عمد أفراد عديدون في دول شتّى، إلى أن يحتفظوا بتلك الموادّ التي كانت تنجم عن الأنشطة المختلفة، التي بادروا إلى أن يزاولوها، وقد دأب هؤلاء الأشخاص في الاعتناء بتلك الموادّ التي أطلق عليها اسم الوثائق، فجهدوا في أن يوفّروا لها أسباب الحماية، وانبعثت في نفوس النّاس أيضاً في عدّة بلدان، الرّغبة في ترتيب وتنظيم تلك الوثائق، فكانت تلك الأهداف المشتركة والغايات المتماثلة، التي نشأت عند الجماعات المنضوية إلى أقطار متنوّعة، حفزت العديد من أفراد شعوب العالم، إلى التّفكير في إنشاء منظّمة دوليّة، تسعى إلى تمهيد السّبيل إلى تحقيق أهدافهم في حماية تلك الوثائق، والاستفادة منها، وقد تأتّى لتلك المنظّمة أن تنشأ في عام 1948، فتأسّس حينئذ المجلس العالميّ للأرشيف، "ICA" "International council on archives"، وقد تقرّر أن يكون مقرّ ذلك المجلس في باريس، وقد أقام مجلس الدّوليّ للأرشيف جلسته العامّة في سنة 1950 في مقرّ اليونسكو، الذي يوجد أيضاً في مدينة باريس، وذلك المجلس هو منظّمة "غير ربحيّة وغير حكوميّة، يتكفّل أعضاؤها بتمويل نشاطها الذي يقوم أساساً على نشاطات الأعضاء المتنوّعة"(1)، وقد اعتبر ذلك المجلس منظّمة دوليّة نظراً إلى اتّساع نطاق تلك الأعمال التي يأتيها "حيث يعمل بالتّعاون المكثّف مع الهيئات الحكوميّة مثل اليونسكو "UNESCOكما تربطه علاقات وطيدة بمنظّمات غير حكوميّة أخرى"(2)، فيسعى المجلس إلى تنفيذ مهامه التي تتشعّب إلى عدّة مجالات في ميدان العمل الأرشيفيّ.

يضمّ المجلس الدّوليّ للأرشيف المؤسّسات والجمعيّات المهنيّة الأرشيفيّة، بالإضافة إلى الأفراد الذين يزاولون الأنشطة التي تندرج في ميدان الأرشفة بصفتهم الشّخصيّة، وقد انتسب إلى ذلك المجلس 1500 عضو من 199 بلد وإقليم، ويتوزّع أعضاء المجلس الدّوليّ للأرشيف إلى فئات أربع، فتضمّ الفئة "أ" "مديريّات مركزيّة للأرشيف أو مؤسّسات أرشيفيّة وطنيّة وهيئات مماثلة في دول الأعضاء" بينما تشمل الفئة "ب" "جمعيّات وطنيّة تضمّ أشخاصاً مادّيّين أو معنويّين يولون اهتماماً مهنيّاً بتسيير أو حفظ الوثائق والأرشيف أو بالتّعليم والتّكوين الأرشيفيّ"، وتجمع الفئة "ج" "مؤسّسات أو شركات معنية بتسيير أو حفظ الوثائق والأرشيف أو بالتّعليم والتّكوين الأرشيفيّ"، بينما تضمّ الفئة "د" "الأفراد من العاملين الحاليّين أو القدامى في مجال تسيير أو حفظ الوثائق والأرشيف، أو مجال التّعليم والتّكوين الأرشيفيّ"(3)، ويهدف المجلس إلى تنمية خبرات الأفراد سواء أكانوا يزاولون نشاط الأرشفة بصفة شخصّية، أو كانوا يعملون ضمن الجمعيّات والمؤسّسات الأرشيفيّة، وقد هدف المجلس أيضاً إلى "إضفاء الفعاليّة في تسيير الأرشيف والاعتناء بالتّراث الأرشيفيّ وحفظه واستعماله، وهذا من خلال تمثيل مهنيّي الوثائق والأرشيف في العالم قاطبة"(4)،ولا ريب في أنّ تحقّق تنمية مهارات الأرشيفيّين في تأدية مهامّهم في نطاق العمل الأرشيفيّ، يقتضي تهيّئة المجال لهم، في تبادل الخبرات مع سائر الأرشيفيّين في العالم، فسعى المجلس إلى "ترشيد تسيير الأرشيف وضمان حماية مادّيّة للتراث الأرشيفيّ، وإنتاج معايير تحظى بالاعتراف الدّوليّ وإرساء ممارسات مهنيّة حسنة، وتشجيع الحوار والتّبادل وتوصيل المعرفة والخبرة خارج الحدود الوطنيّة(5)، فأتاح المجلس للأرشيفيّين الفرص التي يقدّمون فيها خبراتهم إلى جميع الأشخاص، الذين يسعون إلى التّعامل مع الموادّ الأرشيفيّة المتنوّعة.

تختزن الوثائق الأرشيفيّة خبرات ومعلومات غزيرة، وهي تعتبر مصدراً خصباً للأخبار والمعلومات التي يستند إليها الباحثون والأفراد كافّة، والمجلس الدّوليّ للأرشيف، قدّم الأفكار التي بيّن فيها حقيقة الأرشيف، الذي اعتبره ذلك المجلس أنّه "يمثّل مصدراً فريداً من نوعه، فهو الأثر الوثائقيّ للنّشاط البشريّ. وبذلك فإنّه الشّاهد الذي لا يمكن الاستغناء عنه في سرد أحداث الماضي، ودعم هويّة الأفراد والجماعات"(6)، وقد لحظ المجلس ضرورة توفير الوقاية لتلك الوثائق الأرشيفيّة، لأنّ الأرشيف "يبقى مادّة هشّة معرّضة لمختلف المخاطر. لذا فإنّ المجلس الدّوليّ للأرشيف يبذل قصارى جهوده لحمايته وضمان الوصول إليه، وهذا من خلال الدّفاع عن المهنة، ووضع المعايير، وتنمية القدرات المهنيّة، وتمكين الحوار بين الأرشيفيين وصانعي القرار ومنتجي ومستعملي الأرشيف"(7)، ولا تتحقّق الاستفادة من وجود الوثائق من دون تسهيل سبل الاطّلاع عليها،والإحاطة بها بيسر، من غير أن تحول العوائق دون الوصول إلى تلك الوثائق الأرشيفيّة.

توالى انعقاد المؤتمرات والنّدوات الدّوريّة التي كان يقيمها المجلس الدّوليّ للأرشيف، إذ كان المؤتمر الدّولي للأرشيف "يجتمع مرّة كلّ أربع سنوات في المكان والزّمان اللذين تحدّدهما الجمعيّة العامّة التي تجتمع سنويّاً، في الحالات العادّيّة، ويمكن أن تجتمع استثنائيّاً بدعوة من الرّئيس واللّجنة التّنفيذيّة، أو بدعوة من ثلثي الأعضاء من المؤسّسات والجمعيّات الأرشيفيّة"(8)، ويقيم أيضاً المجلس الدّوليّ للأرشيف "النّدوة الدّوليّة للمائدة المستديرة للأرشيف (CITRA) وتجتمع سنويّاً، بهدف التّداول حول مسائل إستراتيجيّة ومهنيّة كبرى"(9)، وأمّا المناطق التي يؤدّي فيها ذلك المجلس أعماله، فهي تشمل دولاً عديدة في العالم، فالمجلس هو "منظمّة لا مركزيّة وتشكل فروعها منتديات إقليميّة للأرشيفيّين بمختلف بلدان العالم"(10)، فما برح يزداد على الدّوام في دول عديدة في العالم، أعداد الأفراد الذين يستندون إلى تلك الوثائق الأرشيفيّة، في إنجاز أعمالهم في ميادين الأنّشطة المختلفة التي يزاولونها.

1- موقع المجلس الدّوليّ للأرشيف على الأنترنت.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السّابق.

4- المصدر السّابق.

5- المصدر السّابق.

6- المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق.

8- المصدر السابق.

9- المصدر السّابق.

 

10- المصدر السّابق.

 

كابدت النّساء طيلة عصور مديدة مصاعب جمّة عرقلت سعيهنّ إلى أن تذليل العقبات، التي اعترضت دون أن يمضين في تحقيق العديد من رغائبهنّ الملّحة، وقد كانت تتنوّع تلك المطامح التي كانت النّساء يتطلّعن إلى أن يدركنها، بيد أنّهنّ لم يكنّ في أغلب الأحيان يظفرن بطائل من محاولتهن اجتياز العوائق، التي كانت تحول بينهنّ وبين أن يدركن مآربهنّ، وقد تعدّدت تلك المشاقّ التي كانت النّساء عرضة لها، بيد أنّ أشدّ عناء، كنّ يقاسينه، كان مكابدتهنّ تلك القسمة الجائرة، التي وزّعت بها على النّاس مهامّ تنفيذ الأعمال التي كانت تقام في المجتمع، حيث خصّص للنّساء أن يزاولن أعمالاً محدّدة، انحصرت في نطاق عدد معيّن من الأنشطة، ولم يكن يعود على النّساء من مزاولتهن أغلب تلك الأنشطة التي ضمّتها تلك المجموعة الضّيقة من الأعمال، إلّا الفائدة اليسيرة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فتأطّر نشاط المرأة في نطاق ضيّق من الأعمال، وتحدّدت المهامّ التي تؤدّيها في حيّز محدود من الأفعال، التي كانت تقصر عن أن تلبّي بها النّساء تلك الحاجات التي تطرأ عليهنّ، وقد زادت أحوال النّساء سوءاً، عندما اندرجت تلك القسمة الضّيزى المجحفة، في التّقاليد والأعراف التي تضرب بجذورها في مجتمعات شتّى، ولم يكن في وسع النّساء أن يتخلّصن من وطأة تلك التّقاليد البالية التي عفّى عليها الزّمن، وإذا كان الضّرر الذي ينجم عن تلك التّقاليد المتهافتة، يصيب الأفراد جميعهم الذين يتشبّثون بتلك التّقاليد، إلّا أنّ معاناة المرأة تلك العادات والأعراف التي تتناقلها الأجيال فيما بينها، كانت أكثر حدّة من مقاساة سائر النّاس تلك الأعراف والتّقاليد البالية.

 

ظلّت المرأة منذ زمن موغل في القدم، تتجلّد صابرة على تلك الأوضاع التي استقرّت عليها معيشتها، وقد ألحّ عدد كبير من النّاس على الحديث عن تلك الصّفات التي تتّسم بها المرأة، التي كانوا ينعتونها برقّة الجانب، ولين العريكة، وكانوا يؤكّدون تلك النّعوت التي يطرون بها شمائل المرأة وهيئتها، كي يسموا طبعها بسمة الضّعف، من دون أن يتدبّروا في تلك المعاني التي تنطوي عليها تلك النّعوت، التي إن كانوا وصفوا بها المرأة، إلّا أنّه غاب عن أذهانهم أنّ تلك الصّفات كانت تظهر في سياق نشوء الوشائج والرّوابط، التي تجمع بين النّاس في المجتمع، من دون أن تنتقص تلك النّعوت من ثبات عزيمة المرأة وشدّة مريرتها على التّصدّي بصلابة، لتلك المصاعب التي كانت تعترض مجرى الحياة التي تعيشها، وأولئك النّاس الذّين لم يرعووا عن أن يصفوا هيئة المرأة بالضّعف، هدفوا إلى أن يؤكّدوا بحسب زعمهم أنّ المرأة لا تملك القدرة على تذليل العوائق، التي تحول دون أن تنطلق إلى مزاولة الأنشطة العديدة، التي لم تتهيّأ لها الفرص كي تمارسها في الأيام الماضية، ودأب أولئك الأقوام في أن يوهموا النّساء بأنّهنّ يعجزن عن مجاراة الرّجال في مزاولة أنشطة عديدة، بل أنّهم أنكروا على النّساء أيضاً محاولتهنّ أن يتبرمّن من ذلك المآل الذي انتهت إليه أوضاعهنّ، وفرضوا عليهنّ أيضاً أن يستكنّ خاضعات لمصيرهنّ المحتوم، ولم تكن النّساء ينعمن بأغلب تلك المنافع التي تتوافر في المجتمع الذي يعشن فيه، وقد كابدت النّساء في بلدان شتّى، تلك الأعراف والتّقاليد البالية، التي كانت لها سطوة وقدرة على تحديد أحوال تلك المعيشة التي تحياها أولئك النّساء، اللواتي كنّ يقسرن على الرّضوخ لتلك التّقاليد، وقد بدرت من النّساء، مساعي عديدة في التّصدّي لتلك الأعراف والتّقاليد البالية، وقد جهدن في أن يدحضن تلك الحجج والادّعاءات، التي ذهبت فحاويها إلى تسويغ خضوع النّساء لتلك التّقاليد الباطلة.

