع اضّطرابات حادّة في مختلف الاقتصادات الآسيويّة دونما وجود ضرورة محلّيّة فعليّة: إنّها أزمة صنعتها الأسواق الكونيّة المتقلّبة"(12)، فإذا كنت استعرضت في مستهلّ حديثي، تلك التّفاسير التي تحدّد مصدر نشوء الأزمة في داخل بلدان جنوب شرق آسيا، فإنّه قد طرح ذلك التّفسير الإضافيّ، كي يبرهن على سداد تلك الفكرة التي أكّد فحواها أنّ الأزمة الماليّة قد "صنعتها الأسواق الكونيّة المتقلّبة. إنّ منابع الأزمة هنا، خارجيّة من حيث الجوهر. وإنّ المشكلات النّاشبة هي نواتج عرضيّة للهروب المفرط، غير العقلانيّ إلى حدّ كبير، للرّساميل، وتأثيرات العدوى التي عمّمت الأزمة"(13)، فظهر التّعارض جليّاً بين تلك التّفاسير التي أوردت في تلك المناقشات، التي حاول الأفراد الذين ساهموا فيها، أن يتنصّلوا من تحمّل مسؤوليّة نشوء تلك الأزمة الماليّة التي وقعت فيها بلدان النّمور الآسيويّة.

أنّ آراء الاقتصاديّين الذين ظنّوا أنّ الأسواق الكونيّة تتحمّل المسؤوليّة عن نشوء تلك الأزمة الماليّة، لم تكن بمنأى عن الشّكوك التي طعن بها في مضامين تلك الآراء التي نعتت بالضّعف والرّكاكة، وذكر أنّ أولئك الأشخاص الذين أوردوا تلك الآراء، التي تعرّضت للطّعن، قد عرضوا التّحليل الذي كان "يغفل الأبعاد والمنابع الدّاخليّة للأزمة. ذلك أنّ مختلف البلدان تعرّضت لدرجات مختلفة من الاضّطراب، تبدأ من الحالة التي تضارع الانهيار الماليّ في أندونيسيا، ومروراً بما يرجّح أن يكون نكوصاً كبيراً...، وانتهاء بغليان الاقتصاد. كما هي حال ماليزيا"(14)، وقد تنصّل المضاربون أيضاً من تحمّل مسؤوليّة التّسبّب بنشوء تلك الأزمة الماليّة، التي ظنّ أنّ علّتها لا تكمن في ذلك النّشاط الماليّ الذي زاوله أولئك المضاربون، بل تعزا إلى "إفراط دول النّمور في الاستدانة من العالم الخارجيّ بغية تمويل تطلّعات تفوق إمكاناتها بكثير. فهذا الإفراط في المديونيّة هو الأمر الذي أغرى البعض بممارسة المضاربة"(15)، وربّما بات في إمكاننا أن نجمع كلّ تلك الأقوال المتناقضة والمتعارضة فيما بينها، لنشكّل صورة واضحة تامّة تتبيّن فيها أحداث تلك الأزمة الماليّة، إذ اتّضح أنّ "ليس ثمّة شكّ في أنّ الحقّ مع كلتا وجهتي النّظر. فالمضاربون أزاحوا السّتار، على أعنف ما يكون، عن مناحي الضّعف السّائدة في البلدان الصّاعدة حديثاً. فهم وضعوا أصابعهم في جرح متقيّح وزادوه اتّساعاً من غير إبداء أيّ اهتمام بالنّتائج الاجتماعيّة النّاتجة عن فعلهم هذا"(16)، فإذا كان أولئك المتحاورين قد تبادلوا إلقاء التّهم على بعضهم البعض، إلّا أنّ حقائق تلك الأزمة الماليّة كانت في الآن ذاته، تتكشّفت في تلك التّفاسير المتعارضة، التي كان طرحها أولئك المتحاورون في تلك النّقاشات التي دارت بينهم.

1- عمرو محيي الدّين، أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص67.

2- بول هيرست وجراهام طومبسون، ما العولمة، الاقتصاد العالميّ وإمكانات التّحكّم، ترجمة: د. فالح عبد الجبّار، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 273، الكويت، سبتمبر 2001 ، ص202.

3- الموسوعة الاقتصاديّة.

4- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص150.

5- المصدر السّابق، ص164.

6- المصدر السّابق، ص92.

7- المصدر السّابق.

8- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص203.

9- المصدر السّابق.

10- المصدر السّابق.

11- المصدر السّابق.

12- المصدر السّابق.

13- المصدر السّابق.

14- المصدر السّابق، ص203، 204.

15- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص151.

 

16- المصدر السّابق.

استأثرت الأزمة الماليّة التي أصابت دول جنوب وشرق آسيا في عام 1997، باهتمام النّاس الذين وقفوا على ذلك النّمو الاقتصاديّ، الذي كانت حقّقته تلك الدّول الآسيويّة، ولا غرابة من أن يهتمّ بمتابعةوقائع انهيار المؤسّسات الماليّة في تلك البلدان الآسيويّة، هؤلاء الأقوام الذين تناهت إلى علمهم الأنباء التي تتحدّث عن نشوء تلك الأزمة الماليّة التي "وقعت في أسرع الأقاليم نموّاً وهو إقليم جنوب شرق آسيا. فدول شرق وجنوب شرق آسيا تساهم بحوالي ربع الإنتاج العالميّ، ونصف النّمو العالميّ خلال التّسعينيّات، وثلثي الإنفاق الاستثمارّيّ العالميّ"(1)، وقد عكف الباحثون على أن يتحرّوا عن تلك الأسباب، التي تذرّعت بها دول النّمور الآسيويّة إلى أن ترتقي في مدارج النّمو الاقتصاديّ، بيد أنّ أولئك الباحثين طالما اختلفواعلى تحديد الأسس، التي استندت إليها تلك الدّول الآسيويّة في تحقيق نموّها الاقتصاديّ، إذ "أثار موضوع مصادر النّمو السّريع والمتواصل للدّول الآسيويّة خلافاً كبيراً، حتّى قبل وقوع الأزمة وذلك في إطار تقييم نموذج التّنمية في هذه الدّول، وفي ظلّ إطار الكتابات المبالغة في تحديد عوامل نمو هذه الاقتصاديّات. ولقد حاول البعض دراسة المساهمة الرّئيسيّة لكلّ من حجم عناصر الإنتاج المستخدمة، سواء أكان رصيد رأس المال أم رصيد القوى البشريّة، والعوامل الأخرى كالتّقدّم التّكنولوجيّ، بما ينطوي عليه من مهارات وقدرات ومعارف القوى البشريّة المستخدمة"(2)، ولا ريب في أنّ تحديد الأسس التي استندت إليها تلك الدّول الآسيويّة في تحقيق المشاريع الإنتاجيّة، سيتيح للنّاس الإحاطة بخصائص ذلك النّمو الاقتصاديّ الذي تحقّق في تلك البلدان الآسيويّة.

يقتضي نشوء المشاريع الاستثماريّة في أقطار العالم، أن تتوفّر لتلك الأنشطة الاقتصاديّة القائمة، الموارد المتنوّعة في شقّيها المادّيّ وغير المادّيّ، فتشتمل الموارد المادّيّة، على الموادّ الأوّليّة، والعمّال الذين يعملون في تلك المشاريع، بالإضافة إلى الآلات والمعدّات، ورؤوس الأموال، وأمّا الموارد غير المادّيّة التي يتأسّس عليها قيام تلك المشاريع الإنتاجيّة، فتضمّ الأنباء والمعلومات التي تتحدّث عن التّطوّرات التّكنولوجيّة، وأحوال العمليّة التّسويقيّة، وشؤون البيئة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والقوانين، التي تؤسّس الظّروف التي تحيط بعمليّة إنتاج السّلع المتنوّعة، وتلك المواد المختلفة التي ذكرتها آنفاً، هي مدخلات الإنتاج التي تعدّ أساس العمليّة الإنتاجيّة، وقد رؤي في تحديد عوامل النّمو في تلك البلدان الآسيويّة، أنّ "التّراكم الرّأسماليّ كان هو العامل الحاسم في تحديد معدّل النّمو، أي تلك المدخلات الكمّيّة من عناصر الإنتاج وهي العمل ورأس المال. وعلى الرّغم من ارتفاع معدّل نمو الإنتاجيّة الكلّيّة لعناصر الإنتاج، فما زالت المدخلات الكمّيّة خاصّة رأس المال هي العامل الحاسم في تحديد النّمو"(3)، فتهيّأت في تلك البلدان الآسيويّة الأموال الوفيرة، التي ضخّت خلال مدّة طويلة في تلك المشاريع التي أقيمت في تلك الأقطار، خلال الفترة التي امتدّت بين عامي 1973 و1994، وأمّا معدّل ذلك التّراكم الرّأسماليّ فكان يحدّد في نسبة الاستثمار إلى النّاتج القوميّ.

اعتمدت تلك الدّول الآسيويّة، على تراكم رأس المال في إنشائها تلك المشاريع، التي دفعت إليها بالعاملين الذين زاولوا فيها النشاط الإنتاجيّ، فكانت تلك العوامل الكمّيّة "هي المتغيّرات الحاسمة في تحديد النّمو في هذه البلدان، في حين أنّ العوامل النّوعيّة أو الكيفيّة الخاصّة بالتّقدّم الفنّيّ ونوعيّة القوّة العاملة (تعليمها وخبرتها ومعارفها المتراكمة) قد لعبت دوراً ضعيفاً للغاية"(4)، وطالما كان يتحدّث عن النّمو الاقتصاديّ الذي تحقّق في بلدان جنوب وشرق، بأنّه كان يعبّر عن معجزة النّمو التي أنجزتها دول النّمور الآسيويّة، إلّا أنّه ذهب عدد من الباحثين إلى أن يجرّدوا سمة المعجزة عن ذلك النّمو الاقتصاديّ، الذي تحقّق في أقطار جنوب وشرق آسيا، حيث شكّكوا في نشوء "النّموّ المستديم في آسيا، وإمكان انتشاره الواسع في أماكن أخرى"(5)، وكان النّموّ الاقتصاديّ السّريع عند النّمور الآسيويّة "يرتكز إلى مستويات استثنائيّة عالية من مدخلات عوامل الإنتاج factor inputs(6)، فطعن في سداد فكرة المعجزة التي توصف بها حالة ذلك النّمو الاقتصاديّ، الذي تحقّق في بلدان النّمور الآسيويّة، وقد ذهب أحد الباحثين إلى أن يؤكّد أنّه "لم تكن ثمّة معجزة، بل مجرّد معدّلات عالية من الاستثمار، وزيادات، مرّة وإلى الأبد، في نوعيّة وكمّيّة قوّة العمل الصّناعيّة، بينما كانت القطّاعات التّقليديّة غير التّجاريّة تُسحق، والتّعليم الثّانويّ يُعمّم للمرة الأولى"(7)، وكان الباحثون الذين شكّكوا في تحقّق المعجزة، في ذلك النّمو الاقتصاديّ، استندوا إلى وقائع ذلك الاستثمار الذي أنجز في تلك الدّول الآسيويّة، إذ "حقّقت هذه الدّول معدّلات للاستثمار غير مسبوقة في تاريخها ولا مثيل لها في الدّول النّامية الأخرى، بل في العديد من الدّول المتقدّمة، فقد تخطّى متوسّط معدّل الاستثمار (نسبة الاستثمار إلى النّاتج المحلّيّ الإجماليّ نسبة 35%"(8)، فكانت تلك الدّول الآسيويّة اعتمدت على تلك الكمّيّات الوفيرة من الأموال، التي اندرجت في عداد المدخلات الكمّيّة، التي تأسّست عليها المشاريع الاستثماريّة.

