عمد النّاس إلى أن يتّبعوا السّبيل الملائم لتلبية رغائبهم التي كانت يزداد عددها، وتتنوّع أصنافها، كلّما توسّعوا في مزاولة تلك الأنشطة التي تظهر في مجرى الحياة التي يعيشونها، فأدّى انغماس أولئك الأقوام في مزاولة أعمالهم المتنوّعة، إلى أن يعظم مقدار حاجاتهم الملحّة، فلم يجدوا بدّاً من أن يتذّرعوا بالوسائل المناسبة إلى أن يسدّوا بها تلك الحاجات المستحدثة، وغدا تحقيق تلك العبارة التي استعلت ألسنة النّاس، وهي الحاجة أمّ الاختراع، يجري في تلك المساعي التي تصرّف فيها النّاس في سدّ حوائجهم، وإن كان نطاق تلك العبارة لم يتحدّد في نمط معيّن من الأنشطة التي كان يزاولها النّاس، إذ كانت تشمل كلّ تلك الحوائج التي تطلّع الأقوام إلى أن يسدّوها، وقد كان الناس ينتهجون سبل الأنشطة الصّناعيّة المتنوّعة،التي تفضي بهم إلى مجال فسيح من الفرص، التي يتاح لهم فيها أن يحقّقوا تلك الرّغائب التي تنبعث في نفوسهم، فالصّناعة "قامت في الأصل لإشباع حاجات الإنسان وما يفرضه ذلك من تطلّع لمجتمع الوفرة (زيادة الإنتاج وتقليل التّكاليف)"(1)، فسعى أولئك النّاس إلى أن يزيدوا تلك المنتجات الصّناعيّة التي يلبّوا بها حوائجهم، بينما كانوا يسمدون في أن يطوّروا تلك الأدوات التي يستخدمونها، في مزاولتهم أنشطتهم الصّناعيّة.

دأب الأقوام في أن يهيّئوا الوسائل الملائمة لمزاولتهم تلك المهن، التي اندرجت في عداد المنّاشط الصّناعيّة، حتّى أخذت تلك الآلات والأدوات التي كانوا يستخدمونها، تميّز العصور التّاريخيّة التي كانت تظهر فيها تلك الوسائل المستحدثة، التي كانت ترمز إلى أزمنة محدّدة، نسبت إلى تلك الأدوات المتطوّرة التي استخدمها النّاس في تلك العصور التي عاشوا فيها، وسأضرب مثلاً يوضّح شأن تلك المخترعات الحديثة، التي كانت تبرز في الأزمنة التّاريخيّة المتعاقبة، والمثل هو اختراع الآلة البخاريّة في القرن الثّامن عشر، الذي تحقّقت فيه الثّورة الصّناعيّة، فقد كانت تنسب سنوات تلك المرحلة الزّمنيّة إلى تلك الآلة المخترعة، فيوصف ذلك العهد، بأنّه عصر الآلة البخاريّة، وما برحت تتوالى تلك العصور التي تتابع فيها دائماً ظهور المخترعات الجديدة، وعمليّة الإنتاج الصّناعيّ الذي عمد النّاس إلى أن ينجزوها، يعنى فيها أساساً بتحويل "الخامات المعدنيّة والنّباتيّة والحيوانيّة والموادّ الاصطناعيّة إلى بضائع وطاقات ذات قيم استعماليّة تشبع حاجة للإنسان باستخدام الآلات والطّرائق الكيمياويّة المختلفة. وتكون هذه العمليّة منمّطة ومستمرّة وموحّدة في أكثر من دورة إنتاجيّة"(2)، وكانت منظّمات الأمم المتحدة عرفّت الصّناعة  industry: "بأنّها كلّ ما يسهم في تحويل المادة الخامّ إلى منتج"(3)، فيأخذ النّاس في نشاطهم الصّناعيّ في أن يتناولوا تلك الموادّ الأوليّة ويعالجوها ويحوّلوها إلى تلك المنتجات، التي يلبّون بها رغائبهم المتنوّعة المتزايدة.

توسّع الإنسان في تنفيذ تلك العمليّات الإنتاجيّة، التي طوّر فيها الطّرائق، التي كان يتّبعها في استخدام الموادّ الخامّ، إذ أفضت تلك المساعي التي بذلها الناس في تحقيق ذلك التّحكّم في معالجة الموادّ الأوّليّة، إلى أن تنشأ عمليّة إنتاجيّة تضمّنت كلّ الأعمال التي كانواينجزونها، فسواء أكان العمل الإنتاجيّ الذي يزاوله النّاس يدويّاً أم عقليّاً، فإنّ ذلك النّشاط الصّناعيّ الذي كان يتحقّق، اشتمل على كلّ الأعمال التي كان يستخدم فيها الناس الآلات، في سعيهم إلى أن يطوّروا المنتجات التي دأبوا أيضاً في أن يزيدوا كمّيّتها، فالعمل الصّناعيّ يتضمّن "جملة من العمليّات التي يقوم بها جماعة من الصّنّاع لاستخراج أو تحوير موادّ أوّليّة موجودة أو لإنتاج موادّ جديدة بهدف إشباع رغبات الإنسان مستخدمين طرقاً ووسائل متنوّعة، ضمن عمليّة إنتاجية تربط بين عناصر الإنتاج وتجمعها مكانيّاً"(4)، فبدأ يتضمّن ذلك النّشاط الصّناعيّ الذي عمد إلى أن يمارسه النّاس، تطبيق تقنيّات العلوم المتنوّعة التي استند النّاس إليها في تطويرهم ذلك النّشاط الصّناعيّ الذي كانوا يمارسونه.

اقتضى بروز تلك الطّرائق الإنتاجيّة المستحدثة، أن يتوسّع النّاس في استخدام الأدوات والوسائل التي دأبوا في أن يطوّروها أيضاً، فإذا اعتبرت الصّناعة هي محور التّصنيع، إلّا أنّها عدّت أيضاً "مفهوماً أعمّ من التّصنيع إذ تشمل النّشاطات الاستخراجيّة (النّفط، الغاز، خامات المعادن، الفحم والمياه الجوفيّة وغير ذلك) وأمّا التّصنيع فيقتصر على النّشاطات التّحويليّة دون النّشاطات الاستخراجيّة، لذلك فإنّ الدّول التي تمتلك قطاعاً ضخماً من الصّناعة الاستخراجيّة (دول الأوبيك) لا تعتبر دولاً مصنّعة لأنّها تفتقد إلى قطاع الصّناعات التّحويليّة المتطوّرة"(5)، وقد برز مفهوم التّصنيع في العصر الحديث، وهو يعني "بإيجاز عمليّة بناء المصانع على نطاق واسع بحيث يصبح النّشاط الصّناعيّ مسيطراً في بنية الاقتصاد على حساب النّشاطات الاقتصاديّة الأخرى كالزّراعة والتّجارة والخدمات والنّشاطات الاستخراجيّة"(6)، وكانت الصّناعة الاستخراجيّة تسمّى أيضاً بالصّناعة الأوّليّة، وأمّا نشاط الصّناعات التّحويليّة فكانت تسمّى بالصّناعة الثّانويّة، حيث اعتبرت الموادّ المستخرجة هي الأساس والقاعدة اللذان تقوم عليهما تلك الصّناعة التّحويليّة، إذ تسكتشف في عمليّات الصّناعة الاستخراجيّة الخامّات والموادّ الأوّليّة، التي يعمد إلى أن تستخرج لتقدّم تلك المخرجات إلى أنشطة الصّناعات التّحويليّة، فتصبح تلك المواد المستخرجة هي مدخلات تستخدم في تصنيع المنتجات والسّلع التي يستخدمها ويستهلكها النّاس.