بدأت قضايا النّساء تحظى منذ مطلع القرن العشرين الفائت، باهتمام وعناية مجموعات عديدة من النّاس، الذين أفضت مساعيهم في معالجة تلك القضايا، إلى أن يخصّص يوماً واحداً في السّنة، يكرّس للاحتفال بثمار تلك الجهود، التي بذلتها النّساء في تذليلهنّ تلك المصاعب التي كنّ يتعرّضن لها، وقد بدئ منذ سنوات العقد الأوّل من القرن العشرين، بالاحتفال بذلك اليوم الذي تستذكر فيه تلك الأعمال، التي كانت أتتها النّساء في سعيهنّ إلى إدراك تلك الأهداف التي كنّ يتطلّعن إليها، وقد سمّي ذلك اليوم الذي يجري فيه ذلك الاحتفال بيوم المرأة العالميّ، وقد بدئ في عام 1975 بالاحتفال بذاك اليوم على نطاق دوليّ، وقد رغبت بعض الدّول في إطالة تلك المدّة، التي يستغرقها الاحتفال بتلك المآثر التي حقّقتها النّساء، حتّى تتجاوز تلك المدّة فترة اليوم الذي كان اعتمد في الأيام الماضية، إذ قرّر أن تمتدّ المدّة التي يجري فيها ذلك الاحتفال حتّى تبلغ أسبوعاً تامّاً، يبتدئ من يوم الثّامن من آذار، وما لبث أن امتدّت أيضاً فترة ذلك الأسبوع في بعض المجتمعات في هذا العالم، حتّى بلغت تلك الفترة التي يستغرقها الاحتفال بالمآثر التي حقّقتها النّساء، مدّة شهر بأكمله، إذ اختير شهر آذار كلّه، ليجري فيه ذلك الاحتفال بشهر المرأة، وكان في أثناء تلك الفترة التي يجري فيها الاحتفال بالمآثر التي حققتها النّساء، تروى الأحاديث التي تخبر عن سعي النّساء إلى مكافحة تلك العوائق، التي كانت تحول دون أن يحصلن على الفرص التي يحققن فيها مطامحهنّ، وقد أصبحت أولئك النّساء اللواتي تمكّن من أن يحققن النّجاح في أعمالهنّ، قدوة يئتمّ بها، وما برحت النّساء يدأبن في تحصيل تلك المنافع التي كانت تتوفّر في المجتمعات الذي ينضوين إليها، ويجهدن في أن يؤكّدنّ أحقّيّتهنّ في أن يستفدن من تلك الفرص التي يحقّق فيها النّاس، تلك الرّغائب التي تلحّ عليهم.

استمرّ النّاس على أن ينتهجوا طرائق متنوّعة في معالجتهم الوقائع المختلفة، التي كانت تظهر في مجرى الحياة التي يعيشونها، وكانت تختلف أحياناً كثيرة تلك الآماد، التي يبلغها عزمهم على أن يأخذوا بتلك السّنن المتنوّعة، التي كانوا يتّبعونها في تصرّفهم في الأحداث المختلفة التي يتصدّون لها، إذ كانوا يحرصون على أن يداوموا على انتهاج طرائق محدّدة، من دون أن يتردّدوا في المضيّ فيها، وكانت تلك الطّرائق ذاتها التي يدأبون أشدّ الدّأب في أن يواظبوا على أن يتّبعوها، في تعاملهم مع الأحداث التي تطرأ عليهم، تندرج أيضاً في مجموعة تلك السّنن، التي اهتدت بها الأجيال المتتالية في تنظيمها أحوال معيشتها، فكانت تلك الأقوام المتعاقبة، تتناقل فيما بينها تلك السّنن التي كانت اتّبعت في أزمنة خلت، في تلك المجتمعات التي اكتنفت أولئك النّاس الذين أخذوا بتلك السّنن المتوارثة، التي كانت غالبيّتها كوّنت جملة العادات والتّقاليد التي ما برحت تتمسّك بها الأجيال المتتالية، إذ كان ينقل الخلف عن السّلف تلك التّقاليد، التي ما برح يتوطّد تمسّك النّاس بها، كلّما مرّت الأزمنة الممتدّة على تلك التّقاليد المتوارثة، التي كانت تسكن إليها نفوس الأفراد الذين مالوا إلى أن يتشبّثو بها.

تهيّأت في تلك العصور التي تطاولت على العادات والتّقاليد المتوارثة، أن ينبعث عند أولئك الأفراد الذين أخذوا بتلك التّقاليد، ذلك الشّعورُ بالسّكينة والاستقرار، اللذين مكّن رسوخهما في نفوس هؤلاء النّاس، مواصلة الأجيال المتعاقبة الأخذ بتلك العادات، التي ربّما لم تكن في ذلك الأوان الغابر الذي نشأت فيه، تبعث في نفوس النّاس، الذين ابتدؤوا في أن يستنّوا بها، ذلك القدر الكبير من الشّعور بالسّكينة، الذي بعثته تلك التّقاليد في أنفس الأفراد الذين عاشوا في تلك الأزمنة، التي أعقبت ذلك الحين الذي نشأت فيه تلك التّقاليد، التي كانت المكانة التي تحلّ بها، تعلو عند الأفراد كلّما طال الزّمن على تلك الفترة التي انبعثت فيها، وقد كانت في أحيان كثيرة، تغيب عن أذهان النّاس تلك الحاجة التي دفعت إلى نشوء تلك التّقاليد، وخصوصاً عندما تمرّ على ذلك الوقت الذي قامت فيه، العصور الطّويلة، وكانت تلك العادات والتّقاليد قد استخلصت من حصيلة الخبرات التي تتراكم عند الأفراد، الذين ما برحوا يلجّون في اعتبارهم تلك التّقاليد معياراً، يحدّدون به آراؤهم في أحوال وأشكال تلك المعيشة التي يحيونها، وغالباً ما كانت تلك التّقاليد تتّسم بثباتها الدّائم، حتّى أنّه كان الأفراد الذين يأخذون بها، يرفضون أن يحيدوا عن أن يتّبعوها، ويحاذرون أن يتهاونوا في التّمسّك بها، ويجهدون في أن يزيدوا منعة تلك التّقاليد في المجتمع الذي ينضمون إليه، حتّى أنّهم لا يتوانون في أن يحبطوا المساعي التي قد يأتيها بعض الأفراد، الذين يقصدون إلى أن يتنصّلوا من التّشبّث بتلك العادات المتوارثة.

 

لم يكن يتأتّى للأجيال المتعاقبة أن تنفكّ من قيد العديد من تلك التّقاليد، التي ظلّت عصيّة على التّغيير، ومنيعة على التّبدّل، وكان يمتدّ ذلك المجال الذي يتحقّق فيه نفوذ تلك التّقاليد، حتّى يشمل أنشطة مختلفة شتّى، كانت تمارس في المجتمعات التي ترسخ فيها تلك التّقاليد، التي حدّدت آراء النّاس في العديد من القيم والمبادئ السّياسيّة والأخلاقيّة، التي كانوا يتطرّقون إلى النّظر فيها، وكثيراً ما كان النّاس يميلون إلى أن يعتقدوا أنّ تلك التّقاليد هي الحصن المنيع، الذي يصون ويحمي المجتمعات التي يعيشون فيها، فيظنّون أنّ تلك التّقاليد هي الدّعائم الثّابتة والرّكائز الوطيدة التي تقوم عليها الجماعات المختلفة، التي ينضمّون إليها، وتعتبر تلك العادات والتّقاليد قوانين غير مكتوبة، فهي غير مسطورة في لوائح القواعد التي تنظّم التّصرّفات التي يأتيها النّاس، وهي غير مرقومة في الكتب التي تنصّ فيها على المبادئ، التي يقوم عليها السّلوك الذي يجب أن يتّبعه الأفراد، وكثيراً ما كانت الأقوام تهتدي بتلك العادات والتّقاليد، في سعيها إلى أن تسنّ تلك التّشريعات التي تنظّم بها المناشط المتنوّعة التي كانت تنشئها، وغالباً ما كانت تلك التّقاليد تتصادم مع تلك الحاجات المستجدّة في حياة النّاس، الذين كان يحول تقيّد البعض منهم بتلك العادات المتوارثة، دون أن يتّبع سنناً جديدة قد تفضل على تلك التّقاليد المتوارثة، في تمهيد السّبيل إلى تحقيق تلك الرّغائب الجديدة التي تنبعث في نفوس أولئك النّاس، الذين كان يتعذّر عليهم في العديد من الأحيان أن يتبيّنوا بضحة، ذلك التّعارض الحاصل بين تلك التّقاليد والعادات، وتلك السّنن والقواعد التي كان يتطّلب نشوؤها، تحقّق رغائبهم المستحدثة، وإذا ما كانت تلك العادات التي يتشبّث بها هؤلاء النّاس، تنطوي على الأفكار البالية والمعتقدات المتهافتة، فتكون حينئذ وطأة هذه التّقاليد والعادات شديدة على أولئك الأناس الذين يأخذون بها.

تسعى الاتّحادات الرّياضيّة الدّوليّة إلى أن تضع القواعد، التي تستند إليها في تنظيمها المباريات التي تجمع بين الرياضيّين المتنافسين، الذين ما برحت أعدادهم تزداد منذ ذلك الأوان، الذي تأسّس فيه العديد من تلك الاتّحادات الرّياضيّة في مطلع القرن العشرين، فمن ينظر في أعداد اللّاعبين والفرق الرّياضيّة، الذين كانوا يتبارون مع بعضهم البعض، في ذلك الوقت الذي أقيمت فيه أولى البطولات الرّياضيّة الدّوليّة، خلال النّصف الأوّل من ذلك القرن المنصرم، فسيجد أنّ تلك الأعداد هي صغيرة، قياساً على المقدار الذي كان يبلغه عدد الرّياضيّين المتبارين في تلك الفترات، التي تلت ذلك الزّمن الذي بدأت فيه المنافسات الرّياضيّة الدّوليّة، وقد دعا ازدياد أعداد الرّياضيّين المتنافسين، الاتّحاداتِ الرّياضيّة الدّوليّة، إلى أن تدأب في أن تغيّر تلك الطّرائق التي كانت تنظّم بها المباريات الرّياضيّة، التي كان يتنافس فيها رياضيّو البلدان الكثيرة، التي توالت في الانضمام إلى تلك الاتحادات الرّياضيّة الدّوليّة، وكانت أعداد كبيرة من الدّول تحاول جاهدة أن تشارك بلاعبيها وبفرقها الرّياضيّة، في تلك البطولات التي كانت تقيمها الاتّحادات الرّياضيّة الدّوليّة، وإذا استعرضنا على سبيل المثال، تلك المنافسات الرّياضيّة التي أقامها الاتّحاد الدّوليّ لكرة القدم، فإنّنا نرى أنّ ذلك الاتّحاد قد قرّر في عام 1928، أن يقيم بطولة دوليّة لكرة القدم، لا تندرج في نطاق الألعاب الأولمبيّة، حيث عمد إلى أن يعهد إلى دولة الأورغواي أن تستضيف في عام 1930 أوّل بطولة لكأس العالم بكرة القدم، والاتّحاد الدّوليّ لكرة القدم والذي يسمّى باللّغة الفرنسيّة  "Fédération Internationale de Football Association" تأسّس في 21 أيّار عام 1904 في باريس،  ويسمّى اختصاراً باسم الفيفا، وهو الهيئة المنظّمة للعبة كرة القدم في العالم.