جهد العاملون الذين زاولوا الأنشطة الاستثماريّة في دول جنوب وشرق آسيا، في أن يستفيدوا من توفّر تلك الموارد، التي استخدموها في المشاريع المنشأة في تلك البلدان الآسيويّة، وقد حلّل باحثون إجماليّ إنتاجيّة عوامل الإنتاج، في تلك الدّول الآسيويّة، فاستخلص من تلك الدّراسة المنجزة أنّه "لم يكن هناك أدنى دليل على وجود استخدام للموارد، أكثر كفاءة وأكثر إنتاجيّة، وعليه، فبعد الفراغ من تعبئة الموارد البشريّة، التي لم تكن مستثمرة، ودمجها بمستويات عالية جدّاً من رأس المال قياساً إلى إجماليّ النّاتج المحلّيّ، ستتحقّق مكاسب كبرى مرّة وإلى الأبد، لكنّ هذه المكاسب سوف تذوي وتتضاءل، وتأخذ معدّلات النّموّ بالهبوط في أعقاب ذلك. وسيخضع الاقتصاد لقانون "تناقص العائدات" diminishing return"(9)، ويثبت قانون تناقص تلك العائدات أو الغلّة أنّ "زيادة أحد عناصر الإنتاج المستخدم في عمليّة إنتاج ما، مع بقاء العناصر الأخرى ثابتة، فإنّ مقدار الزّيادة في النّاتج الكلّيّ النّاجمة عن إضافة وحدة واحدة من عامل الإنتاج المتغيّر، تتزايد أوّلاً ثمّ تأخذ في التّناقص بعد حدّ معيّن"(10)، وقد اعتقد استناداً إلى ذلك البحث الذي درست فيه حالة ذلك النّشاط الاستثماريّ في تلك البلدان الآسيويّة، أنّه "لم يقتصر الأمر على عدم وجود أيّ معجزة آسيويّة، بل إنّ النّموّ الآسيويّ نفسه لم يكن استثنائيّاً. الواقع أنّ نموّ إنتاجيّة عوامل الإنتاج في بلدان النّمور الآسيويّة لم يكن أفضل ممّا حصل في بعض البلدان الأوروبيّة خلال فترة نموّها السّريع بعد عام 1945"(11)، وكان تحقيق تلك الدّراسة التي قورنت فيها وقائع الأنشطة الاستثماريّة في بلدان شتّى من العالم، أتاح الوقوف على حقيقة تلك المساعي التي حاولت فيها تلك الدّول، أن تنجز ذلك النّمو الاقتصاديّ، الذي كانت تتطلّع إليه.

إنّ البحث الذي سبر فيه أغوار النّشاط الاستثماريّ في تلك البلدان الآسيويّة، أفضى بحسب اعتقاد عدد من الدّارسين الاقتصاديّين، إلى الطّعن في مضامين تلك الدّعاية، التي روّجت فيها تلك الطّرائق التي اتبّعتها الشّركات في بلدان النّمور الآسيويّة في مزاولة النّشاط الإنتاجيّ، حيث اتّضح لهؤلاء الباحثين تداعي أسس "الإعلانات الاقتصاديّة، الأمّيّة، المبهرجة، الصّادرة عن آسيا والغرب على حدّ سواء، والقائلة بأنّ هناك منطقاً جديداً للنّموّ الاقتصاديّ يقوم على القيم والمؤسّسات الآسيويّة المتميّزة، إنّ النّظرة الواقعيّة، بدّدت الخرافة القائلة إنّ آسيا رقعة استثنائيّة من حيث كفاءتها الاقتصاديّة ومنابع نموّها"(12)، واستخلص من التّدقيق في ذلك النّشاط الاستثماريّ الجاري في تلك الأقطار الآسيويّة، أنّ "من الصّعب تكرار مثل هذه المستويات من الادّخار المحلّيّ، واستثمار رأس المال القائمة في سنغافورة وكوريا الجنوبيّة، وهكذا فإنّ نوعاً من الخصوصيّة ينسب مجدّداً إلى المؤسّسات الآسيويّة"(13)، بيد أنّه أجريت أبحاث اقتصاديّة أخرى، عارضت الخلاصة التي حصّلت منها، تلك النّتائج التي أفضت إليها الدّراسات، التي شكّك فيها في دوام ذلك النّمو الاقتصاديّ في تلك البلدان الآسيويّة، حيث اعتقد أنّ "ارتفاع معدّلات الاستثمار يمكن أن يستمرّ في تعزيز الإنتاجيّة"(14)، وقد ضرب مثلاً على تطوّر ذلك النّتاج الحاصل في تلك البلدان الآسيويّة، بـأوضاع العمليّات الإنتاجيّة في سنغافورة التي تحقّق فيها "التّطوير المستمرّ لنوعيّة كلّ من المنتجات وعمليّات الإنتاج على حدّ سواء"(15)، وإنّ كانت وقائع تلك الأزمة الماليّة التي حدثت في بلدان النّمور الآسيويّة، أرسخت الاعتقاد في الأذهان "أنّ الحجج عن ارتفاع النّموّ المولّد ذاتيّاً، تبدو بالية تماماً في إطار الأزمة الآسيويّة التي اندلعت في منتصف العام 1997"(14)، وهذا الاختلاف والتّعارض النّاشئان بين تلك الأبحاث الاقتصاديّة، التي حللّت فيها حالة النّشاط الإنتاجيّ في تلك البلدان الآسيويّة، لم يكونا لينشآ لولا اتّساع التّجربة الاستثماريّة، التي نجم عنها في تلك الاقتصادات النّاشئة الآسيويّة،  ذاك النّمو الاقتصاديّ السّريع.

اعتمدت دول جنوب وشرق آسيا، نهج التّصدير، فجهدت في أن تطلق سلعها المصنّعة إلى بلدان العالم، وكانت كوريا الجنوبيّة في عام 1996، وهو العام الذي سبق موعد نشوء الأزمة في تلك الدّول الآسيويّة، قد قاربت "عتبة الاقتصاد الصّناعيّ المتطوّر، لكنّ أداءها الاقتصاديّ بقي مرهوناً بمستويات النّمو الموجّه نحو التّصدير، وهي ميزة بعيدة عن الاقتصادات المتطوّرة، لم يكن بالوسع إدامتها في أسواق العالم قبل الأزمة الآسيويّة، ناهيك بعد هذه الأزمة"(15)، فكان يقتضي تحقّق تعزيز الإنتاج الصّناعيّ أن تُستخدم بكفاءة عالية مدخلات الإنتاج كافّة، إذ كان "انضمام البلدان حديثة التّصنيع إلى الاقتصادات المتطوّرة، يتطلّب منها أن تطوّر شركات ذات قدرة تنافسيّة مدفوعة بالتّقدّم التّكنولوجيّ والتّجديد المؤسّساتيّ، لا بمجرّد انخفاض تكاليف العمل وإمكان الحصول على وفرة من الرّساميل، كما يتوجّب عليها أن تطوّر كامل اقتصاداتها، بحيث أنّ انتشار الازدهار يمكّن السّوق المحلّيّ من استيعاب نسبة متزايدة من الإنتاج"(16)، فتتعرّض تلك الدّول الآسيويّة لمخاطر عديدة تنجم عن اقتصار تلك البلدان على اتّباع سبيل التّصدير، وكانت كوريا الجنوبيّة ذات الكثافة السّكانيّة المتدنّية نسبيّاً (45 مليوناً في العام 1996)، رسّخت "قطّاع صناعة تحويليّة يعتمد في بقائه اعتماداً مستديماً على ارتفاع مستوى تصدير المنتوج ارتفاعاً كبيراً. وإنّ هذا يضع هذا القطّاع في موضع بالغ الهشاشة أمام الصّدمات الخارجيّة، أو أمام أيّ هبوط في الاقتصاد العالميّ، أو أمام ضغط من الصّناعيّين المنافسين في بلدان ترتقي بصناعتها، مثل الصّين"(17)، فكان يتطلّب من دول النّمور الآسيويّة، أن تعنى بتطوير مدخلات الإنتاج كافّة، لتتّقي تلك المخاطر التي تطرأ عليها من خارج ذلك الإقليم، الذي يضمّ تلك الأقطار الآسيويّة، التي يلزم عليها أيضاً أن تبني القواعد كافّة، التي يتأسّس عليها النّشاط الاقتصاديّ المتطوّر، الذي كثيراً ما سعت إلى أن تبنيه.

كانت دول جنوب وشرق وآسيا، توصف بأنّها تتميّز بتحقيقها "نموّ موجّه للتّصدير، حيث يكون إجماليّ الطّلب.... شديد الحساسيّة لظروف السّيولة عند الشّركات"(18)، وقد اتّبعت دول النّمور الآسيويّة نهج تصدير منتجاتها المصّنعة منذ أمد بعيد، إذ "تعزّزالنّموّ الاقتصاديّلبلدانمثل:تايوان وكورياالجنوبيّة منذمنتصفالسّتيناتباتّباعاستراتيجيّةالصّناعةكثيفةالعمالة الموجّهةللسّوقالأمريكيّة"(19)، بيد أنّ ذلك النّمط من العلاقات التّجاريّة التي نشأت بين الولايات المتّحدة والدّول الآسيويّة، لم يستمرّ، بعد أن نفّذت الولايات المتّحدة عمليّة حماية منتوجاتها الصّناعيّة، ففيمنتصفالثّمانينيّات"تغيّرالوضعمعتحوّلأمريكا نحوالحمايةالمتشدّدة.فوضعتحصصاًعلىالوارداتمنالمنسوجاتوالملابس. وأنهتنظامصادراتهذهالدّولالمعفاةمنالرّسوموهوالإعفاءالذيتقرّرفي ظلّنظامالأفضليّاتالمعمّم"(20)، فتعرّضت شركات تلك الدّول الآسيويّة لمصاعب ماليّة، بعد أن تغيّر نمط تلك العلاقات التّجاريّة التي كانت قائمة بين الولايات المتّحدة ودول النّمور الآسيويّة، وقد جابهت تلك الشّركات أيضاً مصاعب إضافيّة، نشأت من طرف أجنبيّ آخر، فقد كان "ارتقاء بلدان الازدهار الاقتصاديّ الآسيويّة بدأ في منتصف الثّمانينيّات، أي بدأ حينما أقدمت اليابان على رفع قيمة عملتها. فالين القويّ سمح لليابانيّين أن يزيدوا من استيراد السّلع المنتجة في بلدان الجوار. وسرعان ما شعرت هذه البلدان بازدهار يعمّ اقتصادها الذي بات ينمو بمعدّلات تتراوح بين 8 و9 بالمائة، لا بل بات ينمو بمعدّل وصل على 10 في المائة"(21)، فنجم ذلك الازدهار الاقتصاديّ بسبب تلك العلاقات التّجاريّة الخارجيّة المتنامية بين دول النّمور الآسيويّة واليابان، بيد أنّ ذلك العامل الخارجيّ من عوامل تحقّق النّمو الاقتصاديّ، ألحق الأضرار بدول النّمور الآسيويّة، عندما وقعت اليابان في الأزمة الماليّة، التي تأذّت من نشوئها أيضاً دول جنوب وشرق آسيا،وعلى الرّغم من تنوّع تلك الخبرات التي استخلصتها شركات بلدان النّمور الآسيويّة، من الأنشطة الإنتاجيّة التي كانت تزاولها، بيد أنّها لم تحل تلك الخبرات الواسعة دون أن تصيب تلك الشّركات الآسيويّة في عام 1997 أزمة ماليّة طاحنة.

1- عمرو محيي الدّين، أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص71.

2- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص107.

3- المصدر السّابق.

4- المصدر السّابق.

