سعى النّاس في المجتمعات كافّة، إلى أن يهيّؤوا لأنفسهم تلك الوسائل التي يتذرّعون بها إلى أن يحقّقوا مصالحهم الشّخصيّة، وقد نصّت الأعراف والشّرائع التي نظّمت مجرى العلاقات النّاشئة بين الأقوام، على المبادئ التي تحقّق تكافؤ النّاس في الحصول على الفرص، التي يتيسّر لهم فيها أن يحقّقوا منافعهم الذّاتيّة، من دون أن يتشاحّوا متباغضين في الاستئثار بتلك الأسباب، التي تؤدّي بهم إلى أن يدركوا مراميهم التي يطمحون إليها، وقد هدفت الشّرائع القانونيّة إلى أن ترسّخ الاستقرار في تلك العلاقات التي تربط بين هؤلاء النّاس، بيد أنّ غالباً ما كان يتجلّى في مجرى الأحداث الواقعة في المجتمعات الإنسانيّة، ذلك البون الظّاهر الملحوظ بين الهدف الذي يقصد هؤلاء المشرّعون إلى أن يبلغوه، وحقيقة أحوال تلك المعيشة التي يحياها النّاس في تلك المجتمعات، وإذا سلّمنا جدلاً بحصول ذلك التّكافؤ بين النّاس في تمكّنهم من أن يتمّتعوا بالظّفر بالوسائل، التي تهيّئ لهم أن يحصلوا على المنافع التي طالما كانوا يمنّون أنفسهم بأن ينالوها، فإنّنا إذا نظرنا في التّصرّفات التي تبدر من النّاس، فيلاحظ أحياناً، اندفاع العديد من أولئك الأقوام في أن يميلوا إلى التّطاول على حقوق الأشخاص الآخرين، فإن كانت حالة ذلك التّنازع الذي ينشب بين النّاس، تكاد تكون مألوفة في غالبيّة المجتمعات الإنسانيّة، في فترات التّاريخ المنصرمة، فلا مرية في أن يعوّل آنئذ على تلك القوانين العادلة التي يسنّها المشرّعون، كي تردّ عن النّاس غائلة ذلك الجور الذي قد يصيب بعضاً منهم، فتتكفّل تلك القوانين بالذّود عن فضيلة العدالة التي تنتهك.

يهفو الأقوام إلى أن يجلبوا لذواتهم تلك المنافع التي يطيبون بها نفساً، إلّا أنّ ما برح العديد من هؤلاء النّاس يدأب في أن يسرف في تحصيل تلك الوسائل، التي يظنّ أنّها تمهّد له السّبيل إلى أن ينال تلك المصالح التي يتطرّق إلى أن يدركها، واستمرّ هؤلاء النّاس على إمعانهم في ذلك الحرص على انتهاز تلك الفرص التي تلائمهم، لأنّهم "لا يزالون يعملون على تلبية مصالحهم الذّاتيّة أكثر من عملهم في سبيل تحقيق العدل"(1)، فأولئك الأفراد الذين يتشاحّون مع بعضهم البعض، على الاستئثار بتلك الذّرائع التي تتيح لهم تحقيق مصالحهم الذّاتيّة، لا يزالون "منصرفين عن العدل الذي لا يحقّق لهم مصلحة ولا يجلب لهم نفعاً، ولا يزالون يجرون وراء الأرباح والمكاسب"(2)، ولا غرو في أن يختلف النّاس في أقطار العالم على إيجاد تلك الأسس التي تنهض عليها تلك القوانين المنصفة، لأنّ النّظم الاجتماعيّة نفسها ما برحت "مختلفة اليوم حول الأساس الذي ينبني عليه العدل"(3)، وكان كرّس الفيلسوف أفلاطون حيّزاً من كتابه الجمهوريّة لتعريف العدل، والبحث في الطّرائق التي يتحقّق بها في المجتمع، واستعرض في مؤلّفه أيضاً الوسائل الملائمة لتطبيق العدالة في الدّولة، وقد ذهب العديد من الفلاسفة والمفكّرين إلى تأكيد تنازع النّاس فيما بينهم، في مسعاهم إلى الحصول على المصالح التي ينتفعون بها، حتّى يكاد لا يقنعون بتلك الحقوق التي خصّصت لهم، فيمنّون نفوسهم بأن يغنموا أيضاً تلك المنافع التي يزاحم بعضهم البعض على الاستئثار بها، فيعرضون عن أن يمتثلوا قواعد تلك العدالة التي يقتضي تحقّقها في المجتمع الإنسانيّ، أن تتساوى فيه فرص النّاس في إدراك مصالحهم الذّاتيّة، وكانت غالبيّة المصلحين والمفكّرين تذهب إلى تأكيد أنّه يجب على المرء أن يقنع بقسمته من الحقوق التي ينالها، ولا يطمع في تلك الحقوق والمكاسب والمنافع التي يتمتّع بها النّاس الآخرون، وقد اتّفق هؤلاء المفكّرون على اعتبار ذلك القبول الذي يجب على الفرد أن يلتزمه، هو الأساس الذي تقوم عليه القواعد التي تنظّم مجرى تلك العلاقات التي تنشأ بين النّاس.

لم يتوان الأدباء والشّعراء في أن يدلوا بآرائهم في تلك الطّرائق، التي تطبّق بها فضيلة العدالة في المجتمعات التي يحيون فيها، وقد اعتقد الشّاعر المتنبّي أن سجايا النّاس فطرت على أن تتّسم بالجور، إذ قال: "والظّلم من شيم النّفوس فإن تجد... ذا عفّة فلعلّة لا يظلم"، وإذا كان قلّما تحقّقت في تاريخ البشريّة، تلك الحالة المثاليّة التي تكون عليها المجتمعات، التي يقنع فيها كلّ إنسان بالحقّ الذي خصّص له، فإنّ هذه الحالة التي يندر وجودها، لم تكن غائبة عن تاريخ العرب، إذ عبّرت عنها بأدقّ تعبير وأصدق وصف، تلك الحادثة، التي رويت عن عمر بن الخطّاب الذي تضمّنت سيرة حياته مآثر جليلة جمّة، وكانت من جملة تلك المكارم الحميدة، تحلّي شخصيّته بفضيلة العدالة، وقد استفيضت الأحاديث عن تلك الطّرائق المثلى التي كان يطبّق بها عمر بن الخطّاب ذلك العدل في القضايا والمسائل، التي كان ينظر فيها، وإن كنت سأجتزئ حاليّاً بأن أذكر حادثة محدّدة رويت عنه، إذ ذكر أنّه"لمّا استُخلِف أبو بكر استعمل عمرَ على القضاء، وأبا عبيدة على بيت المال، فمكث عمر سنة لا يتقدّم إليه أحد. فعندما تولّى أبو بكر الصّديق _ رضي الله عنه _ الخلافة قام بتعيين عمر بن الخطّاب قاضياً على المدينة، فمكث عمر سنة لم يفتتح جلسة، ولم يختصم إليه اثنان، فطلب من أبي بكر إعفاءه من القضاء، فقال له أبو بكر: أمِن مشقّة القضاء تطلب الإعفاء يا عمر؟ فقال عمر: لا يا خليفة رسول الله، ولكنّ لا حاجة لي عند قوم مؤمنين، عرف كلّ منهم ما له من حقّ فلم يطلب أكثر منه، وما عليه من واجب فلم يُقصّر في أدائه، أحبّ كلّ منهم لأخيه ما يحبّ لنفسه، إذا غاب أحدهم تفقّدوه، وإذا مرض عادوه، وإذا افتقر أعانوه، وإذا احتاج ساعدوه، وإذا أصيب واسوه، دينهم النّصيحة، وخلقهم الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، ففيم يختصمون؟ ففيم يختصمون؟!"(4)

إنّ الأقوام الذين أخبر عمر بن الخطّاب عنهم في حديثه، لم ينزلقوا إلى أن يذكوا نيران المنازعة والمشاحنة فيما بينهم، فلم يغالب بعضهم بعضاً على الاستئثار بتلك الحقوق التي خصّصت لهم، ولم يتطلّع أحد منهم إلى أن يجرّد الأشخاص الآخرين، من تلك الحقوق التي كانوا جديرين بأن يتمتّعوا بها، وقد أخبرت والدي تلك الأفكار التي خطرت في بالي عن فضيلة العدالة، وتداولنا الحديث بيننا، عن آراء الفلاسفة والمفكّرين الذي بحثوا في مسألة تحقيق العدل في المجتمعات البشريّة، وقد تشّعب الحديث إلى استعراض الأحوال التي كانت يطبّق فيها العدل في أقطار شتّى من هذا العالم، وأخذ والدي يخبرني بحادثة، وافقت وقائعها مضامين ذلك الحديث الذي دار بيننا، فذكر لي أنّه وجد في إحدى المدن رجل محتال اتّصف بالمكر والخداع، إذ كان يسعى إلى أن يوقع سائر النّاس في مصائد الاحتيال التي كان ينصبها لهم، ولم يكن يجد سبيلاً إلى الاعتداء على حقوقهم، إلّا في افتعاله إثارة المشاحنات والمنازعات، التي كانت تعرض في خاتمة المطاف على هيئات المحاكم لتنظر فيها، فيدأب في أن يدفع خصومه الأبرياء إلى الدّخول في غمار الدّعاوى القضائيّة، ويحتال ذلك الرّجل المخادع في أن يجد سبباً قانونيّاً يجيز له أن يقدّم تلك المنازعات التي يثيرها، إلى ساحة القضاء، ويجهد في أن يستخلص من تلك الدّعاوى القانونيّة التي يرفعها، صدور حكم يوافق مصالحه الشّخصيّة التي تطلّع إلى أن يحقّقها.

تعدّدت تلك الدّعاوي التي كان يرفعها ذلك الرّجل المحتال، الذي تمكّن محاميه الذي رافع عنه، من أن يستصدر من المحكمة في إحدى الدعاوي التي نظرت فيها، قراراً وافق مصلحة موكّله، وحقّق رغبته في أن يربح تلك الدّعوى القضائيّة التي رفعها، وقد صدف أنّ ذلك الرّجل المحتال لم يتمّكن آنذاك من متابعة تلك الدّعوى عن كثب، إذ كان غائباً عن المدينة، بداعي السّفر الذي حال بينه وبين متابعته وقائع تلك الدّعوى، ولم تكد تصدر المحكمة قرارها الذي وافق مصلحة ذلك الرّجل المحتال، حتّى بادر المحامي إلى أن يرسل برقيّة إلى موكّله، وتضمّنت تلك البرقيّة الكلمات التّالية: "أودّ أن أعلمكم أنّ الحقّ قد انتصر"، ولم يكد يقرأ ذلك الرّجل المحتال تلك البرقيّة التي وصلت إليه، حتّى سارع إلى أن يجيب ذلك المحامي، وأرسل إليه ببرقيّة تضمّنت العبارة التّالية: "استأنف الحكم فوراً".

إنّ هذه الحادثة التي رواها لي والدي، بيّنت جليّاً تلك الهواجس التي كانت تتردّد في خاطر ذلك الرّجل المحتال، فظهرت في ضحّة تامّة تلك الأفكار التي وردت إلى ذهنه، إذ كان يعلم أنّ كفّة الحقّ يجب أن تكون راجحة، ويدرك أيّ جهة من طرفي هذه الدّعوى القضائيّة، هي جديرة بأن تربح هذه الدّعوى التي تنظر فيها هيئة المحكمة، وما إن تلقّى تلك البرقيّة التي أرسلها له المحامي، حتّى اندفع في أن يفسّر العبارة التي وردت في البرقيّة، بذلك التّفسير الذي وافق ذلك الإدراك الذي لاح في فكره، فأوقع المحامي الرّجل المحتال، في ذلك الاختلاط في معرفة حقيقة القرار الصّادر عن هيئة المحكمة، إذ التبس عليه كنه ذلك الحكم الذي بتّ في هذه القضية، فظنّ أنّ الحقّ الذي انتصر هو الحقّ الذي يملكه خصمه، الذي قرّر ذلك الرّجل النّصّاب أن يحتال عليه، ويعتدي على حقوقه، وقد أكّد والدي بتلك الحادثة التي رواها تلك المغازي التي اشتمل عليها حديثنا، الذي دار بيني وبينه عن مسألة العدل، الذي تسعى الأقوام إلى أن تحقّقه في تلك المجتمعات التي تحيا فيها، كي يستقيم مجرى تلك العلاقات التي تنشأ بين أفراد النّاس، ويرسخ ذلك الاستقرار في المعالات التي تجري فيما بينهم.

1- الموسوعة الفلسفيّة العربيّة، معهد الإنماء العربيّ، الطّبعة الأولى ت 1986، المجلّد الأوّل، ص 581.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السّابق.

4- أخبار القضاة، المكتبة الشّاملة.



ذلّلت شبكات الاتّصال للنّاس السّبيلَ إلى أن ينشئوا فيما بينهم روابط التّواصل، وعلائق التّرابط في هذه المعمورة الفسيحة الأرجاء والبعيدة الأطراف، فأخذ العالم يضيق كلّما توالى ظهور منتجات تكنولوجيا الاتّصالات الألكترونيّة، التي اختصرت شقّة البعد بين البشر، وقلّصت المسافات التي كانت تفصل بينهم، فأنشأت تكنولوجيا الاتّصالات المتطوّرة أسباب ذلك التّواصل الذي جمع هؤلاء الأشخاص معاً، حتّى أصبح النّاس يتيقّنون بأنّ العالم أصبح قرية صغيرة، إذ قرّبت أدوات تكنولوجيا الاتّصالات بين الأقوام، الذين كانت تنتقل المعلومات فيما بينهم انتقالاً فائق السّرعة، وهيّئ لتلك المعلومات، الأدوات التي تيسّر تنقّلها السّريع بين الأفراد، حتّى أنّه وصف المجرى الذي تنطلق فيه تلك المعلومات، بأنّه فضاء السّماوات المفتوحة، التي تخلو من العوائق والعقبات التي تحدّ من جريان تلك المعلومات، وكانت شبكة الأنترنت، هي معاجيل الطرّق التي تمضي فيها المعلومات مضيّاً سريعاً جدّاً، فزالت العقبات التي تفصل بين الشّعوب، ورفعت العوائق التي كانت تحول دون أن يتلاقى النّاس مع بعضهم البعض، وتحقّق بين المجتمعات ذلك الاتّصال الأمميّ TRANSNATIONAL PHENOMENA الذي جمع بين الأقوام بواسطة شبكات الاتّصالات، التي أخذ يلحّ على أن يستخدمها أولئك الأفراد الذين زاولوا الأنشطة الاقتصاديّة، فلم تقتصر وسائل الاتّصالات المتطوّرة، على إسهامها البالغ في أن توسّع ذلك الميدان الذي نشأت فيه الأنشطة الاقتصاديّة، بل أنّها سرّعت أيضاً عمليّة تحقّق تلك الأعمال الاقتصاديّة، التي كان ينجزها النّاس في بقاع شتّى في العالم، حيث باتت الأموال تنتقل فيما بينهم بيسر وسرعة فائقتين، فلم تنفرد عمليّة تنقّل المعلومات بين النّاس، بتميّزها بطابع تلك السّرعة التي اتّسمت بها، بل بات في إمكان النّاس أن ينجزوا بسرعة بالغة أيضاً، تلك الأعمال التي تتضّمنها الأنشطة الاقتصاديّة التي كانوا يزاولونها.

أتاح نشوء شبكات الاتّصال الألكترونيّة المتطوّرة، للنّاس كافّة أن يزاولوا تلك الأعمال التي يشتمل عليها النّشاط الاقتصاديّ، الذي يستند إلى ركائز المعرفة، فتكنولوجيا الاتّصالات جعلت "في استطاعة كلّ فرد المشاركة في السّوق العالميّة، فكثير من المهمّات يكاد يكون في الإمكان إنجازها بغضّ النّظر عن المكان الذي يسكن فيه هذا المرء"(1)، بيد أنّ النّاس إن رغبوا في أن يشاركوا مشاركة مثمرة تؤتي أكلها في تلك السّوق العالميّة، فيجب أن يحظوا بالتّحصيل العلميّ الذي ييسّر لهم ممارستهم تلك الأعمال، التي نشأت حديثاً في نطاق ذلك النّشاط الاقتصاديّ، وكان الباحثون الاقتصاديّون والمفكّرون في الدّول التي تتنافس على تصدّر المكانة البارزة في ميدان الاقتصاد، قد أطلقوا الدّعوة إلى اتبّاع سبيل العلوم المتطوّرة التي تفضي بمن يسلكها، إلى أن يكتسب ثمار النّجاح في مزاولة الأعمال الاقتصاديّة، وهم صاغوا دعوتهم في عبارة تركّزت فيها خلاصة تلك الدّراسات الاقتصاديّة التي أنجزوها، وأمّا العبارة التي أكّدوا فيها دعوتهم إلى الانتفاع من العلم، فكانت "استثمروا المزيد في التّعليم"(2)، وظلّ الاقتصاديّون ينهمكون في إيلائهم مسألة التّعليم، عنايتهم الموفورة، ولا سيّما بعد أن أيقنوا بأن "استثمار الأموال العامّة في تعليم المواطنين، لا يذهب هباء أبداً، بل يحقّق عائداً كبيراً جدّاً. فكلّما كان عدد القوى العاملة المتعلّمة تعليماً جيّداً أكبر، كان الإنتاج أكبر. وكانت البضائع أفضل جودة"(3)، فما برحت تصدر تلك الدّعوات التي يحثّ بها الباحثون الاقتصاديّون النّاس على أن يأخذوا بمناهج التّعليم المتطوّرة، التي تمهّد الطّريق إلى تحقيق النّموّ الاقتصاديّ المثمر.

إنّ أولئك الاقتصاديّين الذين أمعنوا في أن يحفزوا الأقوام إلى أن يلبّوا تلك الدّعوات التي ألقوها إليهم، جهدوا في أن يدعموا المضامين التي تنطوي عليها أحاديثهم عن مسائل التّحصيل العلميّ، بالبراهين الحسابيّة، إذ أفصح أحد الباحثين الاقتصاديّين أنّه "لو أنفقت ألمانيا على التّعليم ما تنفقه فنلندا، لطرأت زيادة على معدّل النّموّ الاقتصاديّ تتراوح بين 0.5 و0.8 نقطة مئويّة في كلّ عام. ومقارنة بمعدّل النّموّ الاقتصاديّ السّنويّ البالغ 1,26في المائة فقط، أي مقارنة بالمعدّل الذي حقّقته ألمانيا في المتوسّط خلال الأعوام العشرة المنصرمة، فإنّ هذه الزّيادة تعني أنّ معدّل النّموّ السّنويّ سيرتفع بنحو خمسين في المائة"(4)، فأولئك الباحثون الذين كانوا يحثّون النّاس على أن يحصّلوا علوم التّكنولوجيا المتقدّمة، لم يقتصروا على إغراء الأقوام بتلك المنافع العميمة، التي تعود عليهم من اتّباعهم نهج تلك العلوم المتطوّرة، بل أنّهم تحدّثوا أيضاً عن تلك المحاذير التي سيتعرّض لها أولئك النّاس، إذا تهاونوا في اتّباعهم سبيل تحصيل تلك العلوم المتقدّمة، وكان أحد الباحثين الأوروبيّين أفصح عن تلك المعاناة التي سيقاسيها أولئك الأفراد، الذين يتنكّبون عن سبيل العلوم التّكنولوجيّة المتقدّمة، وهو خصّ بحديثه عن تلك المحاذير الشّعوب الأوربيّة بالإضافة إلى الأمريكيّين، إذ رأى أنّه "كلّما كان الأوروبيّون والأمريكيّون أكثر نجاحاً في التّعلّم وفي التّزوّد بالعلوم الحديثة كانوا أكثر قدرة، في المستقبل على الهيمنة على الاقتصاد العالميّ. أمّا إذا فشلوا في هذا المضمار، فإنّ دول الاقتصادات النّاشئة ستفوز بقصب السّبق وستنافس الغرب على فرص العمل القائمة على المعارف الحديثة"(5).

إنّ هؤلاء الأفراد الذين يرغبون في مزاولة تلك الأنشطة الاقتصاديّة، التي تتأسس على قواعد العلوم المتطّورة، يتحتّم عليهم أن يمتلكوا الدّراية بتلك المناهج الملائمة لعمليّة التّحصيل العلميّ، الذي يحرصون على أن يأخذوا به، فكان "فبالنسّبة إلى كلّ واحد من بني البشر، يكمن أهمّ أسلوب للارتقاء بمستوى الرّفاهيّة الاقتصاديّة، في العالم المستوي، في القدرة على تعلّم الأسلوب النّاجح لاكتساب العلم والمعارف. ولا يكمن الأمر هنا في المعارف التي تعرفها، إنّما يكمن الأمر هنا في الكيفيّة التي تتعلّم بها، فما تتعلّمه في اليوم الرّاهن، سيتحوّل إلى علم أكل الدّهر عليه وشرب بأسرع ممّا كان سائداً في ماضي الزّمن"(6)، وقد فصّلت تلك المنافع التي ترجع على المجتمع من تطبيق قواعد التّحصيل العلميّ القويم، الذي سيهيّئ للأفراد الذين يتلّقونه، أن يقتدروا على القيام بأود عائلاتهم بكفاءة عالية، وقد ذكر في دراسة عولجت فيها أوضاع المعيشة في إحدى الدّول الأوروبيّة، أنّ التّعليم "يجب أن يحظى بالأهمّيّة نفسها التي يحظى بها نظام الرّعاية الاجتماعيّة. إنّ ما تنفقه الدّولة من أموال على رياض الأطفال والمدارس والجامعات يقرّر مستوى الرّفاهيّة الاقتصاديّة الذي سيتحقّق في العشر أو العشرين سنة المقبلة. ومن نافلة القول تأكيد أنّ زيادة الإنفاق على التّعليم في اليوم الرّاهن، يمنّ على الدّولة بمزيد من النّفع مستقبلاً. إذ سيرتفع عدد المواطنين الذين لديهم فرص عمل جيّدة وسيتراجع عدد الأفراد الذين هم، حالياً، في حاجة ماسّة إلى الإعانات الحكوميّة"(7)، فإنّ كانت أنظار الأشخاص الذين يتكفّلون بوضع خطط التّنمية، تمتدّ إلى السّنوات البعيدة القادمة، فلا ريب في أنّ التّحصيل العلميّ سيظلّ يتبّوأ صدارة تلك المواضيع، التي تشتمل عليها الأبحاث التي ينظر فيها في شؤون تلك التّنمية، فسيكون التّعليم "هو العامل الحاسم في عقود الزّمن التّالية"(8).