عكف الاتّحاد الدّوليّ لكرة القدم "الفيفا" على أن يقيم تلك البطولات العالميّة المتعاقبة بكرة القدم، وقد حدّد مقدار الفترة الزّمنيّة، التي تفصل بين كلّ بطولتين متتاليتين بأربع سنوات، وكانت البطولة التي جرت في عام 1930، هي المنافسة الدّوليّة الوحيدة، التي لم يجر فيها الاتّحاد الدّوليّ لكرة القدم التّصفيات التّمهيديّة بين منتخبات الدّول، حيث خاطب ذلك الاتّحاد كلّ البلدان التي كانت انتسبت إلى تلك الهيئة الرياضيّة الدّوليّة "الفيفا"، ودعاها إلى اللّعب في هذه البطولة الدّوليّة، التي شارك فيها 13 ثلاث عشرة دولة، وأمّا بطولة العالم التي جرت في إيطاليا في عام 1934، فقد تقدّمت 32 اثنان وثلاثون دولة للمشاركة في هذه البطولة، وكان الاتّحاد الدّوليّ لكرة القدم، حدّد عدد الدّول التي يتاح لها أن تشارك في اللّعب في هذه البطولة العالميّة ب16 ستة عشر فريقاً، فعمد "الفيفا" بدءاً من هذه البطولة تحديداً إلى أن يقيم مباريات التّصفيات التي تتأهّل المنتخبات الرّياضيّة الفائزة فيها، لأن تلعب في تلك البطولة العالمية لكرة القدم، وكانت تقام مباريات التّصفيات في ذلك الحين، الذي يسبق بمدّة تقارب السّنتين ذلك الموعدَ الذي تبدأ فيه تلك البطولة العالميّة، وكان الاتّحاد الدّوليّ لكرة القدم يدأب في أن يسبر المستوى، الذي تبلغه منتخبات البلدان في أدائها المباريات الرّياضيّة، ثمّ كان يخصّ كلّ قارة، بعدد من المنتخبات التي يتاح لها أن تتأهّل للعب في بطولة كأس العالم بكرة القدم، بعد أن يقيّم ذلك الاتّحاد مستويات تلك المنتخبات التي تنتمي إلى قارات هذه المعمورة، التي كانت تختلف فيما بينها في عدد المنتخبات التي تقدّمها للمشاركة في هذه البطولات العالمية، بحسب اختلاف تلك المستويات التي تبلغها منتخبات تلك القارات في أدائها تلك المباريات في لعبة كرة القدم.

ظلّ عدد الدّول المشاركة في بطولة العالم لكرة القدم 16 ستة عشر فريقاً، حتّى تلك البطولة التي جرت في إسبانيا في عام 1982، فظلّ ذلك العدد ثابتاً في تلك البطولات التي جرت خلال مدّة تقارب الأربعين سنة، باستثناء تلك البطولة التي جرت في عام 1938 في فرنسا، حيث شارك في هذه البطولة خمس عشر 15 فريقاً، بعد أن ضمّت ألمانيا النّمسا في عام 1938، ولم يتدارك الاتّحاد الدّوليّ لكرة القدم هذا النّقص الحاصل في عدد المنتخبات الرّياضيّة، فظلّ عدد الدّول المشاركة في هذه البطولة 15 خمسة عشر دولة، وكان نشاط تلك البطولة العالميّة لكرة القدم قد توقّف مدّة 12 عاماً، بسبب اندلاع الحرب العالميّة الثّانية، ثمّ استأنف الاتّحاد الدّوليّ لكرة القدم في عام 1950، إقامة تلك البطولة العالميّة، حيث قرّر أن يقيم بطولة كأس العالم لكرة القدم في ذلك العام في البرازيل، التي أتيح لها أن تستضيف تلك البطولة العالميّة بكرة القدم أوّل مرّة في أراضيها، بعد مضي عشرين عاماً على أولى تلك البطولات العالميّة التي كانت أقيمت في عام 1930 في الأوروغواي.

 

كان عدد دول العالم التي انتسبت إلى ذلك الاتّحاد الدّوليّ لكرة القدم، يزداد خلال تلك المدّة التي استمرّت فيها منافسات تلك البطولة العالميّة، فرأى ذلك الاتّحاد الدّوليّ أن يزيد عدد الدّول المشاركة في تلك البطولة العالميّة ليبلغ 24 دولة، ابتداء من بطولة كأس العالم التي جرت في إسبانيا عام 1982، فكانت تلك المنافسة الرّياضيّة العالميّة هي البطولة الأولى التي ضمّت 24 فريقاً، وقد استمرّ هذا العدد ذاته من المنتخبات المتنافسة في بطولة كأس العالم، خلال أربع بطولات، إذ قرّر الاتحّاد الدّوليّ لكرة القدم بعد أن جرت بطولة كأس العالم في عام 1994 في الولايات المتّحدة الأمريكيّة، أن يزيد عدد تلك الدّول المشاركة في البطولة، ليبلغ 32 فريقاً، وقد تحقّقت هذه الزّيادة في أعداد المنتخبات أوّل مرّة في تلك البطولة التي جرت في عام 1998 في فرنسا، حيث شارك فيها اثنان وثلاثون فريقاً، ولم يختلف شأن الاتّحاد الدّوليّ لكرة القدم عن أحوال سائر الاتّحادات الرّياضيّة الدّوليّة، في تعامله مع تلك الزّيادة في أعداد المنتخبات المتنافسة في تلك البطولات الدّوليّة، التي كان يقيمها، فكان يعمد في العديد من تلك المنافسات الدّوليّة، إلى أن ينّظم مجرى المباريات التي يقيمها ضمن بطولات كأس العالم لكرة القدم، كي يلائم ذلك النّهج الذي يمضي عليه التّباري الجاري في هذه المنافسات الرّياضيّة، تلك الأعداد المتزايدة من منتخبات الدّول المشاركة في تلك البطولات العالميّة.

يواظب أصحاب المتاجر في مدينة دمشق، على أن يعرضوا في حوانيتهم البضائع، التي تلبّي رغائب الزّبائن في أن يحصلوا على السّلع التي يحتاجون إليها، فيقصد سكّان هذه المدينة الأسواق ليطّلعوا على الموادّ المعروضة في المحالّ التّجاريّة، التي يلمحون فيها أصناف السّلع التي تحتويها تلك الحوانيت، فيجيلون فكرهم لاختيار ما يناسبهم من تلك البضائع المعروضة التي يشاهدونها، حتّى يقرّ رأيهم على شراء سلعة محدّدة، فيهمّون آنئذ بنقد البائع ثمن تلك البضاعة، التي كانوا انتقوها من مجموع تلك المعروضات التي دقّقوا النّظر فيها، فيدأب أهالي مدينة دمشق في أن يشتروا تلك السّلع التّجاريّة، التي كانت تسدّ حاجاتهم المتنوّعة، التي تظهر في مجرى الحياة التي يعيشونها، فيمضون على أن يتسوّقوا في تلك المتاجر التي تضمّها الأسواق العريقة في هذه المدينة، وكانوا يتوجّهون إلى تلك المحلّات التجاريّة في أوقات مختلفة، من دون أن يخصّصوا أواناً محدّداً من أيّام السّنة، للذّهاب إلى تلك الأسواق، إلّا أنّ كان حلول بعض المناسبات التي تتعاقب في أوقات معهودة متواترة، يدفعهم إلى أن يمّموا شطر تلك الأسواق، وكانت تندرج الأعياد الدّينيّة في عداد تلك المناسبات، التي ينشط فيها النّاس إلى التّسوّق في تلك الحوانيت، التي كانوا يقصدونها في أسواق مدينة دمشق الفيحاء.

دأب أهالي مدينة دمشق، في أن يقبلوا إلى الأسواق في فترات تلك المناسبات المختلفة، وباستثناء المواسم التي يزداد فيها توافد النّاس على المتاجر، فلم يكن يوجد على الأغلب دافع محدّد يحثّ أولئك النّاس على أن يكرّسوا وقتاً معيّناً ليذهبوا فيه إلى تلك الأسواق، إلّا أنّ سكان هذه المدينة، إذا كانوا أحياناً كثيرة يختارون الوقت الذي يناسبهم ليقصدوا فيه تلك المحالّ التّجاريّة، فأنّهم لم يكونوا دائماً بالخيار في تحديد الوقت، الذي يكرّسونه لموعد ذهابهم إلى تلك الحوانيت، إذ كان ظهور صنف محدّد من السّلع في الأسواق، يحفزهم إلى الانطلاق إلى الأسواق في أوقات محدّدة من السّنة، ليبتاعوا تلك السّلع، من دون أن يترك لهم الفرصة لاختيار الوقت الذي يناسبهم للذّهاب إلى تلك المحالّ التّجاريّة، وذلك الصّنف من البضائع، التي تتمتّع بنفوذ كبير في تحديد الأوقات التي يذهب فيها النّاس إلى الأسواق، هو الموادّ الغذائيّة، ولا سيّما المنتوجات الزّراعيّة من أصناف تلك السّلع، التي تندرج في قوام الطّعام الذي يتناوله هؤلاء النّاس، الذين كان يعمد بعضهم في أكثر الأحيان، إلى أن يتموّن، فيدّخر البضائع الغذائيّة، مثل أصناف الخضار والبقول والفواكه، التي غالباً ما كان النّاس يبتاعونها عندما تظهر في مواسمها المعروفة المحدّدة في شهور السّنة، فكانوا يقصدون إلى أن يدّخروا أصناف تلك المنتوجات الزّراعيّة الموسميّة، ليتسنّى لهم أن يستخدموها في تهيئتهم الطّعام في سائر الفصول، التي كان يعزّ فيها على الأغلب وجود أصناف تلك السّلع الغذائيّة.

 

كان ظهور أنواع المنتوجات الزّراعيّة في مواسمها المعهودة في الأسواق التّجاريّة، يدفع النّاس إلى الذّهاب إلى المتاجر، كي يشتروا تلك الموادّ الغذائيّة، التي كانت تتوفّر في الأسواق، ولم تكن تلك المنتوجات الزّراعيّة تغيب في أغلب الأوقات عن الأسواق، إذ كانت توجد أصناف من تلك المنتوجات الزّراعيّة الغذائيّة طيلة العام في المحالّ التّجاريّة، فتقصد فئة من النّاس إلى أن تحصل على تلك الموادّ الغذائيّة في أوقات مختلفة، من دون أن تسعى إلى أن تدّخرها، حتّى أنّه كان يتاح لها أن تبتاع تلك المنتوجات الزّراعيّة، في أوقات غير ذلك الأوان الذي كانت تتوفّر فيه تلك السّلع الغذائيّة خلال الموسم، الذي يبتدئ فيه ظهور تلك البضائع في الأسواق، وكانت تتنوّع أصناف تلك الموادّ الغذائيّة التي تدأب فئة من سكّان مدينة دمشق في أن تدّخرها، وقد اندرج على سبيل المثال في عداد تلك المونة التي كان يعدّها هؤلاء النّاس، الزّيتون والباذنجان الذي يعتبر المكوّن الرّئيسيّ في أكلة المكدوس، فيتحفّز أولئك السّكّان لشراء المنتجات الزّراعيّة في ذلك الموسم الذي تطرح فيه بالمحالّ التّجاريّة، ثمّ ما يلبثون أن يسعوا إلى أن يضمّوها إلى تلك المونة، التي كانوا يعكفون على أن يحفظوها في منازلهم، ليتيسّر لهم أن يستمدّوا منها في سائر أوقات السّنة، تلك الموادّ الغذائيّة التي يستخدمونها في إعداد وجبات الطّعام التي كانوا عمدوا لأن يتناولوها.

عرقلت الأزمة الماليّة التي أصابت دول النّمور الآسيويّة في عام 1997، تلك الأنشطةَ التي كانت تمارس في الشّركات الإنتاجيّة المتنوّعة في تلك البلدان الآسيويّة، وقد تسبّبت التّوصيات التي اقترحها صندوق النّقد الدّوليّ لمعالجة تلك الأزمة الماليّة، يإحباط مساعي تلك الشركات إلى الحصول على السّيولة الماليّة، التي كانت في مسيس الحاجة إليها، وطالما كانت تنتقد تلك المشورة والمقترحات، التي عمد صندوق النّقد الدّوليّ إلى أن يقدّمها إلى دول جنوب وشرق آسيا، وكان "أخطر هذه النّصائح وأشدّها أثراً هو دفع هذه البلاد إلى رفع أسعار الفائدة، في مواجهة الانهيار الحادّ في أسعار صرف عملاتها، وذلك بحجّة الدّفاع عن سعر الصّرف، ووقف تدهوره من خلال زيادة جاذبيّة الأدوات الماليّة المقوّمة بالعملة المحلّيّة"(1)، وهذه النّتيجة التي نجمت عن تنفيذ التّوصيات الصّادرة عن صندوق النّقد الدّوليّ، ناقضت تلك الرّغائب، التي كان يأمل عدد من الأشخاص، في أن تتحقّق في نجاح المؤسّسات الدّوليّة في معالجة الأزمة الماليّة، التي أصابت تلك البلدان الآسيويّة.