تفرّع نشاط الصّناعات التحويلية إلى قسمين اثنين، حيث تصنع في أوّل هذين النّمطين من النّشاط الصّناعيّ، أدوات الإنتاج والطّاقة والمنتوجات الوسيطة التي تسمّى بنصف المصنّعة، بينما تنجز في القسم الثّاني من هذا العمل الصّناعيّ، منتجات وسلع الاستهلاك النّهائيّ، وقد صنّفت السّلع المصنّعة في نوعين اثنين من المنتجات، هما السّلع المصنّعة الثّقيلة والخفيفة، وكانت الفترات الزّمنيّة المختلفة التي يستغرقها النّاس في استهلاك تلك السّلع، أدّت إلى نشوء معيار إضافيّ تصنّف به أيضاً تلك المنتجات، حيث ميّز في تلك المنتجات بين سلع معمّرة وغير معمّرة، ويقصد بالمنتجات المعمّرة هي السّلع التي تستخدم في مدّة زمنيّة طويلة، بينما تكون الفترة الزّمنيّة التي تستهلك فيها السّلع غير المعمّرة قصيرة، بالقياس إلى تلك الفترة الزّمنيّة التي تستهلك فيها المنتجات الأخرى المعمّرة، وتمتاز الصّناعات التّحويليّة بخاصيّة معتبرة، إذ تنتج مقداراً كبيراً من القيمة المضافة، التي تحقّق ارتفاع المستوى الذي يبلغه الدّخل الوطنيّ، وقد أتيح في عصر الثّورة التّكنولوجيّة، للتّقنيّة الصّناعيّة أن تبلغ مرتبة عالية من الإنتاج الواسع المتطوّر، حيث كانت التّكنولوجيا الصّناعيّة تعني أساساً "التّطبيق المنهجيّ للمعارف العلميّة في المهامّ الإنتاجيّة العمليّة، وربطها بما تمخّض عنها من تثوير مستمرّ لأساليب الإنتاج وللاختراعات العلميّة التي تركت أعمق الأثر وأبعده لا على طبيعة الإنتاج والاستهلاك وحسب، بل وعلى مجمل علاقات الإنتاج"(7)، والمستوى التي تبلغه الصّناعات التّحويليّة، يظهر حقيقة ذلك الطّابع الإنتاجيّ الذي تتميّز به عمليّة التّصنيع، الذي كان فضلاً عن تلك القيمة المضافة التي يحقّقها، فإنّه كان يحفز النّاس إلى أن يستخدموا عدداً متزايداً من الأدوات التّكنولوجيّة المتطوّرة، التي تظهر المستويات العالية التي بلغتها الأنشطة المتنوّعة، التي كانت يمارسها الأقوام في أنشطتهم الصناعيّة.

دأبت شعوب دول عديدة في أن تنجز عمليّة التّصنيع المتطوّر، الذي كان يقاس بعدد من "المؤشّرات منها نسبة النّاتج الصّناعيّ إلى الناتج المحلّيّ الإجماليّ، أو نسبة العاملين في القطّاع الصّناعيّ إلى عدد العاملين في الاقتصاد بكلّ قطّاعاته أو عدد العاملين في المجتمع"(8)، ويعني مفهوم التّصنيع Industrialisation  عمليّة تكثيف "الإنتاج بوساطة المكائن، وتجميع العمّال المنتجين في المصانع التي رافقت نشوء الثّورة الصّناعيّة"(9)، وغالباً ما كانت تدأب شعوب الدّول، التي تسلك منهج التّنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة، في أن تعوّل على تحقّق عمليّة التّصنيع المتطوّرة، لأنّ التّصنيع "أصبح المدخل لزيادة الثّروة القوميّة والرّفاه الاجتماعيّ"(10)، فيتحقّق في عمليّة التّصنيع المنجزة، رفع مستوى جودة المنتوجات الصّناعيّة،وقد أخذ النّاس في العديد من دول هذا العالم، يهيّـؤون تلك الرّكائز التي تقوم عليها عمليّة التّصنيع، كي تتحقّق تلك المنافع التي تعود عليهم، من مزاولتهم عمليّة ذلك النّشاط الصّناعيّ الإنتاجيّ.

1- موقع العلوم الإداريّة والاقتصاديّة.

2- الموسوعة العربيّة، المجلّد السّادس.

3- المصدر السّابق.

4- موقع العلوم الإداريّة والاقتصاديّة.

5- الموسوعة العربيّة، المجلّد السّادس.

6- المصدر السّابق.

7- موسوعة السّياسة.

8- الموسوعة العربيّة، المجلّد السّادس.

9- موقع العلوم الإداريّة والاقتصاديّة.

         10- المصدر السّابق.



توفّرت في العديد من دول هذا العالم الموارد المتنوّعة الغزيرة، التي لم يتمكّن أفراد شعوب تلك البلدان، من أن يستغلّوها في مشاريع اقتصاديّة ناجحة، تعود عليهم بمنافع جمّة، إذ لم يستطع أولئك النّاس التي كانوا يستحوذون على الثّروات الوفيرة المختلفة، أن يستثمروا تلك الموارد في أنشطة إنتاجيّة، تدرّ عليهم أخلاف الرّزق، وكانت توصف تلك البلدان التي تعجز شعوبها عن أن تستثمر الموارد التي كانت ملكة أيمانهم، بأنّها أقطار متخلّفة، ويستدلّ أيضاً على وجود معالم التّخلّف في بلدان شتّى في هذا العالم، بدلائل أخرى متنوّعة، حرص الباحثون على أن يحدّدوها بدقّة، حيث كانت تجبه شعوب تلك الأقطار، عوائق عديدة اعترضت دون أن يمضي هؤلاء النّاس على تحقيق التّطوّر الاقتصاديّ المنشود في بلدانهم، التي وصفت بأنّها متخلّفة، وقد كانت تلك الأقطار تسمّى أيضاً بالدّول النّامية، التي لم يكن يعسر على أفراد الشّعوب فيها، أن يحدّدوا علل ذلك التّخلّف الذي وقعت فيه بلدانهم، وقد استطاع هؤلاء النّاس أيضاً أن يقفوا على أسباب تعثّرهم في تحقيق ذلك التّطوّر في مزاولة النّشاط الاقتصاديّ، وقد حدّدت معنى عبارة الدّول النّامية Underdeveloped Countires، إذ ذكر أنّ تلك الدّول "تسمّى كذلك من باب المجاملة الدّوليّة ولكنّ المصطلح يشير إلى أنّها الدّول المتخلّفة، وهي الدّول التي يقلّ فيها التّطوّر الصّناعيّ والزّراعيّ والتّعليميّ ومستوى المعيشة والدّيمقراطيّة لأقصى حدّ، وهي الدّول التي تعتمد على الاستيراد من الخارج لتأمين معيشتها والوفاء باحتياجاتها، وتحتاج لنهضة صناعيّة وحضاريّة وتعليميّة لكي تصل لمستوى معقول من الحضارة وتوجد مؤشّرات على أنّ 65% من الدّول في عالم اليوم هي دول نامية."(1).