ما برح العاملون الذين ينتجون السّلع المصنّعة، يتلقّفون أبحاث العلوم التّطبيقيّة التي يجري فيها تطبيق المبادئ والأصول العلميّة، لتحقيق تلك الأهداف التي يتوّخى الأفراد أن يدركوها في إنجازهم عمليّات التّصنيع المتطوّر، فكان هؤلاء النّاس الذين يزاولون عمليّة ذلك الإنتاج الصّناعيّ، يعوّلون على الاستفادة من دراسات تلك العلوم التّطبيقيّة، لأنّ "فرص العمل الجيّدة في المصانع قد يكون عددها محدوداً، غير أنّ فرص العمل القائمة على الأفكار والابتكارات الجيّدة لا حدّ يحدّ من عددها"(9)، فأصبح تطوّر تلك الأنشطة الاقتصاديّة التي يزاولها النّاس، يتأسّس على تلك النّتائج التي نجمت عن أبحاث العلوم التّكنولوجيّة، بعد أن أيقنوا بأنّ "الأفكار والابتكارات الجيّدة هي أهمّ الموارد الاقتصاديّة في القرن الحادي والعشرين، إنّها أهمّ من البترول والغاز، وأهمّ من المياه والحبوب. فالأمم القادرة على إنتاج الأفكار والابتكارات الجيّدة هي التي سيكون في استطاعتها المحافظة على رفاهيّتها الاقتصاديّة والارتقاء بهذه الرّفاهيّة إلى مستوى أعلى. ففرص العمل الصّناعيّ ستحلّ مكانها فرص العمل القائمة على العلوم الحديثة"(10).

ظلّت كثرة من النّاس تتشكّى من ذلك الخلل الذي يحدثه نظام العولمة، في عمليّة توزيع المنافع الاقتصاديّة بين الشّعوب والأمم، التي تتفاوت فيما بينها كثيراً في القدرة على اغتنام تلك الفوائد، التي تتمخّض بها الأنشطة الاقتصاديّة الذي يزاولها النّاس في أقطار هذا العالم، إلّا أنّ هؤلاء الأقوام الذين تشكّوا من ذلك الحيف الذي نزل بهم، لم يعدموا الوسائل العديدة التي يتاح لهم أن يتذرّعوا بها إلى إزالة ذلك الجور الذي حاق بهم، وإن عمد الباحثون إلى أن يفاضلوا ويوازنوا بين تلك الوسائل التي يتيسّر لتلك الشّعوب أن تأخذ بها، لترفع عنها وطأة الظّلم الذي تتشكّى منه، فإنّ أحد الباحثين رأى أنّ "التّعليم والتّعلّم يشكّلان.... أهمّ وسيلة لتقليص رقعة التّفاوت القائمة بين الرّابحين والخاسرين من العولمة"(11)، وقد دأب الأشخاص في الدّول الغربيّة، في أن ينغمسوا في خوضهم غمار المنافسة الاقتصاديّة مع شعوب دول الاقتصادات النّاشئة، وكان ينتاب القلق الشّديد هؤلاء الأفراد في الدّول الغربيّة، إذا ما أعيتهم الحيل، فأخفقوا في سعيهم إلى التّفوقّ على سائر منافسيهم في ميدان النّشاط الاقتصاديّ، فيكابدون آنئذ حراجة المأزق الاقتصاديّ الذي يقعون فيه، بيد أنّهم كانوا يتيقّنون آنئذ أنه لا مناص من أن ينتهجوا سبيل العلوم التّقنيّة المتقدّمة، إذا ما أرادوا أن يتفوّقوا على شعوب سائر الدّول في إنتاج السّلع الصّناعيّة المتطوّرة، فيعزمون على أن ينتهجوا ذلك السّبيل الذي ينتهي بتلك الدّول الغربيّة، إلى أن تتدارك تأخّرها عن تليّة المنافسين الاقتصاديّين.

عمد الأفراد في الدّول الغربيّة، إلى أن يبذلوا قصارى جهودهم، في محاولتهم أن يتلافوا تقصيرهم في تحقيق التّطوّر في إنتاج السّلع المصنّعة، خصوصاً إذا ما أيقنوا بحقيقة تأخّرهم عن مجاراة أولئك الأقوام، الذين دأبوا في أن ينتجوا المنتجات التّكنولوجيّة المتقدّمة، وقد أفصح أحد الكتّاب الغربيّين عن قناعته بأنّ "لدى الغرب القدرة على الخروج من هذا الموقف الحرج والانتصار على المنافسين الجدد. ويكمن هذا المخرج في الارتقاء بمستوى التّعليم أوّلاً وأخيراً"(12)، وتوافقت تلك الآراء التي أفصح عنها الباحثون في الدّول الغربيّة، مع تلك الأفكار التي تضمّنتها الدّراسات التي وضعتها المؤسّسات والمنظّمات، التي عنت بتنظيم العلاقات بين الدّول المتقدّمة في الميدان الاقتصاديّ، وقد رفدت إحدى هذه المنظّمات تلك الأبحاث التي أنجزها الباحثون في الدّول الغربيّة، بدراسة تطرّق فيها إلى البحث في تلك الطّرائق، التي تتبّع في تحقيق العمليّة التّعليمّة في تلك الدّول، التي ضمّتها تلك المنظّمة، فذكر أنّ "الألمان على نحو لا يقبل الشّكّ أنّهم على وشك أن يضيّعوا مستقبلهم، ومستقبل أطفالهم بصورة خاصّة"(13)، وهذه النّتيجة التي تضمّنها تلك الدّراسة استندت على حقيقة ذلك المصير، الذي آلت إليه العمليّة التّعليميّة في ألمانيا، فقد جرت في تلك الدّراسة المقارنة بين أوضاع الطّلّاب، الذين يتلّقون تعليمهم في عدد من الدّول المتقدّمة، فحلّ الأطفال الألمان في "المراتب الأخيرة فيما يتعلّق بالرّياضيّات والعلوم الطّبيعيّة والقراءة والكتابة"(14)، وكانت تلك النّتيجة التي خلص إليها ذلك البحث تثبت أنّ "الدّول الصّناعيّة تبقى في وضع تنافسيّ جيّد، عندما يكون مواطنوها قد حازوا مستويات تعليميّة راقية فقط"(15)، وكانت مضامين ذلك البحث يوافق مغازي تلك الدّعوات التي أطلقها أولئك الباحثون والكتّاب، الذين دعوا النّاس في بلدانهم، إلى تطوير مناهج التّعليم، الذي بات دعامة رئيسيّة، يقوم عليها الاقتصاد المتطوّر في دول العالم.

هرع الباحثون الألمان إلى أن يتناولوا تلك الدّراسة، التي أفصحت عن أحوال التّعليم في ألمانيا، التي تعرّضت مع سائر الدّول إلى تلك الصّدمة القويّة التي ألحقتها بها تلك الدّراسة، إن لم تكن ألمانيا هي أكثر الدّول التي روّعتها تلك المعلومات، التي تضمّنتها تلك الدّراسة التي أصدرتها منظّمة التّعاون والتّنمية الاقتصاديّة، وقد سعى أحد الباحثين الألمان إلى أن ينبّه بني أمّته، ويخلص لهم النّصيحة، وهيّأ لهم أن يرجّحوا الرّأي الذي يعتمدون أن يمضوه، بعد أن خيّرهم بين رأيين اثنين، لا ثالث لهما، فذكر أنّ "على ألمانيا أن تختار بين مزيد من التّعليم ومستقبل زاهر من ناحية، وإنفاق مزيد من الأموال على الرّعاية الاجتماعيّة وتعرّض الاقتصاد الوطنيّ للكساد من ناحية أخرى(16)، وذلك الباحث إن كان ألحف على أن ينبّه النّاس إلى تلك المضارّ التي تلحق بهم، إن تهاونوا في تطوير مناهج التّعليم، فلأنّه يدرك أنّه لا مناص لهم، من أن ينبذوا عنهم ذلك التّراخي في النّهوض بمستوى طرائق التّعليم، الذي يدرس به الطّلّاب في بلده ألمانيا.

رسخت في نفوس النّاس في دول عديدة، الدّوافع إلى إنجاز التّقدّم الصّناعيّ في إنتاج السّلع والمخترعات التّكنولوجيّة، إلّا أنّ سعي الأفراد، في بعض الدّول، إلى تطوير العلوم التّكنولوجيّة، لم يكن يقتصر على تحقيق رغائب هؤلاء الأفراد، في أن تتبوّأ بلدانهم صدارة النّموّ الاقتصاديّ في العالم، بل أنّ كثيراً ما كان يؤجج حدّة التّنافس بين الدّول في تطوير تلك العلوم التّكنولوجيّة، رغبة النّاس في أن يمتلكوا تلك الأهبة، التي تيسّر لهم معالجة الأحداث الطّارئة على مجرى الأنشطة التي يزاولونها، ولا تخلو سير التّاريخ من تلك الوقائع التي تبرز هذه الأوجه العديدة، التي تتّخذها أهداف ذلك التّنافس الحاصل بين الدّول في تحقيق التّطوّر العلميّ، فقد جرت إبّان حقبة الحرب الباردة في سنوات الخمسينيّات، حادثة أبرزت طبيعة المرامي التي تتوّخى أن تدركها، تلك البلدان التي خاضت ذلك التّنافس العلميّ الحاصل فيما بينها، وأمّا هذه الحادثة فكانت إقدام الاتّحاد السّوفيتيّ على أن يرسل في 4 تشرين الأوّل (أكتوبر) في عام 1957، إلى الفضاء أوّل قمر صناعيّ، وهو عرف في العالم باسم سبوتنيك، وقد اعتبرت تلك المبادرة التي صدرت من الاتّحاد السّوفييتيّ، سبقاً علميّاً تكنولوجيّاً، تخطّت به روسيا المراحل التي بلغتها الولايات المتّحدة الأمريكيّة في إنجازها برنامجها الفضائيّ.

اختلفت آراء المؤرّخين كثيراً في تقييمهم تلك المبادرة التي صدرت عن الاتّحاد السّوفييتيّ، حتّى أنّ آراءهم تضاربت وتعارضت فيما بينها، فذهبت فئة منهم إلى التّقليل من قدر تلك المبادرة التي حقّقها الرّوس، بينما كان سائر المؤرّخين والباحثين، أخذ بوجهة النّظر المغايرة لرأي المؤرّخين الذين ما برحوا يهوّنون شأن ذلك التّصرّف الذي أتاه الاّتحاد السّوفييتيّ، ومن دون أن أعالج حاليّاً تلك المشاحنة والمماحكة النّاشبتين بين هؤلاء المؤرّخين، فإنّنا إذا نظرنا في تلك الأفعال التي أتتها الولايات المتّحدة الأمريكيّة، بعد أن أطلق الرّوس ذلك القمر الصّناعيّ إلى الفضاء، نرى الجهود الكثيفة التي بذلتها أمريكا، في سعيها إلى أن تضع الخطط والبرامج التّعليميّة التي هدفت بها إلى الارتقاء بمستوى التّعليم في مدراسها وجامعاتها، فلم تمض إلّا أيام لم تبلغ تمام الأسبوع على "بدء سبوتنيك بالدّوران حول الأرض مرّة كلّ 96 دقيقة"، حتّى أخذ السّياسيّون والصّحفيّون في أمريكا يعتبرون ذلك الحدث العلميّ التّكنولوجيّ "رمزاً مثيراً للصّدمة يدلّ على تفوّق الاتّحاد السّوفييتيّ"، واندفع المفكّرون في الحديث عن التّخلّف على الصّعيد التّكنولوجيّ، الذي اعتقدوا أنّه تحقّق بعد أن سبق الاتّحاد السّوفييتيّ الولايات المتّحدة في ارتياد الفضاء، وأكّد هؤلاء المفكّرون والمؤرّخون أن انطلاق سبوتنيك إلى الفضاء، أنشأ عند الأفراد الأمريكيّين الدّافع إلى تطوّير البرنامج الفضائيّ الأمريكيّ، و"لولا سبوتنيك لما وجد برنامج أوبولو، ولما حصل السّباق إلى القمر، أو الهبوط على سطحه عام 1969"، ومغازي تلك العبارات التي تحدّث بها هؤلاء المؤرّخون، تعبّر عن الهواجس التي دارت في أخلاد العديد من النّاس في أمريكا، في تلك الحقبة من مرحلة الحرب الباردة، التي نشبت بين هذين البلدين.

أخذت المؤسّسات التّعليمّية في أمريكا تعاود تطويرها مناهج التّعليم، منذ ذلك الأوان الذي جرى فيه انطلاق ذلك القمر الصّناعيّ سبوتنيك إلى الفضاء، وقد صدر في أمريكا تقرير خصّص للبحث في مسائل التّعليم، وكان فحواه يفصح عن الدّعوة إلى وجوب العناية بتطوير مستوى التّعليم، وقد ظهر ذلك التّقرير في عام 1983، وهو عنون بعبارة "أمّة في خطر (a nation at risk)"، وقد أكّد مضمون ذلك التّقرير أنّ مشكلات الأمّة الأمريكيّة في التّعليم تعزى في الأساس إلى انخفاض المستويات الدّراسيّة للطّلّاب، وقد رأى النّاس في أمريكا أنّ نظام التّعليم عند بعض الدّول يتفّوق على مستوى طرائق التّعليم، الذي يتّبع في أمريكا، التي اسشتعر الأفراد فيها ذلك الخطر الذي يحدق بهم، بعد أن رؤوا تدنّي مستوى طرائق التّعليم في المدارس الأمريكيّة، وقد انبثقت تلك العبارة التي سمّي بها ذلك التّقرير وهي "أمّة في خطر"، من طبيعة تلك المخاوف التي انتابت نفوس النّاس في ذلك البلد.

أعقب صدور ذلك التّقرير الذي وضع في عام 1983، ظهور دراسات وقوانين عديدة هدفت إلى تأكيد الدّعوة إلى تطبيق طرق جديدة في التّعليم في المدارس، وأوجبت تلك التّقارير أيضاً أن تتطوّر مناهج تدريس الرّياضيّات والعلوم واللّغة الأجنبيّة،وقد أكّدت تلك التّقارير والقوانين كافّة، أنّ للتّعليم تأثير مهمّ في تحقّق التّطوّر الاقتصاديّ وارتفاع مستوى المعيشة عند النّاس،فتنوّعت أنماط تلك الأهداف، التي ترمي الدّول في العالم إلى أن تدركها، في سعيها إلى أن تطوّر مناهج التّعليم في المدارس التي تقام في أرجائها، إذ كانت الدّول المتقدّمة في الميدان الاقتصاديّ، تمضي على أن تهيّئ الأهبة والاستعداد الملائمين لخوضها ذلك التّنافس الاقتصاديّ النّاشئ بين الدّول، وما برح الأقوام في دول عديدة، يتطلّعون إلى أن يبرزوا في تصنيعهم السّلع الاقتصاديّة المتنوّعة، فلم يجدّوا بدّاً من أن يستثمروا مواردهم الفكريّة، التي انصبت عليها أبحاث الدّارسين، الذين تعمّقوا في التّنقيب عن تلك الثّروات الفكريّة التي لا تنضب، وبدؤوا يضعّون الطّرائق الملائمة لاستخراج تلك القدرات الكامنة في النّفوس، وقد تركّز تفكير العديد من الباحثين في دراسة الطّرق الملائمة لتطوير مناهج التّعليم، الذي يتيح أن تستدرّ تلك الموارد الفكريّة، التي باتت تعتبر دعامة متينة تستند إليها عمليّات التّصنيع المتطّور.

الهوامش:

1-أولريش شيفر، انهيار الرّأسماليّة، أسباب إخفاق اقتصاد السّوق المحرّرة من القيود، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 371، الكويت، يناير 2010، ص418.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السّابق، ص421.

4- المصدر السّابق.

5- المصدر السّابق، ص418، 419.

6- المصدر السّابق، ص419.

7- المصدر السّابق، ص422.

8- المصدر السّابق، ص423.

9- المصدر السّابق، ص418.

10- المصدر السّابق.

11- المصدر السّابق، ص419.

12- المصدر السابق، ص418.

13- المصدر السّابق، ص419.

14- المصدر السّابق.

15- المصدر السّابق.

 

16- المصدر السّابق، ص423.



تفاقمت أزمة الإحجام عن مطالعة الكتب في المجتمع العربيّ، حتّى أفضت بعمليّة طباعة الكتب إلى أن تتعرقل متعسّرة، فتضاءلت كمّيّات الكتب المسوّقة، وبلغت مقداراً ضئيلاً ومبلغاً هزيلاً، وحدّ من انتشار الكتب في تلك الأقطار العربيّة، الانهيار المريع، والانحدار الفظيع، اللذان انتهى إليهما مصير صناعة الكتب في تلك البلدان، واتّسع نطاق تلك الأضرار التي تمخّضت بها تلك الأزمة التي أصابت الكتب، بعد أن استحكمت في حلولها بذلك المجتمع، حتّى كادت أن تستعصي على المعالجة، وتنوّعت تلك العلل التي نجمت عن نشوء تلك الأزمة المستعصية، فأصابت ميادين عديدة من تلك الأنشطة التي كانت تهدف عمليّة نشر الكتب في الأساس، إلى أن تنشئها في المجتمع، فعلاوة على الأضرار التي أصابت عمليّة نشر المعرفة وتنوير أذهان النّاس، برزت أيضاً الخسائر المادّيّة التي كانت تمنى بها عمليّة صناعة ونشر الكتب، وقد أنشئ في العديد من المدن العربيّة معارض الكتب، التي كان أغلبها يقام سنويّاً، وكان النّاس تعارفوا على تحديد الأهداف العديدة التي يتوخّى أن تتحقّق في تلك المعارض التي تقام، فكان بعض تلك المقاصد يتّخذ طابعاً فكريّاً، بينما اتّسم البعض الآخر بطابع مادّيّ، وكان الأفراد الذين تابعوا تلك المعارض، تطلّعوا إلى أن تتيح معارض الكتب، ظهورَ الفرص التي يتيسّر فيها أن تعالج بعضاً من تلك المضارّ، التي أصابت صناعة الكتاب في أقطار الوطن العربيّ، وقد أدركت أكثريّة تلك المعارض شهرة واسعة، نظراً للدّعاية الإعلاميّة التي كانت تحظى بها، وكانت المؤسّسات والأجهزة التي أقامت تلك المعارض، تهدف إلى أن تروّج تلك الكتب التي ضمّتها تلك المعارض، فلم تكن تألو جهداً في أن تعرّف النّاس، بتلك المعارض التي كانت تقيمها، فاتّبعت تلك المؤسّسات طرائق الدّعاية المتنوّعة المعهودة، لتحثّ النّاس إلى زيارة تلك المعارض، والاطّلاع على إصدارات الكتب الحديثة.

أنّ تلك المعارض التي أقيمت في الأقطار العربيّة، لم تكن تبدّل الأوضاع السّيّئة التي آلت إليها أحوال الكتاب مطلقاً، ولم تغيّر ذلك المصير المتدهور الذي انتهت إليه صناعة الكتب، التي لم تنفرج أبداً من تلك الشّدائد التي أصابتها، ولم تتخلّص من تلك الضّائقة العسيرة التي ألمّت بها، وقد ذكرنا أنّ تلك الأزمة التي حلّت بالكتب، اتّخذت مظاهر متعدّدة، إذ شملت مسائل تعثّر مساعي أولئك الأفراد، الذين رغبوا في أن يمهّدوا السّبيل لانتشار المعرفة في الوطن العربيّ، وتجلّى أيضاً أحد أشكال تلك الأزمة التي نزلت بالكتاب، في تعرقل عمليّات تسويق الكتب، فكلّ تلك الوجوه التي كانت تلوح فيها تلك المشاكل المستعصية، لم يظهر فيها ذلك الانفراج من تلك الأزمات التي حلّت بالكتاب، فلم تتمكّن المؤسّسات التي أقامت معارض الكتب، من أن تساهم في تغيير تلك الأوضاع السّيّئة التي وقع فيها الكتاب، وفي وسع النّاس أن يتّخذوا تلك المعارض مقياساً لسبر أغوار تلك الأزمات، التي تصيب عمليّة نشر الكتب في الوطن العربيّ، فكثيراً ما كانت يذكر في التّقارير الصّحفيّة التي ترد فيها أخبار تلك المعارض، أنّ الأكثريّة الغالبة من المؤلّفات المباعة في معارض الكتب، هي كتب لا تندرج في عداد المؤلّفات التي تتضمّن موضوعات فكريّة وثقافيّة رفيعة، بل أنّ بعض تلك الكتب الرّائجة تنمّ على سطحّية الفكر الذي تعرضه في ثناياها، والإحصاءات الرّقميّة تؤكّد صحّة ودقّة تلك الأخبار التي تذكر في تلك الكتابات الصّحفيّة، وتظلّ المضارّ الناجمة عن رواج تلك الكتب التي تباع في أسواق الكتب، تتفاقم تفاقماً شديداً، ولا سيّما أنّ الأشخاص الذين يقرؤون تلك الكتب الرّائجة، يكتفون بقراءة تلك المؤلّفات المتدنيّة المستوى، من دون أن يوسّعوا ذلك المجال الذي يختارون فيه الكتب التي يقرّرون أن يقرؤوها، فلا ينتقلون إلى قراءة الكتب التي تتميّز بمستوى فكريّ وثقافيّ عاليين.