5- بول هيرست وجراهام طومبسون، ما العولمة، الاقتصاد العالميّ وإمكانات التّحكّم، ترجمة: د. فالح عبد الجبّار، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 273، الكويت، سبتمبر 2001، ص199.

6- المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق.

8- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص114.

9- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص199، 200.

10- موقع الموسوعة الاقتصاديّة.

11- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص200.

12- المصدر السّابق.

13- المصدر السّابق.

14- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص201.

15- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص220.

16- المصدر السّابق.

17- المصدر السّابق.

18- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص240.

19- فؤاد مرسي، الرّأسماليّة تجدّد نفسها، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 147، الكويت، مارس _ آذار 1990م،  ص394.

20- المصدر السّابق.

21-أولريش شيفر، انهيار الرّأسماليّة، أسباب إخفاق اقتصاد السّوق المحرّرة من القيود، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 371، الكويت، يناير 2010، ص151.

أكّدت دول جنوب وشرق آسيا في منتصف العقد الثّامن من القرن العشرين، تحقيقها الازدهار الاقتصاديّ، إذ تراوح معدّل ذلك النّمو الاقتصاديّ الذي أنجزته في ذلك الأوان "بين 8 و9 في المائة، لا بل بات ينمو بمعدّل وصل، في بعض الأحيان، إلى 10 في المائة"(1)، وطالما وصف ذلك الازدهار الاقتصاديّ الذي حقّقته تلك الدّول الآسيويّة بأنّه أعجوبة اقتصاديّة، ففي ذلك الأوان الذي بدأت تلك الدّول تحقيق النّمو الاقتصاديّ،  "لم يدم الأمر طويلاً حتّى بدت هذه الدّول وكأنّها "صرعة العصر الجديد"(2)، وكان المضاربون الذين يطمعون دائماً في أن يحقّقوا أرباحاً ماليّة كبيرة، اندفعوا إلى التّوافد على تلك الدّول الآسيويّة التي كانت "تستقطب أنظار أولئك المستثمرين، على وجه الخصوص، الذين يتطلّعون للحصول على الرّبح السّريع"(3)، وكانت كمّيّات رؤوس الأموال التي انتقلت إلى بلدان الاقتصاديّات النّاشئة والبلدان النّامية، في العام الذي نشأت فيه أزمة النّمور الآسيويّة، ارتفع مقدارها إلى "خمسة أضعاف القيمة التي سجّلتها قبل سبع سنوات: فقيمة رؤوس الأموال التي ضخّها المستثمرون في دول الاقتصاديّات النّاشئة والبلدان النّامية ارتفع من 42 مليار دولار أمريكيّ في العام 1990 إلى 256 مليار دولار أمريكيّ في العام 1997. وكانت حصّة دول النّمور من هذه الأموال قد وصلت إلى الثّلثين"(4)، فازداد مقدار تلك الأموال التي استثمرت في تلك البلدان الآسيويّة، حيث مهّد الانفتاح الاقتصاديّ الذي أنجز في بلدان النّمور الآسيويّة، السّبيل لذلك المقدار الكبير من الأموال إلى أن يفد إلى تلك البلاد الآسيويّة.

سعت دول النّمور الآسيويّة إلى أن تنتفع من سهولة تنقّل رؤوس الأموال بين دول العالم، فكانت الأموال تتخطّى بيسر وحرّيّة تلك الحدود، التي تضاءل نفوذها في تحقيق الفصل بين بلدان هذه المعمورة، فصار في وسع بلدان تلك الاقتصادات النّاشئة "الاقتراض من العالم الخارجيّ بأسعار فائدة مغرية وذلك بغية استثمار هذه الأموال في المصانع والعقارات. فهذه البلدان كانت تدفع في الدّول الصّناعيّة، معدّلات فائدة تقلّ كثيراً عن المعدّلات السّائدة لديها. وكانت هذه القروض الميسّرة قد عزّزت فعلاً، النّمو في هذه البلدان، غير أنّها تسبّبت أيضاً، في نشأة فقاعة معتبرة فيها"(5)، فأفضى تدفّق تلك الأموال التي ضخّت في تلك البلدان إلى أن يزداد في مدنها الكبيرة "عدد العمارات الشّاهقة، المخصّصة للمكاتب وعدد العمارات السّكنيّة والفنادق، من غير أن يكون هناك طلب عليها. كما مضت الشّركات المختلطة قدماً في شراء مصانع لا تحقّق أيّ أرباح"(6)، واستمرّت حكومات تلك الدول الآسيويّة على الاقتراض الذي جعلها عرضة لوطأة "مديونيّة لا قدرة لها على الوفاء بأعبائها"(7)، وأمّا البورصات في تلك الدّول فقد حقّقت "ارتفاعات متواصلة، وأرقاماً قياسيّة متلاحقة، وكان السّياسيّون يمنّون شعوبهم باندلاع عصر ذهبيّ ويتحدّثون، بحماسة، عن النّموذج الآسيويّ _وعن سعيهم إلى التّفوّق، عمّا قريب على الغرب"(8)، فسهّل انتقال رؤوس الأموال إلى تلك الأقطار الآسيويّة، تحقيق الزّيادة في عدد المشاريع الاستثماريّة، التي استند إليها ذلك النّمو الاقتصاديّ الذي أنجز في بلدان تلك الاقتصادات النّاشئة.

إنّ ذلك الازدهار الاقتصاديّ الذي تحقّق في تلك البلدان الآسيويّة، استمال إليه أنظار النّاس في أقطار شتّى، وقد بيّنت التّعاليق التي تحدث فيها عن تلك المعجزة الآسيويّة، حقيقة آراء النّاس، في ذلك النّمو الاقتصاديّ الحاصل في تلك الدّول الآسيويّة، وقد ذهبت إحدى الصّحف إلى أن تشبّه أوضاع تلك الدّول الآسيويّة التي نجحت في تحقيق ذلك النّمو الاقتصاديّ، بتلك الحالة التي كانت عليها ولاية كاليفورنيا في ذلك الأوان الذي اكتشف فيه الذّهب، إذ ذكرت المجلّة الاقتصاديّة Eastern Economic Journal: "أنّ جنوب شرقيّ آسيا يعيش صيغة حديثة من صيغة النّشوة التي مرّت بها كاليفورنيا، في حقبة اكتشاف الذّهب فيها"(9)، وقد استخدمت عبارةحمى الذّهب في وصف انطلاق النّاس إلى كاليفورنيا في 24 يناير 1848، إذ كان ذلك التّاريخ هو الأوان الذي اكتشف فيه الذهب في بعض مجاري الأنهار في كاليفورنيا، وقد ذاعت أخبار العثور على الذّهب في أماكن شتّى، وتوالت هجرات النّاس إلى كاليفورنيا، التي أقبل إليها الأقوام زرافات ووحداناً، حيث كان هؤلاء النّاس الذين قدموا إلى تلك الولاية، يسابق بعضهم بعضاً، وقد أتوا من كلّ حدب وصوب، راغبين في أن يحصلوا على ذلك المعدن الأصفر الرّنّان، وأن يحقّقوا ثروة كبيرة بحيازتهم القطع الكثيرة من معدن الذّهب، وقد أنجز التّجار ورجال الأعمال الذين قدموا إلى كاليفورنيا، ازدهاراً كبيراً في تلك الولاية الأمريكيّة، التي أطلق عليها عبارة الولاية الذّهبيّة، حيث انطلقت منها حمى الذهب أو مرض الثّراء السّريع، بحسب التّعابير التي استخدمت في وصف حالة هؤلاء الأفراد، الذين قدموا إلى تلك الولاية الأمريكيّة في ذلك الأوان الذي يقارب منتصف القرن التّاسع عشر.

عاد على ولاية كاليفورنيا من عمليّة التّنقيب عن الذهب التي جرت في تلك الولاية، فوائد جمّة، إذ أقام في تلك الولاية العديد من المستثمرين والتّجّار، الذين حقّقوا في تلك الولاية تطوّراً كبيراً في ميادين شتّى من أنواع المناشط الإنسانيّة، وعندما اندلعت الأزمة الاقتصاديّة في تلك الدّول الآسيويّة، ذكر في التّعليق على معاناة تلك البلدان المصاعب الاقتصاديّة التي تعرّضت لها، بأنّنشوة الذّهب التي شبّهت بها حالة الازدهار الاقتصاديّ في تلك البلدان الآسيويّة، "قد أصبحت من مخلّفات التّاريخ في العام 1997"(10)، وكان المستثمرون حريصين على تتبّع أوضاع الأنشطة الاقتصاديّة الجارية في تلك الأقطار الآسيويّة، وفي ذلك الأوان الذي سبق موعد انهيار أسواق المال في تلك البلدان الآسيويّة، كانت قد "ساور المستثمرين الشّكوك حول ما إذا كانت دول النّمور ستستطيع مواصلة النّمو المستدام فعلاً، وعلى خلفيّة هذه الشّكوك سحب المستثمرون جزءاً من ملياراتهم متسبّبن في إحداث رجّة قويّة للعملات"(11)، وما لبثت أن نشأت الأزمة الاقتصاديّة في تايلند التي "كانت البلد الأوّل الذي هبّت عليه رياح العاصفة الهوجاء"(12)، إذ كان الانهيار الذي وقعت فيه إحدى الشركات في ذلك البلد قد أفضى إلى اندلاع تلك الأزمة الماليّة، وقد اتّضح في تلك الفترة التي سبقت حدوث تلك الأزمة، أنّه قد "تسلّل المهاجمون إلى بانكوك... يوم الثّالث عشر من مايو من العام 1997. وتكوّنت الذّخيرة الحيّة التي استخدمها المهاجمون من أرقام كثيرة غادرة, ففي هذه الليّلة، شنّ السّماسرة المتعاملون بعملات بلدان العالم قاطبة هجوماً شرساً على العملة التّايلنديّة، على البات (Bath)"(13)، وكانت طبيعة ذلك الاعتداء على العملة التّايلنديّة، تحدّدت في بيع أولئك المضاربين "كلّ ما يستطيعون بيعه من العملة التّايلنديّة، يبيعون البات كأنّه كان من فضلات البضائع التّافهة"(14)، وبدأ هؤلاء المضاربون بنقل أموالهم إلى خارج تلك البلدان الآسيويّة، فألحقوا أضراراً فادحة بتلك العملات الآسيويّة التي بدؤوا في أن يتخلّصوا منها.

كان الوقت الذي أرّخ فيه، لبداية اندلاع الأزمة الآسيويّة، هو الثّاني من يوليو في عام 1997، حيث في ذاك الأوان تحديداً "اتّضح جليّاً أنّ المصرف المركزيّ التّايلنديّ قد خسر المعركة بنحو لا رجعة فيه"(15)، فأعلن أنّ ذلك المصرف المركزيّ "قد أفلس، وأنّ تايلند كلّها قد أفلست أيضاً"(16)، وتوالت الأحداث عقب ذلك الإفلاس الذي وقعت فيه تايلند، وقد كانت في طليعة تلك القرارات التي صدرت بعد نشوء تلك الأزمة، هو القرار بإلغاء ارتباط قيمة العملة التّايلنديّة بقيمة الدّولار الأمريكيّ، وسرعان ما تحوّلت "تايلند إلى دمية تلهو بها الأسواق. وفي غضون بضع ساعات خسر البات نحو 20 في المائة من قيمته. وهلّل الغزاة في لندن ونيويورك وفرانكفورت بما حقّقوا من نصر. فقد أثبتوا، من جديد، أنّهم أعظم سلطاناً من أغلب الحكومات. وقوّضوا _إلى حين من الزّمن_ أسس الحلم بازدهار اقتصاديّ عظيم في دول النّمور"(17)، ولم يلبث أن اندفع أولئك المضاربون إلى بلدان أخرى، التي سبقتهم في الوصول إليها تلك الشّائعات التي أطلقها هؤلاء المضارون أنفسهم، فتوجّهوا "وقد أخذ الجشع منهم كل مأخذ، صوب دول أخرى: فقد ركّزوا هجومهم، في الأسابيع التّالية على الفلبين وإندونيسيا وماليزيا وهونغ كونغ، محاولين تركيع عملاتها"(18)، ولم تكن تلك الدّول التي أصابتها تلك الأزمة في منعة من التّعرّض لتلك المصاعب الماليّة، لأنّ "الحمى التي أصابت تايلند، انتقلت عدواها من بلد إلى آخر في الحال، أخذت تدبّ في جسم هذا الاقتصاد تارة وفي جسم الاقتصاد الآخر تارة أخرى. وعلى ما يبدو، ما كان هناك دواء ناجع يقي من شرور هذه العدوى. وتوّلدت عن الأزمة الاقتصاديّة في آسيا مآس محدودة التّداعيات وأخرى عظيمة النّتائج"(19)، فتعرقل تحقّق الأنشطة الاقتصاديّة التي كانت تمارس في مشاريع استثماريّة عديدة، وقد حدثت حالات الإفلاس، التي وقعت فيها أيضاً مصارف كثيرة.