تعدّدت الدّلائل التي يستهدى بها إلى الوقوف على مظاهر التّخلّف في البلدان النّامية، التي كانت تفتقد تلك الأنشطة الإنتاجيّة الصّناعيّة المتطوّرة، وبخاصّة أنشطة الصّناعات التّحويليّة، وكانت شعوب تلك الأقطار النّامية، لا تمضي على أن تتوسّع في استخدام الأدوات والأجهزة التّكنولوجيّة المتطوّرة، في مزاولة الأنشطة الصّناعيّة والزّراعيّة والخدميّة، إذ لا يتمكّن الأفراد الذين يرغبون في تطوير المنتجات الصّناعيّة التي يقدّمونها إلى المستهلكين، من أن يستغنوا عن استخدام الوسائل التّكنولوجيّة المتطوّرة في تلك الأنشطة الصّناعيّة التي يزاولونها، ويقلّ في تلك الدّول النّامية مستوى الدّخل الفرديّ، ويستتبع استشراء تلك الحالة من قلّة نصيب الفرد من الدّخل، تردّي وانخفاض مستوى معيشة النّاس، وتتّسع أيضاً في تلك البلدان الفجوة بين الفقراء والأغنياء، وقد أحاط النّاس في تلك الدّول بعوامل نشوء حالة ذلك التّخلّف في بلدانهم النّامية، فسعوا إلى أن يطوّروا عمليّة التّصنيع الذي اعتبر أنّه "أساس عمليّة التّنمية الاقتصاديّة"(2)، وقد ذهب عدد من الباحثين الاقتصاديّين إلى أن يعتقد أنّ "تطوير وسائل الإنتاج، ولاسيّما صناعة الآلات والمكائن، هو جوهر التّصنيع"(3)، وإذا كان برز مصطلح التّنمية الاقتصاديّة في نطاق المفاهيم الاقتصاديّة، فإنّ تنوّع تلك الأنشطة الإنتاجيّة الصّناعيّة المنجزة، اقتضى التّمييز بينالنّمو الاقتصاديّ economic growth، والتّنمية الاقتصاديّة economic development، إذ كان هذان المصطلحان "بالرّغم من كونهما مترادفين يستخدمان للدّلالة على معنى محدّد في بعض الأحيان، وكلاهما يتضمّن تغييراً في الظّاهرة نحو الأفضل، لكنّ ثمّة فارق من جهة، وثمّة تشابه بينهما من جهة أخرى، ويطلق بعض الاقتصاديّين تسمية النّمو الاقتصاديّ على تحليل تطوّر الاقتصادات في الدّول المتقدّمة، أمّا التّنمية الاقتصادية فهي متعلّقة باقتصادات الدّول النّامية"(4)، وقد أتاحت عمليّة ذلك التّمييز الذي أجريت، الإحاطة بتلك المراحل المختلفة التي تبلغها دول العالم في مضيّها في نهج التّطوّر في إنتاجها الصّناعيّ الذي تنجزه.

لم يكن يتعذّر على من يطالع هذين المصطلحين اللذين ذكرتهما آنفاً، أن يتبيّن تلك الفوارق التي ميّزت بينهما، حيث كان "يمكن التّمييز بين التّنمية الاقتصاديّة والنّمو الاقتصاديّ من خلال افتراض أنّ للتّنمية الاقتصاديّة متطلّبات واسعة المدى وصعبة التّحقيق، في حين أنّ عمليّة النّمو الاقتصاديّ هي عمليّة ذات مدى أضيق وأسهل في التّحقيق"(5)، وإذا تيسّر الوقوف على تلك الفوارق التي تميّز بين هاتين العمليّتين الجاريتين في ميدان النّشاط الاقتصاديّ، فإنّه بات يتسنّى التّمييز بيسر بين "نمو اقتصاديّ ترادفه تنمية اقتصاديّة وبين نمو بلا تنمية growth without development"(6)، وقد كانت تتّسم كلّ من هاتين الحالتين من النّشاط الاقتصاديّ، بخصائص تتميّز بها عن العمليّة الاقتصاديّة الأخرى، إذ كان "النّمو الاقتصاديّ لا يطلق عليه حكم الزّيادة إلّا إذا تحقّق فيه شرط الاستمرار، كأن نستثني مثلاً إعانة حكوميّة ما مقدّمة لدولة فقيرة من حسابات النُّمو، ففي تلك المدّة يكون هناك زيادة في الدّخل الكلّيّ، ولكنّها مؤقتة"(7)، وإذا كان يشترط أن تدوم تلك الزّيادة في الدّخل فترة مديدة، كي يتثبّت نشوء ذلك النّمو الاقتصاديّ، فإنّ تحقّق ذلك الشّرط أدّى أيضاً إلى حدوث ثمار عديدة، لم ينفرد النّشاط الاقتصاديّ بأن يستأثر بها، فإذا تحقّقت "قدرة الاقتصاد في زيادة إنتاج سلع وخدمات ذات صفة استمراريّة، يرى بعضهم أنّ ظاهرة الزيادة المستمرّة في النّاتج لا بدّ وأن تصاحبها مجموعة من التّغييرات النّوعيّة والكمّيّة في البنى المختلفة للاقتصاد والمجتمع"(8)، وقد أثبت أيضاً الاقتصاديّ الأمريكيّ كوزنتس Kuznets رجحان تلك الأفكار، التي سيقت في الحديث عن تلك الثّمار التي تتمخّض بها عمليّة النّمو الاقتصاديّ، الذي رأى أنّه "عمليّة تضمّن إحداث زيادة مستمرّة في إنتاج الثّروات المادّيّة"(9).