تعدّدت مظاهر أنماط تلك المضارّ التي نزلت بالكتاب، الذي لم تستطع معارض الكتب أن ترفع عنه تلك الأزمات التي حلّت به، وإذا رغبنا أن نعالج حالة أخرى، تغاير مظهر ذلك الضّرر النّاجم عن تعثّر عمليّة ترويج المؤلّفات الفكرّية والأدبيّة الرّفيعة، فبإمكاننا أن نتناول مسألة تسويق الكتب، وأن نبحث في مقدار المردود المادّيّ، الذي قد يعود على النّاشرين الذين يشاركون في تلك المعارض، ويؤدّي بنا ذلك البحث الذي نخوض فيه، إلى أن نرى الطّامّة الكبرى التي تصيب في أغلب الأحيان هؤلاء النّاشرين، الذين كانوا يتشكّون من الرّسوم الماليّة العالية التي يفرض عليهم أن يسدّدوها، كي يسمح لهم بالمشاركة في تلك المعارض، وتكاد تصدر تلك الشّكوى من أكثريّة دور النّشر المغلوبة على أمرها، وتلك المصاعب التي تجبه دور النّشر، لا تقتصر على تلك الرّسوم الماليّة، إذ أنّها تتعرّض أيضاً لمشاقّ أخرى عديدة، فإذا تجاوزنا الحديث عن المصاعب التي تثيرها مسألة الرّقابة على الكتب، فإنّ النّاشرين كثيراً ما كانت تبهظهم الأجور التي تترتّب على شحن الكتب التي يضّطرون إلى نقلها بالطّائرة، فأجرة شحن البضائع هي عالية التّكاليف، وقد ذكر أنّ بعض النّاشرين الذين شاركوا في معارض الكتب في البلدان العربيّة، كانوا يرون بعد أن تنتهي تلك المدّة التي يستمرّ فيها المعرض، كتبهم مكدّسة وقد بيع منها النّزر اليسير، فلا يجدون بدّاً آنئذ من أن يتركوا تلك الكتب في تلك البلدان، التي أقيمت فيها تلك المعارض، فيضطّرون إلى أن يوزّعوها مجّاناً، ويهدوها إلى الأشخاص الذين يلتقون بهم في تلك البلدان التي تقام فيها تلك المعارض، فيتخفّفون بذلك التّصرّف الذي يبدر منهم، من أن يتحمّلوا أعباء أجرة شحن تلك الكتب إلى ذلك البلد، الذي قدموا منه.

أيقن أولئك النّاشرون بأنّه مهما بلغت خسارتهم، بضياع المردود الماليّ الذي كان يفترض أن يحصلوا عليه، لو تمّكنوا من أن يبيعوا تلك الكتب، التي عزموا على أن يهدوها إلى النّاس في تلك البلاد التي تقام فيها معارض الكتاب، فإنّ هذا المبلغ الماليّ الذي لن يتأتّى لهم الحصول عليه، يظلّ أقلّ من تكاليف شحن الكتب والرّجوع بها إلى البلد الذي جاء منه أولئك النّاشرون، الذين قدّروا أنّهم في تخلّيهم عن تلك الكتب في ذلك البلد الذي قصدوه، فإنّهم سيغنمون حينئذ ربحاً وفيراً، وهو مقدار تكلفة شحن الكتب، الذي يقتضي أن تدفع أموالاً طائلة لإتمام عملّية نقل الكتب، وقد ذكرت عبارة الرّبح الوفير، وهي تعني في جليّة الأمر، الحدّ من المزيد من الخسارة، أجل، أصبح مفهوم الرّبح الوفير يتحدّد في تجنّب الخسائر المتزايدة، فالخسارة القليلة المقدار، هي أقصى غاية يتاح لأولئك النّاشرين أن يصلوا بمطامحهم إليها، فحالة أولئك النّاشرين، هو شأن تلك المفارقة الأليمة، التي تكلم النّفس، وتقرح الفؤاد، وتغمّ الخاطر، وتهيض الأبدان، وهذه هي حالة العديد من النّاشرين في كثير من معارض الكتب، وهي تظهر بهذه الحدّة من المضارّ، لا سيّما إذا لم يستطع أولئك النّاشرون أن يعثروا على مؤسّسات أو أشخاص، يتكفّلون بإنجاز عمليّة توزيع الكتب، في ذلك البلد الذي يقام فيه معرض الكتاب، وعلى الرّغم من كلّ تلك المشاكل التي تعرّضت لها عمليّة طباعة الكتب، وقد تحدّثت عن كثير من تلك الأزمات في مرّات سابقة، فإنّ الكتاب سيظلّ يحظى بالمكانة الرّفيعة التي هو حقيق بأن يحلّ بها، وأمّا أولئك الأفراد الذين ما برحوا يواظبون مغرمين على مطالعة الكتب، فإنّهم يندفعون دائماً في أن يتحمّلوا أعباء الارتقاء بأوضاع ذلك الكتاب.



حقّقت الدّول الاقتصاديّة النّاشئة تفوّقاً معتبراً في إنتاج السّلع التّكنولوجيّة، وذلك النّجاح الاقتصاديّ الملحوظ الجانب الذي أتته تلك البلدان، توّج عمليّة التّنافس الذي دارت رحاه بين الدّول، التي تتسابق إلى تصدّر مكانة عالية في الإنتاج الصّناعيّ، فإنّ تمكّنت تلك الدّول الاقتصاديّة النّاشئة من أن تؤكّد بروزها في مجال الإنتاج الصّناعيّ التّقنيّ، فإنّ ذلك التّفوّق الاقتصاديّ الذي نالت ثماره دول الاقتصادات النّاشئة، دفع عدداً من الدّول الأوروبيّة إلى أن تراجع حالة ذلك التّأخّر، الذي وقعت فيه تلك البلدان في مجال الإنتاج الصّناعيّ، حتّى أنّ بعض الدّول الاقتصاديّة النّاشئة، تمكّنت من أن تسبق تلك الدّول الأوروبيّة إلى أن تتسنّم ذرى التّفوّق في ميدان الصّناعة التّكنولوجيّة، وكان الاقتصاديّون والباحثون في ميدان الإنتاج الصّناعيّ، أنعموا النّظر في ذلك التّفاوت الحاصل بين الدّول الأوروبيّة والدّول الاقتصاديّة الآسيويّة النّاشئة، في تلك المراتب التي حلّت بها عدد من عمليّات الصّناعات التّكنولوجيّة، ولا سيّما بعد أن اتّضحت تلك المستويات المتفاوتة التي أدركتها تلك الدّول التي نشأت فيها عمليّات التّصنيع، وقد تعمّق هؤلاء الدّارسون الأوروبيّون في البحث عن أسباب نشوء ذلك الاختلاف الواقع بينهما، وتوصّلوا في نهاية المطاف في أبحاثهم التي أجروها، إلى أن يعربوا عن اعتقادهم بأنّ تلك الدّول الأوروبيّة، قد قصّرت في تهيئة جموع الشّبان لتلقّي التّحصيل العلميّ القويم، وذلك الرّأي الذي أفصحوا عنه، أوضح فحواه علّة ذلك التّفاوت الواقع بين تلك الدّول المختلفة.

إنّ الباحثين الأوروبيّين أنفسهم، الذين عمدوا إلى مراجعة شؤون التّعليم في بلادهم الأوروبيّة، كانوا دقيقين في نقدهم المناهج التي تتبّع في تلقين الطّلّاب الأوروبيّين موادّهم الدّراسّية، وكانوا صارمين في ذمّهم تلك الأساليب التّدريسيّة التي تتبّع في المدارس الأوروبيّة، وقد ظهرت مقالة عنونت بعبارة أفصحت عن أساس البلاء الذي حلّ بتلك الدّول الأوروبيّة، إذ كان عنوان تلك المقالة هو "اهتمام فاشل بالأجيال"، وقد نوقشت في تلك المقالة، أوضاع المدارس والجامعات الأوروبيّة، التي عبّرت بدقّة عن مشاكلها العديدة، تلك العبارة التي اتّخذت عنواناً لتلك المقالة، التي انصبّ فيها النّقد اللّاذع على تلك العمليّة التّعليميّة، التي تجري في تلك المدارس والجامعات، إذ كانت "الأنظمة التّعليميّة الأوروبيّة لا تجاري وتيرة انتقال العالم إلى اقتصاد تدفعه المعرفة والابتكارات"(1)، فكان أولئك الطّلبة الذين ينضوون في إثر تخرّجهم في جامعاتهم، إلى جموع العاطلين عن العمل، يسعون إلى أن يحصلوا على تلك الإعانات الماليّة التي تقدّم إلى هؤلاء الأفراد الذين يقاسون وطأة البطالة.

استخلص من ذلك البحث الذي روجعت فيه أوضاع العديد من المدارس والجامعات الأوروبيّة، ذلك الرّأي الذي أكّد "فشل أوروبا في الاهتمام بأجيالها الشّابّة. وفيما ينتقل العالم بسرعة من اقتصاد قائم على العملة والصّناعة إلى اقتصاد تدفعه المعرفة والابتكارات، فإنّ الأنظمة التّعليميّة الأوروبيّة لا تجاري هذه الوتيرة. ويبدو أنّ بعضها أصبحت مختلّة ومن المعروف جدّاً أنّ جامعات القارّة التي تفتقر إلى التّمويل ومفرطة البيروقراطيّة تخرج أعداداً قليلة من الطّلّاب ذوي المهارات العتيقة، وهذا تهديد واضح لازدهار أوروبا"(2)، وكانت دولة أوروبيّة، اعتبرت في الزّمن القريب الفائت في عداد الدّول المتطوّرة في الميدان الاقتصاديّ، قد أصابتها تلك المشاكل نفسها، التي حلّت بسائر تلك الدّول الأوروبيّة، التي ساءت فيها أحوال المدارس والجامعات، وتلك الدّولة التي ضربت مثلاً لتردّي الأوضاع في المدارس الأوروبيّة، هي ألمانيا ذاتها، التي كانت في الزّمن الماضي "متفوّقة في مجال التّدريب المهنيّ والتّعليم، وأصبحت الآن في المرتبة 20 بين دول منظّمة التّعاون والتّنمية في الميدان الاقتصاديّ والمرتبة 30 في الرّياضيات ومهارات القراءة"(3)، وقد بحث في الطّريقة التي تتّبع في تدريس الطّلّاب في المدارس الأوروبيّة، حيث رؤي أنّ المشكلة في الأنظمة التّعليميّة "التي غالباً ما تبدو عالقة في عصر آخر"(4).

إنّ تلك المشاكل العديدة التي تعرّضت لها المدارس والجامعات الأوروبيّة، أثارت في أذهان النّاس الشّكّ في "جدوى الهجرة إلى أوروبا"،(5) بينما ما برحت يتفاقم في تلك الدّول الأوروبيّة استنزاف طاقات وقدرات أبنائها، حتّى لوحظ أنّ "هدر المواهب والوقت والموارد أصبح أمراً مدهشاً،(6) ولا تكتمل تلك الفكرة التي يصوّر فيه سوء أوضاع تلك المدارس والجامعات الأوروبيّة، إلّا عندما تقارن الحالة السّيئة التي وقعت فيها، بأوضاع تلك المدارس والجامعات في الدّول الاقتصاديّة النّاشئة في العالم، فإن كانت ألمانيا "متفوّقة أكاديميّاً. لكنّ ذلك أصبح من الماضي"(7)، وقد دقّق الباحثون النّظر في ذلك التّطوّر الاقتصاديّ الذي حققّته الدّول الاقتصاديّة الآسيويّة النّاشئة، وتوخّوا أن يقفوا على تلك الطّرائق، التي اتبّعت في تلك الدّول لتطوير العمليّة التّعليميّة فيها، وقد لفت نظرهم أنّ "بلداناً مثل كوريا الجنوبيّة التي استثمرت في نظامها التّعليميّ وزادت عدد خرّيجي جامعاتها شهدت نموّاً أكبر ونسبة بطالة أدنى"(8)، والبلاد التي انتظم فيها مجرى العمليّة التّعليميّة، كان يتحقّق فيها النّموّ الاقتصاديّ، إذ ثبت أنّ "كلّ سنة إضافيّة من التّعليم تكون نتيجتها زيادة في الأجور والإنتاجيّة بنسبة 8 بالمائة"،(9) فأصبحت العمليّة التّعليميّة إحدى الدّعائم التي يقوم عليها النّشاط الاقتصاديّ بعد أن "تحوّل التّعليم إلى مسألة اقتصاديّة"(10)، وكانت المشاكل التي أصابت العمليّة التّعليمّة في ألمانيا "قلّصت معدّل نموّ البلاد بنسبة 0,9%"(11) وقد عنى الباحثون في المسائل الاقتصاديّة، بأن يثبتوا في الدّراسات التي أجروها، أنّ التّعليم هو أبرز أسباب ذلك النّجاح الذي تحقّقه الدّول في إنجازها عمليّة النّموّ الاقتصاديّ.

إنّ الدّراسات المقارنة التي أجريت فيها عمليّات المفاضلة بين أوضاع الشّركات الأوروبيّة والأمريكيّة، تمخّضت بحجج حاسمة وبراهين قاطعة، تثبت أهّميّة النّفوذ الذي تتمتّع به العمليّة التّعليميّة في تطوير عمليّات الإنتاج الصّناعيّ، فنظر في أحد تلك البحوث المقارنة، في ذلك المدى الذي تبلغه تلك الشّركات في القدرة على الاستفادة من البحوث التي تجرى في ميدان العلم، فتأكّد في ذلك البحث أنّ "الشّراكة بين المؤسّسات التّجاريّة والجامعات، الذي يؤدّي دوراً مهمّاً جدّاً في براعة أمريكا العلميّة والتّجاريّة، شبه معدوم في أوروبا،(12) ولا يبتدئ التّنافس بين الدّول في المبادرة إلى تحقيق المبتكرات العلميّة، في ذاك الأوان الذي يبتكر فيه مواطنو هذه الدّول تلك المخترعات التّكنولوجيّة، فذلك الوقت تحديداً، الذي تظهر فيه تلك المبتكرات، هو خاتمة المطاف في مراحل ذلك السّباق الذي تخوض غماره تلك الدّول، التي تمهّد كلّ منها لانطلاقتها في ذلك التّنافس الاقتصاديّ، بتهيئتها تلك الأماكن التي تحتضن الطلّاب الذين يسعون إلى إنجاز تحصيلهم العلميّ، فلا غرو من أن يهتمّ الباحثون في تلك الدّول المتنافسة، بمراجعة العمليّة التّعليميّة التي تجرى في تلك المدارس والجامعات، التي تدّرس فيها الأجيال النّاشئة، وكان مركز الإصلاح الأوروبي أصدر من مقرّه في مدينة لندن، تقريراً استعرض فيه أحوال الجامعات في أوروبا، وقد وصف ذلك التّقرير بأنّه كان لاذعاً، نظراً لتلك الشّكوى المرّة التي أفصح عنها مضمون ذلك التّقرير، إذ ذكر فيه أنّ ("ضائقة محبطة" تسيطر على التّعليم العالي في أوروبا. فمعظم أفضل جامعاتها من الدّرجة الثّانية بشكل واضح، يفاقم من ذلك نزوح المواهب الأكاديميّة"،(13)، وقد حدّدت تلك الأسباب التي أدّت إلى نشوء المشاكل التي حاقت بتلك المدارس الأوروبيّة، فكانت علّة النّقصان في مقدار التّمويل الذي يخصّص لتلك المدارس، إحدى تلك الأسباب التي أنتجت تلك الأزمات التي أصابت المدارس والجامعات الأوروبيّة.

ألحق تردّي أوضاع المدراس والجامعات في أوروبا، المضارّ العديدة بالنّشاط الاقتصاديّ في الدّول الأوروبيّة، بل أنّ تلك الحالة السّيّئة التي كانت عليها تلك المدارس، باتت تتسبّب باختلال انتظام مجرى سائر الأنشطة التي يزاولها النّاس في المجتمعات الأوروبيّة، فكانت "الضّائقة التّعليميّة في أوروبا تتعدّى جعل عمّال المستقبل أذكى بقليل. وهي ليست منوطة فقط بمجاراة المنافسين الأجانب في السّوق العالميّة. إنّما هي منوطة بالحفاظ على القوام الاجتماعيّ الأوروبيّ، إذ من دون اقتصادات نشيطة ومفعمة بالمعرفة، فإنّ ركائز دولة الرّفاهيّة الأوروبيّة العصريّة بكاملها ستتداعى. فالمدارس والجامعات تخرج أصلاً عدداً كبيراً من الطّلّاب والمهاجرين، الذين يدخلون فوراً قوائم الضّمان الاجتماعيّ، وهذه زيادة كبيرة في النّفقات تهدّد بإطاحة الميزانيّات الأوروبيّة وإغراق اقتصاداتها أكثر فأكثر"(14)، وقد انتقدت تلك الطّرائق التي يدّرس بها التّلاميذ في بعض المدارس الأوروبيّة في ذلك الزّمن الذي تطوّرت فيه باطّراد العلوم التّكنولوجيّة، فإذا كانت دول النّمسا وبلجيكا وألمانيا وهولندا قد "حافظت على أنظمة مدرسيّة من القرن ال19 تصنّف الأطفال منذ سنّ ال10 وتحيلهم إلى مدارس مختلفة المستويات، فارضة عليهم مسيرتهم المهنيّة المستقبليّة، ولا تقدّم المدارس ذات المستويات المتدنّية إلّا تعليماً بدائيّاً"،(15) فهذا المنهاج الذي يتبّع في تلك المدارس الأوروبيّة، لا يعدّ أولئك الطّلبة لتقبّل ذلك التّطوّر العلميّ الحاصل في ذلك العصر الذي تحقّقت فيه الثّورة العلميّة التّكنولوجيّة، التي مدّت آفاق النّشاط الاقتصاديّ إلى آماد قصيّة.

كانت تبعات تهاون المدارس الأوروبيّة في تهيئة الطّلّاب ليتلقّوا قواعد العلوم المتطوّرة، شديدة الضّرر، إذ بلغت "معدّلات التّسرّب المدرسيّ 10 بالمائة في المدارسة الألمانيّة الثّانويّة العامّة و60 بالمائة في الجامعات الإيطاليّة. وينتهي المطاف بالكثير من أولئك الشّبان ليصبحوا فوراً معتمدين على نظام الرّعاية الاجتماعيّة. ففي ألمانيا، لدى مكتب التّوظيف الفيدراليّ 960000 "زبون" دون ال 25 من العمر وهو ينفق ستة بلايين يورو على برامج إصلاحيّة تعلّم الشّباب أبسط المهارات، مثل مبادئ الرّياضيّات أو كيفيّة استعمال برنامج وورد من "مايكروسوفت"(16)، فإذا كانت الثّورة العلميّة التّكنولوجيّة شقّت طرائق جديدة في إنتاج السّلع الصّناعيّة، فإنّ نشوء تلك الطّرق المتطوّرة في الإنتاج الصّناعيّ، اقتضى أن يكتسب الأفراد مؤهّلات مهنيّة رفيعة، وقد كان العديد من مديري الشّركات في أوروبا، يتشكّون من تدنّي المستوى المهنيّ الذي انحدر إليه الخرّيجون الجامعيّون، الذين أبرمت معهم تلك الشّركات عقود العمل، فكان يصعب على أولئك الخرّيجين في تلك المدارس والجامعات الأوروبيّة، أن يتّبعوا النّهج المتطوّر الذي شقته الثّورة العلميّة التّكنولوجيّة في ميدان العمليّات الإنتاجيّة الصّناعيّة، فلوحظ أنّه "بالرّغم من وجود 4.5 مليون عاطل عن العمل، فإنّ الشّركات تتذمّر من أنّها لا تستطيع إيجاد عمّال مهرة، ليس فقط مهندسين واختصاصيّين بل مجرّد خرّيجين يتمتّعون بالمهارات الاجتماعيّة والتّعليميّة اللّازمة لبدء برامج التّدريب المهنيّ"(17).

إنّ ذلك المستوى المتدنّي الذي انحدرت إليه مؤّهلات أولئك الخرّيجين الجامعيّين، دفع أحد القيّمين على إدارة مكتب التّوظيف في إحدى المؤسّسات الأوروبيّة، إلى أن يعبّر عن تبرّمه بالأوضاع التي آل إليها مصير الشّركات الاقتصاديّة، ولم يجد بدّاً من أن ينحي باللّائمة على العمليّة التّعليميّة التي تنجز، إذ قال: "أنّ النّظام التّعليميّ يرسل إلينا أشخاصاً غير مستعدّين للتّدرّب"(18)، وإذا كان بعض الفئات من النّاس في أوروبا، قد قاست شظف العيش الضّنك، وكابدت تكاليف الحياة العسيرة، فإنّ ذلك العناء الذي حلّ بأولئك الأفراد عزي إلى فقدانهم تلك المؤهّلات العلميّة الرّفيعة، فكان "المفلسون في المجتمع هم أولئك الذين نادراً ما جرت تهيئتهم لمتطلّبات الاقتصاد العولميّ. فهم يمارسون الأعمال البسيطة أو أنّهم تخصّصوا في مهنة انعدمت الحاجة إليها، في ألمانيا، على أدنى تقدير. إنّهم أولئك الذين تركوا المدرسة في وقت مبكّر، أو أولئك الذين لا يتقنون أوّليّات القراءة والكتابة والحساب. إنّهم أولئك الذين عاش أكثرهم على الرّعاية الحكوميّة إلى الآن. بيد أنّ الدّولة تكاد تعجز عن مواصلة مساعدتهم، وذلك لأنّها أمست تئن تحت وطأة ديون عظيمة المقدار"(19)، فتطلّب تطوّر عمليّات الإنتاج الصّناعيّ، أن تتوفّر عند العاملين الذين يزاولون نشاط التّصنيع التّقنيّ، المؤهّلات العلميّة العالية، التي تهيّئهم لمزاولة الطّرائق المستجدّة في تلك العمليّات الصّناعيّة التّكنولوجيّة، التي أوجبت "على المشاريع الاستغناء عن الأعمال البسيطة، أي التي لا تحتاج إلى تخصّص ذي بال، ودفعها إلى أن تصعّد طلبها على ذوي التّعليم المتقدّم، أي أولئك الذين يحصلون على أجور ورواتب معتبرة"(20)، وأصبحت قوّة الاقتصاد الوطنيّ في بلدان العالم "تتوقّف في القرن الحادي والعشرين على نسبة المواطنين المتعلّمين في المقام الأوّل. فالأمم التي تتميّز بكثرة مواطنيها المتعلّمين، تستطيع الوقوف بثبات في المنافسة العالميّة، وتستطيع، بنحو أفضل، الحيلولة دون تصاعد التّفاوت في المجتمع"(21)، فأصبح التّحصيل العلميّ، في ذلك الأوان الذي نشأ فيه التّطوّر الصّناعيّ التّكنولوجيّ، إحدى العمليّات الاستثماريّة التي تسبغ منافع جمّة وثماراً وافرة، على الأنشطة الاقتصاديّة التي يزاولها الأفراد الذين تلقّوا تحصيلاً علميّاً رفيعاً.

الهوامش:

1- مجلّة نيوزويك، العدد 334، تاريخ14 نوفمبر 2006، ص46.

2- المصدر السّابق، ص47.

3- المصدر السّابق، ص49.

4- المصدر السّابق، ص49.

5- المصدر السّابق، ص48.

6- المصدر السّابق، ص49.

7- المصدر السّابق.

8- المصدر السّابق، ص50.