إنّ تلك التّوصيات التي كان صندوق النّقد الدّوليّ يقدّمها إلى بلدان النّمور الآسيويّة، تسبّبت بتأزّم تلك المناشط التي كانت تجري في أقسام الأجهزة الإنتاجيّة، والمؤسّسات الماليّة في تلك البلدان الآسيويّة، وقد اعتقد أنّه "بدلاً من قيام الصّندوق بدور رجل الإطفاء _وهو الدّور الذي يدّعيه دائماً لنفسه_ كان هو من سكب الزّيت على النّار. ذلك أنّ رفع أسعار الفائدة في وقت شيوع الذّعر الماليّ من شأنه أن يزيد الأمور تدهوراً وهو ما حدث بالفعل"(2)، فأدّى رفع الفائدة إلى أن تتقهقر تلك الأنشطة، التي كانت يزاولها جموع العاملين في الأقسام المتنوّعة من الشّركات في تلك الأقطار الآسيويّة، حيث كان "تدهور سعر الصّرف أدّى إلى صعوبة سداد وحدات قطاع الأعمال لديونها، وقد ترتّب على رفع سعر الفائدة أن زاد الأمر صعوبة شديدة، ممّا اضطّر وحدات قطاع الأعمال إلى الإخلال بالوفاء بالتزاماتها. فلا وحدات قطاع الأعمال قامت بسداد ديونها ولا البنوك استطاعت استرجاع قروضها"(3)، فسدّت التّوصيات الصّادرة عن صندوق النّقد الدّوليّ السّبل، التي كان يتيسّر لتلك الشّركات في بلدان النّمور الآسيويّة، أن تنتهجها في سعيها إلى أن تذلّل تلك العقبات التي اعترضت مجرى الأنشطة، التي كانت تزاول فيها.

إنّ توقّف عمليّة الإنتاج في أقسام الشّركات في تلك البلدان الآسيويّة، أدّى إلى عجز تلك الشّركات عن أن تسدّد التزاماتها الماليّة إلى المصارف، حيث تحقّقت زيادة "رصيد القروض غير المنتظمة في محافظة البنوك الائتمانيّة، وهو أمر ساعد على زيادة الذّعر في الأسواق الماليّة، ودفع بالبنوك الأجنبيّة إلى محاولة استرداد قروضها، وبالمستثمرين إلى الخروج من العملة المحلّيّة ممّا دفع إلى تدهورها أكثر فأكثر"(4)، فلم يكن الاقتراح برفع سعر رفع الفائدة، اقتراحاً صائباً، لأنّه أفضى إلى "زيادة تكلفة الأموال ممّا يحدّ من الاقتراض ويؤثّر بالتّالي في الإنفاق الاستثماريّ والاستهلاكيّ، ومن ثمّ في إيقاع الطّلب المحلّيّ، وهو ما من شأنه أن يؤدّي إلى تراخي حركة النّشاط الاقتصاديّ وانكماشها، ممّا يترتّب عليه زيادة صعوبة سداد وحدات قطاع الأعمال لقروضها، وهو ما يزيد وضع البنوك تأزّماً، ويغذّي موجة الذّعر الموجودة السّائدة في الأسواق الماليّة"(5)، وقد تسبّب ذلك الإخقاق في معالجة تلك الأزمة الماليّة، بفرار رؤوس الأموال من بلدان جنوب وشرق آسيا، حيث كان "ربط برنامج الإنقاذ بعدد من الإصلاحات التي ساعدت على هروب المستثمرين من المنطقة"(6)، وكان هذا الفرار نجم أساساً عن "إغلاق وتصفية العديد من البنوك والمؤسّسات الماليّة التي تعاني من ضعف وتعثّر"(7)، وقد انتقد صندوق النّقد الدّوليّ بإصداره ذلك المقترح، الذي حثّ فيه على إغلاق تلك المصارف، لأنّه اتّخذ "هذا الإجراء في ظلّ غياب نظام لضمان وتأمين ودائع الأفراد لدى البنوك والمؤسّسات الماليّة، ممّا أدّى إلى انتشار عدوى هجوم المودعين وتزاحمهم لسحب ودائعهم من البنوك وهو ما هدّد النّظام الماليّ كلّه"(8)، وظلّت تلك المصاعب التي عانتها مجموعات كبيرة من الشّركات والمؤسّسات الماليّة، تتفاقم، حتّى توقّف العمل في الكثير من تلك الشّركات الإنتاجيّة.

أغلقت المصارف والشّركات الماليّة، في بلدان النّمور الآسيويّة، نزولاً عند الرّغائب الصّادرة من صندوق النقّد الدّوليّ، فأدّى إغلاق تلك المصارف إلى "تعميق موجة الذّعر في الأسواق الماليّة، وساعد على زيادة موجات الهروب والتّخلّص من الأدوات الماليّة المقوّمة بالعملة المحلّيّة، وهذا بجانب تصاعد موجات هروب المودعين خوفاً من عدم إمكانيّة تحقّق هذا الهروب في المستقبل"(9)، وقد أوجز الحديث عن تلك التّبعات التي ترتّبت على تطبيق التّوصيات، التي أصدرها صندوق النّقد الدّوليّ، فذكر أنّه "أدّت هذه السّياسة إلى خلق أزمة ثقة أدّت تداعياتها إلى الإسراع بانهيار وتدهور الأوضاع في هذه البلاد وأسواقها الماليّة"(10)، وقد كان يجب على تلك الدّول الآسيويّة أن تحجم عن المبادرة إلى إغلاق المصارف وشركات المال، لأنّ "ما كانت تحتاجه هذه المؤسّسات هو ضخّ كمّيّة من السّيولة فيها لمساعدتها، وإعادة بناء قاعدتها الرّأسماليّة، أو إعادة هيكلتها أو دخولها في عمليّة دمج أو استملاك مع بنوك أكبر وأكثر كفاءة"(11)، فحال إغلاق تلك المصارف، دون أن تظفر تلك الشّركات المصنّعة بالسّيولة الماليّة، التي كانت بأمسّ الحاجة إليها، كي تتوقّف عن الانغماس في غمار تلك الأزمة القاسية.

لم تكن تلائم تلك التّوصيات، التي قدّمها صندوق النّقد الدّوليّ، أوضاع تلك الأنشطة الاقتصاديّة التي كانت تجري في دول النّمور الآسيويّة، التي اقترح عليها ذلك الصّندوق أن تنفّذ "برنامج تقشّف من شأنه تبنّي سياسة ماليّة متشدّدة تنطوي على تخفيض الإنفاق العامّ، وذلك في دول كانت تتّسم أغلبها بماليّة عامّة متوازنة"(12)، وقد طعن في ذلك المقترح الصّادر عن ذلك الصّندوق، الذي أوصى على تنفيذ برنامج التّقشّف، إذ كانت "هذه السّياسة أدّت إلى تراجع الطّلب المحلّيّ في هذه البلاد، وهو ما دفعها في غياهب جبّ من الانكماش الحادّ غير مسبوق في تاريخها، خاصّة وأنّه جاء في أعقاب انتعاش كبير وممتدّ عبرة فترة طويلة زمنيّاً. ويرتبط بذلك إجبار صندوق النّقد الدّوليّ هذه الدّول على أن تتحمّل هي أعباء برنامج الإنقاذ، الذي يتحمّل جريرته في الأساس القطّاع الخاصّ"(13)، فاتّسع المدى الذي بلغته تلك المضارّ النّاجمة عن الأزمة الماليّة، التي كابدت شدّتها تلك الشّركات الإنتاجيّة في بلدان النّمور الآسيويّة.

يؤكّد سداد الطّعن في تلك الطّرائق، التي حدّدت لمعالجة تلك الأزمة الماليّة، برنامجُ الإنقاذ لكوريا الذي قيل أنّه بلغ 57 مليار دولار أمريكيّ، حيث "توجّهت موارده في أغلبها إلى الجهاز المصرفيّ المحلّيّ، الذي سيقوم بدوره في استخدامها لسداد ديونه للبنوك الأوروبيّة والأمريكيّة واليابان"(14)، فاستأثرت المصارف الأجنبيّة بنصيب وفير من تلك المنافع، التي حقّقها تدفّق سيل تلك الأموال على كوريا الجنوبيّة، فكان يُنتقد صندوق النّقد الدّوليّ، لدأبه في أن يحابي المستثمرين، الذين يفدون من خارج تلك البلدان التي وقعت فيها الأزمة الماليّة، إذ كانت "النّجدات الماليّة من جانب صندوق النّقد الدّوليّ تحمي المقرضين الأجانب، الذين استثمروا في الغالب دون احتراس، ولم يجلبوا النّفع إلى الاقتصاد المحلّيّ، على حساب الإنتاج والعمالة على الصّعيد المحلّيّ"(15)، فكان تنفيذ تلك التّوصيات التي ألقاها صندوق النّقد الدّوليّ، على دول جنوب وشرق آسيا، مهدّ السّبيل لجلب المنافع إلى المؤسّسات والأفراد، الذين اُتّهموا بأنّهم يتحمّلون قدراً كبيراً من المسؤوليّة عن وقوع تلك البلدان الآسيويّة في أزمتها الماليّة الطّاحنة.

1- عمرو محيي الدّين، أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص196.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السّابق.

4- المصدر السّابق، ص197.

5- المصدر السّابق.

6- المصدر السابق، ص198.

7- المصدر السّابق.

8- المصدر السّابق.

9- المصدر السّابق.

10- المصدر السّابق.

11- المصدر السّابق، ص199.

12- المصدر السّابق.

13- المصدر السّابق.

14- المصدر السّابق.

 

15- بول هيرست وجراهام طومبسون، ما العولمة، الاقتصاد العالميّ وإمكانات التّحكّم، ترجمة: د. فالح عبد الجبّار، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 273، الكويت، سبتمبر 2001، ص224.

عرقلت الأزمة الماليّة التي أصابت دول النّمور الآسيويّة في عام 1997، تلك الأنشطةَ التي كانت تمارس في الشّركات الإنتاجيّة المتنوّعة في تلك البلدان الآسيويّة، وقد تسبّبت التّوصيات التي اقترحها صندوق النّقد الدّوليّ لمعالجة تلك الأزمة الماليّة، يإحباط مساعي تلك الشركات إلى الحصول على السّيولة الماليّة، التي كانت في مسيس الحاجة إليها، وطالما كانت تنتقد تلك المشورة والمقترحات، التي عمد صندوق النّقد الدّوليّ إلى أن يقدّمها إلى دول جنوب وشرق آسيا، وكان "أخطر هذه النّصائح وأشدّها أثراً هو دفع هذه البلاد إلى رفع أسعار الفائدة، في مواجهة الانهيار الحادّ في أسعار صرف عملاتها، وذلك بحجّة الدّفاع عن سعر الصّرف، ووقف تدهوره من خلال زيادة جاذبيّة الأدوات الماليّة المقوّمة بالعملة المحلّيّة"(1)، وهذه النّتيجة التي نجمت عن تنفيذ التّوصيات الصّادرة عن صندوق النّقد الدّوليّ، ناقضت تلك الرّغائب، التي كان يأمل عدد من الأشخاص، في أن تتحقّق في نجاح المؤسّسات الدّوليّة في معالجة الأزمة الماليّة، التي أصابت تلك البلدان الآسيويّة.

إنّ تلك التّوصيات التي كان صندوق النّقد الدّوليّ يقدّمها إلى بلدان النّمور الآسيويّة، تسبّبت بتأزّم تلك المناشط التي كانت تجري في أقسام الأجهزة الإنتاجيّة، والمؤسّسات الماليّة في تلك البلدان الآسيويّة، وقد اعتقد أنّه "بدلاً من قيام الصّندوق بدور رجل الإطفاء _وهو الدّور الذي يدّعيه دائماً لنفسه_ كان هو من سكب الزّيت على النّار. ذلك أنّ رفع أسعار الفائدة في وقت شيوع الذّعر الماليّ من شأنه أن يزيد الأمور تدهوراً وهو ما حدث بالفعل"(2)، فأدّى رفع الفائدة إلى أن تتقهقر تلك الأنشطة، التي كانت يزاولها جموع العاملين في الأقسام المتنوّعة من الشّركات في تلك الأقطار الآسيويّة، حيث كان "تدهور سعر الصّرف أدّى إلى صعوبة سداد وحدات قطاع الأعمال لديونها، وقد ترتّب على رفع سعر الفائدة أن زاد الأمر صعوبة شديدة، ممّا اضطّر وحدات قطاع الأعمال إلى الإخلال بالوفاء بالتزاماتها. فلا وحدات قطاع الأعمال قامت بسداد ديونها ولا البنوك استطاعت استرجاع قروضها"(3)، فسدّت التّوصيات الصّادرة عن صندوق النّقد الدّوليّ السّبل، التي كان يتيسّر لتلك الشّركات في بلدان النّمور الآسيويّة، أن تنتهجها في سعيها إلى أن تذلّل تلك العقبات التي اعترضت مجرى الأنشطة، التي كانت تزاول فيها.