إنّ تلك الزّيادة المستمرّة في إنتاج تلك الثّمار، التي تتمخّض بها عمليّة النُّمو الاقتصاديّ، لم تكن لتنجز لو لم يتحقّق التّركيز "على التّغيير في الكم الذي يحصل عليه الفرد من السّلع والخدمات في المتوسّط، دون أن يهتمّ بهيكل توزيع الدّخل الحقيقيّ بين الأفراد، أو بنوعيّة السّلع والخدمات المقدّمة"(10)، وقد اتّضح ذلك الأمد الذي رؤي أنّه يجب أن يستمرّ فيه تحقّق ذلك النّمــو الاقتصاديّ، الذي عدّ أنّه "عبارة عن عمليّة يتمّ فيها زيادة الدّخل الحقيقيّ زيادة تراكميّة وسريعة ومستمرّة عبر فترة ممتدّة من الزّمن (ربع قرن)، بحيث تكون هذه الزّيادة أكبر من معدّل نمو السّكّان مع توفير الخدمات الإنتاجيّة والاجتماعيّة وحماية الموارد المتجدّدة من التّلوّث والحفاظ عليها، وتوفير أسباب حمايتها من الفناء والتّلـف"(11)، وإذا حدّدت تلك الخصائص التي تتّسم بها حالة ذلك النّمو الاقتصاديّ، فإنّ تلك التّنميّة الاقتصاديّة التي اعتقد أنّها تتميّز عن عمليّة ذلك النّمو، عبّر تحقّقها عن "تغيير هيكليّ في توزيع الدّخل والإنتاج، وتهتمّ بنوعيّة السّلع والخدمات المقدّمة للأفراد، أي إنّها لا ترتكز على الكم فقط، بل تتعداه إلى النّوع، وبصفة عامّة تعرّف التّنمية بأنّها العمليّة التي تسمح أو يتمّ من خلالها زيادة في الإنتاج"(12)، فعمليّة التّنمية الاقتصاديّة تضمّنت "تحقيق معدّل نمو مرتفع لمتوسّط دخل الفـرد الحقيقيّ خلال فترة ممتدّة من الزّمن 3 عقود مثلاً على ألا يصاحب ذلك تدهور في توزيع الدّخل أو زيادة في مستوى الفقر في المجتمع"(13).

تحدّدت في الأبحاث الاقتصاديّة المنجزة، مستوى الزّيادة في الدّخل القوميّ التي يقتضي أن تتحقّق كي تدوم حالة تلك التّنمية الاقتصاديّة، التي اعتقد أنّها تعني قدرة الاقتصاد القوميّ "على توليد واستدامة الزّيادة السّنويّة في النّاتج القوميّ الإجماليّبنسبة تتراوح بين 5% إلى 7%  أو أكثر، وبمعدّل نمو نصيب الفرد من الدّخل أو النّاتـج المحـلّيّ الإجماليّ، إضافة إلى قدرة الـــدّولة علـى توسيع إنتاجها بمعـدّلات أسرع من معدّل النّموّ السّكانيّ كمؤشّر على التّنمية، وهذه العمليّة التّنمويّة تنطوي على تغيير مخطّط لبنية الإنتاج والعمالة، تنخفـــض معــــه مساهمـة الزّراعة كقطّاع تقليديّ، بينما تزداد فيه مساهمة الصّناعة وقطّاع الخدمات، وبالتّالي تُركِّز التنمية الاقتصـادية بهذا المفهوم على عمليّة تسريع التّصنيع، وأحياناً تستخدم مؤشّرات غير اقتصاديّة بدرجة ثانويّة؛ لتوظيف منافع عمليّة التّنمية الاقتصاديّة كمعدّل تعليم الكبار وتحسين الخــدمات الصّحّيّة والإسكـان"(14)، فيقتضي نشوء تلك التّنمية الاقتصاديّة، أن ترتفع مستوى مساهمة النّشاط الصّناعيّ في تحقيق زيادة النّاتج المحلّيّ الإجماليّ، وأن يتوفّر للنّاس اتّساع مجال تلك الفرص التي يتمكّنون فيها من تحقيق رغائبهم المتزايدة، وبلوغ أهدافهم التي يتطلّعون إليها، وأن ينعموا بتلك المكاسب التي يشاركون في أن يحقّقوها في تلك الأنشطة المتنوّعة التي يزاولونها.

1- إسماعيل عبد الفتّاح عبد الكافي، الموسوعة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، ص 239، لم يذكر تاريخ النّشر، ولكنّ ذكر تاريخ الانتهاء من إعداد تلك الموسوعة فكان في مارس، 2005.

2- الموسوعة العربيّة، المجلد السّابع، ص 40.

3- المصدر السّابق.

4-الموسوعة العربيّة، المجلّد الحادي والعشرون، ص70.

5- المصدر السّابق.

6- المصدر السّابق.

7- موقع الموسوعة الاقتصاديّة.

8- الموسوعة العربيّة، المجلّد الحادي والعشرون، ص70.

9- المصدر السّابق.

10- موقع الموسوعة الاقتصاديّة.

11- المصدر السّابق.

12- المصدر السّابق.

13- المصدر السّابق.

 

14- المصدر السّابق.



يحشد النّاس طاقاتهم التي يمتلكونها لإنجاز العديد من مهامّهم وأعمالهم المتنوّعة، فيعوّلون على الاستناد إلى القدرات النّفسيّة التي يحوزونها، ليتيسّر لهم مزاولة أنشطتهم، ويندرج في عداد تلك القدرات التي تشتمل عليها نفوسهم، تمكّن أولئك النّاس من تذكر الأحداث والخبرات التي يستخلصونها من الوقائع التي يمرّون بها، فإن افتقدوا تلك الذّاكرة، فلا ريب في أنّ انتظام مجرى حياة أولئك الأقوام يختلّ آنئذ، فيتعذّر على الإنسان ويشقّ عليه أن يعيش معيشة سويّة قويمة من دون ذاكرة، يعتمد عليها في تناوله تلك المسائل التي تظهر في مجرى حياته، وإن كان شبّه الأرشيف عند المجتمعات، بتلك الذّاكرة التي يمتلكها الأشخاص، فإنّ تلك الحالة التي تنطبق على أوضاع النّاس الذين يعيشون من دون تلك الذّاكرة، تماثل أيضاً أحوال المجتمعات والمؤسّسات والهيئات التي تفتقد ذلك الأرشيف، فيختلّ انتظام مجرى تلك الأنشطة التي تزاول في تلك المؤسّسات والهيئات، إن كانت تفتقد الأجهزة الإداريّة فيها، الموادّ الأرشيفيّة، التي تعدّ ركناً أساسيّاً تقوم عليه تلك الأعمال والمهامّ، التي تتصدّى تلك المؤسّسات لأن تؤدّيها.