9- المصدر السّابق.

10- المصدر السّابق، ص51.

11- المصدر السّابق، ص50.

12- المصدر السّابق، ص51.

13- المصدر السّابق، ص47.

14- المصدر السّابق، ص48.

15- المصدر السّابق، ص49.

16- المصدر السّابق.

17- المصدر السّابق، ص49 _ 50.

18- المصدر السّابق، ص50.

19-أولريش شيفر، انهيار الرّأسماليّة، أسباب إخفاق اقتصاد السّوق المحرّرة من القيود، ص100، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 371، الكويت، يناير 2010، ص327.

20- المصدر السّابق، ص329.

 

21- المصدر السّابق، ص417.



 

افتقرت بلدان عديدة إلى تلك الموارد الأساسيّة التي تقوم عليها عمليّات التّصنيع، وقد كانت تلك الموارد أحياناً شحيحة في بعض البلدان، حتّى إنّ كمّيّاتها اليسيرة المتوفّرة لدى تلك الدّول، لم تكن تسدّ عند العاملين في الإنتاج الصّناعيّ، حاجتهم الماسّة إلى تلك الموارد، إلّا أنّ هؤلاء النّاس الذين عزّ عليهم العثور على تلك الموارد الكافية في البلدان التي نشؤوا فيها، لم يفتروا عن معالجة مسألة شحّ تلك الموارد التي كانوا يفتقدونها، وتعدّدت تلك الحالات التي كانت تبرز فيها قدرات النّاس على معالجة مشكلة تلك النّدرة في الموارد، فاستطاعت اليابان أن تعالج مشكلة شحّ الموارد التي طالما افتقدتها، فكانت تعوزها تلك الموادّ الأساسيّة التي تندرج في صميم العمل الإنتاجيّ الصّناعيّ، حيث افتقرت إلى موادّ الحديد والفحم والنّفط، وقد ابتدأت منذ منتصف سنوات الخمسينيّات وتحديداً في العام 1955، في تحقيق نموّها الاقتصاديّ السّريع، إذ جرت فيها عمليّات البحث والتّطوير (Research and Devlopment)،(R&Dالتي اندرجت فيها "النّشاطاتالمتعلّقةبالبحوثالأساسيّة  Basic  research والتّطبيقيّةفيالعلوموالهندسةوالتّصميموتطويرالنّموذجالأصليّ Prototype  والأساليبالإنتاجيّة"(4)، وإذا كانت الدّول تتباين فيما بينها في القدرة على تحقيق التّطوّر في الإنتاج الصّناعيّ، فإنّ الفارق الحاصل بين تلك الدّول في المدى التي تبلغه في تحقيق التّطوّر التّقنيّ في العمليّات الأساسيّة، التي تقوم عليها العمليّة الإنتاجيّة الصّناعيّة، يحدّد حقيقة ذلك التّباين الواقع بين الدّول في إنتاج السّلع الصّناعيّة المتطوّرة.

إنّ أسباب ذلك التّفاوت الحاصل بين الدّول، في تطوير الإنتاج الصّناعيّ، لم تكن تخفى على الباحثين في وقائع عمليّات التّصنيع التي تجري في البلدان المختلفة، فقد تضمّن بحث اقتصاديّ، نشر في مطلع سنوات الثّمانينيّات، الحديث عن علل ذلك التّباين الملحوظ بين الدّول، إذ تأكّد أنّه "لاشيءيجسّدالفجوةالتّكنولوجيّة الهائلةالتيتفصلالدولالمتقدّمةمنالدّولالنّامية،مثلمعرفةأن 98,4 % ممّاينفقعلىعمليّةالبحثوالتّطويرفيالعالم، تتمّ فيالدّول الرّأسماليّةالمتقدّمة 66,2% والدّول الاشتراكيّة المتقدّمة 32,2، أمّا ما ينفق على البحث والتّطوير في الدّول النّامية فيبقى في حدود 1,6%"(5)، وقد توفّرت للعمّال اليابانيّين الوسائل التي هيّأت لهم أن يتلقّوا التّدريب التّقنيّ الذي أتاح لهم تنمية مؤهّلاتهم، ليتمكّنوا من أن ينجزوا بدقّة وإتقان الأعمال الصّناعيّة الإنتاجيّة، وبعد أن عمدت اليابان إلى أن تستورد الخامات الضّروريّة التي أخذت تتلقّف في المصانع اليابانيّة التي هيّئ فيها العمّال، لأن يحقّقوا الفائدة القصوى في معالجة تلك الموارد في إنتاج السّلع والمنتجات الصّناعيّة المتنوّعة.

عكفت اليابان على أن تصدّر سلعها المصنّعة، بعد أن دأبت الشّركات اليابانيّة في أن تحقّق شروط الإنتاج الصّناعيّ، الذي يتاح له أن يحلّ بمكانة وطيدة في ميدان التّجارة الخارجيّة، وقد حقّقت اليابان معدّلاً عالياً في النّموّ الصّناعيّ في العقد الثّامن من القرن العشرين، إذ زاد مقدار تضاعف الإنتاج الصّناعيّ فيها عن ثلاث مرّات، ولم تقتصر اليابان على أن تجلب إليها الموارد التي كانت تفتقدها، بل عمدت أيضاً إلى أن تستورد براءات الاختراع، إذ أدّى نشوء الثّورةالعلميّة والتّكنولوجيّة، إلى أن تتعاطى عدّة دول تجارة التّراخيص وبراءات الاختراع، فكانت اليابان بدأت "في نهضتها الحديثة باستيراد براءات الاختراع، من الولايات المتّحدة أساساً، بهدف تصنيعها محلّيّاً، وهو ما مكّنها لاحقاً من إنتاج براءات الاختراع"(6)، وقد أعدّت اليابان الأسس التي ترتكز عليها عمليّات البحث والتّطوير، فأنشأت التّجهيزات والمختبرات العلميّة التي تجرى فيها الأبحاث العلميّة، التي رصدت في عام 2006 له مبلغاً كبيراً يفي بسدّ حاجة الباحثين اليابانيّين إلى الأموال التي ينفقونها في إنجاز أبحاثهم العلمّية، حيث "أنفقت اليابان 130 بليون دولار على الأبحاث والتّنمية... ممّا يشكّل نسبة مئويّة من إجماليّ النّاتج المحلّيّ أعلى من النّسبة المئويّة في الولايات المتّحدة والاتّحاد الأوروبيّ، ويضع اليابان في المرتبة الثّالثة عالميّاً بعد السّويد وفنلندا"(7).

إنّ أولئك الباحثين الذين أجروا دراساتهم النّظريّة والتّطبيقيّة في العلوم، أسهموا في أن يمهّدوا للنّاس السّبيل إلى تحقيق النّموّ الاقتصاديّ، في البلدان التي رسخت فيها قواعد الثّورة الصّناعيّة التّكنولوجيّة، ففي عصر العولمة و"بفضل الثّورة العلميّة والتّكنولوجيّة تدخل الرّأسماليّة في عالم حضاريّ جديد يتمثّل حضارته في المعرفة التي تقوم على المعلومات بدلاً من الموادّ الخامّ والوقود والموارد الطّبيعيّة وموارد العمل البسيط للبشر. وتصبح المعلومات هي المورد الرّئيسيّ لثروة المجتمع، وتصبح القوى المنتجة للمعرفة هي مفتاح تحديد وتجديد القوى المنتجة للمجتمع"(8)، ولم يعد شحّ الموارد تلك العقبة الكأداء التي تعترض سبييل النّموّ الاقتصاديّ، التي تتطلّع الدّول كافّة إلى أن تنتهجه، ففي ذلك الأوان الذي توطّدتفيه ركائز الثّورة المعلوماتية، أصبحت "المعلومات هي الشّكل الرّئيس لرأس المال. إنّ المعلومات مورد مثل سائر الموارد الطّبيعيّة: كالثّروات المعدنيّة، والأرض والمياه، ومثل الثّروات البشريّة، وهي مورد متجدّد يتزايد كلّ يوم ويتضاعف كلّ خمس سنوات. وهو قادر على أن ينتج موارد جديدة لم تكن معروفة. فالمعلومات تحوّل الموادّ التي لم نكن نعرف لها قيمة إلى موارد طبيعيّة جديدة. وبقدر ما يعتمد المجتمع على تكنولوجيا المعلومات والمعرفة يتخلّى عن الطّاقة والخامات"(9)، وأصبحت مراكز البحث والتّطوير ترفد المؤسّسات الصناعيّة بتلك الموارد الفكريّة، وتمدّها بالمبتكرات العلميّة التي تنتجها أذهان الباحثين، الذين يساهمون بدراساتهم العلميّة في تطوير السّلع المنتجة، فلا غرو من أن تندفع مجلّة أمريكيّة متخصّصة في مجال الكمبيوتر، في أن تفصح عن أنّه "يخطّط اليابانيّون لإطلاق المنتج المعجزة، الذي لن يخرج من مناجمهم أو آبارهم أو حقولهم أو حتّى بحارهم، بل سيخرج من عقولهم"(10)، فأولئك اليابانيّون الذين خاضوا غمار ميدان الإنتاج التّكنولوجيّ، تمكّنوا من معالجة مشكلة شحّ الموارد التي عزّ وجودها في بلدهم اليابان.

 

انطبقت على حالة ذلك النّشاط الصّناعيّ الذي زاوله أولئك اليابانيّون، مغزى تلك العبارة التي كانت تجري على ألسنة النّاس، الذين كانت تنتابهم الدّهشة من رؤيتهم المنتجات المصنّعة، بينما لم تكن تتوافر من قبل لتلك السّلع المنجزة، الموارد الكافية التي لا غنى للعمّال عنها، كي يتمّكنوا من أن ينجزوا تلك المنتجات الصّناعيّة، وأمّا تلك العبارة فهي "خلق شيء من لا شيء"، وهي عبارة تدلّ على المهارة والتّفوّق في إنتاج المبتكرات الصّناعيّة، وإن كانت تلك العبارة تصف أساساً عمليّة الابتكار، والتي يجريها النّاس المبدعون في العديد من الأنشطة الإنسانيّة المتنوّعة، بيد أنّ بالإمكان أن تذكر في مجرى الحديث عن الإنتاج الصّناعيّ في اليابان، للتّعبير عن نجاح العمّال اليابانيّين في أن يستغلّوا الموارد المتوفّرة في مصانعهم، استغلالاً بالغاً، بيد أنّ اليابان لم تتفرّد بالبروز وحدها في ميدان تصنيع المنتجات التّكنولوجيّة، بل أنّ دولاً اقتصاديّة ناشئة عديدة عملت على ذلك منوال الذي أخذت به اليابان، فكان تهيّأ للباحثين في سنغافورة، أسباب الدّعم الذي سهّل لهم أن ينجزوا أبحاثهم العلميّة التّطبيقيّة، إذ "زادت سنغافورة من مقدار الإنفاق على البحث والتّطوير نسبة إلى إجماليّ النّاتج المحلّيّ، فقاربت مستويات هذا الإنفاق من ألمانيا، ممّا يتيح إمكان التّطوير المستمرّ لنوعيّة كلّ من المنتجات وعملّيّات الإنتاج على حدّ سواء"(11).

اتّضحت للعديد من الدّول تلك المنافع التي تعود على من يدير تجارة تكنولوجيا المعلومات، التي سعت الهند إلى أن توطّد لها مكانة راسخة في صدارة الأنشطة التي اشتمل عليها الاقتصاد الهنديّ الحديث، ولم يكن يتأتّى للهند أن تفلح في تطوير أنشطتها الاقتصاديّة، لولا نجاحها "في إقامة شبكة متفاعلة من الحاضنات والمجمعّات التّكنولوجيّة التي أحدثت قفزة هائلة في مجالات التّكنولوجيا المتقدّمة، وأدّت إلى أن تصبح الهند ثالث دولة في إنتاج البرمجيّات عالميّاً"(12)، وهي تبوّأت تلك المرتبة العالية بعد أن مهّدت لتحقّق ذلك النّموّ في نشاطها الاقتصاديّ بإنشائها "سلسلة من ساحات تكنولوجيا البرمجيّات STP: Software Technology Parks وُزِّعت على مدن الهند الرّئيسيّة،.... وتنظر الهند إلى قطّاع البرمجيّات بصفته نموذجاً يثبت قدرتها على المنافسة عالميّاً"،(13) وقد حشد الباحثون الهنود قدراتهم على تطوير تكنولوجيا البرمجيّات، في مراكز الدّراسات التي أنشئت في الهند، فلم يكن في وسع أحد من الناس "إنكار أنّ الهند قد أسّست نهضتها العلميّة _ التّكنولوجيّة الحديثة في ظلّ سياسة الاعتماد الذّاتيّ التي أدّت النّهوض بالتّعليم والتّطوير السّريع لمراكز البحث والتّطوير"(14)، فاقتضى تحقّق الثّورة العلميّة التّكنولوجّيّة في أقطار العالم، أن تتوفّر في تلك البلدان القواعد الأساسيّة التي يقوم عليها مجتمع المعرفة، وقد أدرجت الهند في عداد تلك الدّول الاقتصاديّة النّاشئة، التي جهدت في تحقيق النّمو الاقتصاديّ، حتّى أنّها تمكّنت الهند من أن تصبح في فترة زمنيّة مضت "ثاني أسرع الدّول نموّاً في العالم بعد الصّين"،(15)، وذلك النّهوض الذي حقّقته الهند في المجال الاقتصاديّ، عزي إلى اتّباعها سبيل التّكنولوجيا المتطّورة.

تكبّدت الدّول النّامية بحرمانها من الاستفادة من خبرات أولئك الأفراد الذين ترعرعوا في كنفها، وترقّوا في مراتب العلم في ظلّها، إلّا أنّهم بعد أن اكتمل نضجهم وصلب عودهم، دفعتهم دواعي الهجرة إلى أن يقصدوا الدّول الأجنبيّة، ليقيموا فيها، ويمارسوا أعمالهم في أرجائها، وقد صيغت عبارة هجرة العقول، أو هجرة الأدمغة، للدّلالة على حالة تلك الخسارة الفادحة التي كانت تمنى بها تلك الدّول النّامية، التي استنزفت فيها تلك القدرات الفكريّة التي يمتلكها مواطنو تلك البلدان النّامية، إذ غادروا بلادهم قاصدين تلك الدّول المتقدّمة، فكابدت تلك البلدان النّامية هدر تلك الطّاقات التي يحوزها أبناؤها، وفاتها أن تستغلّ الفرص، التي كان يتيسّر لها أن تستفيد فيها من مؤهّلات أصحاب العقول المهاجرة، فاعتبرت تلك البلدان النّامية أن القدرات التي حازها أبناؤها قد ضاعت سدى، من دون أن يستفاد منها، فذهبت خبرات أصحاب تلك العقول، في أدراج الرّياح، بينما كانت الدّول المتقدّمة تتهيّأ دائماً لاستقبال تلك العقول المهاجرة، وتتحفّز لأن تحتضنهم، حتّى أصبح النّاس في تلك الدّول المتقدّمة، يعتقدون بأنّ رياحاً طيّبة حملت إليهم تلك الأدمغة التي وفدت إليهم.

إذا كانت أغلب الدّول النّامية استمرّت على معاناتها مشكلة افتقادها خبرات أصحاب تلك العقول المهاجرة، فإنّ الهند دأبت في أن تحدّ من استفحال ذلك الاستنزاف الذي عانته معظم الدّول في العالم النّامي، فأخذت تحقّق ذلك "الاستنزاف المعاكس للعقول"، فانتشرت تلك العبارة التي ذكرتها آنفاً، بين جموع النّاس في الهند، وهم عنوا بها أولئك "الهنود الموهوبين الذين عادوا إلى الوطن من وادي السّيليكون لتوفير وقود نهضة الهند التّكنولوجيّة،(16)، فاستطاعت الهند أن تؤسّس القواعد التي قام عليها اقتصاد المعرفة، لتضمّن توفّر عوامل تحقّق النّجاح في اتبّاعها نهج التّصنيع التّكنولوجيّ، فنشأت في الهند مجموعة كبيرة من العلماء ومهندسي المبرمجات وعلماء الكيمياء والمحاسبين والمحامين والأطباء الذين يزيدون بشكل مطّرد من قيمة قطّاع الهند المرتبط بتكنولوجيا المعلومات والذي يقدّم حقلاً خصباً لنقل الأعمال من الخارج إلى السّوق الهنديّة، وقد تشعّبت تلك الأنشطة التي انتشرت في نطاق الإنتاج التّكنولوجيّ، فلم تقتصر الهند على تصدير البرمجيّات إلى سائر دول العالم، بل إنّها كانت تستقبل في أراضيها مراكز الأبحاث والتّطوير التي  أنشأتها مجموعة كبيرة من الشّركات العالميّة، التي زاد عددها عن المائة شركة.

نشأت في أرجاء دول الاقتصاديّات النّاشئة، مراكز الأبحاث التي عكف فيها الدّارسون على إجرائهم دراساتهم التّطبيقيّة في العلوم، وكانت كوريّا الجنوبيّة سبّاقة إلى إدراك أهمّيّة القيمة الاقتصاديّة القصوى التي تحقّقها أبحاث التّطوير، الذي وفّرت له مبلغاً كبيراً من المال، ليصرف على تحقيق تلك الدّراسات العلميّة، فكانت الشّركات الكبرى في كورية الجنوبيّة "تفهم أهمّيّة زيادة القيمة الاقتصاديّة عن طريق الاستثمار بصورة كبيرة جدّاً في الأبحاث والتّطوير؛ فحصّة إنفاق هذه البلاد على الأبحاث والتّطوير من الاقتصاد هي من أعلى الحصص في العالم الآن، إذ تبلغ 2.6 بالمائة من ناتجها القوميّ الإجماليّ، بالنّسبة إلى دولة تقترب بسرعة من معدّل دخل للفرد يصل إلى 20000 دولار سنويّاً"،(17) وفاقت كوريا الجنوبيّة سائر المجتمعات في العالم، في تحقيقها الرّبط والتّشابك بين خطوط وقنوات الاتّصالات المتنوّعة في الإنترنت، حيث نشأ فيها فضاء الإنترنت "سايبر سبايس" Cyber space، فأتاح ذلك الفضاء السّيبريّ وهو الفضاء الرّقميّ الألكترونيّ، أن يجري في ذلك البلد الآسيويّ، التّرابط بين الناس والآلات ومصادر المعلومات، وقد اعتبرت كوريا الجنوبيّة "هي أكثر مجتمعات العالم التي حقّقت فيها ربطاً، .... وأرض معركة رئيسيّة للنّزاعات حول من يملك الفضاء السّايبري التّجاريّ"(18)، وقد حرص العاملون الذين زاولوا النّشاط الاقتصاديّ في كوريا الجنوبيّة، على أن يبذلوا قصارى جهودهم في ذلك السّباق الذي خاضوا غماره، في حقل الإنتاج التّكنولوجيّ، وسعوا إلى أن يكونوا "الأسرع في تسويق التّكنولوجيا الخلّاقة"(19) كي يتسنّى لهم إدراك من سبقهم إلى تطوير المنتجات التّكنولوجيّة.

إنّ أولئك الباحثين الاقتصاديّين الذين رؤوا ذلك النّجاح الذي حقّقته إحدى الشّركات في كوريا الجنوبيّة في تطوير منتجاتها التّكنولوجيّة، توصّلوا إلى أن يستنتجوا أنّ العاملين في تلك الشّركة وطّدوا عزمهم على أن يتبوّؤا "صدارة العصر الرّقميّ"(20)، واتّبعت سائر الدّول الاقتصاديّة الناّشئة الآسيويّة ذلك النّهج الذي سلكته كورية الجنوبيّة في سعيها إلى أن تتصدّر مكانة عالية في العالم الرّقميّ، الذي سيتحقّق فيه التّرابط بين الأجهزة الألكترونيّة المتنوّعة، التي ينشأ فيما بينها ذلك التّواصل، الذي جهدت الشّركات الكوريّة وبقيّة الشّركات في البلدان الآسيوّية، في أن تقيمه بين تلك المنتوجات، فتمخّض عن تلك الأعمال التي أتتها تلك الشّركات "خلق فسحة العيش الذّكيّة التي لم نشاهدها سوى في أفلام الخيال العلميّ"(21)، وقد أكّدت شركة استشاريّة تعمل على تقييم العلامات التّجاريّة في العالم، أنّ إحدى الشّركات الكوريّة الجنوبيّة "أصبحت أكبر شركات الأجهزة الألكترونيّة الاستهلاكيّة في العالم، وهي ملكة هذا العصر، وأسرع العلامات التّجاريّة نموّاً في العالم"،(22)، وذلك النّجاح الذي حقّقته كوريا الجنوبيّة في مجال الإنتاج الصّناعيّ التّكنولوجيّ، لم يكن ليتحقّق لولا شدّة اهتمام الشّركات الكوريّة الجنوبيّة بأن توفّر الأسس، التي تقوم عليها عمليّات الأبحاث والتّنمية في تلك الشّركات ذاتها، وكان عدد الباحثين في إحدى الشّركات الكوريّة الجنوبيّة، قدّر برقم يقارب التّسعين ألفاً، وهم كانوا ربع موظّفي تلك الشّركة، وقد دفعت المنتجات التّكنولوجيّة التي أنجزتها الشّركات الكوريّة أحد المستثمرين الماليّين، إلى أن يعتقد بأنّ "الكوريّين سيحكمون الأرض"(23)، فكانت دول الاقتصاديّات النّاشئة في شرق آسيا بالإضافة إلى اليابان، تفتقر إلى العديد من الموارد، التي اضطّرت إلى أن تستوردها من سائر دول العالم، إلّا أنّ تلك البلدان الآسيويّة، عوّضت عن قلّة توفّر تلك الموارد الماديّة في أراضيها، بنجاحها في استثمار تلك الموارد الفكرّية التي كان يحوزها المواطنون في تلك البلاد الآسيويّة.

الهوامش:

1- توم جورمان، دليل المبتدئين الشّامل إلى علم الاقتصاد، كلمات عربيّة للتّرجمة والنّشر، 2010، ص 23.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السابق، ص38.

4- أنطونيوس كرم، العرب أمام تحدّيات التّكنولوجيا، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 59، الكويت، نوفمبر 1982، ص46.

5- المصدر السّابق، ص47.

6- نبيل علي ونايلة حجازيّ، الفجوة الرّقميّة، رؤية عربيّة لمجتمع المعرفة، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 318، الكويت، أغسطس 2005، ص55.