إنّ توقّف عمليّة الإنتاج في أقسام الشّركات في تلك البلدان الآسيويّة، أدّى إلى عجز تلك الشّركات عن أن تسدّد التزاماتها الماليّة إلى المصارف، حيث تحقّقت زيادة "رصيد القروض غير المنتظمة في محافظة البنوك الائتمانيّة، وهو أمر ساعد على زيادة الذّعر في الأسواق الماليّة، ودفع بالبنوك الأجنبيّة إلى محاولة استرداد قروضها، وبالمستثمرين إلى الخروج من العملة المحلّيّة ممّا دفع إلى تدهورها أكثر فأكثر"(4)، فلم يكن الاقتراح برفع سعر رفع الفائدة، اقتراحاً صائباً، لأنّه أفضى إلى "زيادة تكلفة الأموال ممّا يحدّ من الاقتراض ويؤثّر بالتّالي في الإنفاق الاستثماريّ والاستهلاكيّ، ومن ثمّ في إيقاع الطّلب المحلّيّ، وهو ما من شأنه أن يؤدّي إلى تراخي حركة النّشاط الاقتصاديّ وانكماشها، ممّا يترتّب عليه زيادة صعوبة سداد وحدات قطاع الأعمال لقروضها، وهو ما يزيد وضع البنوك تأزّماً، ويغذّي موجة الذّعر الموجودة السّائدة في الأسواق الماليّة"(5)، وقد تسبّب ذلك الإخقاق في معالجة تلك الأزمة الماليّة، بفرار رؤوس الأموال من بلدان جنوب وشرق آسيا، حيث كان "ربط برنامج الإنقاذ بعدد من الإصلاحات التي ساعدت على هروب المستثمرين من المنطقة"(6)، وكان هذا الفرار نجم أساساً عن "إغلاق وتصفية العديد من البنوك والمؤسّسات الماليّة التي تعاني من ضعف وتعثّر"(7)، وقد انتقد صندوق النّقد الدّوليّ بإصداره ذلك المقترح، الذي حثّ فيه على إغلاق تلك المصارف، لأنّه اتّخذ "هذا الإجراء في ظلّ غياب نظام لضمان وتأمين ودائع الأفراد لدى البنوك والمؤسّسات الماليّة، ممّا أدّى إلى انتشار عدوى هجوم المودعين وتزاحمهم لسحب ودائعهم من البنوك وهو ما هدّد النّظام الماليّ كلّه"(8)، وظلّت تلك المصاعب التي عانتها مجموعات كبيرة من الشّركات والمؤسّسات الماليّة، تتفاقم، حتّى توقّف العمل في الكثير من تلك الشّركات الإنتاجيّة.

أغلقت المصارف والشّركات الماليّة، في بلدان النّمور الآسيويّة، نزولاً عند الرّغائب الصّادرة من صندوق النقّد الدّوليّ، فأدّى إغلاق تلك المصارف إلى "تعميق موجة الذّعر في الأسواق الماليّة، وساعد على زيادة موجات الهروب والتّخلّص من الأدوات الماليّة المقوّمة بالعملة المحلّيّة، وهذا بجانب تصاعد موجات هروب المودعين خوفاً من عدم إمكانيّة تحقّق هذا الهروب في المستقبل"(9)، وقد أوجز الحديث عن تلك التّبعات التي ترتّبت على تطبيق التّوصيات، التي أصدرها صندوق النّقد الدّوليّ، فذكر أنّه "أدّت هذه السّياسة إلى خلق أزمة ثقة أدّت تداعياتها إلى الإسراع بانهيار وتدهور الأوضاع في هذه البلاد وأسواقها الماليّة"(10)، وقد كان يجب على تلك الدّول الآسيويّة أن تحجم عن المبادرة إلى إغلاق المصارف وشركات المال، لأنّ "ما كانت تحتاجه هذه المؤسّسات هو ضخّ كمّيّة من السّيولة فيها لمساعدتها، وإعادة بناء قاعدتها الرّأسماليّة، أو إعادة هيكلتها أو دخولها في عمليّة دمج أو استملاك مع بنوك أكبر وأكثر كفاءة"(11)، فحال إغلاق تلك المصارف، دون أن تظفر تلك الشّركات المصنّعة بالسّيولة الماليّة، التي كانت بأمسّ الحاجة إليها، كي تتوقّف عن الانغماس في غمار تلك الأزمة القاسية.

لم تكن تلائم تلك التّوصيات، التي قدّمها صندوق النّقد الدّوليّ، أوضاع تلك الأنشطة الاقتصاديّة التي كانت تجري في دول النّمور الآسيويّة، التي اقترح عليها ذلك الصّندوق أن تنفّذ "برنامج تقشّف من شأنه تبنّي سياسة ماليّة متشدّدة تنطوي على تخفيض الإنفاق العامّ، وذلك في دول كانت تتّسم أغلبها بماليّة عامّة متوازنة"(12)، وقد طعن في ذلك المقترح الصّادر عن ذلك الصّندوق، الذي أوصى على تنفيذ برنامج التّقشّف، إذ كانت "هذه السّياسة أدّت إلى تراجع الطّلب المحلّيّ في هذه البلاد، وهو ما دفعها في غياهب جبّ من الانكماش الحادّ غير مسبوق في تاريخها، خاصّة وأنّه جاء في أعقاب انتعاش كبير وممتدّ عبرة فترة طويلة زمنيّاً. ويرتبط بذلك إجبار صندوق النّقد الدّوليّ هذه الدّول على أن تتحمّل هي أعباء برنامج الإنقاذ، الذي يتحمّل جريرته في الأساس القطّاع الخاصّ"(13)، فاتّسع المدى الذي بلغته تلك المضارّ النّاجمة عن الأزمة الماليّة، التي كابدت شدّتها تلك الشّركات الإنتاجيّة في بلدان النّمور الآسيويّة.

يؤكّد سداد الطّعن في تلك الطّرائق، التي حدّدت لمعالجة تلك الأزمة الماليّة، برنامجُ الإنقاذ لكوريا الذي قيل أنّه بلغ 57 مليار دولار أمريكيّ، حيث "توجّهت موارده في أغلبها إلى الجهاز المصرفيّ المحلّيّ، الذي سيقوم بدوره في استخدامها لسداد ديونه للبنوك الأوروبيّة والأمريكيّة واليابان"(14)، فاستأثرت المصارف الأجنبيّة بنصيب وفير من تلك المنافع، التي حقّقها تدفّق سيل تلك الأموال على كوريا الجنوبيّة، فكان يُنتقد صندوق النّقد الدّوليّ، لدأبه في أن يحابي المستثمرين، الذين يفدون من خارج تلك البلدان التي وقعت فيها الأزمة الماليّة، إذ كانت "النّجدات الماليّة من جانب صندوق النّقد الدّوليّ تحمي المقرضين الأجانب، الذين استثمروا في الغالب دون احتراس، ولم يجلبوا النّفع إلى الاقتصاد المحلّيّ، على حساب الإنتاج والعمالة على الصّعيد المحلّيّ"(15)، فكان تنفيذ تلك التّوصيات التي ألقاها صندوق النّقد الدّوليّ، على دول جنوب وشرق آسيا، مهدّ السّبيل لجلب المنافع إلى المؤسّسات والأفراد، الذين اُتّهموا بأنّهم يتحمّلون قدراً كبيراً من المسؤوليّة عن وقوع تلك البلدان الآسيويّة في أزمتها الماليّة الطّاحنة.

1- عمرو محيي الدّين، أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص196.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السّابق.

4- المصدر السّابق، ص197.

5- المصدر السّابق.

6- المصدر السابق، ص198.

7- المصدر السّابق.

8- المصدر السّابق.

9- المصدر السّابق.

10- المصدر السّابق.

11- المصدر السّابق، ص199.

12- المصدر السّابق.

13- المصدر السّابق.

14- المصدر السّابق.

 

15- بول هيرست وجراهام طومبسون، ما العولمة، الاقتصاد العالميّ وإمكانات التّحكّم، ترجمة: د. فالح عبد الجبّار، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 273، الكويت، سبتمبر 2001، ص224.

دأب العديد من الأشخاص في أن ينظر في عمليّات المضارية التي جرت إبّان نشوء الأزمة الماليّة، في بلدان النّمور الآسيويّة في عام 1997، بيد أنّ هؤلاء النّاس الذين استرعت انتباههم انتشار عمليّات تلك المضاربة، كانت آراؤهم تتباين في تقدير ذلك المدى، الذي بلغته مسؤوليّة المضاربين، عن نشوء تلك الأزمة الماليّة، وقد ذهبت مجموعة من الأفراد إلى أن تحمّل المضاربين الماليّين، المسؤوليّة كاملة، عن انهيار الأجهزة الماليّة في بلدان جنوب وشرق وآسيا، وكان رجل مال عالميّ، اتُّهم صراحة بأنّه يتحمّل قدراً كبيراً من المسؤوليّة عن نشوء الأزمة الماليّة في تلك الدّول الآسيويّة، بيد أنّ ذلك المستثمر العالميّ الشّهير، الذي ادّعي بأنّه تسبّب بتدهور أوضاع الأجهزة الماليّة في تلك الأقطار الآسيويّة، اندفع في أن يردّ عن نفسه تلك التّهم التي ألقيت عليه، إذ نفى "ضلوعه في أيّ هجمات مضاربة"(1)، وهو لم يجتزئ بأن أعرب عن تبرّؤه من تنفيذ عمليّات المضاربة في تلك الأقطار الآسيويّة، بل أنّه ذهب إلى أن "يعترض على إجراءات العلاج التي اقترحها صندوق النّقد الدّوليّ، باعتبارها تفتقد إلى الحصافة والفاعليّة"(2), وكان أحد المواضيع الاقتصاديّة التي بحثت في النّقاشات، التي استعرض فيها أوضاع دول النّمور الآسيويّة، هو مسألة القروض القصيرة الأجل، وتفضي عمليّة تدقيق النّظر في ذلك النّمط من القروض، إلى أن يتردّد في خاطر من يتروّى في مسألة تلك القروض، السّؤال الآتي "لماذا نشأ هذا العبء من الدّين الخارجيّ قصير الأجل، في بلدان ذات مستويات عالية جدّاً في الادّخار المحلّيّ"(3)، ولم يتعذّر العثور على الإجابة عن هذا السّؤال، حيث كانت "تباينات معدّل الفائدة تشكّل جزءاً من تفسير الوضع في تايلاند وكوريا"(4)، فمهّدت أوضاع الأجهزة الماليّة في تلك الدّول الآسيويّة لقدوم المضاربين، الذين ألحقوا الضّرر في المؤسّسات الماليّة، حيث ذكر أنّهم تسببّوا بأن تتدهور تلك المؤسّسات وتنهار في تقهقر شديد.

إنّ الإنسان الذي يرغب في أن يحيط بتلك القضايا التي يعكف على أن يتروّى فيها، يتوجّب عليه أن ينتهج سبيل التّفكير النّقديّ، الذي ييسّر له التّوصّل إلى إدراك كنه تلك المواضيع التي يبحث فيها، والتّفكير النّاقد يتضمّن عمليّة إثارة الأسئلة الملائمة والتّساؤل الحصيف، وقد اعتبر أنّ السّؤال هو الطّريق إلى الحكمة والفهم والمعرفة منذ أقدم العصور وحتّى يومنا هذا، وقد ذكر في تعريف خصّص لتوضيح معنى المفكّر الذي عدّ أنّه هو من يهوى صناعة السّؤال وحرفة الاستفهام، وقد تروّى أحد الباحثين في أحوال الأنشطة الاقتصاديّة الجارية في بلدان النّمور الآسيويّة، فخطر في ذهنه أن يتساءل أنّه "في ضوء وجود مورّد متين من رأس المال المحلّيّ، لماذا قامت الحكومات بفتح اقتصاداتها أمام المستثمرين الأجانب، ولماذا سمحت بهذا الإقراض المتهوّر من جانب المصارف والوسطاء الماليّين الآخرين؟"(5)، وليست الإجابة عن هذا السّؤال عسيرة، فالحكومات كانت آنذاك "تتّبع النّصيحة الغربيّة، وتتلقّى الثّناء على ذلك من مؤسّسات غربيّة مثل الصّندوق الدّوليّ الذي امتدح تايلاند على السّياسات الماكرو اقتصاديّة التي اتّبعتها العام 1996. إذن هذه السّياسة مسوقة بدافع الامتثال لعقيدة غربيّة"(6)، وقد شكّك في الجدوى التي تنجم عن تطبيق تلك المقترحات الاقتصاديّة التي تلقيها المؤسّسات الدّوليّة، على دول العالم، حيث أوجب أن يتحقّق "الحذر الشّديد في التّعامل مع المؤسّسات الدّوليّة وفي استيعاب توصياتها. ذلك أنّ هذه التّوصيات على درجة عالية من العموميّة قد تتعارض في كثير من الأحيان مع الخصوصيّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة السّائدة في بلد ما بحيث يجب تعديلها أو تصحيحها بما يتلاءم وهذه الخصوصيّة"(7)، فاعتقد أنّه يجب التّروّي في تلك النّصائح التي تقدّمها المؤسّسات الدّوليّة، فربّما تكون مضامين تلك التّوصيات التي تصدرها، غير ملائمة لأن تطبّق عند الدّول كافّة، حيث يجب أن تنتقى المقترحات التي يتماشى تحقّقها مع أوضاع الأنشطة التي تجري في تلك الدّول، التي كانت تتلقّى التّوصيات من المؤسّسات الدّوليّة.