تحفظ الوثائق الأرشيفيّة تلك الخبرات المتراكمة عند الأجيال المتعاقبة، وتكتنز المعلومات التي يتناقلها هؤلاء الأشخاص، الذين يتبع بعضهم بعضاً في مجرى هذه الحياة، ويصون الأرشيف تلك القواعد والرّكائز، التي تستند إليها الأنشطة العديدة التي يمارسها الأفراد في المجتمع، والوثائق الأرشيفيّة، هي المظانّ الأمينة، والمراجع المحكمة، التي يعتمد عليها الباحثون والدّارسون في إنجازهم تلك الأبحاث التي تندرج في ميادين العلوم المتنوّعة، فلا محالة من أن تتعثّر مسيرة تلك الأنشطة التي تجري في المجتمعات، إذا غاب عن ميدان تلك المناشط الوثائق الأرشيفيّة، التي تشتمل أيضاً على معالم تلك الأركان الأساسيّة، التي يقوم عليها تراث الأقوام في بلدان العالم، الذي تدأب فيه الجماعات البشريّة، في أن تتعهّد تراثها بعنايتها البالغة، فطالما كان التّراث المشترك عند الأفراد الذين يعمدون إلى الانضواء إلى مجتمع يضمّهم معاً، هو أحد الوشائج المحكمة التي تربطهم ببعضهم البعض، فليس في وسع الشّعوب أن تستغني عن تلك الموادّ الأرشيفيّة، التي يتوجّب على أفراد تلك الشّعوب أن يصونوها ويحافظوا عليها.

تمخّضت الأنشطة التي زاولها النّاس في المدن العربيّة خلال العصور التّاريخيّة القديمة المتعاقبة، عن وثائق كثيرة الأصناف وكبيرة العدد، وإذا استعرضنا أحوال تلك الوثائق والمصير الذي آلت إليه، فلا نكاد نمضي في مسارب تلك العهود الماضية في الزّمن الغابر، حتّى تطالعنا تلك الأحداث التي تؤكّد نزول الأضرار الفادحة بالوثائق العربيّة، إذ كانت البلدان العربيّة عرضة لجحافل الغزاة وكراديس العدى، الذين عمدوا إلى أن ينالوا من معالم الحضارة التي كانت بارزة في المدن العربيّة، وإن اقتصر بحثنا حاليّاً على النّظر في المآل الذي انتهت إليه الوثائق العربيّة في تلك العصور التّاريخيّة القديمة، فإنّ الوثائق التي لم يدرك قيمتها العالية أولئك الغزاة، كان مصيرها التّلف والخراب، حيث عمد هؤلاء الغزاة ذاتهم إلى أن يطيحوا مدمّرين تلك الوثائق، بينما كان مآل سائر الوثائق التي تنبّه الغزاة إلى تلك القيمة الرّفيعة التي تمتاز بها، هو التّعرّض للنّهب والسّرقة، وفي كلتا الحالتين اللتين تحدّثت عنهما، كانت المجتمعات العربيّة تمنى بضياع وفقدان تلك الوثائق الهامّة، ومن يستعرض أنواع الوثائق العربيّة الموجودة خارج الوطن العربيّ، تجبهه مفارقة أليمة، إذ تمتلئ مكتبات ومتاحف العالم بالمقتنيات التي نهبت من المدن العربيّة، خلال تلك العصور السّحيقة الماضية، ويتّضح البون الشّاسع بين كمّيّة الوثائق التي ما زالت موجودة في البلدان العربّية، وتلك الوثائق التي استولت عليها تلك الجحافل الغازية، ونقلتها إلى تلك البلدان التي قدمت منها، حيث يبلغ أعداد تلك الوثائق المنهوبة والمقتنيات المسلوبة الموجودة خارج الوطن العربيّ، مقداراً كبيراً.

ما برح النّاس في البلاد العربيّة يستشعرون بالأسى، لحلول المضارّ والمصائب القاسية بتلك الوثائق العربيّة خلال مراحل التّاريخ الماضية المتتالية، ومن يتأمّل في تلك الأضرار التي أصابت تلك الوثائق، فكان يظنّ أنّه على مقدار فداحة تلك النّكبات التي حاقت بتلك الوثائق، كان يحتّم أن ينشأ عند الأجيال المتتالية في المجتمعات العربيّة، وعي وإدراك كبيران بأهمّيّة تلك الوثائق التي تنجم عن تلك الأنشطة التي تمارس في المجتمعات، وعلى قدر شدّة تلك المخاطر، التي ما برحت تحيط بتلك الموادّ الأرشيفيّة في المجتمعات العربيّة منذ الأزمنة الغابرة، كان يفترض أيضاً أن تكون الهمم عند النّاس عالية، بصيانة تلك الوثائق التي أتيح للمجتمعات العربيّة أن تحتفظ بها، إذ كان يتوّجب أن يصمّم هؤلاء الأقوام على أن يكلؤوا تلك الوثائق، متّبعين الطّرائق التي تنصّ عليها قواعد الأرشفة القويمة، وإذا كانت النّتيجة التي كان يؤمل أن يفضي إليها الحديث عن تلك المضارّ، التي حلّت بالوثائق الأرشيفيّة العربيّة، هو نمو الوعي بأهمّيّة صيانة وحفظ الوثائق الموجودة في المدن العربّية، إلّا أنّ تلك النّتيجة التي كان يرجى أن تتحقّق، تكاد أن تكون غائبة في ذلك الميدان الذي توجد فيه تلك الموادّ الأرشيفيّة، التي لم يتوفّر لها أسباب العناية، إذ كانت عرضة للإهمال، على الرّغم من أنّها كانت تتّسم تلك الوثائق بمزايا عديدة، وإن كان دلّ على غياب ذلك الوعي عند النّاس بأهمّيّة الأعمال الأرشيفيّة، ذلك التّقصير في إنجاز الأعمال والمساعي، التي كان يتوجّب أن تتحقّق في ميدان الأرشفة، فإنّه يدلّ أيضاً على افتقاد أولئك الأقوام ذلك الوعي، النّقصُ الشّديدُ في أعداد الدّراسات والأبحاث النّظريّة، التي تنضوي إلى المؤلّفات التي تعرض القواعد التي يقوم عليها علم الأرشفة.