7- مجلّة نيوزويك، العدد 390، تاريخ 11 ديسمبر 2007، ص11.

8- بول هيرست وجراهام طومبسون، ما العولمة، الاقتصاد العالميّ وإمكانات التّحكّم، ترجمة: د. فالح عبد الجبّار، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 273، الكويت، سبتمبر 2001 ، ص201.

9- المصدر السّابق.

10- مجلّة نيوزويك، العدد 390، تاريخ 11 ديسمبر 2007، ص12.

11- فؤاد مرسي، الرّأسماليّة تجدّد نفسها، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 147، الكويت، مارس _ آذار 1990م،  ص65.

12- نبيل علي، العقل العربيّ ومجتمع المعرفة، مظاهر الأزمة واقتراحات الحلول (الجزء الأوّل)، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 369، الكويت، نوفمبر 2009، ص275.

13- نبيل علي، نادية حجازيّ، الفجوة الرّقميّة، رؤية عربيّة لمجتمع المعرفة، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 318، الكويت، أغسطس 2005، ص52.

14- المصدر السّابق، ص53.

15- مجلّة نيوزويك، العدد299، تاريخ 7 مارس 2006، ص32.

16- مجلّة نيوزويك، العدد 334، تاريخ 14 نوفمبر 2006، ص26.

17- مجلّة نيوزويك، العدد 334، تاريخ 14 نوفمبر 2006، ص29.

18- مجلّة نيوزويك، العدد 228، تاريخ 26 أكتوبر 2004، ص54.

19- المصدر السّابق، ص38.

20- المصدر السّابق.

21- المصدر السابق.

22- المصدر السّابق، ص39.

 

23- المصدر السّابق.    



جهد النّاس في أن يوفّروا دائماً الأسباب التي يتوسّلون بها إلى أن يقضوا أوطارهم في الأنشطة المتنوّعة التي يزاولونها، فعمدوا إلى أن يعدّوا الأدوات التي تيسّر لهم أن يصيبوا تلك الأغراض التي تنهزهم الحاجّة إلى أن يدركوها، ولم يكن يتأتّى لهؤلاء النّاس أن يبلغوا مراميهم، إن لم يتّخذوا الأهبة الملائمة لتحقّق تلك المآرب التي يتطلّعون إليها، وقد انكبّ الباحثون على دراسة تلك الوسائل، التي كان يتوخّى النّاس أن يتناولوها في سعيهم إلى إنجازهم حاجاتهم المتنوّعة، فتعدّدت تلك الدّراسات التي تحرّى فيها البحّاثة عن أحوال تلك الأدوات، التي يتناولها النّاس في النّشاط الاقتصاديّ الذي يمارسونه، وقد اصطلح على أن يطلق على تلك الوسائل اسم الموارد الاقتصاديّة  Economic Resource، التي عرّفت بأنّها "كلّ ما يصلح ويلزم لإشباع الحاجات الإنسانيّة سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة"(1)، فاندرج في عداد تلك الموارد،الموادّ كافّة التي يستخدمها النّاس في إنتاجهم السّلع المتنوّعة التي يسدّون بها حاجاتهم، وقد ميّز الباحثون بين أقسام الموارد المتعدّدة، التي تنوّعت بحسب الخصائص التي تتّسم بها تلك الموارد، وسأضرب مثلاً يبيّن أحد أنواع تلك الموارد المختلفة، إذ ذاع مصطلح شائع في الأبحاث الاقتصاديّة، وهو تحديداً الموارد الطّبيعيّة، التي اشتملت على المعادنوالأنهار والبحيرات والغابات والمناجم والغاز الطّبيعيّ بالإضافة إلى سائر الموادّ العديدة التي تختزنها الطّبيعة، وكان التّقدّم التّقنيّ الذي طرأ على ميدان إنتاج الآلات الصّناعيّة، أتاح للنّاس أن يستخدموا استخداماً ناجعاً تلك الموارد التي يتناولونها في العمليّات الإنتاجيّة التي ينجزون فيها السّلع الاقتصاديّة.

أخذ الرّجع العميم الذي عاد على النّاس الذين استخدموا الآلات الصّناعيّة المتطوّرة، يتنامى ويزداد زيادة مطّردة، كلّما تحقّق ذلك التّطوّر الذي أصاب بنيان الآلات الصّناعيّة، فمنذ أن بدأت الثّورة الصّناعيّة في منتصف القرن الثّامن عشر، انطلق النّاس يتخفّفون من أعباء العمل اليدويّ، ليعتمدوا اعتماداً متزايداً على استخدام الآلات الصّناعيّة المتطوّرة، التي استبدلوها بتلك الجوارح التي طالما كانت الأدوات الأساسيّة التي كانوا يعتمدون عليها، في مزاولتهم العمليّات الإنتاجيّة التي أوجدوا فيها السّلع المتنوّعة، وكان ذلك التّطوّر العلميّ والتّقنيّ الذي جرى في تسارع متنامي في السّنوات التي تلت الأعوام التي بدأت فيها تلك الثّورة الصّناعيّة، هيّأ للنّاس أن يستخدموا موارد جديدة لم يكونوا يتناولونها من قبل، وباتوا يتحكّمون في تحقيق الانتفاع المتزايد من تلك الموارد الاقتصاديّة، وكانت آفاق ذلك ذلك التّطوّر الذي أدركه هؤلاء النّاس، الذين استخدموا الآلات الصّناعيّة، قد بدأت تتّسع، من دون أن يحدّها ذلك الميدان الذي نشأت فيه تلك الثّورة الصّناعيّة، ولم تكد تتحقّق الثّورة التّكنولوجيّة الجديدة التي سمّيت بالثّورة الصّناعيّة الثّالثة، حتّى بدأ "تحوّل نوعيّ في عمليّة الإنتاج، من خلال إدخال الأتمتة: أي إدارة الآلات ذاتيّاً بوساطة التحكّم الآليّ (الأوتوماتيكي)"(2)، وتوثّقت تلك الصّلة التي جمعت بين التّقدّم التّقنيّ، وذلك التّوسع الذي حقّقه النّاس، في إنجاز عمليّات الإنتاج الصّناعيّة، إذ هيّأت لهم التّكنولوجيا المتطوّرة "استخدام الآلة الحديثة في الإنتاج الواسع نتيجة التّقدّم العلميّ وتطبيق هذا التّقدّم في كلّ نواحي الحياة، في الإنتاج والتّوزيع، وفي تفهّم النّواحي السّياسيّة للجماعات وفي إدارة المشروعات"(3).

لم تأل غالبيّة النّاس جهداً في دأبها في أن تحسّن أوضاع معيشتها، فعنت جموع أولئك الأقوام بأن تبحث عن السّبل، التي تفضي بها إلى أن تهنأ بغضارة العيش وصفوه، إلّا أنّ تحقّق طيب تلك الحياة التي منّى أفراد النّاس أنفسهم بالتّنعم بها، في المجتمعات التي ينضوون إليها، كان يقتضي أن يسهم كلّ من هؤلاء الأشخاص في توفير الشّروط التي يتوقّف على تحقّقها، ازدهار المجتمعات التي يعيشون في ظلّها، وكان هؤلاء الباحثون في الأسباب التي تؤدّي إلى تحقّق نهوض الأمم وتطوّرها، ما برحوا يعوّلون على تلك القدرات العالية، التي يختزنها النّاس في نفوسهم الطّامحة إلى النّهوض بالبلدان التي يعيشون فيها، فكان مفهوم التّنمية البشريّة ذاته يتضمّن فكرة أساسيّة وهي "أنّ البشر هم الثّروة الحقيّقيّة للأمم"(4)، وقد حدّدت المقاييس التي يسبر بها مقدار تحقّق ذلك التّطوّر في أحوال معيشة النّاس، إذ عيّنت معايير ثلاثة ليسبر بها أوضاع التّنمية البشريّة وهي "العيش حياة طويلة وصحّيّة، والحصول على المعرفة، وتوافر الموارد اللّازمة لمستوى معيشيّ لائق"(5)، فحدّدت تلك المقاييس الثّلاثة بالصّحّة والمعرفة ونمط العيش، وأصبحت تلك التّنمية الإنسانيّة تعبّر حقّاً عن "عمليّة توسيع خيارات البشر"(6)، وتضمّن ذلك التّعريف الذي وضع لتحديد مفهوم التّنمية البشريّة، عنصر المعرفة، التي إن شاء النّاس أن يتمكّنوا من أن يحيطوا بها، فيلزم عليهم أن يؤسّسوا في تلك المجتمعات التي يعيشون فيها، تلك القواعد التي تمهّد لنشوء تلك المعرفة، حتّى بات ذلك المجتمع الذي تتحقّق فيه تلك المعرفة، يتميّز عن سائر المجتمعات الأخرى، بذلك الاسم الذي يطلق عليه، إذ سمّي بمجتمع المعرفة "الذي يقوم أساساً على نشر المعرفة وإنتاجها، وتوظيفها بكفاءة في جميع مجالات النّشاط المجتمعيّ: الاقتصاد والمجتمع المدنيّ والسّياسة، والحياة الخاصّة، وصولاً لترقية الحالة الإنسانيّة باطّراد، أي إقامة التّنمية الإنسانيّة"(7).

يمهّد نشوء مجتمع المعرفة لانطلاق النّاس إلى تحقيق التّنمية التي يطمحون إلى أن يحسنّوا بها أحوال معيشتهم، وقد حرص الباحثون على أن يوضّحوا المكانة الرّفيعة التي تحلّ بها المعرفة في المجتمعات الإنسانيّة، فدأبوا في أن يفسّروا مفهوم مجتمع المعرفة أيضاً في عبارة جامعة مانعة، إذ اتّضح فيها تحديد مجتمع المعرفة بأنّه "في عبارة واحدة، يعني.... اعتماد المعرفة مبدأ ناظماً لجماع الحياة البشريّة"(8)، وذلك التّعريف الذي ذكرته آنفاً، نصّ على تحقّق التّطوّر في الأنشطة الإنسانيّة المتنوّعة، التي اندرج في عدادها، النّشاط الاقتصاديّ الذي يمارسه النّاس، إذ كانت "نقطة البدء في الاهتمام بالمعرفة هي تنامي الاعتقاد بأنّ الأصول المعرفيّة للمجتمع: المعرفة والخبرة، لا الأصول الماديّة (الخام أو الرّأسماليّة) أو الماليّة، هي المحدّدات الجوهريّة للإنتاجيّة والتّنافسيّة، ومن ثمّ التّقدّم، في عالم اليوم والغد. يُطلق وصف مجتمع المعرفة على الطّور الرّاهن، والأحدث، من مسيرة التّقدّم البشريّ، كما يتبلور في المجتمعات البشريّة الأكثر تقدّماً"(9)، وقد تمخّض عن نشوء مجتمع المعرفة، تحقّق النّموّ في النّشاط الاقتصاديّ الذي أصبح ينتظم وفق القواعد التي قام عليها أساساً مجتمع المعرفة، الذي اتّضح فيه "انتشار التّقانات technology انتشاراً متزايداً وسريعاً في جميع القطّاعات الاقتصاديّة، إذ باتت تكوّن العنصر الأساسيّ للنّموّ الاقتصاديّ، كما أسهمت في تحويل الاقتصادات التي كانت قائمة على إنتاج السّلع والخدمات إلى اقتصاديّات قائمة على إنتاج المعلومات وتوزيعها، ممّا نقل الثّقل الاقتصاديّ من الاقتصاد الماديّ إلى اقتصاد المعرفة"(10)، فمهدّت الأسس التي نهض عليها مجتمع المعرفة، لأن تتغيّر تلك القواعد التي كانت تنظّم مجرى النّشاط الاقتصاديّ في الزّمن الماضي.

أدرجت في عداد القواعد الجديدة، التي حدّدت معالم النّشاط الاقتصادي النّاشئ في مجتمع المعرفة، مفاهيم عديدة مستحدثة، حيث تبوّأ مفهوم المعلومات Information صدارة ذلك التّعريف الذي وضع لتفسير طبيعة ذلك الاقتصاد، فحدّد مصطلح المعلومات بأنّه "يقصد به حصول الإنسان على البيانات والحقائق عن طريق الملاحظة أو التّجربة والتّعليم، وتتميّز المعلومات عن الأفكار والآراء في أنّها حقائق وبيانات ثبت صحّتها، وتتدفّق المعلومات حاليّاً عن طريق شبكات المعلومات والأنترنت وعن طريق وسائل الإعلام والاتّصال المختلفة ووسائل الثّقافة والتّعليم والمعرفة، ويتمّ الاستفادة من المعلومات في وضع الخطط واستشراف آفاق المستقبل والبناء المعرفيّ للفرد والمجتمع"(11)، فتسبّب انتشار تلك المعرفة باتّساع ذلك النّطاق الذي تتشعّب فيه الأنشطة الاقتصاديّة، فأصبحت "المعرفة التّكنولوجيّة عموماً، وتكنولوجيا المعلومات والاتّصالات بوجه خاصّ هي مصدر القوّة الأساسيّة التي ترتكز عليها عولمة هذه الأيام، المتمركزة حول الاقتصاد القائم أصلاً على التّكنولوجيا"(12)، وقد ذهبت منظّمة اليونسكو إلى أن تعرّف تكنولوجيا المعلومات أيضاً بأنّها "تطبيق التّكنولوجيّات الالكترونيّة ومنها الكمبيوتر والأقمار الصّناعيّة وغيرها من التّكنولوجيّات المتقدّمة لإنتاج المعلومات التّناظريّة والرّقميّة وتخزينها, واسترجاعها, وتوزيعها، ونقلها من مكان إلى آخر"(13)، فأصبح النّاس يهدفون إلى انتهاج سبيل تلك المعرفة التي تفضي بهم إلى النّهوض بمجتمعاتهم التي تكتنفهم.

ترتّب على نشوء مجتمع المعرفة، أن يتحقّق نمط جديد من النّشاط الاقتصاديّ، الذي اتّفق الباحثون في العلوم الاقتصاديّة على أن يطلقوا عليه مصطلح الاقتصاد الجديد (New Economy وهو كان يسمّى أحياناً أيضاً باقتصاد المعرفة، حيث ارتأى هؤلاء العلماء أن يؤكّدوا في ذلك المصطلح الجديد، سمة تلك الجدّة التي تميّز ذلك النّمط من الاقتصاد عن الأنشطة الاقتصاديّة التي كانت تمارس في العصور الماضية، وأصبح "اقتصاد المعرفة اتّجاهاً حديثاً في الرّؤية الاقتصاديّة العالميّة، ينظر إلى المعرفة بوصفها محرّك العمليّة الإنتاجيّة، والسّلعة الرّئيسيّة فيها، إذ يرى أنّها تلعب دوراً رئيسيّاً في خلق الثّروة غير المعتمدة على رأس المال التّقليديّ، ولا على الموادّ الخامّ، أو العمّال، إنّما تعتمد كلّيّاً على رأس المال الفكريّ، ومقدار المعلومات المتوفّرة لدى جهة ما، وكيفيّة تحويل هذه المعلومات إلى معرفة، ثمّ كيفيّة توظيف المعرفة للإفادة منها بما يخدم البعد الإنتاجيّ"(14)، فإن هيّأت الثّورة التّكنولوجيّة للنّاس أن يجيدوا التّحكّم المتقن في استخدامهم الموارد، في إنجازهم عمليّات الإنتاج الصّناعيّة، فإنّ تلك التّكنولوجيا مهّدت لنشوء موارد إضافيّة اصطلح على أن تسمّى بالموارد الفكريّة، فإن كانت التّكنولوجيا تحدّد بأنّها تطبيق نظريّات العلوم والمعارف لتحقيق تلك الأغراض التي يتوخّى النّاس أن يدركوها في أعمالهم المختلفة التي ينجزونها، فإنّ الثّورة التّكنولوجيّة الثّالثة تعتمد أساساً على ركيزة المعرفة، فأصبح التّطوّر الذي يتحقّق في ميدان النّظريّات العلميّة، يحفز النّاس إلى أن يحسّنوا ويطوّروا أيضاً التّطبيقات التكنولوجيّة المتعدّدة.

أتاحت الثّورة التّكنولوجيّة للنّاس أن يطوّروا الطّرائق التي ينفّذون فيها العمليّة الإنتاجيّة التي ما برحت تنمو نموّاً كبيراً، وأصبحت المعرفة نفسها مورداً هامّاً في العمليّة الإنتاجيّة الاقتصاديّة، وما لبثت أن أدرجت المعلومات والمعارف في نطاق العمل الاقتصاديّ، حتّى أصبحت منتجاً تجاريّاً يستخدمه النّاس، وتلك الموارد الفكريّة التي عبّر عنها مفهوم رأس المال الذّهنيّ Intellectual capital الذي أثبت أنّ الموارد الرّمزيّة "فاقت أهمّيّة الموارد الماديّة في عصر المعلومات، وهو مصطلح يطلق على الاستثمارات في تكنولوجيا المعلومات في عصر اقتصاد المعرفة وصناعة الثّقافة، وهو مصطلح حديث يعبّر عن رقي علاقة الفكر بالاقتصاد"(15)، وقد انتشرت في دول عديدة بنوك الأفكار التي تحتضن رأس المال المعرفيّ، فأنشئت تلك البنوك اقتداء بتلك المصارف التّجاريّة التي تودع فيها العملات الورقيّة، فأقيمت بنوك الأفكار لتسهّل لعمليّات نشر تلك الأفكار، أن تتحقّق، ولتحفظ الحقوق كافّة التي يتمتّع بها الأشخاص الذين أوجدوا تلك الأفكار التي أقدموا على أن يودعوها في تلك البنوك، وأولئك الأفراد الذين أطلقوا ذلك الاسم التّجاريّ على تلك المقارّ التي تحتضن الأفكار، لم يقتدوا بأساليب التّشبيه البلاغيّ في صياغتهم ذلك المصطلح الجديد، الذي تضمّن دلالة صريحة على الطّابع الاستثماريّ، الذي أصبحت تتّسم به تلك الأفكار التي ينتجها النّاس، فالمعلومات أصبحت "مورداً اقتصادياً استراتيجيّاً جديداً ومكمّلاً للموارد الطّبيعيّة، كما ساعدت في انتشار ظاهرة العولمة globalization بإدماج الاقتصادات المنعزلة والمستقلّة في اقتصادات عالميّة متشابكة ومتنافسة، وبذلك، أصبح النّموّ الصّناعيّ والتّقدّم الاقتصاديّ يعتمدان أكثر فأكثر على المعرفة والتّكنولوجيّة"(16).

دأب أولئك النّاس الذين زاولوا أنشطة الاقتصاد المعرفيّ، في استكشاف تلك الفرص العديدة التي يسّر فيها ذلك الاقتصاد الجديد لهم، أن يستثمروا رأس المال الفكريّ، الذي ما برح يدرّ بالمردود الماديّ على أولئك الأفراد الذين تطرّقوا إلى أن يستخدموه في أعمالهم الاقتصاديّة التي كانوا ينجزونها، إذ كان ذلك الاقتصاد يهدف إلى "دمج للتّكنولوجيا الحديثة في عناصر الإنتاج لتسهيل إنتاج السّلع ومبادلة الخدمات بشكل أبسط وأسرع,.... واستخدام وتبادل المعرفة كسلعة لها عائد ماديّ"(17)،وذلك الاقتصاد الجديد الذي ارتكز على دعائم التّكنولوجيا والاتّصالات الحديثة، غيّر تلك الأسس التي كانت يستند إليها الاقتصاد العالميّ في العهود الغابرة، إذ صار "التّاسع من أغسطس من العام 1995 يوم ميلاد الاقتصاد الجديد (New Economy)، ذلك الاقتصاد، الذي يقال عنه زعماً، إنّ القواعد الموروثة لم تعد تسري عليه. ويؤكّد كهنة هذا الاقتصاد أنّنا إزاء تحوّل من عصر إلى عصر آخر، إزاء تحوّل إلى عصر مفعم بالهناءة والأمل المشرق"(18)، وكان السّبب الذي دعا أحد الباحثين، إلى أن يعتبر يوم التّاسع من أغسطس موعد نشوء ذلك الاقتصاد الجديد، هو أنّ إحدى الشّركات الأمريكيّة التي وضعت برنامجاً لتطوير خدمات الأنترنت، تمكّنت من أن تحقّق في ذلك التّاريخ نجاحاً كبيراً في عالم البورصات، وما لبث ذلك الاقتصاد الجديد أن أخذ في أن يتطوّر "بسرعة لا تترك للمتابع لحظة واحدة لكي يستردّ أنفاسه"(19)، وذهب باحثان اقتصاديّان إلى الاعتقاد في أن ذلك الاقتصاد الجديد، سيتأتّى له أن يحقّق ازدهاراً مطّرداً متنامياً، بل أنّهما أفصحا عن علاقة رياضيّة تربط بين النّموّ الذي يتحقّق في ذلك النّمط من الاقتصاد الجديد، والتّطوّر الحاصل في ميدان التّكنولوجيا، إذ "كان الاقتصاديّان يوناتان إيتون،.... وصامويل كورتوم،.... قد توصّلا حسابيّاً إلى أنّ الاقتصاد العالميّ يستطيع النّموّ في كلّ عام بنقطة مئويّة أكثر من النّموّ الذي حقّقه في السّابق، فيما لو واصل التّقدّم التّكنولوجيّ وعمليّات الابتكار والتّجديد انتشارها السّريع في ربوع المعمورة"(20)، فإذا أدرجت تكنولوجيا المعلومات في قوام العمليّة الإنتاجيّة، فإنّ هؤلاء النّاس الذين استخدموا تلك المعارف في إنتاجهم السّلع المتنوّعة، تيسّر لهم أن يزيدوا في تلك البضائع المنتجة، مقدار القيمة المضافة التي تعبّر عن "الفرق بين قيمة المنتجات وقيمة الموادّ الدّاخلة في إنتاجها، وبكلام آخر إنها تمثّل مجموع عوائد عوامل الإنتاج: الأجور والتّعويضات، الفوائد، المساهمات في التّأمينات الاجتماعيّة، الضّرائب والرّسوم ومخصّصات الاهتلاك وأرباح أصحاب وسائل الانتاج. ومجموع القيم المضافة يشكّل النّاتج الدّاخليّ في الحسابات القوميّة. وهو الثّروة أو الدّخل الذي تتمّ إضافته في الاقتصاد الوطنيّ في سنة واحدة"(21).