توالت أحداث تلك الأزمة الاقتصاديّة التي أفضى تحقّقها، إلى أن تنتقل معالم  ذلك الانهيار تدريجيّاً إلى سائر البلدان الآسيويّة، إذ لم تمض ستة أسابيع على تاريخ بدء اندلاع تلك الأزمة الماليّة حتّى "فقدت إندونيسيا، أيضاً السّيطرة على عملتها. وبعد ثلاثة أسابيع أخرى انهار البيزو الفلبينيّ. وفي أكتوبر 1997، خسر مؤشّر بورصة هونغ كونغ، في غضون خمسة أيام، ما يقرب من ربع قيمته"(20)، وسهّل انتقال معالم تلك الأزمة بين هذه البلدان، الوشائج الاقتصاديّة المتينة التي لأمت بين تلك الأقطار الآسيويّة، وقد اضطّربت خصوصاً "سوق كلّ من ماليزيا وسنغافورة نظراً لأنّه كانت توجد ارتباطات قويّة بينهما"(21)، وكانت تلك الأزمة الآسيويّة، عالميّة الأبعاد، قصيّة المرامي، حيث شملت دولاً عديدة في العالم، حتّى بدا "كأنّ الأزمة الآسيويّة ستنشر ظلالها على الصّين واليابان أيضاً. ففي طوكيو انهار عديد من المصارف. وكان من بين هذه المصارف عاشر أكبر المصارف اليابانيّة"(22)، فأخذ انهيار أسواق صرف العملات الآسيويّة، يتدرّج متنقلّاً بين دول النّمور الآسيويّة، وأدّى "تزامن الأزمة في عدد من البلدان المجاورة إلى إطلاق اصطلاح "الأنفلونزا الآسيويّة"(23)، وقد حدّدت طابع التّدرّج الذي غلب على تحقّق ذلك الانهيار الماليّ، تلك الفترات الزّمنيّة اليسيرة التي كانت تفصل بين تلك التّواريخ المتتالية، التي حدثت فيها بتلك البلدان الآسيويّة الأزمة الماليّة الطّاحنة.

لم تنج كوريا الجنوبيّة من أن تصاب بعدوى تلك الأزمة الماليّة، فكانت ضحية العدوى بتلك الأزمة لأنّ "أزمتها جاءت في أعقاب الأزمة في جنوب شرق آسيا"(24)، إلّا أنّ تلك القناعة التي رسخت في أذهان بعض النّاس بأنّها كانت الضّحيّة، سرعان ما تداعت وتهافتت، لأنّ النّذر التي كانت تنبّه إلى قرب حلول ذلك الوقت الذي ستحدث فيه الأزمة الماليّة، قد ظهرت قبل أمد بعيد من اندلاع تلك الأزمة الآسيويّة، فكانت "بعض علامات التّحذير الكبرى تركّزت على كوريا ففي كانون الثّاني العام 1997، انهارت شركة هانبو Hanbo للفولاذ، وسط طوفان من الاتّهامات بالفساد والاستثمار الفاشل المحفّز بدوافع سياسيّة. وفي يونيو 1997 سقط مجمّع كيا Kia، وهو أكبر مجمّع صناعيّ، في الأزمة. وكان هبوط قيمة اليوان الصّينيّ والين اليابانيّ قد سدّد ضربة قاصمة لكوريا"(25)، ولم تقتصر تلك النّذر على تلك المصاعب التي تعرضت لها الشركات والمؤسّسات التّجاريّة في كوريا الجنوبيّة، حيث "عانت كوريا في العام 1996 من عجز هائل في الحساب الجاري بلغ 23,7مليار دولار. جاء ذلك في أعقاب عجز بمقدار 4,5 مليار دولار العام 1994، و8,9 مليار العام 1995،.... كما عانت كوريا تنامي الأزمة الماليّة في اليابان، إذ راحت المصارف اليابانيّة، تحت وطأة الحاجة الماسّة، إلى استرجاع القروض قصيرة الأجل لكي تفي بالتزاماتها"(26)، فتمكّن المضاربون في ديسمبر _كانون الأوّل_ من العام ذاته 1997، من النّجاح "في تركيع نمر آخر من نمور آسيا: كوريا الجنوبيّة. فبفعل الهجوم المروّع انهار انهياراً مريعاً سعر صرف العملة الكوريّة ال"وان" Won وهكذا تعيّن على حكومة سيؤول أن تتضرّع طلباً للنّجدة من العالم الخارجيّ(27)، وقد كانت الأسهم الكوريّة قد انهارت إلى أدنى مستوى بلغته منذ عقد من الزّمن، وأمّا أسواق المال في دول جنوب شرق آسيا فقد أصابها أيضاً الانهيار الذي حدث في فترات متعاقبة.

إنّ معالم الانهيار الماليّ، الذي أصاب كوريا الجنوبيّة، شمل العدد الكبير من تلك الأنشطة والاستثمارات الماليّة، التي كانت تجري في ذلك البلد، وكانت تنفّذ المشاريع الواسعة الكبيرة في كوريا الجنوبيّة ضمن مجمّعات صناعيّة عملاقة، ويطلق عليها اسم التّشيبولات باللّغة الكوريّة، وهي تشارك بنسبة عالية في النّاتج المحلّيّ، وتنجز في هذه المجمعات، علاوة على العمليّات التّصنيعيّة، عمليّات التّسويق والتّمويل أيضاً، ولكنّ في ذلك الوقت الذي وقعت فيه كوريا الجنوبيّة في تلك الأزمة الماليّة،تعرّضت "إلى هبوط عملتها الون won، بنسبة 49,1% إزاء الدّولار خلال الفترة من بدء الأزمة التّايلانديّة في 2 يوليو 1997 إلى 24 كانون الثّاني 1998،....لقد سبق لكوريا أن تمرّغت في ديون باهظة من قبل. لكنّ ميزانيّاتها كانت مستقرّة، وكانت لديها شركات ذات شهرة ضاربة.... ولكنّ ما إن داهمت الأزمة الماليّة التّشيبولات، وهي تخوض لعبة التّنافس على المقاعد الشّاغرة القليلة، حتّى قضت عليها المستويات العالية جدّاً من المديونيّة قياساً إلى الشّركات الغربيّة"(28)، وقد تعزّز عند أولئك المضاربين "الشّعور بالنّصر من خلال الانهيار الذي عصف باقتصادات دول النّمور"(29)، وكانت اعتمدت الشّركات الكوريّة على تلك القروض الكبيرة التي كانت تحصل عليها، وهي "كانت مهدّدة دوماً بتجاوز مستويات الدّيون لمستويات العائدات، بمجرّد أن يتوقّف تدفّق رأس المال، ويبدأ خفض قيمة العملة برفع تكاليف قروضها الخارجيّة"(30)، وكانت السّرعة التي اتسّم بها انطلاق الشّركات الكوريّة في ميدان التّصنيع "مكّنتها من التّطوّر العاصف بضخّ مقادير ضخمة من الرّساميل في المشاريع الرّئيسيّة، والتّركيز على أخذ حصّة من أسواق التّصدير، بدل أن تشغل نفسها بالرّبحيّة قصيرة الأجل، وعليه فإنّ هذه الشّركات ستكون بالغة الضّعف أمام أيّ أزمة ائتمان، ما لم تتمتّع بعلاقة تعاونيّة طويلة الأمد مع المصارف"(31)، وكانت كوريا الجنوبيّة حقّقت نمواً اقتصاديّاً مطّرداً، وهي "لم تعد بلداً ناميّاً مثل تايلاند(32)، حيث انضمّت كوريا الجنوبيّة إلى صفوف البلدان الصّناعيّة، وأصبحت عضواً في منظّمة التّعاون والتّنمية الاقتصاديّة في العام 1996.

تحقّق الانفتاح الاقتصاديّ الواسع في كوريا الجنوبيّة في مطلع سنوات التّسعينيّات، فأنشئت المصارف الكثيرة آنذاك، وقد "استغلّت التّشيبولات تدنّي معدّلات الفائدة في الخارج لتقترض العملات الأجنبيّة بإفراط. وبدأت بالاستثمار في مشاريع ملتبسة، ممّا أدّى إلى فيض الإنتاج، في ظلّ آفاق ضعيفة لتحقيق الرّبح"(33)، ولم يكن يتاح بسهولة للشّركات الكوريّة، أن تدرك النّجاح في اتّباعها ذلك النّهج الذي سلكته في إنجاز عمليّاتها الاستثماريّة، حيث لم يكن "في مقدور هذا النّموذج أن ينجح تماماً إلّا إذا ركّز على الصّناعة التّحويليّة الموجّهة إلى التّصدير، وحافظ على ضوابط داخليّة قويّة تنظّم الإقراض المصرفيّ، وضوابط خارجيّة على رأس المال"(34)، وبعد أن اندلعت تلك الأزمة الماليّة في دول النّمور الآسيويّة، فإنّرؤوس الأموال "غادرت بلدان الاقتصادات النّاشئة وعادت إلى أمريكا وأوروبا. عادت لتخلق في هذه المناحي من العالم الازدهار المحموم الذي مرّ به الاقتصاد الجديد، أي قطّاع التّكنولوجيا الحديثة. فكما هو معروف، فإنّ هذا الازدهار انتهى، في آخر المطاف، نهاية كان لها دوي عظيم"(35)، وفي ذلك الأوان في عام 1997، الذي حدثت فيه الأزمة الماليّة، كانت نشوة الذّهب أو الازدهار الاقتصاديّ، قد تلاشت مضمحلّة، وأمّا النّتائج التي أفضت إليها تلك الخسائر التي نكب بها النّشاط الاقتصاديّ، في بلدان النّمور الآسيويّة، فكانت جليّة في الأنشطة العديدة، التي كان يمارسها في تلك البلاد النّاس الذين تكبّدوا متاعب عديدة، ومشاقّ شديدة.

1-أولريش شيفر، انهيار الرّأسماليّة، أسباب إخفاق اقتصاد السّوق المحرّرة من القيود، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 371، الكويت، يناير 2010، ص151.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السّابق، ص152.

4- المصدر السّابق.

5- المصدر السّابق، ص152، 153.

6- المصدر السّابق، ص153.

7- المصدر السّابق.

8- المصدر السّابق.

9- المصدر السّابق.

10- المصدر السّابق.

11- المصدر السّابق.

12- المصدر السّابق.

13- المصدر السّابق، ص146، 147.

14- المصدر السّابق، ص147.

15- المصدر السّابق، ص149.

16- المصدر السّابق.

17- المصدر السّابق.