علت دول جنوب وشرق آسيا في أعين الأشخاص الذين يديرون المؤسّسات الدّوليّة، وخصوصاً عندما استمرّت تلك الدّول على أن تندفع في أن تنجز عمليّة الانفتاح الاقتصاديّ، فكانت تلك البلدان الآسيويّة "هي الأطفال المدلّلة لهذه المؤسّسات والنّموذج النّاجح للتّنمية الذي يشار إليه بالبنان، وكافّة ما قامت به من سياسات كان تحت نظر هذه المؤسّسات"(8)، إلّا أنّ نظرة تلك المؤسّسات الدّوليّة إلى تلك البلدان الآسيويّة، قد تبدّلت، حيث لم تكد تلك الدّول تقع في أزمتها الماليّة حتّى أخذت "هذه المؤسّسات تكيل النّقد للسّياسات المتّبعة في هذه الدّول وتتحفّظ على سرعتها في تحرير حساب رأس المال"(9)، وتلك المؤسّسات التي انتقدت تلك الدّول الآسيويّة، لم تكن بمنجاة من أن تتعرّض للذّمّ هي أيضاً، حيث اعترض على تلك النّصائح التي كانت تلك المؤسّسات قدّمتها إلى دول النّمور الآسيويّة، في أثناء نشوء تلك الأزمة الماليّة التي أصابت تلك الدّول، حتّى أنّه قد استغرب ما "ترتّب على ما أوصت به من سياسات عند اندلاع الأزمة وفي مراحلها الأولى حيث أدّى إلى تعمّق الأزمة"(10)، فكانت التّوصيات التي طالبت المؤسّسات الدّوليّة الدّول الآسيّويّة بأن تنّفذها، تتعرّض للطّعن فيها، حيث كان "يثير دور المؤسّسات الدّوليّة، خاصّة صندوق النّقد الدّوليّ، خلافاً كبيراً"(11)، وقد تأكّد سداد الدّعوة إلى الحذر من تطبيق التّوصيات التي تقدّمها تلك المؤسّسات الدّوليّة، وخصوصاً بعد أن استعرضت تلك النّتائج التي أفضى إليها تطبيق تلك التّوصيات في دول النّمور الآسيويّة.

إنّ تلك المكانة الأثيرة التي أفردتها المؤسّسات الدّوليّة لدول النّمور الآسيويّة، رسخت ثابتة، حيث كانت تلك الدّول الآسيويّة هي تحديداً "الطّفل المدلّل لمؤسّسات بريتون دورز وهما البنك الدّوليّ وصندوق النّقد الدّوليّ"(12)، فكانت تحظى تلك الدّول الآسيويّة بتلك الرّتبة الرّفيعة عند المؤسّسات الدّوليّة، وقد ذهب البنك الدّوليّ إلى الإشادة بتلك الدّول الآسيويّة حيث أصدر "عام 1993 كتاباً بعنوان "المعجزة الآسيويّة"، كما أنّ الإشادة من جانب الصّندوق بنجاح هذه التّجارب والنّظر إليها باعتبارها نموذجاً تنمويّاً كانت دائمة التّكرار"(13)، وإذا كان قد اُعترض على تسرّع تلك الدّول الآسيويّة في تحقيق انفتاحها الماليّ، فإنّ الرّئيس السّابق لصندوق النّقد الدّوليّ هورست كوهلر، عمد إلى أن يؤكّد أنّ "لكلّ بلد الحقّ في أن يختار لنفسه السّرعة التي ينتهجها للانفتاح على أسواق المال الدّوليّة، وماهيّة الخطوات التي يتّخذها لتحقيق هذا الانفتاح"(14)، ولم يتوان المسؤولون عن إدارة صندوق النّقد الدّوليّ، في أن يأتوا تلك المساعي التي ارتؤوا أن يعالج بها الأوضاع الاقتصاديّة المترديّة في دول النّمور الآسيويّة، في أثناء وقوعها في الأزمة الماليّة، حيث "فرض رئيس صندوق النّقد الدّوليّ ميشيل كامديسو، ومساعدون من الاقتصاديّين، على البلدان المعنية الخضوع للعلاج بالصّدمة، أي فرض على هذه البلدان العلاج الذي درج على فرضه دائماً وأبداً"(15)، وكانت تلك النّصائح التي تصدر من تلك المؤسّسة الدّوليّة، تثير الخلاف بين النّاس، في تحديدهم مقدار ملاءمة تلك التّوصيات لمعالجة الأوضاع الاقتصاديّة المتدهورة، في تلك الدّول التي كانت تتلقّى تلك النّصائح من صندوق النّقد الدّوليّ.

عمد المسؤولون عن إدارة صندوق النّقد الدّوليّ إلى أن ينافحوا عن تلك التّوصيات، التي كانوا يقدّمونها إلى تلك الدّول الآسيوّيّة، وقد تحفّزوا للدّفاع عن تلك التّوصيات، خصوصاً في ذلك الأوان الذي وقعت فيه دول النّمور الآسيويّة في أزمتها الماليّة، فذكر أنّ كامديسو قد "زعم أنّ الانهيار في الشرق الأقصى بيّن بجلاء أنّ الانفتاح الاقتصاديّ يجب أن "يمضي قدماً وبكثافة أكبر"، وأنّ دول النّمور لم تكن بأيّ حال من الأحوال، ضحية تحرير سريعة"(16)، ومن ينظر في ذلك التّصريح الذي أفصح عنه رئيس صندوق النّقد الدّوليّ، قد يتوصّل إلى قناعة بأنّ كامديسو يرغب في أن يؤكّد أنّ علّة نشوء الأزمة، لم تكن عمليّة الانفتاح الماليّ بذاتها، بل كانت العلّة هي الطّريقة الخاطئة التي طبّقت بها عمليّة ذلك الانفتاح، وهذا الرّأي الذي يستشفّ من تصريحه الذي كان أدلى به، تؤكّده نظرته إلى أسباب نشوء تلك الأزمة الماليّة في دول النّمور الآسيويّة، حيث رأى أنّ تلك الدول كانت "ضحية ما فيها من تشابك متين بين الدّولة والاقتصاد، وما يسودها من اقتصاد تسيطر عليه العلاقات العائليّة والرّشوة"(17)، فكانت آراؤه توافق تلك التّوصيات التي كان يلقيها صندوق النّقد الدوليّ على بلدان العالم.

إنّ دول جنوب وشرق آسيا، طالما كان يعتبرها صندوق النّقد الدّوليّ، هي القدوة التي يجب أن يحتذى بها، ولعلّ نظرة تلك المؤسّسة إلى تلك الدّول الآسيويّة، تفسّر حقيقة ذلك النّهج، الذي اتّبعه صندوق النّقد الدّوليّ، في الدّفاع عن تلك التّوصيات التي كان يقدّمها إلى تلك الدّول الآسيويّة، وقد نظر في تلك الأقوال التي كان ذكرها رئيس صندوق النّقد الدّوليّ، حيث اُعتبر أنّه "ليس ثمّة شكّ في صدقيّة وجهتي النّظر: فإذا كانت سيطرة العلاقات العائليّة على الاقتصاد واحدة من المشكلات، فإنّ التّحرير السّريع لأسواق المال كان مشكلة أخرى بكلّ تأكيد. غير أنّ قادة الصّناديق في واشنطن يرون الخطأ الذي يرتكبه الآخرون فقط، وليس الخطأ الذي ارتكبوه هم أنفسهم أيضاً"(18)، فتوخّي في تلك العبارات التي تطرّق فيها إلى تقييم الآراء التي أفصح عنها ميشيل كامديسو، أن يحاط بهاتين المشكلتين اللتين اندرجتا في مجموعة تلك العلل، التي تسبّبت بنشوء تلك الأزمة الماليّة في بلدان النّمور الآسيويّة، فلم يعمد إلى تجاهل إحدى هاتين المشكلتين اللتين تكافأتا في الظّهور في ذلك الكّلام الذي عقّب به على ذلك الحديث، الذي كان صرّح به رئيس صندوق النّقد الدّوليّ.

دأب صندوق النّقد الدّوليّ في أن يقدّم التّوصيات، إلى الدّول النّمور الآسيويّة في أثناء وقوعها في أزمتها الماليّة، إذ استمرّ على أن "يطالب، بلا ملل، الدّول المنهارة بضرورة تقليص إنفاقها ورفع معدّلات الضّرائب، والمضيّ قدماً في خصخصة المشروعات وزيادة معدّلات الفائدة للحدّ من التّضخّم"(19)، وكان يلقي صندوق النّقد النّصائح على دول جنوب وشرق آسيا، من دون أن يراعي أوضاع تلك الدّول، وقد طرح سؤال في صيغة الاستفهام التّقريريّ عن تلك النّتيجة التي يفضي إليها تطبيق تلك التّوصيات، إذ قيل "ألا تشكّل الإجراءات المفروضة على هذه الدّول خنقاً أكيداً للنّشاط الاقتصاديّ"(20)، وقد اعتقد أنّ نمط تلك النّتائج السّيّئة التي يؤدّي إليها تطبيق تلك التّوصيات، هو شأن "لا قيمة له في منظور صندوق النّقد الدّوليّ!"(21)، (إشارة التّعجّب موجودة بالأساس في المصدر)، وبعد مرور مدّة من الزّمن على نشوء تلك الأزمة الماليّة في الدّول الآسيويّة، أقرّ المسؤولون عن إدارة صندوق النّقد الدّوليّ بسداد ذلك التّصرّف الذي نفّذ في أحد بلدان النّمور الآسيويّة، في معالجة تلك الأزمة الماليّة التي كانت أصابت ذلك البلد الآسيويّ، حيث كان ذلك التّصرّف الذي نوّه به صندوق النّقد الدّوليّ، يخالف مضمون التّوصيات، التي كانت قدّمتها تلك المؤسّسة الدّوليّة إلى دول النّمور الآسيويّة، إذ "اعترف صندوق النّقد الدّوليّ نفسه، بأنّ القيود المفروضة على حركة رأس المال، يمكن أن تكون ذات نفع كبير في الجهود التي تُبذل من أجل حماية النّفس من كيد المضاربين"(22)، فكان ينظر في تلك المقترحات التي تصدر عن المؤسّسات الدّوليّة، ليحدّد مدى ملاءمتها لأوضاع تلك الدّول التي وقعت في أزمات ماليّة، كي يتيسّر لتلك الدّول التي تتدهور فيها مؤسّساتها الماليّة، أن تكون على بينة في عمليّة اختيار الطّرائق النّاجعة، في معالجتها تلك الأزمة الماليّة التي كانت وقعت فيها.

1- بول هيرست وجراهام طومبسون، ما العولمة، الاقتصاد العالميّ وإمكانات التّحكّم، ترجمة: د. فالح عبد الجبّار، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 273، الكويت، سبتمبر 2001 ، ص 115- 214.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السّابق، ص210.

4- المصدر السّابق.

5- المصدر السّابق.

6- المصدر السّابق.

7- عمرو محيي الدّين، أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص290.

8- المصدر السّابق.

9- المصدر السّابق.

10- المصدر السّابق.

11- المصدر السّابق، ص195.

12- المصدر السّابق.

13- المصدر السّابق.

14- أولريش شيفر، انهيار الرّأسماليّة، أسباب إخفاق اقتصاد السّوق المحرّرة من القيود، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 371، الكويت، يناير 2010، ص168.

15- المصدر السّابق، ص166.

16- المصدر السّابق.

17- المصدر السّابق.

18- المصدر السابق.

19- المصدر السّابق.

20- المصدر السّابق.

21- المصدر السّابق.

 

22- المصدر السّابق، ص167، 168.