أدرك الأقوام في دول عديدة بارزة في ميدان النّشاط الاقتصاديّ، تلك المكانة العالية التي حلّت بها القيمة المضافة في عمليّات إنتاج وتسويق البضائع المصنّعة، فسعى أولئك الناس إلى أن يطوّروا تلك الصّناعات التي تحقّق القيمة المضافة الكبيرة، التي كانت تتمخّض بها العمليّات الإنتاجيّة، التي تنضوي إلى أنشطة اقتصاد المعرفة، فبات مفهوم القيمة المضافة يعدّ "أهمّ ركائز المنظومة الاقتصاديّة،.... وأصبحت المعرفة عنصراً أصيلاً من مكوّنات الإنتاج لا مجرّد عامل إضافيّ لرفع كفاءته كما في نموذج الاقتصاد الماركسيّ"(22)، وتعدّدت الدّلائل على تلك الجهود الموفورة التي تبذل في الدّول المتطوّرة في حقل التّكنولوجيا، في دعم تلك الصّناعات التي تحقّق قيمة مضافة كبيرة، إذ اعتمد في تلك البلدان تطوير الصّناعات التّحويليّة "لأنّ النّشاط الصّناعيّ (التّحويلي) واحد من أهمّ النّشاطات التي تخلق قدراً كبيراً من القيم المضافة، فإنّ تعزيز هذا النّشاط وتوسيعه يؤدّيان إلى ارتفاع مناسب في مستوى المعيشة، أي في مجمل ظروف حياة النّاس"(23)، والمقياس الذي يسبر به مقدار نجاح تلك الدّول في تنفيذ عمليّة تطوير الصّناعات التّحويليّة، هو تحديد المدى الذي تدركه تلك الدّول في تحقيق الاستفادة القصوى من استخدام الموارد في العمليّة الإنتاجيّة، التي تنجم عنها المخرجات الصّناعيّة التي تعدّ "صافي النّتائج التي يتم الحصول عليها من العمليات التّحويليّة وتكون هذه المخرجات ملموسة كالسّيارات والملبوسات أو غير ملموسة كالخدمات"(24)، فتحدّد تلك المخرجات مقدار الكفاءة الإنتاجيّة التي تعبّر عن "العلاقة بين مدخلات العمليّة الإنتاجيّة من جهة وبين المخرجات النّاتجة عن هذه العملية من جهة أخرى، حيث ترتفع الكفاءة النّاتجة كلّما ارتفعت نسبة النّاتج إلى المستخدم إلى الموارد"(25)، فتتمكّن المؤسّسات الإنتاجيّة والمصانع من أن تبلي بلاء حسناً في تنفيذ العمليّات الإنتاجيّة، كلّما استطاعت أن تستخدم "أقلّ كمّ ممكن من الموارد والمدخلات لإنتاج أكبر كمّ ممكن من المخرجات والنّتائج المرغوبة، أو هي تحقيق أعلى المخرجات بأدنى حدّ ممكن من المدخلات"(26)، فأصبحت تلك الكفاءة الإنتاجيّة العالية هدفاً، يجهد النّاس في أن يدركوه في تلك العمليّات الإنتاجيّة التي ينجزونها، إذ تنجم تلك الكفاءة عن تحقّق عمليّات عديدة تندرج في المراحل التي يجري فيها إعداد وتهيئة الموادّ المتنوّعة لإنتاج السّلع المصنّعة، ويفصح أيضاً مقدار تلك الكفاءة الإنتاجيّة التي تتحقّق في المؤسّسات الصّناعيّة، عن حقيقة تلك الجهود التي يبذلها القيّمون على تلك المؤسّسات والمصانع في سعيهم إلى أن يضعوا الأسس التي يقوم عليها النّموّ الاقتصاديّ.

الهوامش:

1-الموسوعة الجغرافيّة.

2- الموسوعة العربيّة.

3- إسماعيل عبد الفتّاح عبد الكافي، الموسوعة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، ص 143.

4- التّنمية الإنسانيّة في برنامج الأمم المتّحدة الإنمائيّ.

5-المصدر السّابق.

6-المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق.

8- المصدر السّابق.

9- المصدر السّابق.

10- الموسوعة العربيّة.

11- إسماعيل عبد الفتّاح عبد الكافي، الموسوعة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، ص477.

12- نبيل علي ونايلة حجازيّ، الفجوة الرّقميّة، ص22، رؤية عربيّة لمجتمع المعرفة، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 318، الكويت، أغسطس 2005.

13-  الموسوعة العلميّة.

14- موقع علوم الاقتصاد والإدارة.

15-إسماعيل عبد الفتّاح عبد الكافي، الموسوعة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، ص250، 251.

16- الموسوعة العربيّة.

17- موقع العلوم الاقتصاديّة.

18- أولريش شيفر، انهيار الرّأسماليّة، أسباب أخفاق اقتصاد السّوق المحرّرة من القيود، ص100، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 371، الكويت، يناير 2010.

19- المصدر السّابق، ص101.

20- المصدر السابق، ص106، 107.

21- الموسوعة العربيّة.

22-نبيل علي ونايلة حجازيّ، الفجوة الرّقميّة، ص 401، رؤية عربيّة لمجتمع المعرفة، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 318، الكويت، أغسطس 2005.

23-  موقع إدارة الموارد البشريّة.

24- المصدر السّابق.

25- الموسوعة الاقتصاديّة.

 

26- موقع إدارة الموارد البشريّة.



ودّع اللاعب البرازيليّ الشّهير زيكو الملاعب، بعد أن أمضّت نفسه الحسرة وخيبة الأمل، ولم تبعث تلك النّدامة التي اعترته، الإصابةُ التي عاودته في ركبته، على الرّغم من أنّها أعجلته على إعلان اعتزاله اللّعب، بل كان الخطب أجلّ وأفدح من تلك الإصابة، فكان زيكو يمنّي نفسه في السّنوات الماضية بنيل لقب بطولة العالم في كرة القدم مع منتخب بلاده البرازيليّ، غير أنّ الحظّ عانده، وأبى عليه أن يظفر بشرف هذا اللّقب، وقد حاول جاهداً مع رفاقه في أن يحرزوا قصب السّبق في بطولتين عالميّتين، وكانت الأولى في إسبانيا عام 1982، والثّانية في المكسيك عام 1986، بيد أنّهم لم يفلحوا في إدراك مراميهم، بعد أن كان المنتخب البرازيليّ جديراً بحمل لقب تلك البطولة العالميّة في هاتين البطولتين العالميّتين.

يجد الإنسان صعوبة بالغة في مماحكة ذاك التّقييم الرياضيّ الذي ذكرته آنفاً، فقد قدّم المنتخب البرازيليّ لكرة القدم، لعشّاق الرّياضة، كرة ساحرة، وأسلوباً خلّاباً في أداء المباريات الرّياضيّة، واستطاع أن يغرس في فسحات الملاعب أمجاداً مشرقة، حيث لم تستطع مرارة الهزيمة أن تطمس تألّقها ولمعانها البرّاقين، ويفخر تاريخ الرّياضة معتزّاً بأنّه يضمّ في سجلّاته المضيئة، اسم الفريق البرازيليّ الذي شارك في نهائي بطولتي العالم لكرة القدم عامي 1982 و1986، وتلك ظاهرة تاريخيّة لا يُقضى منها العجب، فقلّما يرى الإنسان التّاريخ يخلّد الفريق المنهزم، ويخصّه بالمكانة الرّفيعة التي طالما طمح إليها الفريق المنتصر، ولم يشارك الفريق البرازيليّ في تكوين تلك الظّاهرة التّاريخيّة التي تحدّثت عنها آنفاً، إلّا الفريق الهولنديّ لكرة القدم في سنوات السّبعينيّات، بعد أن حال سوء الطّالع دون أن يفوز المنتخب الهولنديّ بكأس العالم مرتين متتاليتين أيضاً، في عامي 1974 و1978، وقد كان على وشك أن يظفر به في هاتين البطولتين، بيد أنّه أخفق في الحصول عليه، على الرّغم من أنّه وصل مرتين متتاليتين إلى المباراة النّهائية، وقد قيل آنذاك عن المنتخب الهولنديّ، أنّه الفريق الذي يخسر في المباراة، لكنّه يربح في الاستئثار بعواطف الجمهور.

حزن محبّو الرّياضة وأسوا على إخفاق المنتخب البرازيليّ لكرة القدم في الوصول إلى المباراة النّهائيّة، في بطولة العالم التي جرت في إسبانيا عام 1982، وخصوصاً بعد أن قدّم الفريق البرازيليّ عروضاً رياضيّة ماتعة في الدّور الأوّل من تلك البطولة، ثمّ خاض مباراة حاسمة مع الفريق الإيطاليّ، وقد صدمت النّتيجة التي آلت إليها تلك المنافسة الرّياضيّة محبّي الكرة البرازيليّة، إذ خسر المنتخب البرازيليّ في هذه المباراة، وحُرِم أن ينال الفرصة في مواصلة سيره نحو إحراز كأس تلك البطولة، وأدرك منظمو المباريات الرياضيّة في بطولة كأس العالم، ذلك الظّلمَ والغبن اللذين لحقا بالفريق البرازيليّ، فهو المنتخب الذي لم يهزم أو يتعادل في المباريات الأربعة، التي كان خاض غمارها قبل أن يلتقي المنتخب الإيطاليّ، وعلى الرّغم من ذلك الإنجاز الرفيع الذي حقّقه المنتخب البرازيليّ، فقد خرج من تلك البطولة خائباً ومتحسّراً على مجد قد ضاع منه، بعد أن خسر في مباراته مع الفريق الإيطاليّ.

حدا ذلك الغبن الذي لحق بالفريق البرازيليّ، المشرفين على بطولة كأس العالم في المكسيك عام 1986، على أن يغيّروا ذلك النّظام الذي تمضي فيه المباريات، وعملوا على إعادة صياغة نظام تلك المنافسات الرّياضيّة، إذ باتت تمضي في طريقة مختلفة عن ذلك النّهج الذي اتّبع في البطولة السّابقة، واستطاع المنتخب البرازيليّ في بطولة كأس العالم في المكسيك عام 1986، أن يجتاز الدّورين الأوّل والثّاني، ثمّ التقى بعد هاتين المرحلتين الفريق الفرنسيّ في دور ربع النّهائيّ، وجاءت تلك المباراة التي جمعت بين هذين الفريقين، ماتعة وشائقة، فرأى فيها كلّ من تابع مجرياتها أرقى فنون لعبة كرة القدم، وأفضل أساليبها الرّائعة، واعتبر أناس كثيرون آنئذ هذه المنافسة الرّياضيّة التي خاض غمارها هذان المنتخبان، أجمل مباراة رياضيّة جرت في ملاعب كرة القدم، حتّى ذلك الأوان الذي جرت فيه تلك البطولة، وكان الحكم الفاصل الذي قضت به تصاريف الدّهر، هو خسارة المنتخب البرازيليّ في تلك المنافسة الرّياضيّة، بعد أن عُمِد إلى حسم نتيجة المباراة بتنفيذ ضربات الجزاء التّرجيحيّة، فخرجت البرازيل من تلك البطولة نتيجة لتلك الخسارة، ووفاء للحقيقة أذكر أن محبّي الكرة البرازيليّة، كان عزاؤهم الوحيد في خسارة المنتخب البرازيليّ، تمثّل في أنّ الفريق الفائز كان هو الفريق الفرنسيّ الرّائع.

اشتدّ تألّم اللاعب البرازيليّ زيكو من تلك الخسارة التي مُني بها منتخب بلاده، وخاصّة أنّه أضاع على فريقه في أثناء تلك المباراة التي جمعته مع المنتخب الفرنسيّ، الاستفادة من ضربة الجزاء التي تصدّى لتنفيذها زيكو، من دون أن يتمكّن من أن يحرز هدفاً في المرمى الفرنسيّ، في تلك الفرصة الكبيرة التي أتيحت للفريق البرازيليّ، فامتلأت نفس زيكو بالأسى والحزن، وما لبث أن أطلق صيحته، لتدوّي في أرجاء الملاعب ولتتناقلها وكالات الأنباء العالميّة، إذ قال بعد أن انتهت هذه المباراة "لم يجدوا حتى الآن نظاماً جيّداً للمباريات، يسمح للفريق الأفضل بأن يحرز لقب البطولة".

لا ريب في أنّ زيكو قد أوتي بصيرة مشرقة، كشف بها عن تلك الأزمة التي يتعثر بها المشرفون على تنظيم مباريات بطولة كأس العالم لكرة القدم، ولعلها حالة الحزن والكآبة والتي انتابته، أضاءت بصيرته وأمدّتها بالرّؤية المتعمّقة، فبحث في مسألة تنظيم بطولة العالم برويّة الحكيم وتبصّر الفيلسوف، فتمكّن من أن يبرز خوافيها ويعرضها في صورة جليّة، وقدّمت عبارته البليغة، الجواب الصّريح عن ذلك التّساؤل الذي طرح عن أسباب إخفاق المنتخب البرازيليّ في إحراز لقب البطولة، بعد أن ظلّت تلك الأسباب لغزاً محيّراً، فتوفّق في حلّ تلك الأحجيّة، وإنّي أعتقد أنّ صيحة زيكو المدويّة، كانت ردّاً بليغاً على الكلمة الحاسمة التي أعلنت بها هزائز الدّهر خسارة المنتخب البرازيليّ، وهكذا شأن الحياة فهي صراع دائم بين الإنسان وخطوب الزّمان.


ملاحظة: كتبت هذه المقالة منذ خمس وعشرين سنة، وقد نشرتها جريدة الموقف الرّياضيّ في عام 1989.



يجهد النّاس دائماً في أن يلتمسوا الوسائل التي تهيّئ لهم أن يحقّقوا الرّغائب التي تنبعث في نفوسهم، ولا يفترون عن دأبهم في تحصيلهم تلك الذّرائع التي تيسّر لهم أن يسدّوا بها حوائجهم المتنوّعة، وكانوا يقيسون تمكّنهم من إشباع رغائبهم في إدراك حاجاتهم، بقدر امتلاكهم تلك الوسائل التي يتوصّلون بها إلى أن يفوزوا بطلبتهم، فاستمرّوا على أن يعكفوا على بذلهم قصارى جهدهم في التماس أسباب معيشتهم، وكانوا يحاولون دائبين في أن يذلّلوا العوائق، التي تحول بينهم وبين أن يصيبوا تلك الحوائج التي يتطلّعون إليها، وواظبوا على أن يفرغوا أقصى طاقتهم، في البحث عن تلك الذّرائع التي تمكّنهم من أن يظفروا بمآربهم، وقد زاول النّاس منذ زمن سحيق في القدم، ذلك النّشاط الذي سعوا فيه إلى تلبية رغائبهم المتعدّدة، وكان كلّ فرد من هؤلاء البشر في ذلك الأوان الغابر، يسعى إلى أن يقوم بأود عائلته، إذ انحصر آنئذ نشاطه في نطاق الأسرة التي تكفّل ذلك الإنسان بأن يعيلها، ثمّ أخذت تتّسع العلاقات التي كان ينشئها مع سائر النّاس، حتّى أصبح ذلك الإنسان يعيش بين ظهراني هؤلاء البشر، الذين كان يشاركهم العيش في المجتمع الذي كان يكتنفهم جميعاً.

تعدّدت أشكال تلك العلائق التي كانت تربط بين النّاس في ذلك المجتمع الذي انضووا إليه، وبدأ كلّ من أولئك البشر يجد عوائق جديدة تعترض دون أن يحقّق رغائبه، التي كان اعتاد أن يشبعها في نطاق ذلك المنزل الذي كان يعيش فيه، وإذا كان احتكاك الإنسان بذلك المجتمع الواسع الذي أحاط به، أنشأ عنده حوائج لم يكن يعهدها من قبل، عندما تركّز نشاطه إلى أن يلبّي رغائبه في نطاق المسكن الذي يقطن فيه، فما لبثت أن برزت أيضاً، موانع طارئة عرقلت عليه مساعيه في إشباع رغائبه التي زاد عددها، وكثرت أنواعها، فاستتبع اتّساع تلك الجماعات الإنسانيّة التي انضمّ إليها أفراد البشر، أن تزداد أيضاً تلك الحوائج التي طمحوا إلى أن يدركوها، ودأب الإنسان في معالجة تلك الوسائل التي تيسّر له أن يسدّ بها حوائجه المتزايدة، بعد أن انخرط في العيش ضمن جماعات واسعة في المجتمع، وقد أطلق في اللّغة الأغريقيّة كلمة "OIKONOMIA" على ذلك النّشاط الذي تضمّن تلك الوقائع، التي يسعى فيها النّاس إلى أن يسدّوا حوائجهم، وتلك الكلمه التي استخدمت في اللّغة الأغريقيّة، كانت تعني تحديداً"قواعد إدارة المنزل"،فكان ترمز تلك الكلمة في ذلك الزّمن القديم، إلى ذلك الحيّز الضّيّق الذي بدأ النّاس فيه استخدامهم ذلك المصطلح، الذي أطلق بادئ بدء على ذلك النّشاط الذي كان يدير فيه الإنسان شؤون منزله، وقد استخدمت في اللّغة العربيّة كلمة الاقتصاد لتقابل ذلك المصطلح الأجنبي"Économie"، الذي استعمله النّاس في العهود التي تلت العصر الأغريقيّ، ليرمزوا به إلى معاني جديدة ألحقت بتلك المغازي، التي كان تضمّنها ذلك المصطلح في عصر الإغريق القديم.

توسّع ميدان ذلك النّشاط الاقتصاديّ الذي أخذ الإنسان يزاوله، حتّى بلغ أماداً قصيّة، وإذا كان النّاس احتفظوا بذلك المصطلح في أصله اللّغويّ الأغريقيّ، فإنّهم لم يجدوا بدّاً من أن يتجاوزوا في استخدامهم ذلك المصطلح، ذلك الحيّز الذي استعمل فيه في البدء، إذ كان ذلك المكان محصوراً في حدود المنزل، الذي بزغت منه تباشير النّشاط الاقتصاديّ، وكلّما كانت تنمو حوائج الناس وتعظم رغائبهم، تبرز موانع عديدة تعترض دون أن يدركوا مآربهم، وقد تشعّب ذلك النّشاط الاقتصاديّ الذي كانوا يزاولونه، حتّى ضاق فكر الإنسان عن أن يحيط بتلك الآماد البعيدة، التي كانت تبلغها تلك الوقائع الاقتصاديّة، وكان يعيى في أغلب الأحيان عن تتبّع تلك النّتائج، التي تمخّضت بها تلك الأحداث التي تضمّنها ذلك النّشاط الاقتصاديّ، فكان يرى الإنسان أحياناً تلك الظّواهر الاقتصاديّة التي تبرز في المجتمع، من دون أن يتمكّن من أن يسبر أغوارها، ويقف على حقائقها، وقد تمكّن النّاس من أن يهتدوا إلى الوسيلة التي تتيح لهم أن يحيطوا بتلك الظّواهر الاقتصاديّة، فوجدوا ضالتهم في ذلك النّهج العلميّ، الذي كانوا يسلكونه في استجلائهم كنه الظّواهر العديدة، التي كانت تتراءى لهم في مجرى الحياة التي يعيشونها.

اتّبع النّاس مناهج العلم في سعيهم إلى أن يتفهّموا خفايا تلك الظّواهر الاقتصاديّة، التي عكفوا على أن يدرجوها في عداد تلك الأبحاث التي تجرى في ميدان العلم، الذي لم يعسر على الإنسان أن يسلك مناهجه، في سعيه إلى أن يتبيّن حقائق تلك الظّواهر الاقتصاديّة، وما لبثت أن تناجحت مساعي الإنسان في تحقيق التّطور العلميّ المتسارع، في ميدان تلك الأبحاث الاقتصاديّة التي خاض غمارها، فانتظمت في تلك المناهج العلميّة، الأفكار التي استخلصها من دراسته شؤون تلك الظّواهر الاقتصاديّة، وقد استطاع الإنسان أيضاً أن يكتشف تلك العلائق التي تربط بين بعض تلك الظّواهر التي انهمك في أن يبحثها، فتهيّأ له أن يفسّر خفايا تلك الوقائع الاقتصاديّة، التي كانت تتراءى له من قبل عصيّة على أن يحاط بها، وتذلّلت مصاعب جمّة، كانت تحول سابقاً دون أن يعالج كثرة وافرة من المشاكل الاقتصاديّة التي كان يتعرّض لها، وإذا كان العلم في الأساس هو معرفة منهجيّة، فإنّ الباحثين الاقتصاديّين كانوا يتّبعون منهجي الاستقراء والاستنتاج في سعيهم إلى أن يتدبّروا في نشوء تلك الظّواهر الاقتصاديّة، التي كانوا يشغلون ذهنهم في التّفكير فيها، وما لبث أن نجم علم جديد في ميدان العلوم، وهو علم الاقتصاد، الذي عني فيه الدّارسون والبحّاثة، بالنّظر في تلك الوقائع التي اندرجت ضمن النّشاط الاقتصاديّ.

تهيّأ للباحثين الاقتصاديّين أن يفسّروا العديد من الظّواهر الاقتصاديّة، إذ أرسخ العلماء في ميدان النّشاط الاقتصاديّ تلك المبادئ التي استندت إليها النّظريّات العلميّة، فتمكّنوا من أن يفسّروا الوقائع الاقتصاديّة المتنوّعة، التي أجلوا غوامضها، ووضّحوا خباياها، ولم يكن ليتأتّى لهؤلاء البحّاثة أن يبلوا بلاء حسناً في خوضهم غمار تلك الدّراسات الاقتصاديّة، لولا تلك الخاصيّة التي يتميّز بها المنهج العلميّ، الذي يفضي بمن يسلكه إلى أن يحقّق الرّبط بين السّبب والنّتيجة، فلم يكتف الإنسان بأن يتفهّم تلك الظّواهر الاقتصاديّة، بل بات في وسعه أن يتحكّم أيضاً في تحديد ذلك المآل الذي تنتهي إليه تلك الظّواهر التي يدرسها، وقد استفاد الاقتصاديّون كثيراً من تلك العلاقة السّببيّة التي توجدها الأبحاث العلميّة، حيث هيّأت لهم أن يطمحوا ببصرهم ليستشرفوا مطالع الأيام القادمة، فاندفعوا في أن يتنبؤوا بمصير تلك الظّواهر الاقتصاديّة التي كانوا يتدارسونها، فهيّأت لهم تلك القدرة على التّنبّؤ بالمآل الذي تمضي إليه الوقائع الاقتصاديّة، أن ينذروا منبهين سائر الناس إلى حدوث العديد من المشاكل، التي ستعترض مجرى ذلك النّشاط الاقتصاديّ الذي كانوا يزاولونه، فأرسخت تلك العلوم الاقتصاديّة الثّقة في نفوس النّاس بقدرتهم على معالجة تلك الأزمات الاقتصاديّة، التي كانت تصيب أحياناً تلك الأعمال الاقتصاديّة التي يؤدّونها.