18- المصدر السّابق.

19- المصدر السّابق، ص149، 150.

20- المصدر السّابق، ص153.

21- عمرو محيي الدّين، أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص33.

22- أولريش شيفر، مصدر سابق، ص153.

23- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص234.

24- بول هيرست وجراهام طومبسون، ما العولمة، الاقتصاد العالميّ وإمكانات التّحكّم، ترجمة: د. فالح عبد الجبّار، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 273، الكويت، سبتمبر 2001 ، ص218.

25- المصدر السّابق.

26- المصدر السّابق.

27- أولريش شيفر، مصدر سابق، ص153.

28- بول هيرست، مصدر سابق، ص219.

29- أولريش شيفر، مصدر سابق، ص168.

30- بول هيرست، مصدر سابق، ص219.

31- المصدر السّابق، ص217.

32- المصدر السّابق.

33- المصدر السّابق، ص218.

34- المصدر السّابق، ص217.

 

35- أولريش شيفر، مصدر سابق، ص168.

يستميل التّنافس الذي يجري بين اللّاعبين الرّياضيّين، أفراد الجمهور إلى متابعة وقائع المباريات التي تجمع بين أولئك المتبارين في ميادين الرّياضة، وكان كلّما ازداد ذلك التّنافس الجاري في تلك المباريات شدّة، وتصاعدت حميّا ذلك التّباري حدّة، يتقوّى شغف أفراد الجمهور بمشاهدة تلك المباراة الرّياضيّة، ويتأكّد ولعهم بمتابعة أحداث ذلك التّنافس الحاصل بين اللّاعبين المتبارين، وعندما كانت تبلغ تلك المنافسة الرّياضيّة أشدّها، سرعان ما يتوثّق ميل أفراد الجمهور إلى رؤية تلك المباراة، التي تبلغ فيها المنافسة أوجها، فيحلّ ذلك التّنافس الرّياضيّ بصدارة تلك الأسباب، التي يفضي تحقّقها إلى ازدياد أعداد الجماهير التي تتابع المباريات الرّياضيّة، وتكاد تلك المنافسة القويّة، ترجح على سائر الذّرائع، التي يتوسّل بها، إلى حثّ الجموع الغفيرة من النّاس على متابعة وقائع التّباري الرّياضيّ، فإذا افترضنا أنّ الجمهور الذي يرى المباريات، يرغب أساساً في أن يرى أداء اللّاعبين المتقن، في إنجازهم الألعاب الرّياضيّة التي تتضمّنها تلك المنافسات التي يخوضون غمارها، وأنّ أفراد ذلك الجمهور، يمنّون أنفسهم برؤية طرائق اللّعب التي يتّبعها اللّاعبون، ترتفع إلى مستوى عال من مراتب الرّوعة، فإنّ أفراد ذلك الجمهور إذا أرادوا حقّاً أن يكون الرّياضيّون في تلك المنافسات التي يخوضون غمارها، يتّصفون بتلك المهارة الفائقة في إنجازهم ذلك اللّعب الرّياضيّ في ساحات الملاعب، فإنّ أفراد ذلك الجمهور يعمدون أحياناً كثيرة إلى أن يتنازلوا عن سعيهم إلى أن ينالوا ذلك المأرب، الذي كانوا وضعوه نصب أعينهم، عندما انتووا أن يشاهدوا المباريات الرّياضيّة، ويضربون بذلك المبتغى عرض الحائط، بشرط أن يتحقّق التّنافس الرّياضيّ الشّديد بين اللّاعبين.

إنّ هذه الرّغبة التي يتطلّع جمهور الرّياضة إلى أن يدركها، في رؤيته أحداث التّنافس الرّياضيّ القويّ، يجب ألا تغيب عن بال الأشخاص، الذين ينعمون النّظر في مسألة اندفاع الجمهور في رؤية المباريات الرّياضيّة، فأفراد الجمهور يرتضون أن تكون المباراة الرّياضيّة خالية من معالم اللّعب الرّائع المتقن، إن كانت تنطوي تلك المباراة على أحداث ذلك التّنافس المثير الحاصل بين اللّاعبين الرّياضيّين، ويقبل ذلك الجمهور بانحدار مستوى الأداء الرّياضيّ عن تلك المرتبة العالية، التي كان يرغب في أن يرتقي إليها أداء اللّاعبين، إن استعاض عن تحقّق ذلك الإتقان الذي يفترض أن يتّسم به أداء الرّياضيّين في المباريات، بذلك التّنافس الشّديد الذي يجري بين اللّاعبين المتبارين، فيعرض ذلك الجمهور عن متابعة مباراة رياضيّة، يظهر فيها اللّاعبون مهاراتهم في تنفيذ طرائق اللّعب الرّفيع، إن كانت تفتقد تلك المباراة، إلى خاصيّة التّنافس الرّياضيّ القويّ، بيد أنّ حقيقة ذلك الاختيار الذي قرّر أن يجريه هذا الجمهور، وتلك الموازنة التي ينجزها بين حالتين من ذلك التّباري الرّياضيّ الجاري في الملاعب، لا يعبّران في ذاتيهما عن تقييم الجمهور تلك الخصائص التي تتّسم بها هاتين الحالتين من أنماط الأداء الرّياضيّ، لأنّ اللّعب المتقن هو مطلب الجمهور الأساسيّ، لكنّه يجب أن يغلب على طريقة اللّعب الرّفيعة، طابع التّحفيز والتّشويق اللذين يدفعان الجمهور إلى متابعة وقائع التّنافس الرّياضيّ الشّديد.

كان الانهيار الماليّ الذي أصاب أسواق سعر الصّرف في منتصف عام 1997، في دول النّمور الآسيويّة، دليلاً بيّناً على نشوء تلك الأزمة الماليّة التي وقعت فيها تلك البلدان الآسيويّة، إذ قدّر عدد المصارف التي أعلنت إفلاسها في بلدان تلك الأزمة الآسيويّة بالمئات، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من المشاريع التي توقّف فيها مجرى الأنشطة الماليّة لعلّة الإفلاس(1)، وقد تركّزت حدّة ذلك التّدهور الماليّ بخاصّة في كوريا الجنوبيّة وتايلاند وإندونيسيا، وإذا كان انتقال رؤوس الأموال إلى خارج تلك البلاد الآسيويّة، أخلّ بانتظام مجرى العمليّات الماليّة في تلك الدّول الآسيويّة، فإنّه لا يتعذّر الوقوف على علّة ذلك الضّعف الذي يكمن في قوام النّظام الماليّ في تلك البلدان، التي تأكّد في الحديث عن الأزمة التي أصابتها رجحان "الفكرة القائلة إنّ الأزمة كانت في الأساس (أزمة سيولة)، وأزمة النّظام الماليّ، لا أزمة نابعة من (الأسس الفعليّة) التي ظلّت بمعظمها سليمة"(2)، وقد ثبتت رجاحة تلك الفكرة بعد أن تبيّن أنّ إجماليّ العرض كان "أكبر من إجماليّ الطّلب، وهذا افتراض معقول عن الوقائع نظراً لأنّ الأزمة تركت هذا الاقتصاد بفيض عرض ممكن"(3)، وقد عانت المصارف الآسيويّة نقصان سيولة النّقد الأجنبيّ، إذ كانت المشاكل التي وقعت فيها تلك المصارف، نجمت عن أزمة شحّ السّيولة الدّوليّة التي أصابت تلك الأقطار الآسيويّة.

اعتمدت الشّركات في بلدان النّمور الآسيويّة اعتماداً وطيداً على التّوسّع في تحقيق عمليّات التّمويل، التي تستجلب بواسطتها رؤوس الأموال التي كانت بحاجة إليها، وكانت تلك الشّركات الآسيويّة جهدت في أن تحقّق ذلك التّمويل الواسع، نظراً إلى تلك الخصائص التي اتّسم بها قوام تلك الشّركات، التي كانت تختلف عن الشّركات المناظرة لها في سائر بلدان العالم، فإذا كانت "ترتيبات تمويل الشّركات الأنجلو_ أمريكيّة، التي تعتمد بالأساس على رأس المال المساهم، فإنّ الشّركات الآسيويّة تتوجّه إلى، وتعتمد على، القروض المصرفيّة ذات الفائدة الثّابتة. وعليه فإنّ الشّركات في شرق آسيا تتعرّض لصدمات أعنف من ناحية السّيولة خلال أيّ ركود ماليّ، وتتطلّب دعماً مستديماً وسخياً من السّيولة، إن كان لها أن تخرج من الرّكود بنجاح"(4)، والمعنى الذي تتضمّنه فكرة توفّر السّيولة الدّوليّة في أيّ بلد من أقطار العالم، هو إظهار "قدرة الدّولة على الوفاء بديونها للدّول للأخرى وتسوية معاملاتها الدّوليّة"(5)،وتحرص دول العالم على أن تنمّي "احتياطيّاتها من الذّهب والعملات الأجنبيّة، لتسوّي مديونيّاتها إلى الدّول الأخرى، إمّا بتحويل الذّهب وإمّا بمدفوعات من عملتها الخاصّة، أو من عملات أجنبيّة"(6)، وتحدث أزمة السّيولة في قطاع الأعمال الماليّة عندما يحدث "نقص في السّيولة النّقديّة اللّازمة لنمو الأعمال التّجاريّة, والدّفع للمعاملات اليوميّة, أو الالتزام بالوفاء بالدّيون في مواعيد محدّدة. وتعتبر السّيولةعلى أنّها كمّيّة الموجودات القابلة للتّحويل إلى نقد، مضافاً إليها ما يمكن الحصول عليه من الأسواق الماليّة، ومن تسديد العملاء لالتزاماتهم تجاه المصرف، سواء على شكل فوائد كان هذا التّسديد، أو أقساط قروض"(7)، فتسبّب خروج رؤوس الأموال الأجنبيّة من تلك البلاد الآسيويّة، بعرقلة تلك الأنشطة التي كانت تمارس في الشّركات المؤسّسات الماليّة في تلك الأقطار الآسيويّة.

تدأب أقطار العالم في أن تزيد مقدار السّيولة النّقديّة في احتياطيّاتها من العملات الأجنبيّة، كي تفي بتسديد التزاماتها الماليّة، لأنّ "تدنّي أو اختفاء السّيولة الدّوليّة لأيّ نظام ماليّ، كان يؤدّي إلى عدم الاتّساق أو التّوافق بين آجال استحقاق كلّ من الأصول والخصوم (الموجودات والمطلوبات) الدّوليّة لهذا النّظام"(8)، فكانت تتحدّد حالة الشّحّ في السّيولة الدّوليّة لأيّ نظام ماليّ، إذا عجز عن أن يفي بتعهّداته الماليّة، ويتجلّى ذلك العجز الذي يقع فيه ذلك النّظام "حينما تفوق التزاماته قصيرة المدى وبالعملة الأجنبيّة، ما في حوزته أو ما يمكن أن يحصل عليه من عملة أجنبيّة في المدى القصير. فإذا عجزت أصوله المقوّمة بالعملة الأجنبيّة قصيرة المدى _أو بمعنى أدقّ أصوله السّائلة بالعملة الأجنبيّة_ عن تغطية خصومه والتزاماته قصيرة المدى المقوّمة بالعملة الأجنبيّة، فإنّ النّظام الماليّ يفقد سيولته الدّوليّة، ويصبح عاجزاً عن الاستجابة والتّصدّي لأيّ صدمة خارجيّة يترتّب عليها النّزوح من العملة الوطنيّة(9)، وتعبّر الخصوم عن الالتزامات المستحقّه على المؤسّسات الماليّة، فهي الحقوق الماليّة التي تتعهّد تلك المؤسّسات بأنّ تسدّدها للأشخاص والأجهزة، التي تتعامل مع تلك المؤسّسات الماليّة، وكان المستثمرون والأشخاص الذين كانوا ضخّوا أموالهم في المؤسّسات الماليّة الآسيويّة، قد استدلّوا على وقوع الأزمة الماليّة في تلك المؤسّسات، بدلائل عديدة كانت تنذر بنشوء تلك الأزمة، وما لبث أن اندفع أولئك المستثمرون في أن يسحبوا أموالهم من تلك الأجهزة الماليّة الآسيويّة، ودأبوا في أن يحوّلوها إلى خارج تلك البلدان الآسيويّة، وكانت في طليعة تلك الدّلائل، التي استرشد بها أولئك المستثمرون على قرب موعد نشوء تلك الأزمة الماليّة في تلك البلاد الآسيويّة، هو كميّة النقّود الشّحيحة من العملات الأجنبيّة، التي لم تكن كافية لأن يسدّد بها التزامات تلك المؤسّسات الماليّة.