أقبل المستثمرون على أن يضخّوا أموالهم في تلك المشاريع التي أنشئت في بلدان النّمور الآسيويّة، التي تحقّقت فيها عمليّة الانفتاح الاقتصاديّ، حيث تيسّرت لأصحاب رؤوس الأموال الأسباب الملائمة، التي حفزتهم إلى أن يستثمروا في تلك البلاد أموالهم، بيد أنّ لم يكد يرى هؤلاء المستثمرون في عام 1997 الدّلائل على اندلاع شرر الأزمة الماليّة في بلدان جنوب وشرق آسيا، حتّى أخذوا في أن يسحبوا أموالهم من تلك البلاد الآسيويّة، ثمّ سعوا إلى أن يحوّلوها إلى بلدان أخرى في هذا العالم، وقد أدّت عمليّة سحب تلك الأموال الذي أنجزه هؤلاء المستثمرون، إلى أن تزداد أوضاع المناشط الاقتصاديّة سوءاً في تلك البلدان الآسيويّة، التي اعتقد فيها العديد من الأشخاص الذين تصدّوا لمعالجة تلك الأزمة الماليّة، أنّه "لا بدّ من إدخال الرّقابة على حساب رأس المال، أي على انتقال رؤوس الأموال"(1)، وقد كانت تلك الدّول الآسيويّة ألغت الرّقابة على عمليّات الصّرف الأجنبيّ، منذ أن أخذت في تنفيذ عمليّة الانفتاح الاقتصاديّ.

تعدّدت أنماط تلك الأضرار التي ألحقها نشوء الأزمة الماليّة، بتلك الشّركات الإنتاجيّة في بلدان النّمور الآسيويّة، التي كان دعي فيها إلى أن تدرج الرّقابة على حركة رؤوس الأموال، في عداد تلك المساعي التي يتصرّف بها في معالجة الأزمة الماليّة، التي وقعت فيها تلك البلدان الآسيويّة، فتكون تلك الرّقابة آنئذ هي "رقابة لاحقة لحدوث الأزمة وليست رقابة واقية، بمعنى آخر هي رقابة ذات طابع علاجيّ بهدف وقف استفحال الأزمة"(2)، وفكرة الرّقابة في ذاتها، لم تكن لتثير في نفوس الأفراد الذين ينظرون في أوضاع المناشط الاقتصاديّة القائمة في تلك البلدان الآسيويّة، دوافع الاعتراض والاحتجاج على تحقيق تلك الرّقابة، بيد أنّ شكّك في جدوى إقرار الأخذ بتلك الرّقابة في ذلك الأوان، عند نشوء تلك الأزمة الماليّة، حيث اعترض على "التّدخل لفرض هذه الرّقابة والتّنظيم، أو فرض نوع من القيود في أثناء الأزمة، ذلك أنّ مثل هذا الإجراء قد يكون من شأنه زيادة النّار اشتعالاً، بمعنى أن يكون كمن صبّ الزّيت على النّار ليزيدها اشتعالاً"(3)، فإذا كانت تلك الأزمة الماليّة التي وقعت فيها تلك الدّول الآسيويّة، واسعة في امتداها حتّى شملت مناشط اقتصاديّة عديدة، فإنّ الخلاف كان كبيراً أيضاً بين وجهات نظر أولئك الأفراد، الذين تصدّوا للبحث عن تلك الطّرائق الملائمة لمعالجة تلك الأزمة الماليّة الضّارية.

كان مقدار الأموال الوفيرة التي غادرت تلك البلدان الآسيويّة، دفع أفراد عديدين إلى أن يلحّوا على أن يثيروا مناقشة مسألة الرّقابة على حساب رأس المال، في تلك الحوارات التي كان يتطرّق فيها إلى النّظر في أوضاع الأنشطة الاقتصاديّة، في بلدان جنوب وشرق آسيا بعد أن نشأت فيها تلك الأزمة الماليّة، ولا سيّما أنّه "كانت الرّؤية السّائدة في ذلك الوقت، أنّ استمرار خروج رأس المال من دول الأزمة الآسيويّة، سوف يحول دون إمكانيّة إنعاش الطّلب المحلّيّ، عن طريق زيادة الإنفاق وتخفيض سعر الفائدة، وبالتّالي استرداد هذه الاقتصاديّات لعافيّتها ووضعها على طريق النّمو مرّة أخرى"(4)، وكانت مجموعة من الأفراد حبّذت تطبيق تلك الرّقابة، حيث رأت "ضرورة إدخال إجراءات محدّدة لغرض تقييد ومنع خروج رأس المال إلى أن تعود الثّقة مرّة أخرى.... ذلك أنّ المطلوب والمطروح كان هو فرض نوع من حظر التّجوّل على رأس المال، ولفترة محدّدة كجزء من إستراتيجيّة الانتعاش الاقتصاديّ، وذلك في شكل قيود مؤقّته على قدرة المستثمرين في إخراج أموالهم من دول الأزمة"(5)، إلّا أنّ ذلك الرّأي الذي أفصح عنه هؤلاء الأشخاص، الذين دعوا إلى تطبيق الرّقابة على حساب رأس المال، لم يسلم من نقد الطّاعنين في فكرة الأخذ بتلك الرّقابة، حيث "تعالت أيضاً نبرات الأصوات المعارضة لهذه السّياسة، على أساس أنّ الرّقابة على حساب رأس المال في الحدود السّابقة، سوف تؤدّي إلى كارثة في شكل انهيار اقتصاديّ، وتضخّم جامح، واتّساع نطاق السّوق السّوداء"(6)، فاندفعت فئة من الأفراد في أن تقدح في فكرة تقييد حرّيّة تنقل رؤوس الأموال، إذ رأت أنّ تطبيق تلك الرّقابة سيفاقم تأزّم أوضاع الشّركات والمؤسّسات الاقتصاديّة، التي كانت تعاني أساساً قساوة الانهيار الشّديد.

أيّد أفراد عديدون تنفيذ عمليّة تلك الرّقابة على حساب رأس المال، حيث تحمّسوا لأن تبذل الجهود في السّعي إلى الحيلولة دون أن تسحب الأموال من تلك البلاد الآسيويّة، فاعتقد أنّه ينجم عن عمليّة منع تحويل حساب رأس المال "أنّ رؤوس الأموال التي تمّ حبسها في الدّاخل أو التي بقيت داخل المصيدة لا تستطيع الخروج، ولا تستطيع أنّ تدفع سعر الصّرف إلى أسفل، وبالتّالي لا تستطيع تضخيم الأزمة، وبالتّالي تصبح هذه الأموال جزءاً من الحلّ بدلاً من أن تكون سبباً في استفحال الأزمة"(7)، إلّا أنّ ما لبث أن تصدّى أشخاص آخرون لذاك الرّأي، الذي اعتنقه هؤلاء الأفراد الذين نادوا بتطبيق تلك الرّقابة، فصدرت من أشخاص  عديدين في تلك البلاد الآسيويّة، الدّعوة إلى تأييد تحقّق عمليّة تحويل رؤوس الأموال، حيث اعتقد أنّ "في بعض الأحيان قد يكون من المفيد إدخال بعض إجراءات الرّقابة على حساب رأس المال، إذ قد يترتّب على ذلك تحديد ومحاصرة الأضرار الحاليّة، ولكنّ ذلك ينطوي على نظرة سطحيّة للأمور، حيث قد يتسبّب عن هذا الإجراء انتقال عدوى الأزمة إلى الدّول الأخرى، دون أن يكون ذلك مقصوداً. فالخوف من انتشار الأزمة قد يدفع المستثمرين إلى اتّخاذ خطوة وقائيّة في كلّ مكان، وذلك عن طريق سحب أموالهم والخروج بها بدلاً من انتظار وصول أنباء سيّئة، وهو ما يترتّب عليه نتائج خطيرة وسلبيّة"(8)، فكان أولئك الأفراد الذين عارضوا تقييد تحويل رأس المال، يمتدّ نظرهم إلى تلك الآماد البعيدة، التي يستطلعون فيها تلك الأوضاع، التي سيفضي إليها تطبيق تلك الرّقابة على تحويل رأس المال.

ما برح النّقاش يحتدم بين هؤلاء الأفراد، الذين تباحثوا في مسألة معالجة تلك الأزمة الماليّة التي وقعت فيها تلك البلدان الآسيويّة، وقد كان كلّ طرف في تلك الحوارات، يعمد إلى أن يورد الحجج التي تسند آراءه وتدعم وجهة نظره، وغالباً ما كان كلّ من أولئك المتحاورين، يستشهد بتلك النّتائج العمليّة التي كانت تفضي إليها التّصرّفات، التي كانت يتناول فيها تلك الأزمة الماليّة، فكان الأشخاص الذين يؤيدون سياسة تقييد تنقّل رؤوس الأموال، يستحضرون في إفصاحهم عن أفكارهم التي اعتنقوها، تلك المساعي التي تحقّقت في ماليزيا في معالجة تلك الأزمة الماليّة، حيث كانت "الخبرة الماليزيّة تشير وبشكل لا يدع مجالاً للشّكّ، إلى نجاح التّجربة في فرض قيود على حركة رؤوس الأموال نجاحاً تامّاً، ولم تتحقّق أيّ من نبوءة المعارضين لهذه السّياسة"(9)، وكانت عمليّة تقييد حركة انتقال رؤوس الأموال في ماليزيا "انتقائيّة وتمّت بعناية شديدة، وصاحب تطبيقها إصلاحات اقتصاديّة مهمّة مثل إعادة هيكلة وتقوية قواعد الجهاز المصرفيّ، ومع حلول صيف 1999 ألغيت القيود على خروج الأموال، ومع ذلك لم تخرج رؤوس الأموال"(10)، وقد أدّت تلك التّصرفات التي أقرّت في ماليزيا إلى أن تسلك هذه الدّولة الآسيويّة "طريق الانتعاش الاقتصاديّ واسترداد عافيّتها الاقتصاديّة بخطى ثابتة"(11)، وعلى الرّغم من مسك الختام الذي أفضت إليه تلك الطّريقة، التي اتّبعتها ماليزيا في تطبيقها الرّقابة على تحويل رأس المال، بيد أنّ ذلك البلد الآسيويّ لم يسلم من الاعتراض على ذلك الخطاب السّياسيّ والإعلاميّ الذي تحدّث به في ماليزيا، لتبرير تنفيذ المساعي، التي كانت أقرّت في معالجة تلك الأزمة الماليّة التي وقعت ماليزيا فيها.

كانت النّتيجة التي استخلصت من الخبرة التي حصّلتها ماليزيا، في معالجة أزمتها الماليّة، تؤكّد أنّه "في الإمكان فرض قيود على حساب رأس المال في أثناء الأزمة الماليّة"(12)، وكان في الأوان الذي سبق موعد نشوء الأزمة الماليّة في بلدان النّمور الآسيويّة، وقبل أن تحدث تلك التّجربة الماليزيّة، يظنّ "أنّ الأزمة الماليّة إنّما تتعمّق بفعل منطق دائريّ يدفعه الهلع والذّعر الماليّ، وأنّ أقلّ ما يمكن القيام به هو إعادة جدولة القروض المصرفيّة، واتّخاذ بعض الإجراءات والانتظار إلى أن تعود الثّقة مرّة أخرى. أمّا البديل الآخر وهو القيود المؤقّتة على خروج أو هروب رؤوس الأموال، حتّى يمكن التقاط الأنفاس، فكان في عداد المستحيلات"(13)، فدحضت التّجربة العمليّة التي أنجزتها ماليزيا، تلك الحجج التي تعلّل بها أولئك الاقتصاديّون الذين عارضوا تقييد عمليّة تحويل الأموال.

إنّ أولئك الأفراد الذين لم يقبلوا بفرض القيود على حركة رؤوس الأموال، في أثناء اندلاع شرر الأزمة الماليّة، لم تنقطع حججهم، التي نافحوا بها عن آرائهم التي كانوا يعتنقونها، إذ اندفعوا في الحديث عن "تجربة أخرى ناجحة دون أن تصاحبها رقابة أو قيود ما على حساب رأس المال، ألا وهي التّجربة الكوريّة. فلا يختلف اثنان على أنّ انتعاش الاقتصاد الكوريّ قد حدث بسرعة فائقة لم يكن أحد يتوقّعها، وذلك على الرّغم من عدم فرض أيّة قيود على حركات رؤوس الأموال.... ويمكن القول أيضاً وبدرجة عالية من الدّقّة إنّ تايلاند على طريق الانتعاش والنّمو السّريع مرّة أخرى، دون وجود قيود على حساب رأس المال"(14)، ويجدر بمن ينظر في تلك المساعي، التي عالجت فيها كوريا الجنوبيّة تلك الأزمة الماليّة التي أصابتها، أن يستذكر أنّها "قد انفردت دون غيرها بإعادة جدولة قروضها في الأشهر الأولى لأزمتها في نهاية عام 1997 وبداية عام 1998"(15)، فيجب ملاحظة تلك الوسائل، التي تأتّى لكوريا الجنوبيّة أن تتذرّع بها إلى معالجة أزمتها الماليّة، وإنّ كانت اختلفت تلك الحلول التي طبّقتها دول النّمور الآسيويّة، في معالجتها تلك الأزمة الماليّة التي وقعت فيها، فلأن كلّ من تلك الدّول ارتأت أنّ تمضي على تطبيق الحلّ، الذي يلائم أوضاع الشّركات والمؤسّسات الاقتصاديّة التي كانت أنشئت في تلك الدّولة الآسيويّة.