أخذ عدد من الباحثين وعلماء الاقتصاد يتصدّون لوضع التّعاريف التي تحدّد المعاني، التي يتضمّنها ذلك المصطلح الذي حدّد بكلمة الاقتصاد، فذكر كامبل ماكونل "أنّ علم الاقتصاد هو العلم الاجتماعيّ الذي يهتمّ بمشكلة إدارة الموارد النّادرة أو المحدودة أو استعمالها على نحو يسمح بالحصول على أكبر إشباع لحاجات المجتمع غير المحدودة"(1)، ويتّضح من ذلك التّعريف الذي أورده كامبل فكرة النّدرة التي باتت إحدى المسائل الهامّة التي اندرجت في أبحاث العلوم الاقتصاديّة، وقد عرّف ليونيل روبنز الاقتصاد بأنّه "العلم الذي يدرس السّلوك الإنسانيّ كعلاقة بين الغايات والموارد النّادرة التي لها استعمالات بديلة"(2)، وقد برز في هذا التّعريف الذي وضعه روبنز ذلك التّركيز أيضاً على مسألة النّدرة، التي تتحدّد بنقصان وقلّة الموارد، التي كان النّاس يستخدمونها في أنشطتهم الاقتصاديّة، وقد تشعّبت البحوث والدّراسات الاقتصاديّة، التي كان يجريها علماء الاقتصاد، فاتّسعت تلك الدّراسات، حتّى أنّ عدداً من الباحثين أخذ يربط الأبحاث الاقتصاديّة، بميادين سائر العلوم، حيث بدأت تتوثّق تلك الصّلة التي جمعت بين بعض أفرع العلوم، وأبحاث علم الاقتصاد، وتعدّدت تلك الحالات التي ارتبطت فيها الدّراسات الاقتصاديّة بنظريّات وبحوث سائر العلوم المتنوّعة، وسأضرب مثلاً يبيّن تلك الصّلة التي نشأت بين الدّراسات الاقتصاديّة وبحوث سائر العلوم، فقد كان الباحثون وعلماء الاقتصاد الذين أجروا دراساتهم في حقل علم التّسويق، كثيراً ما يستندون في تحقيقهم تلك البحوث الاقتصاديّة، إلى تلك النّظريّات التي قامت في ميدان علم النّفس، الذي كانت تجرى أساساً في نطاقه تلك الدّراسات التي يستكشف فيها عن دوافع السّلوك الذي يبدر من النّاس.

كانت تصيب الأعمال الاقتصاديّة التي يؤدّيها النّاس، الأزماتُ التي تعرقل مساعيهم في تحقيقهم تلك الأهداف، التي كان ينطوي عليها ذلك النّشاط الاقتصاديّ الذي يمارسونه، وشغلت المشاكل التي تنزل بتلك الأنشطة الاقتصاديّة، حيزاً واسعاً في الدّراسات الاقتصاديّة التي كان يجريها علماء الاقتصاد، حتّى ذهب عدد من العلماء إلى أن يعتبر أنّ السّبب الذي أدّى إلى نشوء علم الاقتصاد، هو حدوث تلك الأزمات التي تصيب الأنشطة الاقتصاديّة، وتكثر تلك العلل التي تتسبّب بحدوث تلك الأزمات الاقتصاديّة، التي كانت تتنوّع تنوّعاً واسعاً يجاري كثرة تلك الأسباب، التي أدّت إلى نشوء تلك المشاكل الاقتصاديّة، وكان تنوّع تلك الأزمات المتعدّدة التي اختلفت صنوفها، صعّب على الباحثين أن يوردوا تعريفاً جامعاً مانعاً يفي بتحديد طبيعة كلّ الأزمات التي تنشأ في الحقل الاقتصاديّ، وغالباً ما كان الباحثون يختلفون في انتقائهم تلك الأسباب والعوامل، التي يعلّلون بها حدوث تلك الأزمات الاقتصاديّة، فكان كلّ باحث يورد تعريفاً يفسّر فيه مفهوم الأزمة الاقتصاديّة، بحسب تلك الرّؤية التي اعتمدها في تدبّره في أسباب نشوء تلك المشاكل الاقتصاديّة، التي عكف على أن يبحثها، وقد عرّفت الأزمة الاقتصاديّة بأنّها "اختلال واضطراب ينزلان بالتّوازن الاقتصاديّ، وهذا الاختلال يتّضح في غياب التّكافؤ بين الإنتاج والاستهلاك"(3)، وقد ذكر أيضاً في الحديث عن مفهوم الأزمة، أنّها تتجلّى في "مظاهر الكساد وضعف حركة البيع والشّراء وبانخفاض النّاتج القوميّ وبهبوط الأسعار وبتزايد البطالة"(4)، وقد تفرّع نشوء تلك الأزمات في كلّ الأنّشطة الاقتصاديّة، حتّى باتت الأزمة التي تصيب نشاطاً محدّداً من مجموع تلك الأنشطة، تنسب إلى ذلك الصّنف من النّشاط الذي نزلت به،  وكانت تنشأ تلك الأزمات في كلّ من ميادين سوق السّلع، والمعاملات الماليّة والمصرفيّة، وأسواق المال، وأسعار الصّرف، بالإضافة إلى بقيّة تلك الأنشطة الاقتصاديّة التي يزاولها الناس، الذين كانوا يتعرّضون لصنوف متنوّعة من تلك المشاكل الاقتصاديّة، التي تضمّنت على سبيل المثال لا الحصر، أزمة سوق المال، والأزمة الماليّة والمصرفيّة، وأزمة أسعار الصّرف.

لازم نشوء الأزمات المتزايدة، توسّع انتشار ذلك النشاط الاقتصاديّ الذي مارسه النّاس، حتّى أنّ إحدى الإحصائيّات التي أوردها صندوق النّقد الدّوليّ، كشفت عن أنّ الأزمات الواقعة في الفترة التي امتدّت بدءاً من عام 1970 حتّى نهاية القرن العشرين، قد زاد عددها عن المائة، وبيّنت التّقارير التي أعدّها ذلك  الصّندوق ذاته، أنّه في سني إحدى العقود الواقعة في النّصف الثاني من القرن العشرين، تعرّض ما يزيد عن ثلثي الأعضاء في صندوق النّقد الدّوليّ لأزمات ماليّة، ولاضطرابات مصرفيّة بالغة الحدّة، وكانت بعض تلك الأزمات تمتدّ متّسعة لتشمل عدّة بلدان في الوقت ذاته، وقد تسبّب بإحداث ذلك الامتداد في انتشار الأزمات الاقتصاديّة في السّنوات القريبة الماضية، تلك القواعدُ التي نصّ على تطبيقها، نظام العولمة التي دعت إلى أن يتحقّق التّكامل بين الأسواق الماليّة، وأن تتّبع الدّول نهج الاقتصاد الحرّ، وقد عرّفت العولمة بأنّها "العمليّة التي تقوم من خلالها المؤسّسات، سواء التّجاريّة أو غير التّجاريّة، بتطوير تأثير عالميّ أو ببدء العمل في نطاق عالميّ...... والعولمة هي عمليّة اقتصاديّة في المقام الأوّل، ثمّ سياسيّة، ثمّ تتبع ذلك الجوانب الاجتماعيّة والثّقافيّة"(5)، ويستدعي تطبيق نظام العولمة أن يتحقّق "إزاحة أسوار وحواجز محدّدة بين الدّول وبعضها البعض.... والعمل على إنشاء الرّوابط والسّبل بين الدّول المختلفة"(6)، ولا ريب في أنّ يترتّب على تطبيق المبادئ التي ينصّ عليها نظام العولمة، أن تتهيّأ المؤسّسات الاقتصاديّة والماليّة في تطوير بنيانها، ليتأتّى لها أن تساير ذلك التّغيّر الحاصل في تلك العلاقات الاقتصاديّة المتجدّدة التي تربط بين تلك الدّول التي أخذت تتبّع نهج العولمة.

اعتقد كثير من الباحثين أنّ ذلك التّطوّر النّاشئ في العلاقات الاقتصاديّة التي تجمع بين البلدان، دفع إلى نشوء نظام العولمة التي عرّفها صندوق النّقد الدّوليّ بأنّها "التّعاون الاقتصاديّ المتنامي لمجموع دول العالم والذي يحتّمه ازدياد التّعامل بالسّلع والخدمات وتنوّعها عبر الحدود، إضافة إلى رؤوس الأموال الدّوليّة والانتشار المتسارع للتّقنية في أرجاء العالم كلّه"(7)، وذلك الرّابط الذي تنشئه العولمة بين الدّول، حيث نصّت مبادؤها على أن ترفع الحواجز فيما بين تلك البلدان، قد استند إليه "روبنز ريكابيرو" الأمين العامّ لمؤتمر الأمم المتّحدة للتّجارة والنّموّ، في تعريفه لنظام العولمة التي رأى أنّها "العمليّة التي تملي على المنتجين والمستثمرين التّصرّف وكأنّ الاقتصاد العالميّ يتكوّن من سوق واحدة ومنطقة إنتاج واحدة مقسّمة إلى مناطق اقتصاديّة وليس إلى اقتصاديّات وطنيّة مرتبطة بعلاقات تجاريّة واستثمارية"(8)، وتتّفق غالبيّة الباحثين على اعتبار أنّ العولمة، تتسبّب بزوال سيطرة الدّول على إدارة النّشاط الاقتصاديّ النّاشئ ضمن حدودها السّياسيّة، وقد ذهبت مجموعة من المفكّرين إلى الاعتقاد في أنّ دولاً متعدّدة، أخذت تتجنّب تحمّل المسؤوليّة عن حدوث تلك النّتائج، التي ترتّبت على تطبيق القواعد التي نصّ عليها نظام العولمة، إذ أحجمت تلك الدّول عن المشاركة في الخوض في غمار المخاطر، التي قد تتمخّض عن انفتاح أسواق البلدان على بعضها البعض، فظلّت حكومات الدّول التي تنصّلت من تبعات سلوك النّاس نهج العولمة، تدأب في أن تتدافع فيما بينها تلك المخاطر، التي نجمت عن تطبيق القواعد التي يرتكز إليها نظام العولمة، حتّى أنّه تضمّنت إحدى الدّراسات الاقتصاديّة، تلك الأفكار التي تؤكّد شكوك أفراد من النّاس في قدرة نظام العولمة على دوام البقاء، فاعتقدوا أنّه بات يحقّ لهم في حسبانهم أن يتساءلوا "كيف يمكن ل"نظام كونيّ" أيّاً كان مدى جزئيّته فيما يتعلّق بسماته المدوّلة حقّاً، أن يتدبّر أمر استمراره في ظلّ إقصاء ثلثي سكانه إقصاء منهجيّاً عن منافع ذلك النّظام نفسه، في حين أنّ الازدهار الجزئيّ، الذي يولّده حقّاً، يتركّز باطّراد عند المشتغلين النّاجحين وسط الأربعة عشر في المائة، الأثرياء في العالم والدّول القليلة التّابعة لهم؟"(9)، وكانت فئة من سائر الاقتصاديّين المتحمّسين لتطبيق قواعد نظام العولمة، قد أكّدت ضرورة مشاركة دول العالم في تحمّل وطأة تلك المخاطر التي قد يلحقها ببعض البلدان، نظام العولمة في نطاق تلك المعاملات الماليّة والتّجارية التي تنشأ بين دول العالم، وإن كانت تلك النّقاشات توالت بين هؤلاء الاقتصاديّين المتعارضين، فإنّ الدّول التي تتدبّر في مسألة مشاركتها في غمار أنشطة ذلك الاقتصاد المعولم، سيتاح لها أن تستخلص العبر المفيدة من تلك السّجالات التي تشتدّ حدّتها في بعض الأحيان بين أولئك المفكّرين والباحثين الاقتصاديّين.

1- الموسوعة العربيّة.

2- موسوعة المصطلحات الاقتصاديّة.

3- المصدر السّابق.

4- الموسوعة السّياسيّة.

5- معجم المصطلحات الاقتصاديّة.

6- المصدر السّابق.

7- موقع الاقتصاد والأعمال.

8- موقع الدّراسات الاقتصاديّة والاجتماعيّة.

 

9- بول هيرست وجراهام طومبسون، ما العولمة، الاقتصاد العالميّ وإمكانات التّحكّم، ترجمة: د. فالح عبد الجبّار، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 273، الكويت، سبتمبر 2001 ، ص 115- 116.



يخوض النّاس غمار الوقائع التي تتوالى في مجرى الحياة، فيلقون بأبصارهم إلى تلك المشاهد المترادفة التي يستعرضون فيها تلك الأحداث المتتابعة، وسرعان ما يشّوش أفكارهم ذاك التّنافر والتّدافع اللذان يفرّقان بين تلك المناظر التي تتراءى لهؤلاء النّاس، الذين كان يعسر عليهم أن يعثروا على رابطة تلأم بين تلك الأحداث المتفرّقة، حتّى عنّ بفكرهم أن يبحثوا عن وسيلة تهيّئ لهم أن ينعموا بصفاء أذهانهم، وخلو بالهم من تلك البلبلة التي أوقعهم فيها تشتّت تلك المشاهد التي كانت تتجاذبهم، بيد أنّ هيهات أن تهدأ أفكارهم وتصفو خواطرهم، التي ظلّت تطرأ عليها تلك المشاهد المتفرّقة، فيتعرّض النّاس لتلك الوقائع المتنافرة، التي تكدّر عليهم صفو خواطرهم، وتحبط سعيهم إلى أن ينعموا بالشّعور بتلك السّكينة التي تاقوا إلى أن يهنؤوا بها، فوقع في ظنّهم أنّ ليس في طوقهم أن يتخلّصوا من ذلك الاضطراب، الذي يثيره في نفوسهم ذلك التّعارض والتّنافر، اللذان يباعدان بين تلك المشاهد التي كانوا ينظرون إليها، بيد أنّ تلك الظّنون التي ساورتهم، لم تلبث أن انجلت عن أذهانهم، إذ عثروا على ذلك العلاج النّاجع الذي هيّأ لهم أن يتخلّصوا من دوامة ذلك الاضطراب، الذي أوقعتهم فيه تلك الأحداث المتنافرة، فكانت تلك الأعمال الفنّية التي أقبلوا على أن يتذوّقوها، يسّرت لهم أن يتخلّصوا من فوضى تلك الوقائع المتنابذة، التي كانت تبرز لهم في الحياة التي يعيشونها.

تميّزت تلك العناصر التي يتحلّل إليها بنيان العمل الفنّيّ المبتكر، بائتلافها وترابطها مع بعضها البعض، إذ حتّمت القواعد الفنّيّة التي ينبني عليها العمل الفنّيّ، أن يتحقّق التّناسق بين تلك العناصر التي تندرج في قوام ذلك العمل الفنّيّ، ويعتبر ذلك الانسجام الذي يلأم بين تلك العناصر، إحدى تلك السّمات الجماليّة التي يتميّز بها العمل الفنّيّ البديع، فمهما تنوّعت وتعدّدت العناصر التي تندرج في بنيان العمل الفنّيّ، فإنّ تلك العلاقة التي تؤلّف بينها، تضفي على تلك العناصر، المسحةَ الجماليّةَ التي تفتن ألباب النّاس، فإن تنافرت وتنابذت عناصر الموضوع الذي ينتوي الفنّان أن يتناوله في عمله الفنّيّ، فإنّه سرعان ما يحقّق بين تلك العناصر المتنافرة ذلك الانسجام، بعد أن يشرع في أن ينجز نتاجه الفنّيّ، إذ يتمكّن الفنّان آنئذ من أن يلأم بين تلك العناصر في صيغة فنّيّة جميلة، فسواء أكان تأصّل ذلك التّرابط بين عناصر ذلك الموضوع الفنّيّ في مجرى الحياة، أم لم يتحقّق ذلك الائتلاف بين تلك العناصر، التي تظلّ في أغلب الأحايين مفتقرة إلى تلك الرّابطة التي تجمع بينها، فلا يعسر على الفنّان أن يؤلّف بين تلك المشاهد المتنافرة والمتنابذة بتلك الرّابطة، التي يتحقّق فيها ذلك الانسجام الذي يمتّع النّفس ويحقّق ذلك الصّفاء في خواطر النّاس، الذين يتلقّون ذلك العمل الفنّيّ الذي يحقّقه ذلك الفنّان، فمهما تكن تلك الوقائع التي يتأملّها ذلك الفنّان متنافرة، فإذا عمد إلى أن يدرجها في عمله الفنّي الذي ينتوي أن يبدعه، فإنّه يحقّق بينها ذلك الانسجام الذي ينبني عليه العمل الفنّيّ المبتكر.

يلتقط الفنّان المشاهد المتشتّتة من مجرى الحياة، ليجمع بينها في تلك الصيّغة الجماليّة التي يبني عليها عمله الفنّيّ، الذي يدعو سائر النّاس إلى أن يعاينوه، بل إنّ ذلك الفنّان يدفعهم أيضاً إلى أن يعيشوا في أجواء ذلك الواقع الفنّيّ، الذي يتجلّى في تلك الأعمال الفنّيّة، ويصرّ الفنّان على أن يلازم ذلك العالم الفنّيّ الذي ابتدعه، فهو لا يختلف عن سائر النّاس، في نفوره من تلك الفوضى التي تضرب بجذورها في مجرى الحياة التي يعيشها النّاس كافّة، الذين ما تبرح تنبعث في نفوسهم الرّغائب في أن يلوذوا إلى ذلك العالم الفنّيّ الذي يبنيه الفنّانون، الذين قد يبزّون سائر النّاس في شدّة اندفاعهم في أن يلازموا ذلك العالم الفنّيّ، نظراً لشدّة تمرّسهم بتحقيق عمليّة الخلق الفنّيّ الذي يتمخّض عنها ذلك العالم الفنّيّ، الذي يعسر على من يتوغّل في رحابه الفسيحة، أن يعود أدراجه إلى مجرى الحياة العادّيّة، وكانت الرّسّامة خالصة هلال أنجزت لوحات فنّيّة بديعة، فسلكت سبيل الإبداع الفنّيّ، لتشيد بنيان ذلك العالم الفنّيّ الرّحيب، الذي اندرأ من لوحاتها الفنّيّة، التي كانت تغترق مواضيعها دائماً أعين النّظارة، الذين أقبلوا يتأملون أعمال الفنّانة خالصة هلال، التي آثرت أن تستعيض بذاك الواقع الفنّي الجميل، عن ذلك العالم الذي كانت تشارك النّاس في الشّعور بالنفور من رتابة تلك الأحداث التي ينطوي عليها.

واصلت الرّسّامة خالصة هلال تتبّعها وحضورها الأنشطة الفنّيّة المتنوّعة، فرغبت في أن تحيط نفسها بأجواء ذلك العالم الفنّيّ، فاستمرّت على أن تتذوّق روائع المؤلّفات الأدبيّة، إذ واظبت على أن تقرأ عيون القصائد الشّعريّة، وتطالع روائع القصص والرّوايات، وقد أنعم فلاسفة الفنّ وعلماء الجمال النّظر في كلّ العلاقات التي تجمع صنوف الفنون المتنوّعة مع بعضها البعض، فعنوا بدراسة تلك الرّوابط التي تلأم بين فنّ النّحت والشّعر، فذكروا أنّ النّحت هو "ذلك الفنّ الذي قال عنه آلان إنّه يقدّم لنا قصائد من رخام، ووصفه رودان في حديثه عن تمثال فينوس فقال إنّ النّاظر إليه يتوهّم أنّه إزاء سيمفونيّة من الأبيض والأسود أم من الأضواء والظّلال"(1)، وقد ذهب أحد الباحثين إلى أن يعتبر أنّ "اللّوحة هي في صميمها قصيدة لا صوتيّة"(2)، أولم يصف الشّاعر اليونانيّ سيمونيدس الشّعر أيضاً بأنّه "لوحة ناطقة"(3)، ودأبت الرّسّامة خالصة هلال أيضاً في أن تحضر الحفلات الموسيقيّة الجادّة، فرغبت في أن تستمر على أن تتابع الأنشطة الفنّيّة، وأن تلازم عوالم تلك الفنون، التي مهما تنوّعت أشكالها، وتعدّدت أصنافها، فلم تكن تنفصم مطلقاً عرى تلك الرّابطة التي أنشأتها الرّسامة خالصة هلال مع عوالم تلك الفنون، حيث ظلّت تتوثّق دائماً علاقتها بتلك الأجواء، التي انبثقت من تلك الأعمال الفنّيّة التي كانت تتابعها.

ما برحت الأعمال الفنّيّة المبتكرة تهيّئ لمن يقبل على أن يطّلع عليها، أن يمتّع نفسه بتذوّق تلك السّمات الجماليّة التي تتميّز بها تلك المبتكرات الفنّيّة الأصيلة، وإن كان النّاس كافّة عمدوا إلى أن يستبدلوا عوالم الفنون، بذلك العالم الذي اشتمل على وقائع حياتهم الرّتيبة، التي كانوا يفتقرون فيها إلى تلك الخبرات، التي تنمّي وعيهم بحقيقة تلك الأحداث التي يخوضون غمارها، فإنّ الرّسّامة خالصة هلال أدركت ببصيرتها النّيّرة حاجة أولئك النّاس إلى أن يعيشوا عالم ذلك الفن، الذي تظهر فيه بدقّة شديدة، حقيقة تلك المواضيع التي يعالجها الفنّانون في أعمالهم الفنّيّة، حيث تكون الصّور الفنّيّة التي تظهر فيها تلك المواضيع، أكثر وضوحاً وأشدّ بياناً، من تلك المناظر التي تبدو فيها تلك المواضيع نفسها في عالم الحياة العاديّة.