اندرجت في عداد الخصوم أو المطلوبات الدّوليّة أو الأجنبيّة "رصيد المديونيّة الأجنبيّة قصيرة الأجل، والودائع تحت الطّلب المقوّمة بالعملات الأجنبيّة"(10)، وقد ميّز بين هذين النّوعين من الخصوم لأنّ أولى تلك المطلوبات "تمثّل التزامات تجاه الأجانب، في حين أنّ الثّانية تمثّل التزامات تجاه المحلّيّين"(11)، وقد تلحق أيضاً بتلك الخصوم الدّوليّة "رصيد الودائع تحت الطّلب المقوّمة بالعملة المحلّيّة، وذلك على أساس أنّه في ظلّ نظام سعر الصّرف الثّابت مع القابليّة للتّحويل، يمكن النّظر إلى هذه الودائع باعتبارها فعليّاً وواقعيّاً التزامات بالعملة الأجنبيّة"(12)،وقد حدّدت الأسباب التي تؤدّي إلى تدنّي مقدار السّيولة الدّوليّة للأنظمة الماليّةفي "زيادة الالتزامات الدّوليّة قصيرة الأجل بمعدّلات متسارعة، وزيادة المديونيّة المقوّمة بالعملات الأجنبيّة"(13)،ولا ريب في أنّ توافر السّيولة من العملات الأجنبيّة عند الأنظمة الماليّة، تعزّز في نفوس الأفراد الذين يتعاملون معها، الثّقة بقدرة تلك الأنظمة على الوفاء بالتزاماتها وتعهداتها الماليّة.

لا تقتصر المنافع التي يحقّقها توافر السّيولة الدّوليّة، على تأكيد إمكانيّة وفاء المؤسّسات الماليّة بتعهداتها، وإثبات قدرتها على تسديدها الالتزامات الماليّة، بل إنّ تلك السّيولة الماليّة الوفيرة، كانت تزيد أيضاً منعة تلك الأنظمة الماليّة في مجابهة الأشخاص المضاربين، الذين يجهدون في جني المكاسب بتنفيذهم عمليّات المضاربة، التي كانت تجابهها الدّول بشرائها العملة المحلّيّة "لرفع قيمتها (سعر صرفها) ولو مؤقّتاً، وذلك لعقاب هؤلاء الذين يراهنون على انخفاضها"(14)، وبالنّظر إلى تلك المنفعة التي تتحقّق باستخدام تلك الأموال المتوفّرة من العملات الأجنبيّة، في مجابهة المضاربين، فإنّه كان يطلق على تلك السّيولة الدّوليّة عبارة "نظام الحماية الذّاتيّة"(15)، فتعتبر السّيولة الدّوليّة "بحقّ هي مفتاح الحماية الذّاتية لأيّ نظام ماليّ من الانهيار، وأيّ دولة لديها حجم كاف من السّيولة الدّوليّة _أي حجم كبير من احتياطيّ النّقد الأجنبيّ، بجانب توافر مصدر مضمون وسريع للاقتراض بالعملة الأجنبيّة_ من الصّعب أن تتعرّض لأزمة العملة أي أزمة سعر الصّرف"(16)، فتوفّر السّيولة يحقّق استقرار المعاملات الماليّة، بل تغرس في نفوس المستثمرين الثّقة باستمرار ذلك النّشاط الماليّ، وتحرص المؤسّسات الماليّة على أن تتوفّر عندها دائماً كمّيّة وفيرة من السّيولة النّقديّة الأجنبيّة، كي تتمكّن من أن تفي بالتزاماتها الماليّة، ولتزيد من منعتها تجاه الأزمات التي قد تصيب تلك المؤسّسات الماليّة.

1-أولريش شيفر، انهيار الرّأسماليّة، أسباب إخفاق اقتصاد السّوق المحرّرة من القيود، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 371، الكويت، يناير 2010، ص150.

2- بول هيرست وجراهام طومبسون، ما العولمة، الاقتصاد العالميّ وإمكانات التّحكّم، ترجمة: د. فالح عبد الجبّار، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 273، الكويت، سبتمبر 2001 ، ص238.

3- المصدر السّابق.

4- المصدر السّابق.

5- موقع الموسوعة الاقتصاديّة.

6- المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق.

8- عمرو محيي الدّين، أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص94.

9- المصدر السّابق.

10- المصدر السّابق، ص95.

11- المصدر السّابق.

12- المصدر السّابق.

13- المصدر السّابق.

14- المصدر السّابق، ص211.

15- المصدر السّابق.

         16- المصدر السّابق، ص215.

بدأ متوسّط العمر في العديد من دول العالم، في أن يرتفع بعد أن رسخت في تلك البلدان قواعد العناية بصحّة الأفراد، الذين توفّرت لهم وسائل الوقاية من الإصابة بالأمراض، علاوة على أنّهم أخذوا ينعمون بوجودأسباب الرّعاية الصّحّيّة المتطوّرة، وقد أفضى أيضاً التّقدّم الطّارئ على طرائق معالجة تلك الأمراض التي تصيب النّاس، إلى أن يرتفع متوسّط العمر في دول شتّى، حيث قدّرت إحدى الدّراسات الإحصائيّة التي نشرت في عام 2002، أنّه يتوقّع أن يزداد في العالم عدد المسنّين الذين تخطّوا السّتين من العمر، من نسبة 10% إلى نسبة 20%، بين سنة 2000 و2050، وقد ذكر في دراسة أصدرتها إحدى المنظّمات الدّوليّة التي ترعى شؤون المسنّين "أنّ نسبة الأفراد الذين تخطّوا سنّ السّتين في الأقطار العربيّة والنّامية بلغت  10% من مجموع السّكّان"، ويقدّر أنّ أعداد المسنّين الذين سيتخطّون السّتين عاماً من العمر، في دول العالم قاطبة، سيبلغ في العام 2020 مليار مسنّاً، وكانت منظّمة الصّحّة العالميّة قدّرت أعداد المسنّين في العام 2000 "بنحو {590} مليون مسنّاً منهم {230} مليون يعيشون في البلاد المتقدّمة، و{360} مليون يعيشون في البلاد النّامية، وتبلغ نسبة المسنّين في البلاد العربيّة {55%} من أعداد المسنّين في تلك البلاد النّامية"، فأدّى تطوّر وسائل العناية بالصّحّة، إلى أن تتحقّق تلك المنافع الجليلة التي هنأ بها خصوصاً أولئك النّاس الطّاعنون في السّنّ.

إنّ تغيّر أنماط المعيشة التي اعتاد النّاس أن يأخذوا بها في سالف الأزمان، تسبّب بأن تنشأ عند غالبيّة الأفراد حاجات جديدة، لم تكن توجد عندهم من قبل، وكانت فئة الأفراد المسنّين هي في عداد الجماعات، التي تأثّر أفرادها بذلك التّبدّل الذي طرأ على طريقة معيشة النّاس في بلدان العالم، فإذا كانت نشأت عند أولئك المسنّين حاجات صحّيّة جديدة نجمت عن تقدّمهم في العمر، فإنّ العناية الطّبّيّة المتوفّرة في العديد من المجتمعات، كانت كفيلة بأنّ تهيّئ الطّرائق المناسبة التي تسدّ بها تلك الحاجات الصّحّيّة، وقد كانت تلك الرّعاية الطّبّيّة ساهمت أساساً في أن يرتفع متوسّط أعمار النّاس، إلّا أنّ تلك الفئة ذاتها من الأفراد المسنّين، لم تكن لتظهر في ضحة بيّنة، لولا ذلك التّغيّر الحادث في أنماط معيشة النّاس، حيث طرأ التّبدّل على حجم الأسر، التي شرعت في أن تتّخذ هيئة الأسرة النّوويّة التي تضمّ الزّوجين وأولادهما، فبدأت تتفكّك الرّوابط العائليّة، التي كانت تجمع بين الأجيال المختلفة، إذ كانت تضمّهم معاً في غابر الأيّام تلك العائلة الممتدّة، وكانت فئة الأشخاص المسنّين، التي تمخّض بها ذلك التّغيّر الذي طرأ على حجم الأسرة، قد تميّزت عن سائر مجموعات الأفراد الذين يضمّهم المجتمع، بتلك الحاجات الجديدة التي نشأت عند أولئك المسنّين، وقد سعت منظّمات دوليّة عديدة إلى أن تدرج مسألة تلبية تلك الحاجات عند المسنّين، في عداد تلك الحقوق، التي يجب أن ينعم بها أولئك الأفراد المسنّون، فتبدّل أنماط المعيشة التي يحياها النّاس في هذا الزّمن المعاصر، ما برح ينتج عند المسنّين مجموعة جديدة من الحاجات، التي لم تكن تحظى برعاية المؤسّسات والمنظّمات الموجودة في المجتمع، الذي يعيش فيه هؤلاء المسنّون، وقد دفعت تلك الحال التي آل إليها مصير أولئك المسنّين، إلى أن تولي المنظّمات والمؤسّسات الدّوليّة شؤون المسنّين، الرّعاية الملائمة لتحقيق مطالب هؤلاء الأفراد الذين تقدّموا في العمر.

 

اندفعت منظّمات عديدة في أن ترعى شؤون كبار السّنّ، وقد انطلقت منظّمة الصّحّة العالميّة في رعاية صحّة هؤلاء المسنّين منذ سنوات الثّمانينيّات، وكانت هيئة الأمم المتّحدة قرّرت أن يكون عام 1999 عاماً دوليّاً للمسنّين، بينما خصّصت منظّمة الصّحة العالميّة شعارها لذلك العام ذاته، ليكون أساسه هو العناية بصحّة المسنّين،وقد قرّرت هيئة الأمم المتّحدة أن يكون يوم 1 أكتوبر في كلّ عام، هو اليوم الدّوليّ للمسنّين، أو كبار السّنّ كما يذكر أحياناً، حيث يكون ذلك اليوم هو مناسبة سنويّة عالميّة، وقد سبق ذلك القرار الذي أصدرته الأمم المتّحدة، بتحديدها العيد السّنويّ للمسنّين، بروزُ العديد من الأعمال، التي أتتها المؤسّسات والمنظّمات السّاعية إلى تحقيق العناية بشؤون أولئك المسنّين، واندرجت في عداد تلك المساعي التي بادرت إلى أن تنجزها تلك المؤسسّات الدّوليّة "خطّة عمل فيينا الدّوليّة للشّيخوخة والتي اعتمدتها الجمعيّة العالميّة الأولى للشّيخوخة في عام 1982، وأيّدتها الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة"، وقد اعتمدت الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة "مبادئ الأمم المتّحدة المتعلّقة بكبار السّنّ بموجب القرار 46/91 في 16 كانون الأوّل في عام 1991"، وأمّا المناسبة السّنويّة التي يجري فيها إحياء اليوم العالميّ للمسنّين فقد حدّدتها الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة "بموجب القرار 106/45 في 14 كانون الأوّل في عام 1990"، إذ نصّ ذلك القرار على اعتبار يوم الأوّل من تشرين الأوّل يوماً دوليّاً لكبار السّنّ، ثمّ اعتمدت الجمعيّة العامّة الثّانية للشّيخوخة "خطّة عمل مدريد الدّوليّة المتعلّقة بالشّيخوخة للاستجابة للفرص والتّحدّيّات في ما يتّصل بالشّيخوخة في القرن الحادي والعشرين، وتعزيز تنمية المجتمع لكلّ الفئات العمريّة"، وقد قرِّر أن يكون موضوع الاحتفال لهذا العام الحاليّ 2015 هو "الاستدامة وشمول جميع الأعمار في البيئة الحضريّة"، فكانت أنشطة تلك المنظّمات الدّوليّة، تتوسّع دائماً في رعايتها شؤون المسنّين، على قدر امتداد ونمو تلك الحاجات التي تنشأ عند كبار السّنّ.