غابت عن مجموعة المؤلّفات التي عرضت على النّاس في المدن العربيّة، تلك الكتب المخصّصة لتوضيح الأنشطة التي تندرج في ميدان العمل الأرشيفيّ، وقد ظلّ ذلك الغياب مستمرّاً إلى وقت قريب، وتحديداً حتّى عام 1986، إذ نشرت الباحثة سلوى عليّ ميلاد في ذلك العام، كتابها الذي تحدثت فيه عن علم الأرشيف، ومسائله المتنوّعة، وهي كانت مهّدت لتقديم كتابها، في الحديث عنه في مقدّمة ذلك المؤلّف الذي وضعته، حيث قالت: "لعلّ من أهمّ أسباب إصدار هذا الكتاب، هو رغبتي في سدّ العجز الموجود في المكتبة العربيّة في موضوع الأرشيف؛ فلا يوجد كتاب واحد باللّغة العربيّة في علم الأرشيف. فرأيت أن أجمع قراءاتي من الكتب الأوروبيّة عن ماهيّة الأرشيف وإدارته لإخراج هذا الكتاب جامعاً مانعاً بحيث يحتوي على كلّ ما يخصّ الأرشيف، وحرصت جاهدة على أن لا يترك جزءاً في فروع الأرشيف الهامّة لا يتناوله. حتّى يكون أوّل الكتب العربيّة وفاتحة خير في هذه المادّة، وحتّى يكون عوناً في طرق التّنظيم خاصّة وأنّ الدّولة تحرص في الوقت الحاليّ على رفع أداء الأرشيف وتحسين كفاءته فيكون الكتاب مطابقاً لمقتضى الحال والمتطلّبات العصريّة"(1)، وأعتقد أنّ الكلام الذي أفصحت عنه تلك الباحثة في مستهلّ كتابها، يظهر حاجة النّاس الملحّة في المجتمعات العربيّة، إلى إدراك المسائل العديدة التي تندرج في مجال علم الأرشفة، ولا ريبّ في أنّ توضيح تلك المبادئ التي تقوم عليها عمليّة الأرشفة، تمهّد السّبيل لأن ينمو عند الأفراد الوعي بأهمّيّة تحقيق عمليّة حفظ وصيانة الوثائق، لأنّ يتوجّب أن يستتبع إدراك النّاس الخصائص الهامّة التي تتّسم بها الوثيقة، أن يحيطوا بتلك الطّرق التي تصان بها تلك الموادّ الأرشيفيّة، كي لا تتعرّض للتّلف الذي يفضي إلى ضياع وفقدان تلك الوثائق، التي بات وجودها يحقّق انتظام مجرى تلك الأنشطة التي يزاولها النّاس، فعمليّة الأرشفة تحلّ بمكانة عالية بين تلك المهامّ العديدة، التي تحرص الشّعوب على أن تنجزها بكفاءة عالية.

 

1- سلوى عليّ ميلاد، الأرشيف ماهيّته وإداراته، دار الثّقافة للنّشر والتّوزيع، القاهرة، 1986، ص. ح.



يحشد النّاس طاقاتهم التي يمتلكونها لإنجاز العديد من مهامّهم وأعمالهم المتنوّعة، فيعوّلون على الاستناد إلى القدرات النّفسيّة التي يحوزونها، ليتيسّر لهم مزاولة أنشطتهم، ويندرج في عداد تلك القدرات التي تشتمل عليها نفوسهم، تمكّن أولئك النّاس من تذكر الأحداث والخبرات التي يستخلصونها من الوقائع التي يمرّون بها، فإن افتقدوا تلك الذّاكرة، فلا ريب في أنّ انتظام مجرى حياة أولئك الأقوام يختلّ آنئذ، فيتعذّر على الإنسان ويشقّ عليه أن يعيش معيشة سويّة قويمة من دون ذاكرة، يعتمد عليها في تناوله تلك المسائل التي تظهر في مجرى حياته، وإن كان شبّه الأرشيف عند المجتمعات، بتلك الذّاكرة التي يمتلكها الأشخاص، فإنّ تلك الحالة التي تنطبق على أوضاع النّاس الذين يعيشون من دون تلك الذّاكرة، تماثل أيضاً أحوال المجتمعات والمؤسّسات والهيئات التي تفتقد ذلك الأرشيف، فيختلّ انتظام مجرى تلك الأنشطة التي تزاول في تلك المؤسّسات والهيئات، إن كانت تفتقد الأجهزة الإداريّة فيها، الموادّ الأرشيفيّة، التي تعدّ ركناً أساسيّاً تقوم عليه تلك الأعمال والمهامّ، التي تتصدّى تلك المؤسّسات لأن تؤدّيها.

تحفظ الوثائق الأرشيفيّة تلك الخبرات المتراكمة عند الأجيال المتعاقبة، وتكتنز المعلومات التي يتناقلها هؤلاء الأشخاص، الذين يتبع بعضهم بعضاً في مجرى هذه الحياة، ويصون الأرشيف تلك القواعد والرّكائز، التي تستند إليها الأنشطة العديدة التي يمارسها الأفراد في المجتمع، والوثائق الأرشيفيّة، هي المظانّ الأمينة، والمراجع المحكمة، التي يعتمد عليها الباحثون والدّارسون في إنجازهم تلك الأبحاث التي تندرج في ميادين العلوم المتنوّعة، فلا محالة من أن تتعثّر مسيرة تلك الأنشطة التي تجري في المجتمعات، إذا غاب عن ميدان تلك المناشط الوثائق الأرشيفيّة، التي تشتمل أيضاً على معالم تلك الأركان الأساسيّة، التي يقوم عليها تراث الأقوام في بلدان العالم، الذي تدأب فيه الجماعات البشريّة، في أن تتعهّد تراثها بعنايتها البالغة، فطالما كان التّراث المشترك عند الأفراد الذين يعمدون إلى الانضواء إلى مجتمع يضمّهم معاً، هو أحد الوشائج المحكمة التي تربطهم ببعضهم البعض، فليس في وسع الشّعوب أن تستغني عن تلك الموادّ الأرشيفيّة، التي يتوجّب على أفراد تلك الشّعوب أن يصونوها ويحافظوا عليها.

تمخّضت الأنشطة التي زاولها النّاس في المدن العربيّة خلال العصور التّاريخيّة القديمة المتعاقبة، عن وثائق كثيرة الأصناف وكبيرة العدد، وإذا استعرضنا أحوال تلك الوثائق والمصير الذي آلت إليه، فلا نكاد نمضي في مسارب تلك العهود الماضية في الزّمن الغابر، حتّى تطالعنا تلك الأحداث التي تؤكّد نزول الأضرار الفادحة بالوثائق العربيّة، إذ كانت البلدان العربيّة عرضة لجحافل الغزاة وكراديس العدى، الذين عمدوا إلى أن ينالوا من معالم الحضارة التي كانت بارزة في المدن العربيّة، وإن اقتصر بحثنا حاليّاً على النّظر في المآل الذي انتهت إليه الوثائق العربيّة في تلك العصور التّاريخيّة القديمة، فإنّ الوثائق التي لم يدرك قيمتها العالية أولئك الغزاة، كان مصيرها التّلف والخراب، حيث عمد هؤلاء الغزاة ذاتهم إلى أن يطيحوا مدمّرين تلك الوثائق، بينما كان مآل سائر الوثائق التي تنبّه الغزاة إلى تلك القيمة الرّفيعة التي تمتاز بها، هو التّعرّض للنّهب والسّرقة، وفي كلتا الحالتين اللتين تحدّثت عنهما، كانت المجتمعات العربيّة تمنى بضياع وفقدان تلك الوثائق الهامّة، ومن يستعرض أنواع الوثائق العربيّة الموجودة خارج الوطن العربيّ، تجبهه مفارقة أليمة، إذ تمتلئ مكتبات ومتاحف العالم بالمقتنيات التي نهبت من المدن العربيّة، خلال تلك العصور السّحيقة الماضية، ويتّضح البون الشّاسع بين كمّيّة الوثائق التي ما زالت موجودة في البلدان العربّية، وتلك الوثائق التي استولت عليها تلك الجحافل الغازية، ونقلتها إلى تلك البلدان التي قدمت منها، حيث يبلغ أعداد تلك الوثائق المنهوبة والمقتنيات المسلوبة الموجودة خارج الوطن العربيّ، مقداراً كبيراً.