تطلّعت دول النّمور الآسيويّة إلى أن تنجح في معالجتها الأزمة الماليّة التي أصابت مؤسّساتها الماليّة والإنتاجيّة، وقد تطلّب تحقيقها النّجاح في بلوغها تلك الأهداف التي كانت تطمح إليها، أن تكون متأنّية ومدقّقة في إقرار التّصرّفات المناسبة في تصدّيها لتلك الأزمة التي وقعت فيها، فإن لم تهتد إلى اتّخاذ التّصرّف الملائم لمعالجة تدهور أوضاع شركاتها ومؤسّساتها الاستثماريّة، فإنّها قد تتسبّب باستشراء أضرار تلك الأزمة الماليّة التي نشأت في تلك الدول الآسيويّة، وكان طعن في العديد من تلك المساعي، التي أقرّها بعض بلدان النّمور الآسيويّة في معالجة تلك الأزمة الماليّة، فكانت كوريا الجنوبيّة، على سبيل المثال، انتقدت على إتيانها ذلك المسعى الذي بادرت فيه إلى منع حيازة "النّقد الأجنبيّ بغرض التّعامل في سوق العقار"(16)، وقد حدّدت المضارّ التي قد تنجم عن ذلك التّصرّف، الذي أتته تلك الدّولة الآسيويّة، حيث انعدم الشّكّ في "أنّ هذه الإجراءات على الرّغم من كونها ربّما لا تبدو عميقة الأثر، إلّا أنّ خطورتها تكمن في إشعار المتعاملين في الأسواق الماليّة أنّ قواعد اللّعبة قد تغيّرت، وبالتّالي فإنّ الحلّ الأمثل في مثل هذه الحالة هو ترك آليّة السّوق تؤدّي دورها، حتّى تصل المتغيّرات إلى قيمتها التّوازنيّة الجديدة"(17)، وعلى الرّغم من أنّه كان وجد تشابه جليّ، بين العديد من أحوال تلك المناشط الاقتصاديّة في تلك الدّول الآسيويّة، إلّا أنّه قد اختلفت الطّرائق التي اتّبعتها تلك الدّول الآسيويّة في معالجة أزمتها الماليّة، إذ أتت كلّ من تلك الدّول، المساعي التي تناسب شؤونها الاقتصاديّة الخاصّة، التي كانت تميّزت بها عن سائر البلدان الآسيويّة، وكان ذلك التّباين الحاصل في الطّرائق التي اتبّعت في معالجة الأزمة الماليّة في دول النّمور الآسيويّة، نجم أيضاً عن تنوّع تلك الوسائل، التي أتيح لتلك الدّول الآسيويّة أن تتذرّع بها إلى معالجة تلك الأزمة الماليّة الطّاحنة، التي كانت وقعت فيها.

1- عمرو محيي الدّين، أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص269.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السّابق، ص201.

4- المصدر السّابق، ص270.

5- المصدر السّابق.

6- المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق، ص269.

8- المصدر السّابق.

9- المصدر السّابق، ص270.

10- المصدر السابق.

11- المصدر السّابق، ص271.

12- المصدر السّابق.

13- المصدر السّابق.

14- المصدر السّابق.

15- المصدر السّابق.

16- المصدر السّابق، ص201.

 

17- المصدر السّابق.

يعمد أفراد عديدون في أنحاء شتّى في العالم، إلى أن يشاهدوا وقائع المباريات الرّياضيّة، ويدأبون في أن يمنّوا أنفسهم بأن يستمتعوا بتفرّجهم على مجريات التّنافس الشّديد, الذي يجري في ميادين الرّياضة، حيث تعدّ تلك المنافسة القويّة التي تنشأ بين اللّاعبين المتبارين, أبرز البواعث التي تحثّ الجمهور على متابعة المباريات الرّياضيّة، وغالباً ما تكون فئة كبيرة من أولئك الأشخاص الذين يقصدون إلى الوقوف على ذلك التّباري الرّياضيّ، قد عمدت إلى أن تخصّ أحد الطّرفين المتباريّين، بدعائم المساندة التي لن تضنّ بها على أولئك الرّياضيّين، الذين عزمت تلك الجماهير على أن تشجّعهم على تحقيق الفوز في تلك المباراة، التي يخوضون غمارها، فلا يكتفي أفراد ذلك الجمهور بتحقيق رغائبهم في رؤية اشتداد ذلك التّنافس بين الرّياضيّين المتبارين، بل إنّهم يتطلّعون أيضاً إلى أن يتمكّن أولئك الرّياضيّون الذين آثروهم بتشجيعهم الدّائم، من أن يحقّقوا الانتصار في تلك المباراة الرّياضيّة التي يؤدّونها، فلا يفتر ذلك الجمهور في أن يدعم أولئك الرّياضيّين، الذين يميل إلى أن يشجّعهم على التّفوّق على منافسيهم في ميدان الرّياضة، ويأمل ذلك الجمهور أن يكون أولئك الرّياضيّين الذين خصّوهم بدعمهم الثّابت، جديرين بتحقيق الفوز في تلك المباراة الرّياضيّة التي كان يتابعها أفراد ذلك الجمهور، فيرغب هؤلاء المشجّعون في أن تكون النّتيجة، التي تفضي إليها أحداث التّنافس الرّياضيّ الذي شاهدوه، عادلةً ومنصفة، كي يكتمل حينئذ عند أفراد الجمهور إحساسهم بالمتّعة بمشاهدة وقائع ذلك التّباري الرّياضيّ.

تحرص اتّحادات الألعاب الرّياضيّة جميعها، على أن تراعي تطبيق مبدأ تكافؤ الفرص بين اللّاعبين المتبارين، كي يتحقّق ذلك العدل والإنصاف في نطاق المنافسات الرّياضيّة، ويعتبر العدل هو القيمة الأساسيّة "في جميع العلوم المعياريّة كالحقوق، والأخلاق، التي تنظّم، بشكل مباشر أو غير مباشر، علاقة الفرد بأقرانه"، فيتوخّى تحقيق ذلك العدل كي يحظى" كلّ صاحب حقّ بحقّه"، وأن يدرك بيسر وسهولة ذلك الحقّ، متبّعاً الطّرق الممهّدة التي تفضي به إلى إدراك تلك الغاية التي يتطلّع إليها، فتغيب كلّ العراقيل عن السّبيل التي تؤدّي إلى أن يتمتّع الإنسان بالحقّ الذي خصّص له، فلا توضع أمامه العقبات، ولا تبرز الموانع، التي تعوقه عن أن يدرك غايته في أن ينال حقّه, ويشتدّ حرص تلك الاتّحادات الرّياضيّة على تحقيق ذلك التّكافؤ في الفرص بين اللّاعبين، كي تدفع أفراد الجمهور إلى أن يتقبّلوا راضين بنتيجة تلك المباراة التي يتفرّجون عليها، حتّى لو كانت تلك النّتيجة قد خيّبت آمالهم، وأحبطت توقّعاتهم بانتصار أولئك الرّياضيّين الذين كانوا ينحازون إليهم، ويخصّونهم بتشجيعهم ودعمهم الكبيرين.

إنّ القوانين التي تنظّم مجريات التّباري في ميادين الرّياضة، توجب أن يكون الطّرفان المتنافسان متساويين ومتماثلين في تقيّدهما بتطبيق الموادّ، التي تنصّ عليها قوانين الألعاب الرّياضيّة، حيث يتحقّق آنئذ مبدأ العدل في ذلك التّباري الرّياضيّ، والعدل في أصله اللّغويّ هو "مستمدّ من حياة البداوة، فقد كان البدو في رحلات متتابعة بحثاً عن الماء والكلأ، وكانوا حين يرحلون يعدّون أمتعة البيت، ويحزمونها من أجل حملها على الجمال. وكانوا يقسمونها أقساماً متساوية يسمّونها بالأعدال لتكون متعادلة على جنبي البعير أو الجمل. ومن هنا جاء: عادلت بين الشّئين _أي سوّيت بينهما_ ومن هنا جاءت أيضاً تسمية العِرارتين بالعديلتين من حيث أنّهما تتعادلان على جنبي البعير"(1)، ويرمز إلى العدالة بالميزان المتساوي الكفّتين، وهي "شكّلت منذ فجر التّاريخ ولا تزال المثل الأعلى لكلّ المجتمعات البشريّة"، وقد راعى كلّ من اتّحادات الألعاب الرّياضيّة، والهيئات التي تشرف على إقامة المباريات الرّياضيّة، أن تطبّق قوانين اللّعبة الرّياضيّة ذاتها على اللّاعبين المتبارين جميعهم, حيث لجأت تلك الاتّحادات الرّياضيّة إلى أن تنتدب أشخاصاً ضليعين في قوانين الألعاب الرّياضيّة، ليشرفوا على تطبيق تلك القوانين في المباريات، التي تجمع بين الرّياضيّين المتبارين، وقد أطلق على هؤلاء الأشخاص كلمة الحكّام، وهم فوّضوا أن يصدروا القرارات والأحكام في تلك الحالات التي يتطلّب فيها تطبيق الموادّ، التي تنصّ عليها قوانين الألعاب الرّياضيّة.

إنّ المهمّة التي ينفّذها الحكم الرّياضيّ في الملعب، تشابه الأعمال التي يؤدّيها القاضي في جلسات المحاكم التي تعقد لتبتّ فيها الأحكام القضائيّة، فيطلب من الحكم أن يطبّق القوانين الرّياضيّة بعدل على المتنافسين الرّياضيّين، وأن يشرف على تنفيذ تلك الأحكام وفق القواعد التي ذكرت في لوائح قوانين اللّعبة الرّياضيّة، كي تتحقّق العدالة في المباريات الرّياضيّة في أنصع صورها، وأبهى حالاتها، ومن دون أن تشوب القرارات والأحكام التي يصدرها ذلك الحكم الرياضيّ، شوائب الظّلم أو الجور، وإذا نظرنا في كلمة الحكم ذاتها، فإنّها تعني في أحد مدلولاتها في اللغة العربيّة من يُختار للفصل بين المتنازعين، فهي تدلّ على القاضي، والكلمة التي تقابل هذه الكلمة العربيّة، في اللّغتين الفرنسيّة والانكليزيّة، تدلّ أيضاً على القاضي، وكثيراً ما يطلق النّاس في أحاديثهم عن المباريات الرّياضيّة، كلمة القاضي على الحكم الرّياضيّ، ولا غرابة من أن يسمّي هؤلاء النّاس الحكم الرّياضيّ بتلك الكلمة تحديداً، لأنّ ذلك الشّبه الذي أوجده النّاس بين الأعمال التي يؤدّيها كلّ من الحكم الرّياضيّ والقاضي، لم ينشأ عبثاً، ولم تطلق كلمة القاضي اعتباطاً على الحكم الرّياضيّ، الذي خوّل إليه تطبيق قواعد الألعاب الرّياضيّة في تلك المباراة، التي يتولّى عمليّة التّحكيم فيها، حيث يكون الحكم الرّياضيّ هو القاضي في الملعب, وقد يثار أحياناً كثيرة النّقاش بين العديد من الأشخاص، في تلك الأحكام التي يصدرها الحكّام في منافسات رياضيّة شتّى، وقد كان عدد من تلك النّقاشات التي دارت بين أولئك الأفراد، يمتدّ إلى أمد قصيّ، من دون أن تحسم مجادلاتهم في تلك الطّرائق، التي طبّقت فيها قوانين الألعاب على الرّياضيّين المتنافسين في ميادين الرّياضة.

(1) الموسوعة الفلسفيّة العربيّة، معهد الإنماء العربيّ، المجلّد الأوّل (الاصطلاحات والمفاهيم)، الطّبعة الأولى 1986، ص579، 580.