تعمد دول العالم إلى أن تقيم فيما بينها العلاقات الاقتصاديّة، التي تشتمل على المعاملات الماليّة والتّجاريّة المتنوّعة، ويترتّب على قيام تلك الرّوابط الاقتصاديّة، أن تنشأ مجموعة من الحقوق والالتزامات، التي تدرج في "بيان إحصائيّ يظهر المعاملات التي تتمّ بين حكومات ومواطنين ومؤسّسات محلّيّة لبلد ما، مع مثيلاتها لبلد أجنبيّ خلال فترة معيّنة تكون عادة سنة واحدة"(1)، وذلك البيان الإحصائيّ ويسمّى أيضاً بالسّجل المحاسبيّ، والذي يتضمّن معاملات الدّولة الماليّة خلال تلك الفترة الزّمنيّة المحدّدة، يطلق عليه عبارة ميزان المدفوعات، وهو يحتوي على الحساب الجاري (Current Account)، الذي يضمّ الميزان التّجاريّ (Trade Account) الذي يشتمل على الصّادرات والواردات من السّلع، وهي تسمّى بالتّجارة السّلعيّة، أو التّجارة المنظورة، ويعدّ الميزان التّجاري موجباً إذا زادت قيمة الصّادرات على قيمة الواردات، حيث يوجد فائض في الميزان التّجاريّ، ويكون الميزان التّجاريّ سالباً إذا زادت قيمة الواردات على قيمة الصّادرات، فيحدث عجز في الميزان التّجاريّ، ويضمّ ميزان المدفوعات أيضاً ميــزان الخدمــات(Trade in Services)  الــذي يشــتمل على معامــلات الخدمات، وهي على سبيل المثال خدمــات النّقــل والسّــياحة والشّحن والخدمات المصرفيّة، وتلك الخدمات تندرج في نطاق التّجارة غير المنظورة، ويتضمّن حساب ميزان المدفوعات أيضاً "الدّخــل مــن الاســتثمار (Investment Income)  الــذي يضــمّ العائــد علــى الاســتثمارات مثــل: العائــد علــى الودائــع، والأوراق الماليــّة، والاســتثمار الأجنبــيّ المباشــر. ويشمل أيضاً حســاب التّحويلات مــن طــرف واحــد(Unilateral Transfer)  ويضمّ المنح والمســاعدات، ويشتمل أيضاً على حســاب رأس المــال (Capital Account)  الذي يحتوي على حســاب رأس مــال الاســتثمارات الخاصــّة ((Private Investment التي تضــمّ الاســتثمار الأجنبــيّ المباشــر وغيــر المباشــر، مثــل بيــع وشــراء الأوراق الماليّــة (الأســهم والسّــندات)"(2) ويحتوي ميزان المدفوعات أيضاً القــروض الرّســميّة، بالإضافة إلى حســاب الاحتياطــيّ الرّســميّ ((Official Reserve Account الذي يشتمل على حيــازات الاحتياطــيّ الأجنبــيّ لــدى المؤسّســات النّقديـّـة.

عانت دول النّمور الآسيويّة منذ مطلع سنوات التّسعينيّات العجز في ميزان المدفوعات، الذي ازداد في منتصف ذلك العقد العاشر، حتّى بلغ ذروته قبيل نشوء الأزمة الماليّة التي أصابت تلك البلدان الآسيويّة، وكان يعزى نشوء الفجوة في حساب الخدمات لميزان المدفوعات إلى حساب الشّحن الذي "كان دائماً سالباً بالنّسبة لهذه الدّول نتيجة لغياب أسطول تجاريّ لها"(3)، وقد تكبّدت تلك الدّول الآسيويّة أيضاً "ارتفاع محتوى الواردات من الخدمات بالنّسبة للأنشطة الاقتصاديّة المحلّيّة، وهو ما يعكس اعتماد النّشاط الصّناعيّ المحلّيّ على العالم الخارجيّ (مثل الخدمات الصّناعيّة البتروليّة في إندونيسيا)"(4)، وقد فسّرت علّة نشوء العجز في ميزان المدفوعات، بخروج الأموال التي استدرّتها الاستثمارات الأجنبيّة، إلى خارج تلك البلاد الآسيويّة، إذ كان "الانسياب الضّخم للاستثمارات الأجنبيّة لهذه الدّول في السّنوات السّابقة، قد بدأ في دفع العائد (العائد على الاستثمار) إلى العالم الخارجيّ، وهي ظاهرة مشتركة لكلّ بلدان المنطقة (باستثناء الفلبين)"(5)، وقد سعت تلك الدّول الآسيويّة إلى أن تسدّ العجز في ميزان المدفوعات بواسطة التّدفّقات الأجنبيّة، بيد أنّ هذا المسعى الذي اعتمدته تلك الدّول "لا يصحّ النّظر إليه باعتباره "وجبة مجانيّة"، بل من المتوقّع أن يتزايد حجم الأموال المتّجه نحو الخارج، نتيجة لزيادة مدفوعات الفوائد على القروض الأجنبيّة، وتحويل الأرباح في الآونة الأخيرة"(6)، وقد استمرّ المستثمرون على أن يحوّلوا كمّيّة الأموال التي جنوها في تلك الاستثمارات التي أنشؤوها، إلى خارج تلك البلدان لآسيويّة، التي افتقدت مقداراً كبيراً من سيولة الأموال الأجنبيّة.

ازدادت كمّيّة التّدفّقات من رؤوس الأموال الأجنبيّة إلى دول الأزمة، حتّى بلغت حدّاً كبيراً، ولا سيّما في سنوات التّسعينيّات، حيث "تخطّت معدّلات الاستثمار معدّلات الادّخار المرتفعة، ممّا ترتّب عليه ظهور طاقات زائدة في العديد من القطاعات. وليس غريباً إذن أن توصف هذه الاقتصاديّات بظاهرة الإفراط في الاستثمار باعتبارها إحدى السّمات المهمّة والمميّزة لدول الأزمة"(7)، وكان من النّتائج التي تمخّض بها ذلك الإفراط في الاستثمار هو "خلق طاقة فائضة في العديد من الأنشطة والقطاعات الخدميّة والمحلّيّة التي لا تدخل منتجاتها في مجال التّجارة الدّوليّة، ولا تساهم بالتّالي في حصيلة النّقد الأجنبيّ "Non_ Tradeables"، ممّا كان له آثار وخيمة على اقتصاديّات هذه الدّول"(8)،ولم يقتصر الإفراط لذي حدث في الاستثمار على قطاع الخدمات المحلّيّة في تلك البلدان الآسيويّة، بل أنّه امتدّ إلى "النّشاط الصّناعيّ أيضاً فتشير بعض الدّراسات إلى وجود طاقة فائضة في صناعة الحديد والصّلب، وصناعات موادّ البناء، والصّناعات البتروكيماويّة في تايلاند، وتعتبر كوريا مثالاً حيّاً على الإفراط في الاستثمار في القطّاع الصّناعيّ، ولعل صناعة السّيّارات الكوريّة خير مثل لذلك"(9), فظلّت تلك الدّول تعاني فقدان سيولة النّقد الأجنبيّ، بينما ازدادت تلك الموانع، التي صعّبت عليها عمليّة سداد القروض المصرفيّة التي كانت أغلبيّتها قروض قصيرة الأجل.

أخذت تتّضح تلك المضارّ، التي تسبّب بإنزالها بالنّشاط الاقتصاديّ في تلك البلاد الآسيويّة، ازدياد كمّيّة رؤوس الأموال الكبيرة التي ضخّت في تلك البلدان الآسيويّة، وقد تجلّت تلك النّتائج التي تمخّض بها تلك الزّيادة من التدّفّقات الماليّة في تايلاند، التي إذا اتّخذت مثالاً يوضّح طبيعة تلك الأزمة الماليّة التي أصابت تلك الدّول الآسيويّة، فإنّه يلاحظ أنّه ارتفعت التّدفّقات الدّاخلة من رأس المال إلى الذّروة في ذلك البلد الآسيوّي حيث "بلغت 12,3% من إجماليّ النّاتج المحلّيّ العام 1995، وكان 11,6% من هذه التّدفّقات يتألّف من استثمارات أسهم وسندات ماليّة وتدفّقات أسهم عاديّة بدلاً عن استثمارات أجنبيّة طويلة الأمد،.... وبذا لم تكن تدفّقات الاستثمار الأجنبيّ تعزّز الإنتاج المحلّيّ الفعليّ، أو تقوم بتطوير الصّناعة التّحويليّة، بل تسهم في نفخ فقاعة أسعار الأصول(10)، وتلك الحالة من نفخ تلك الفقاعة تندرج في نطاق اقتصاد الفقاعة أو اقتصاد البالون (The Bubble Economy)، وتنشأ تلك الفقاعة عندما تتسبّب المضاربة على إحدى السّلع بأن يزيد سعرها "بطريقة تؤدّي لتزايد المضاربة عليها. وقتها يبلغ سعر هذه السّلعة مستويات خياليّة، تشبّه انتفاخ البالون، حتّى يبلغ مرحلة ما يسمّى بانفجار الفقاعة أو البالون (الانهيار) وحدوث هبوط حادّ ومفاجئ في سعر هذه السّلعة"(11)، وتتحقّق هذه الفقاعة أيضاً في "الاقتصادات التي تشهد رواجاً اقتصادياً كبيراً لفترات زمنيّة محدودة، دون أن تستند إلى قاعدة إنتاجيّة متينة قادرة على توليد الدّخل المنتظم، والاستمرار في الرّفاهة والرّواج على أسس دائمة ومتواصلة. في النّهاية يؤدّي ذلك لتضخّم أسعار بعــض الأصول الاقتصاديّة نتيجة المضاربات المحمومة، والتي تؤدّي بدورها لحدوث طفرات متوالية في أسعار الأسهم والأراضى والعقارات، دون الاستناد إلى أداء اقتصاديّ حقيقيّ"(12)، وكانت أغلبيّة تدفّقات الاستثمار الأجنبيّ المباشر هي التّدفّقات القصيرة الأجل، التي استخدمها المستثمرون في تحقيق عمليّة المضاربة، التي تسبّبت بانتفاخ فقاعة في أسعار الأصول التي ضخّوا فيها أموالهم.