ما برح النّاس في البلاد العربيّة يستشعرون بالأسى، لحلول المضارّ والمصائب القاسية بتلك الوثائق العربيّة خلال مراحل التّاريخ الماضية المتتالية، ومن يتأمّل في تلك الأضرار التي أصابت تلك الوثائق، فكان يظنّ أنّه على مقدار فداحة تلك النّكبات التي حاقت بتلك الوثائق، كان يحتّم أن ينشأ عند الأجيال المتتالية في المجتمعات العربيّة، وعي وإدراك كبيران بأهمّيّة تلك الوثائق التي تنجم عن تلك الأنشطة التي تمارس في المجتمعات، وعلى قدر شدّة تلك المخاطر، التي ما برحت تحيط بتلك الموادّ الأرشيفيّة في المجتمعات العربيّة منذ الأزمنة الغابرة، كان يفترض أيضاً أن تكون الهمم عند النّاس عالية، بصيانة تلك الوثائق التي أتيح للمجتمعات العربيّة أن تحتفظ بها، إذ كان يتوّجب أن يصمّم هؤلاء الأقوام على أن يكلؤوا تلك الوثائق، متّبعين الطّرائق التي تنصّ عليها قواعد الأرشفة القويمة، وإذا كانت النّتيجة التي كان يؤمل أن يفضي إليها الحديث عن تلك المضارّ، التي حلّت بالوثائق الأرشيفيّة العربيّة، هو نمو الوعي بأهمّيّة صيانة وحفظ الوثائق الموجودة في المدن العربّية، إلّا أنّ تلك النّتيجة التي كان يرجى أن تتحقّق، تكاد أن تكون غائبة في ذلك الميدان الذي توجد فيه تلك الموادّ الأرشيفيّة، التي لم يتوفّر لها أسباب العناية، إذ كانت عرضة للإهمال، على الرّغم من أنّها كانت تتّسم تلك الوثائق بمزايا عديدة، وإن كان دلّ على غياب ذلك الوعي عند النّاس بأهمّيّة الأعمال الأرشيفيّة، ذلك التّقصير في إنجاز الأعمال والمساعي، التي كان يتوجّب أن تتحقّق في ميدان الأرشفة، فإنّه يدلّ أيضاً على افتقاد أولئك الأقوام ذلك الوعي، النّقصُ الشّديدُ في أعداد الدّراسات والأبحاث النّظريّة، التي تنضوي إلى المؤلّفات التي تعرض القواعد التي يقوم عليها علم الأرشفة.

غابت عن مجموعة المؤلّفات التي عرضت على النّاس في المدن العربيّة، تلك الكتب المخصّصة لتوضيح الأنشطة التي تندرج في ميدان العمل الأرشيفيّ، وقد ظلّ ذلك الغياب مستمرّاً إلى وقت قريب، وتحديداً حتّى عام 1986، إذ نشرت الباحثة سلوى عليّ ميلاد في ذلك العام، كتابها الذي تحدثت فيه عن علم الأرشيف، ومسائله المتنوّعة، وهي كانت مهّدت لتقديم كتابها، في الحديث عنه في مقدّمة ذلك المؤلّف الذي وضعته، حيث قالت: "لعلّ من أهمّ أسباب إصدار هذا الكتاب، هو رغبتي في سدّ العجز الموجود في المكتبة العربيّة في موضوع الأرشيف؛ فلا يوجد كتاب واحد باللّغة العربيّة في علم الأرشيف. فرأيت أن أجمع قراءاتي من الكتب الأوروبيّة عن ماهيّة الأرشيف وإدارته لإخراج هذا الكتاب جامعاً مانعاً بحيث يحتوي على كلّ ما يخصّ الأرشيف، وحرصت جاهدة على أن لا يترك جزءاً في فروع الأرشيف الهامّة لا يتناوله. حتّى يكون أوّل الكتب العربيّة وفاتحة خير في هذه المادّة، وحتّى يكون عوناً في طرق التّنظيم خاصّة وأنّ الدّولة تحرص في الوقت الحاليّ على رفع أداء الأرشيف وتحسين كفاءته فيكون الكتاب مطابقاً لمقتضى الحال والمتطلّبات العصريّة"(1)، وأعتقد أنّ الكلام الذي أفصحت عنه تلك الباحثة في مستهلّ كتابها، يظهر حاجة النّاس الملحّة في المجتمعات العربيّة، إلى إدراك المسائل العديدة التي تندرج في مجال علم الأرشفة، ولا ريبّ في أنّ توضيح تلك المبادئ التي تقوم عليها عمليّة الأرشفة، تمهّد السّبيل لأن ينمو عند الأفراد الوعي بأهمّيّة تحقيق عمليّة حفظ وصيانة الوثائق، لأنّ يتوجّب أن يستتبع إدراك النّاس الخصائص الهامّة التي تتّسم بها الوثيقة، أن يحيطوا بتلك الطّرق التي تصان بها تلك الموادّ الأرشيفيّة، كي لا تتعرّض للتّلف الذي يفضي إلى ضياع وفقدان تلك الوثائق، التي بات وجودها يحقّق انتظام مجرى تلك الأنشطة التي يزاولها النّاس، فعمليّة الأرشفة تحلّ بمكانة عالية بين تلك المهامّ العديدة، التي تحرص الشّعوب على أن تنجزها بكفاءة عالية.

 

1- سلوى عليّ ميلاد، الأرشيف ماهيّته وإداراته، دار الثّقافة للنّشر والتّوزيع، القاهرة، 1986، ص. ح.