يتعذّر على النّاس الذين يتذوّقون الأعمال الفنّيّة، أن يشكّكوا في صدق وحقيقة ذلك الواقع الفنّيّ الذي يبنيه الفنّانون، الذين يكشفون عن زيف ومخادعة ذلك المظهر، الذي تبدو فيه الأحداث في تلك الحياة التي يعيشها النّاس بعيداً عن عالم الفنّ، فواظبت الرّسّامة التّشكيليّة خالصة هلال على أن تحضر الحفلات الموسيقيّة الجادّة في دار الأوبرا بدمشق، إذ كانت تحرص على أن تجيئ بانتظام إلى تلك الدّار، فتتابع بشغف تلك الأنشطة الفنّية التي تجري في دار الأوبرا، فكانت تمتّن وشائج الألفة التي تجمعها مع عوالم الفنون، التي مهما تنوّعت أشكالها، فإنّ تلك الأنماط المتنوّعة من الأنشطة الفنّيّة، ترتبط مع بعضها البعض بتلك الصّلات المتينة، التي أسهب في الحديث عنها، أولئك الباحثون في مسائل الفنون المتنوّعة، فعندما تناول أولئك المفكّرون تلك العلاقة التي تجمع بين فنّي الرّسم والموسيقا، توصّلوا إلى أن يؤكّدوا أنّ اللّوحة هي سيمفونيّة تشكيليّة(4)، ليثبتوا تلك الرّوابط التي تنشأ بين هذين النمّطين من الفنون، وكشف بعض الباحثين عن علائق متينة تلأم بين الأعمال الموسيقيّة، وفن المعمار الذي كان أفلوطين وصفه قائلاً أنّه "ما يتبقّى من البناء بعد أن يكون قد انتزعنا منه الصّخور، وعرّفه شليجل فقال إنّه موسيقا متجمّدة"(5)، وقد أفصح أحد المفكّرين عن قناعته بأنّ العمل الموسيقيّ هو "معمار متحرّك يعيد إلى أذهاننا صور الآثار القوطيّة"(6).

جهد المفكّرون في أن يوردوا البراهين العديدة على تآلف أنواع الفنون مع بعضها البعض، فرؤوا أنّه "إذا كان في الموسيقا الأصيلة شعر وتصوير ومعمار، فإنّ في المعمار الأصيل موسيقا وتصويراً وشعراً، كما أنّ في الشّعر الأصيل موسيقا وتصويراً وغناء"(7)، وكان الرّسّام الشّهير ميكل أنجلوأفصح عن اعتقاده بأنّ "اللّوحة الجيّدة ينبغي أن تكون "موسيقا ولحناً"(8)،وقد ذهب أحد الباحثين في قضايا الفنون إلى أن يتحدّث عن وجود "قوانين هارمونيّة للألوان"(9)، فباتت الأعمال الفنّيّة تنبني على تلك القواعد الفنّيّة، التي توجب أن يتحقّق في النّتاج الفنّيّ الذي يبدعه الموسيقيّون والرّسّامون "تناسق الألوان وتوافق الألحان"(10)، وإذا أردنا أن نتحرّى عن تأثير الأعمال الموسيقيّة في فنّ الرّسم، فإنّنا نعثر على فكرة نوّه بها كثيراً علماء الجمال، إذ أكّدوا تحقّق تناغم الألوان في اللّوحات البديعة التي يبتكرها الرّسّامون، حيث كانت "الأسباب الفنّيّة التي يعتمد عليها الانسجام الموسيقيّ.... تكون صحيحة كلّ الصّحّة في توافق الألوان"(11)، ولم يعسر على فلاسفة الفنّ أن يردفوا على تلك الآراء التي أفصحوا عنها، تلك الفكرة التي تؤكّد ضرورة البحث عن "العلاقات الموسيقيّة بين الألوان"(12).

إنّ النّاس الذين يدركون شغف الفنّانة خالصة هلال بمتابعة تلك الأنشطة الفنّيّة، قد يخطر في بالهم أن يستفسروا عن المسألة التي أسهب نقّاد وفلاسفة الفنّ في الحديث عنها كثيراً، وهي تحديداً مسألة تأثّر الفنّانين بالأعمال الفنّيّة التي يطّلعون عليها، وقد عنت غالبيّة النّقّاد بالبحث في تلك العلاقات التي قد تحصل بين أنواع الفنون المتنوّعة، فسعوا إلى أن يتحرّوا أيضاً عن التّأثير المتبادل، الذي قد ينشأ بين الفنّانين الذي يمارسون أنواعاً مختلفة من الأنشطة الفنّيّة، ويحفل تاريخ الفنون بقصص أولئك الفنّانين الذين كانوا يستوحون مواضيع أعمالهم الفنّية، من تلك المبتكرات الفنّيّة التي كانوا يطّلعون عليها، وكانوا يستلهمون تلك الأفكار التي يبنون عليها أعمالهم الفنّيّة، من النّتاج الذي ينجزه سائر الفنّانين، ومن يطّلع على اللّوحات الفنّيّة البديعة التي ابتكرتها الرّسّامة خالصة هلال، يدرك أنّها لم تكن تسعى إلى أن تستلهم من الأعمال الفنّيّة التي اطّلعت عليها، تلك الموضوعات الفنّيّة التي كانت تعالجها في لوحاتها الفنّيّة، فهي لم تسع إلى أن تستوحي من تلك الأعمال الفنّيّة المتنوّعة، أفكارَها العميقة التي أفصحت عنها في أعمالها الفنّيّة المبتكرة، وهيّأت الرّسّامة خالصة هلال أيضاً لسائر النّاس أن يعيشوا في ذلك العالم، الذي بنته في لوحاتها التي رسمتها، فضمّ هؤلاء الأقوام ذلك العالم الفنّي الرّحيب الفسيح، الذي بنته الرّسّامة خالصة هلال على سطوح اللّوحات الفنّيّة التي أبدعتها، وهي تعمّقت في التّعبير عن تلك الأفكار التي أفصحت عنها في أعمالها الفنّيّة، وكانت وساعة ذلك العالم الفنّيّ الذي ابتكرته، قد وصلت إلى آماد قصيّة، حيث كانت تتّسع رحابته اتّساعاً متزايداً على قدر تعمّق الرّسّامة خالصة هلال في التّعبير عن تلك المواضيع، التي عالجتها في تلك اللّوحات الفنّيّة التي أنجزتها.

1- زكريا إبراهيم، مشكلة الفنّ، مصر _ دار مصر للطّباعة (د.ت)، ص 247.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السّابق.

4- المصدر السّابق، ص 72 .

5- المصدر السّابق، ص 247.

6- المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق، ص 248.

9- مع الموسيقا، ذكريات ودراسات، فؤاد زكريا، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، ص 296.

10- إيتيان سوريو، تقابل الفنون، منشورات وزارة الثّقافة في سورية، دمشق 1993، ص 55. 

11- المصدر السّابق، ص 312.

 

12- المصدر السّابق، ص 313.



يخوض النّاس غمار الوقائع التي تتوالى في مجرى الحياة، فيلقون بأبصارهم إلى تلك المشاهد المترادفة التي يستعرضون فيها تلك الأحداث المتتابعة، وسرعان ما يشّوش أفكارهم ذاك التّنافر والتّدافع اللذان يفرّقان بين تلك المناظر التي تتراءى لهؤلاء النّاس، الذين كان يعسر عليهم أن يعثروا على رابطة تلأم بين تلك الأحداث المتفرّقة، حتّى عنّ بفكرهم أن يبحثوا عن وسيلة تهيّئ لهم أن ينعموا بصفاء أذهانهم، وخلو بالهم من تلك البلبلة التي أوقعهم فيها تشتّت تلك المشاهد التي كانت تتجاذبهم، بيد أنّ هيهات أن تهدأ أفكارهم وتصفو خواطرهم، التي ظلّت تطرأ عليها تلك المشاهد المتفرّقة، فيتعرّض النّاس لتلك الوقائع المتنافرة، التي تكدّر عليهم صفو خواطرهم، وتحبط سعيهم إلى أن ينعموا بالشّعور بتلك السّكينة التي تاقوا إلى أن يهنؤوا بها، فوقع في ظنّهم أنّ ليس في طوقهم أن يتخلّصوا من ذلك الاضطراب، الذي يثيره في نفوسهم ذلك التّعارض والتّنافر، اللذان يباعدان بين تلك المشاهد التي كانوا ينظرون إليها، بيد أنّ تلك الظّنون التي ساورتهم، لم تلبث أن انجلت عن أذهانهم، إذ عثروا على ذلك العلاج النّاجع الذي هيّأ لهم أن يتخلّصوا من دوامة ذلك الاضطراب، الذي أوقعتهم فيه تلك الأحداث المتنافرة، فكانت تلك الأعمال الفنّية التي أقبلوا على أن يتذوّقوها، يسّرت لهم أن يتخلّصوا من فوضى تلك الوقائع المتنابذة، التي كانت تبرز لهم في الحياة التي يعيشونها.

تميّزت تلك العناصر التي يتحلّل إليها بنيان العمل الفنّيّ المبتكر، بائتلافها وترابطها مع بعضها البعض، إذ حتّمت القواعد الفنّيّة التي ينبني عليها العمل الفنّيّ، أن يتحقّق التّناسق بين تلك العناصر التي تندرج في قوام ذلك العمل الفنّيّ، ويعتبر ذلك الانسجام الذي يلأم بين تلك العناصر، إحدى تلك السّمات الجماليّة التي يتميّز بها العمل الفنّيّ البديع، فمهما تنوّعت وتعدّدت العناصر التي تندرج في بنيان العمل الفنّيّ، فإنّ تلك العلاقة التي تؤلّف بينها، تضفي على تلك العناصر، المسحةَ الجماليّةَ التي تفتن ألباب النّاس، فإن تنافرت وتنابذت عناصر الموضوع الذي ينتوي الفنّان أن يتناوله في عمله الفنّيّ، فإنّه سرعان ما يحقّق بين تلك العناصر المتنافرة ذلك الانسجام، بعد أن يشرع في أن ينجز نتاجه الفنّيّ، إذ يتمكّن الفنّان آنئذ من أن يلأم بين تلك العناصر في صيغة فنّيّة جميلة، فسواء أكان تأصّل ذلك التّرابط بين عناصر ذلك الموضوع الفنّيّ في مجرى الحياة، أم لم يتحقّق ذلك الائتلاف بين تلك العناصر، التي تظلّ في أغلب الأحايين مفتقرة إلى تلك الرّابطة التي تجمع بينها، فلا يعسر على الفنّان أن يؤلّف بين تلك المشاهد المتنافرة والمتنابذة بتلك الرّابطة، التي يتحقّق فيها ذلك الانسجام الذي يمتّع النّفس ويحقّق ذلك الصّفاء في خواطر النّاس، الذين يتلقّون ذلك العمل الفنّيّ الذي يحقّقه ذلك الفنّان، فمهما تكن تلك الوقائع التي يتأملّها ذلك الفنّان متنافرة، فإذا عمد إلى أن يدرجها في عمله الفنّي الذي ينتوي أن يبدعه، فإنّه يحقّق بينها ذلك الانسجام الذي ينبني عليه العمل الفنّيّ المبتكر.

يلتقط الفنّان المشاهد المتشتّتة من مجرى الحياة، ليجمع بينها في تلك الصيّغة الجماليّة التي يبني عليها عمله الفنّيّ، الذي يدعو سائر النّاس إلى أن يعاينوه، بل إنّ ذلك الفنّان يدفعهم أيضاً إلى أن يعيشوا في أجواء ذلك الواقع الفنّيّ، الذي يتجلّى في تلك الأعمال الفنّيّة، ويصرّ الفنّان على أن يلازم ذلك العالم الفنّيّ الذي ابتدعه، فهو لا يختلف عن سائر النّاس، في نفوره من تلك الفوضى التي تضرب بجذورها في مجرى الحياة التي يعيشها النّاس كافّة، الذين ما تبرح تنبعث في نفوسهم الرّغائب في أن يلوذوا إلى ذلك العالم الفنّيّ الذي يبنيه الفنّانون، الذين قد يبزّون سائر النّاس في شدّة اندفاعهم في أن يلازموا ذلك العالم الفنّيّ، نظراً لشدّة تمرّسهم بتحقيق عمليّة الخلق الفنّيّ الذي يتمخّض عنها ذلك العالم الفنّيّ، الذي يعسر على من يتوغّل في رحابه الفسيحة، أن يعود أدراجه إلى مجرى الحياة العادّيّة، وكانت الرّسّامة خالصة هلال أنجزت لوحات فنّيّة بديعة، فسلكت سبيل الإبداع الفنّيّ، لتشيد بنيان ذلك العالم الفنّيّ الرّحيب، الذي اندرأ من لوحاتها الفنّيّة، التي كانت تغترق مواضيعها دائماً أعين النّظارة، الذين أقبلوا يتأملون أعمال الفنّانة خالصة هلال، التي آثرت أن تستعيض بذاك الواقع الفنّي الجميل، عن ذلك العالم الذي كانت تشارك النّاس في الشّعور بالنفور من رتابة تلك الأحداث التي ينطوي عليها.

واصلت الرّسّامة خالصة هلال تتبّعها وحضورها الأنشطة الفنّيّة المتنوّعة، فرغبت في أن تحيط نفسها بأجواء ذلك العالم الفنّيّ، فاستمرّت على أن تتذوّق روائع المؤلّفات الأدبيّة، إذ واظبت على أن تقرأ عيون القصائد الشّعريّة، وتطالع روائع القصص والرّوايات، وقد أنعم فلاسفة الفنّ وعلماء الجمال النّظر في كلّ العلاقات التي تجمع صنوف الفنون المتنوّعة مع بعضها البعض، فعنوا بدراسة تلك الرّوابط التي تلأم بين فنّ النّحت والشّعر، فذكروا أنّ النّحت هو "ذلك الفنّ الذي قال عنه آلان إنّه يقدّم لنا قصائد من رخام، ووصفه رودان في حديثه عن تمثال فينوس فقال إنّ النّاظر إليه يتوهّم أنّه إزاء سيمفونيّة من الأبيض والأسود أم من الأضواء والظّلال"(1)، وقد ذهب أحد الباحثين إلى أن يعتبر أنّ "اللّوحة هي في صميمها قصيدة لا صوتيّة"(2)، أولم يصف الشّاعر اليونانيّ سيمونيدس الشّعر أيضاً بأنّه "لوحة ناطقة"(3)، ودأبت الرّسّامة خالصة هلال أيضاً في أن تحضر الحفلات الموسيقيّة الجادّة، فرغبت في أن تستمر على أن تتابع الأنشطة الفنّيّة، وأن تلازم عوالم تلك الفنون، التي مهما تنوّعت أشكالها، وتعدّدت أصنافها، فلم تكن تنفصم مطلقاً عرى تلك الرّابطة التي أنشأتها الرّسامة خالصة هلال مع عوالم تلك الفنون، حيث ظلّت تتوثّق دائماً علاقتها بتلك الأجواء، التي انبثقت من تلك الأعمال الفنّيّة التي كانت تتابعها.

ما برحت الأعمال الفنّيّة المبتكرة تهيّئ لمن يقبل على أن يطّلع عليها، أن يمتّع نفسه بتذوّق تلك السّمات الجماليّة التي تتميّز بها تلك المبتكرات الفنّيّة الأصيلة، وإن كان النّاس كافّة عمدوا إلى أن يستبدلوا عوالم الفنون، بذلك العالم الذي اشتمل على وقائع حياتهم الرّتيبة، التي كانوا يفتقرون فيها إلى تلك الخبرات، التي تنمّي وعيهم بحقيقة تلك الأحداث التي يخوضون غمارها، فإنّ الرّسّامة خالصة هلال أدركت ببصيرتها النّيّرة حاجة أولئك النّاس إلى أن يعيشوا عالم ذلك الفن، الذي تظهر فيه بدقّة شديدة، حقيقة تلك المواضيع التي يعالجها الفنّانون في أعمالهم الفنّيّة، حيث تكون الصّور الفنّيّة التي تظهر فيها تلك المواضيع، أكثر وضوحاً وأشدّ بياناً، من تلك المناظر التي تبدو فيها تلك المواضيع نفسها في عالم الحياة العاديّة.

يتعذّر على النّاس الذين يتذوّقون الأعمال الفنّيّة، أن يشكّكوا في صدق وحقيقة ذلك الواقع الفنّيّ الذي يبنيه الفنّانون، الذين يكشفون عن زيف ومخادعة ذلك المظهر، الذي تبدو فيه الأحداث في تلك الحياة التي يعيشها النّاس بعيداً عن عالم الفنّ، فواظبت الرّسّامة التّشكيليّة خالصة هلال على أن تحضر الحفلات الموسيقيّة الجادّة في دار الأوبرا بدمشق، إذ كانت تحرص على أن تجيئ بانتظام إلى تلك الدّار، فتتابع بشغف تلك الأنشطة الفنّية التي تجري في دار الأوبرا، فكانت تمتّن وشائج الألفة التي تجمعها مع عوالم الفنون، التي مهما تنوّعت أشكالها، فإنّ تلك الأنماط المتنوّعة من الأنشطة الفنّيّة، ترتبط مع بعضها البعض بتلك الصّلات المتينة، التي أسهب في الحديث عنها، أولئك الباحثون في مسائل الفنون المتنوّعة، فعندما تناول أولئك المفكّرون تلك العلاقة التي تجمع بين فنّي الرّسم والموسيقا، توصّلوا إلى أن يؤكّدوا أنّ اللّوحة هي سيمفونيّة تشكيليّة(4)، ليثبتوا تلك الرّوابط التي تنشأ بين هذين النمّطين من الفنون، وكشف بعض الباحثين عن علائق متينة تلأم بين الأعمال الموسيقيّة، وفن المعمار الذي كان أفلوطين وصفه قائلاً أنّه "ما يتبقّى من البناء بعد أن يكون قد انتزعنا منه الصّخور، وعرّفه شليجل فقال إنّه موسيقا متجمّدة"(5)، وقد أفصح أحد المفكّرين عن قناعته بأنّ العمل الموسيقيّ هو "معمار متحرّك يعيد إلى أذهاننا صور الآثار القوطيّة"(6).

جهد المفكّرون في أن يوردوا البراهين العديدة على تآلف أنواع الفنون مع بعضها البعض، فرؤوا أنّه "إذا كان في الموسيقا الأصيلة شعر وتصوير ومعمار، فإنّ في المعمار الأصيل موسيقا وتصويراً وشعراً، كما أنّ في الشّعر الأصيل موسيقا وتصويراً وغناء"(7)، وكان الرّسّام الشّهير ميكل أنجلوأفصح عن اعتقاده بأنّ "اللّوحة الجيّدة ينبغي أن تكون "موسيقا ولحناً"(8)،وقد ذهب أحد الباحثين في قضايا الفنون إلى أن يتحدّث عن وجود "قوانين هارمونيّة للألوان"(9)، فباتت الأعمال الفنّيّة تنبني على تلك القواعد الفنّيّة، التي توجب أن يتحقّق في النّتاج الفنّيّ الذي يبدعه الموسيقيّون والرّسّامون "تناسق الألوان وتوافق الألحان"(10)، وإذا أردنا أن نتحرّى عن تأثير الأعمال الموسيقيّة في فنّ الرّسم، فإنّنا نعثر على فكرة نوّه بها كثيراً علماء الجمال، إذ أكّدوا تحقّق تناغم الألوان في اللّوحات البديعة التي يبتكرها الرّسّامون، حيث كانت "الأسباب الفنّيّة التي يعتمد عليها الانسجام الموسيقيّ.... تكون صحيحة كلّ الصّحّة في توافق الألوان"(11)، ولم يعسر على فلاسفة الفنّ أن يردفوا على تلك الآراء التي أفصحوا عنها، تلك الفكرة التي تؤكّد ضرورة البحث عن "العلاقات الموسيقيّة بين الألوان"(12).

إنّ النّاس الذين يدركون شغف الفنّانة خالصة هلال بمتابعة تلك الأنشطة الفنّيّة، قد يخطر في بالهم أن يستفسروا عن المسألة التي أسهب نقّاد وفلاسفة الفنّ في الحديث عنها كثيراً، وهي تحديداً مسألة تأثّر الفنّانين بالأعمال الفنّيّة التي يطّلعون عليها، وقد عنت غالبيّة النّقّاد بالبحث في تلك العلاقات التي قد تحصل بين أنواع الفنون المتنوّعة، فسعوا إلى أن يتحرّوا أيضاً عن التّأثير المتبادل، الذي قد ينشأ بين الفنّانين الذي يمارسون أنواعاً مختلفة من الأنشطة الفنّيّة، ويحفل تاريخ الفنون بقصص أولئك الفنّانين الذين كانوا يستوحون مواضيع أعمالهم الفنّية، من تلك المبتكرات الفنّيّة التي كانوا يطّلعون عليها، وكانوا يستلهمون تلك الأفكار التي يبنون عليها أعمالهم الفنّيّة، من النّتاج الذي ينجزه سائر الفنّانين، ومن يطّلع على اللّوحات الفنّيّة البديعة التي ابتكرتها الرّسّامة خالصة هلال، يدرك أنّها لم تكن تسعى إلى أن تستلهم من الأعمال الفنّيّة التي اطّلعت عليها، تلك الموضوعات الفنّيّة التي كانت تعالجها في لوحاتها الفنّيّة، فهي لم تسع إلى أن تستوحي من تلك الأعمال الفنّيّة المتنوّعة، أفكارَها العميقة التي أفصحت عنها في أعمالها الفنّيّة المبتكرة، وهيّأت الرّسّامة خالصة هلال أيضاً لسائر النّاس أن يعيشوا في ذلك العالم، الذي بنته في لوحاتها التي رسمتها، فضمّ هؤلاء الأقوام ذلك العالم الفنّي الرّحيب الفسيح، الذي بنته الرّسّامة خالصة هلال على سطوح اللّوحات الفنّيّة التي أبدعتها، وهي تعمّقت في التّعبير عن تلك الأفكار التي أفصحت عنها في أعمالها الفنّيّة، وكانت وساعة ذلك العالم الفنّيّ الذي ابتكرته، قد وصلت إلى آماد قصيّة، حيث كانت تتّسع رحابته اتّساعاً متزايداً على قدر تعمّق الرّسّامة خالصة هلال في التّعبير عن تلك المواضيع، التي عالجتها في تلك اللّوحات الفنّيّة التي أنجزتها.

1- زكريا إبراهيم، مشكلة الفنّ، مصر _ دار مصر للطّباعة (د.ت)، ص 247.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السّابق.

4- المصدر السّابق، ص 72 .

5- المصدر السّابق، ص 247.

6- المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق، ص 248.

9- مع الموسيقا، ذكريات ودراسات، فؤاد زكريا، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، ص 296.

10- إيتيان سوريو، تقابل الفنون، منشورات وزارة الثّقافة في سورية، دمشق 1993، ص 55. 

11- المصدر السّابق، ص 312.

 

12- المصدر السّابق، ص 313.