إنّ تلك الأزمة التي أصابت المشاريع الاستثماريّة في تلك البلاد الآسيويّة، سرعان ما أخذت تمتدّ تلك المضارّ التي أحدثتها، إلى الأصول الماليّة في المصارف الآسيويّة، حيث أدّى "تراجع العائد على الاستثمار في بعض القطاعات وتراجع أسعار الأصول بشكل حادّ قبل انفجار الأزمة إلى تدهور الأصول المصرفيّة"(13)، وإذا كانت الأصول Assets هي مجموع حقوق يمكن تقدير قيمتها بالنّقود،"وهي الأشياء ذات القيمة التي يمكن تحويلها بسهولة إلى نقد، فإنّ النّقد في حدّ ذاته يعتبر أيضاً أحد تلك الأصول، التي تكون عنصراً موجباً للذّمّة الماليّة، وتقابلها الخصوم والدّيون، والأصول قد تكون ثابتة يحتفظ بها أو متداولة لا يحتفظ بها"(14)، وقد أفضى الإفراط في الإقراض إلى أن تتضخّم في تلك البلاد الآسيويّة "أسعار الأصول خاصّة الأصول العقاريّة ممّا أدّى في النّهاية إلى انفجار بالون أسعار هذه الأصول وانهيارها، وقد انعكس ذلك كلّه سلباً، على الجهاز المصرفيّ في شكل زيادة الأصول غير المنتظمة في المحافظ الائتمانيّة للمؤسّسات الماليّة المصرفيّة وغير المصرفيّة، وهو ما يعكس تدنّي إدارة المخاطر وحسابها في هذه المؤسّسات، بجانب التّراخي في الحفاظ على الحدّ الأدنى المطلوب من مؤشّرات سلامة الجهاز المصرفيّ، كالقاعدة الرّأسماليّة ونسبة السّيولة"(15)، وإذا كان حدّد لكلّ أصل من تلك الأصول "قيمة أساسيّة"، فقد اعتبرت الفقاعات هي زيادة في القيمة الحاليّة تفوق هذه القيمة الأساسيّة، وإن رغب في تقدير القيمة الحاليّة لتلك الأصول، فإنّه يجب أن تخفّض قيمة تلك الأصول إلى أن تبلغ القيمة الأساسيّة، وقد ذهب العديد من الاقتصاديّين إلى أن يطابقوا بين علل نشوء ذلك التّضخّم في الأسعار، وأسباب نشوء الفقاعات في أسعار تلك الأصول.

إنّ المستثمرين الذين يسحبون رؤوس أموالهم التي استثمروها في قطّاع العقارات، يلحقون أضراراً بالأصول الماليّة الموجودة في المصارف، إذ اعتبر "أنّ المشكلة في سوق العقار، أنّه كسوق الأسهم، يؤدّي الانسحاب الصّغير منه إلى آثار كبيرة على الأسعار، ممّا يترتّب عليه تعرّض الجهاز المصرفيّ لمخاطر كبيرة، وهي نوع المخاطر التي تدفع المودعين إلى سحب ودائعهم"(16)،فتحدث أزمات انفجار أو انهيار الفقاعة الماليّة، حينما يعمد المضاربون لشراء "أصل ماليّ بسعر يفوق قيمته الأساسيّة في ظلّ توقّع مكاسب رأسماليّة عالية. وفي كلّ فترة قد تنمو الفقاعة وتتضخّم (حيث يتمّ قياس الفقاعة بمدى انحراف سعر الأصل الماليّ عن سعره الأساسيّ ) وقد تنفجر"(17)، ويتابع المضاربون أحوال السّوق التي يقيسون المدى التي تزيد فيه الأسعار، على الرّغم من أنّه ليس في وسع أحد أن يدّعي بأنّ انفجار الفقاعة "حينما يحدث يكون متوقّعاً، كما لا يمكن القول أيضاً أنّه بعيد عن الرّؤية المستقبليّة للمشاركين والمتعاملين في السّوق، لأنّهم يكونون على وعي بوجود الفقاعة. وحقيقة الأمر أنّ أزمة انفجار الفقاعة الماليّة لا يمكن النّظر إليها بمعزل عمّا يحدث في بقيّة النّظام الماليّ والنّظام الاقتصاديّ، فهي لا تنفصل عن سياسة الائتمان والمخاطر المعنويّة. فحتّى يمكن أن يكون الدّخول إلى سوق الأصول الماليّة جذّاباً للمضاربين لا بدّ وأن تتصاعد من فترة لأخرى أسعار هذه الأصول أي أن تنمو الفقاعة وتتضخّم"(18)، ويظلّ المستثمرون المضاربون يرصدون التّبدّل الذي يطرأ على حجم الفقاعة في أسعار الأصول، حيث تسبّبوا هم أنفسهم بنفخ تلك الفقاعة التي ما إن تصل إلى مرحلة الانفجار، حتّى تنشأ تلك الأزمة التي تصيب ميادين عديدة من المعاملات الماليّة.

يفرط المضاربون في رفعهم سعر الأصول، التي ما يبرحون يجهدون في أن يزيدوا قيمتها كي يجنوا الأرباح، التي تنجم بحسب اعتقادهم عن الفارق في الأسعار، الذي يتوقّعون أن يتحقّق، فيعمدون إلى أن يضخّو "كمّيّة من القوّة الشّرائيّة في السّوق تكون كفيلة برفع أسعار الأصول، بحيث يعقب ذلك ضخّ موجة أخرى من القوّة الشّرائيّة لتظلّ الأسعار في ارتفاع مستمرّ، إلى أن يوقن المتعاملون في السّوق أنّ الأسعار السّائدة، وبالتالي معدّل العائد إلى السّعر، قد وصل إلى مستويات لا يمكن تبريرها، فتبدأ عمليّة التّصحيح التي قد تتحوّل إلى انفجار بناء على مدى نمو الفقاعة من جهة، ومدى ثقة المستثمرين في السّوق من جهة أخرى"(19)،وتتفاقم الأزمة الماليّة حينما ينفجر بالون أسعار الأصول ويبدأ التّراجع الحادّ في أسواقها، إذ كانت "مشكلة العقار أنّه يستخدم كضمان للعديد من القروض، وبالتّالي فإنّ تراجع أسعاره يؤدّي إلى انهيار قيم ضمانات البنوك"(20)، فتدفّق الاستثمارات الأجنبيّة يتسبّب بتهديد "الاقتصاد الوهميّ "bubble economy" في العقارات وقيم أصول الأسهم، ويدفعه إلى الصّعود إلى مستويات تتعذّر إدامتها، حيث تبدأ النّتائج السّيّئة والخسائر بالتّراكم"(21)، وقد جرت مقارنة بين أسعار الأصول بين إحدى البلدان الآسيويّة، وبلد يتميّز الأفراد فيه بتحقيق إنتاجية عالية في نشاطهم الاقتصاديّ، علماً بأنّ الإنتاجيّة بالنّسبة لكلّ بلد في العالم، تعتبرالمصدر الحقيقيّ للنّمو الاقتصاديّ ولتحقّق الرّفاهيّة الاجتماعيّة وتحسين وتطوير مستوى المعيشة، وقد اعتقد أنّ "بانكوك التي لا تزيد إنتاجيّة الفرد على 1/12 من إنتاجيّة الفرد في سان فرانسيسكو، ينبغي ألّا تكون قيمة الأرض فيها أعلى من قيمة الأرض في سان فرنسيسكو"(22)، وتظهر تلك المقارنة بجلاء بيّن، ذلك الحجم الكبير الذي بلغته فقاعة أسعار الأصول في تلك البلدان الآسيويّة.

لا تفتقد بلدان هذا العالم الوسائل المناسبة للتّصديّ لعمليّة المضاربة التي ترفع أسعار الأصول التي توجد في تلك الدّول، وتتسبّب بنشوء الأزمات الماليّة الطّاحنة، فلا تعجز المؤسّسات والأجهزة الحكوميّة في تلك البلدان عن مواجهة طرائق المضاربة المتنوّعة، إذ "يتوجّب على الحكومات أن تتّخذ التّدابير لمنع فلتان النّفخ الوهميّ لأسعار الأصول. كمّا أنّها بحاجة إلى أن تقدّر الحدّ الذي ينبغي التّحرّك عنده بحزم لكي تدفع الأسواق المحتدمة بالنّشاط إلى الانكماش"(23)، وقد سعت دولتان من بلدان الأزمة الآسيويّة إلى أن تتصّدى لعمليّة نفخ فقاعة الأصول فيهما، فكانت كلّاً من تايون وسنغافورة "تحرّكتا لكبح النّفخ الوهميّ للأصول، بل إنّ سنغافورة عملت بوجه خاصّ على فرض ضوابط ورسوم على إعادة بيع الممتلكات العقاريّة في العام 1996"(24)، فتبدّت في تلك الأزمة التي عصفت بالنّشاط الماليّ والتّجاريّ في بلدان النّمور الآسيويّة، معالم أزمة تضخّم فقاعة الأصول، حيث "ترتّب على تراجع سوق العقار بدءاً من عام 1995 في أغلب بلدان الأزمة الآسيويّة قبل حدوث انهيارها الكامل في النّصف الثّاني من عام 1997، ظهور العديد من الدّيون غير المنتظمة والمشكوك فيها في المحافظ الائتمانيّة للجهاز الماليّ، سواء أكانت مصارف أم مؤسّسات ماليّة غير مصرفيّة. هذا بجانب اختلال التّوازن بين آجال استحقاق كلّ من الأصول والخصوم، خاصّة للبنوك التّجاريّة والشّركات الماليّة"(25)، فلم تتّخذ تلك المصارف الآسيوّية وسائل الحيطة والحذر، التي تضمن لها تحقّق سلامة تلك المعاملات الماليّة التي تجري في تلك المصارف.

تسبّب الضّعف الذي تتّسم به هيكليّة المصارف الآسيويّة، بأن تتفاقم تلك المضارّ التي نجمت عن أزمة فقاعة الأصول، حيث كان "تسارع معدّلات نمو الائتمان للقطّاع الخاصّ، مع التّراخي في اتّباع قواعد الحيطة والحذر في حساب جدوى المشروعات أو مخاطر الاستثمار، أدّى إلى ظهور نسبة لا بأس بها من الدّيون غير المنتظمة في المحافظ الائتمانيّة للبنوك وشركات الأموال، وذلك قبل انفجار الأزمة، بحيث ترتّب على انفجار الأزمة وما ترتّب عليها من انهيار أسعار الصّرف، وأسعار الأصول الماليّة والعقاريّة وارتفاع أسعار الفائدة إلى زيادة نسبة هذه الأصول غير المنتظمة ممّا وضع النّظام الماليّ والمصرفيّ بصورة خاصّة في هذه البلاد على شفا الانهيار"(26)، فأدّت تلك المضاربة على أسعار العقارات إلى إحداث أزمة ماليّة في تلك المصارف، حيث كانت اتّخذت تلك العقارات رهناً لضمان القروض المصرفيّة، فأدى انهيار أسعار تلك العقارات إلى تلك الأزمة في الأصول الموجودة في المصارف الآسيويّة.

1- موقع الموسوعة الاقتصاديّة.

2- المصدر السّابق.

3- عمرو محيي الدّين، أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص114.

4- المصدر السّابق.

5- المصدر السّابق، ص115.

6- المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق، ص116.

8- المصدر السّابق، ص117.

9- المصدر السّابق.

10-بول هيرست وجراهام طومبسون، ما العولمة، الاقتصاد العالميّ وإمكانات التّحكّم، ترجمة: د. فالح عبد الجبّار، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 273، الكويت، سبتمبر 2001 ، ص210، 211.

11- المصدر السّابق، ص211.

12- موقع الموسوعة الاقتصاديّة.

13- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص171.

14- موقع الموسوعة الاقتصاديّة.

15- المصدر السّابق، ص165.

16- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص169.

17- المصدر السّابق، ص93.

18- المصدر السّابق.

19- المصدر السّابق.

20- المصدر السّابق، ص179.

21- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص209، 210.

22- المصدر السّابق.

23- المصدر السّابق، ص228.

24- المصدر السّابق.

25- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص170.

 

26- المصدر السّابق.