يسعى الإنسان دائباً في أن يستخلص الخبرات، من مجموع تلك الأحداث التي تبرز في مجرى الحياة، التي كان يحرص أيضاً على أن يزيد فيها تجاربه، كي يتأتّى له أن يدّخر في نفسه حصيلة كبيرة، من العبر الثّرّة والخبرات الوفيرة التي يتّخذها أهبة عتيدة، لمواصلة خوضه في معترك هذه الحياة، فإن لم يستهد بتلك الخبرات التي تنطوي عليها نفسه، فلا مناص من أن يخبط في عمياء، في سعيه إلى أن يوفّر لنفسه دواعي الطّمأنينة والاستقرار في معيشته، ولا يتأتّى له أن يستحضر في فكره تلك الخبرات التي يدّخرها، لولا استطاعته أن يتذكّر حصيلة تلك التّجارب التي جهد في أن ينمّيها، فالحياة "متعذّرة لولا الذّاكرة. فالاعتياد، والعادة، والتّعلّم، والتّربية، ترتكز عليها. ولكلّ موجود حيّ، حتّى الوحيدات الخليّة، ذاكرة"(1)، ولولا فعاليّة عمليّة التّذكّر التي تجري في نفسه، لما تمكّن ذلك الإنسان من أن يستحضر تلك الخبرات، التي كان يستند إليها، ليهيّئ نفسه للانطلاق إلى أن يعيش الحياة المستقرّة في تلك الأيام القادمة، التي سيمرّ بها، فالذّاكرة هي عمليّة "الاحتفاظ بمعلومات الماضي مع القدرة على تذكّرها أو استخدامها"(2)، وقد تعدّدت التّعاريف التي وضعت في تحديد حقيقة الذّاكرة، إذ "لم يكن يوجد تعريف وحيد للذّاكرة، يمكنه أن يمثّل وجهات النّظر المختلفة حول هذه العمليّة النّفسيّة المعقّدة"(3)، وعلى الرّغم من تلك العوائق التي تحول دون أن يوضع تعريف يتضمّن كلمات جامعة مانعة، يحدّد بها معنى الذّاكرة، إلّا أنّ عدّة علماء اجتهدوا في أن يدلوا بدلوهم في توضيح كنه الذّاكرة، التي ورد في أحد التّعاريف أنّها "القدرة على التّمثّل الانتقائيّ selectievely represent.... للمعلومات التي تميّز بشكل فريد خبرة معيّنة، والاحتفاظ بتلك المعلومات بطريقة منظّمة في بنية الذّاكرة الحالية، وإعادة إنتاج بعض أو كلّ هذه المعلومات في زمن معيّن بالمستقبل، وذلك تحت ظروف أو شروط محدّدة"(4).

تذرّع الإنسان إلى استحضار تلك الخبرات المختزنة في ذهنه، بتلك الذّاكرة، التي توسّع علماء النّفس في أن يحدّدوا أسباب نشوئها، ودواعي نموّها، ولم يكن يقتصر الإنسان في سعيه إلى الاستفادة من التّجارب التي مرّ بها، على أن يركن إلى تلك الذّاكرة، التي عزا بعض علماء النّفس والباحثين أيضاً علّة نشوئها، إلى حدوث عمليّات بيولوجيّة في الجسم، إذ كان الإنسان يعمد أحياناً إلى أن يستحضر إليه تلك الخبرات والمعلومات بوسيلة أخرى، كانت تتخّذ هيئة الأرشيف، الذي كانت تخزّن فيه مجموعة واسعة من المعلومات المتنوّعة، والأرشيف هو مصطلح يطلق "على الوثائق غير الجارية لهيئة أو إدارة أو ديوان، (المحفوظات) والمحفوظة لقيمتها التّاريخيّة الدّائمة، وتسمّى أحياناً الموادّ الأرشيفيّة، أو المحفوظات. وهي مجموعة وثائق تسلّمتها أو وضعتها شخصيّة معنويّة أو مادّيّة عامّة أو خاصّة ومقدّراً لها بطبيعتها أن تحفظ بواسطة هذا الشّخص نفسه أو الهيئة، على أن تكون قد أحسن تنظيمها، وتطلق أيضاً على الإدارة _ ذاتها _ المسؤولة عن انتقاء (اختيار) وحفظ وتسهيل تداول الوثائق (الموادّ الأرشيفيّة) وتسمّى كذلك دار الأرشيف أو دار الوثائق أو دار المحفوظات، كما تطلق على المبنى أو جزء من المبنى الذي تحفظ فيه الوثائق وتطلق على مخزن الأرشيف (المستودع)"(5)،وقد تحدّرت كلمة أرشيف من اللّغة الأغريقيّة القديمة Archeion،  وهي تعنـي المبنى الإداريّ، أو المقرّ الذي يقيم فيه القاضي، وهي في اللّغة الفرنسيّة Archives، وفي اللّغة الانكليزيّة archives، وقد أطلقت هذه الكلمة أيضاً على "الوثائق المتجمّعة والمتخلّفة عن ممارسة وظيفة معيّنة"(6)، فوضع مصطلح الأرشيف ليعني المقرّ بالإضافة إلى الوثائق التي يحتويها، بيد أنّ شيلنبرج عمد إلى أن يميّز بين ذلك المقرّ، وبين الموادّ الأرشيفيّة التي يضمّها،  فقرّر أن يخصّ كلّاً منهما بمصطلح يختلف عن ذلك الاسم الذي يطلق على المفهوم الآخر، ففرّق شيلنبرج "بين المكان ومحتوياته، بأن استعمل لفظة "archival Instiutien" ( المؤسّسة الأرشيفيّة ) ليطلقه على المكان الذي تحفظ فيه الوثائق، ولفظ Archives، أطلقه على الموادّ التي تحفظ داخل هذا المكان"(7).

اندرج الأرشيف في مجموع تلك المصادر، التي تختزن المعلومات والخبرات، التي يحرص النّاس على أن يطّلعوا عليها، فاتّضحت أهمّيّة ذلك الأرشيف جليّة في مجرى حياة الإنسان الفرد، ولم يكن يختلف شأن الشّعوب والأمم أيضاً، في احتياجها إلى وجود ذلك الأرشيف، عن حالة ذلك الفرد الذي كان يعمد إلى أن يستخدم ذلك الأرشيف، الذي اعتبر أيضاًأنّه "الوثائق المختلفة التي تهمّ الدّولة أو إحدى الهيئات أو أحد الأفراد"(8)، وإن تعدّدت تلك التّعاريف التي وضعت لتبيين حقيقة الأرشيف، فلأنّ كلّ باحث وعالم تصدّى لأن يوضح حقيقة عمليّة الأرشفة، رغب في أن يحدّد بدقّة تلك المضامين التي يحتويها مصطلح الأرشيف، الذي رأى شارل سارمان أن يضع تعريفاً يفصح فيه عن حقيقته، إذ عدّه أنّه "كلّ الأوراق والوثائق المكتوبة النّاتجة عن نشاط جماعيّ أو فرديّ، بشرط أن تكون قد نظّمت ليسهل الرّجوع إليها عند الحاجة إليها في البحث، وبشرط أن يكون قد أحسن حفظها في داخل منظّمة واحدة"(9).

إنّ أبناء الأمم في المجتمعات كافّة، إذا رغبوا في أن يتهيّؤوا لأن يضعوا الخطط، التي تمهّد لهم تحقّق أسباب النّجاح في تلك الأعمال، التي يقصدون إلى أن ينجزوها في الأيام القادمة من حياتهم، فلا بدّ لهم من أن يستندوا إلى تلك الخبرات التي تختزن في ذلك الأرشيف، الذي كانت تنظّم فيه وترتّب تلك المعلومات والمعارف، التي استخلصت من تلك المناشط التي كان يزاولها النّاس في تلك المجتمعات، وقد تضمّنت التّعاريف التي وضعت للأرشيف، الحديث عن الوثيقة التي كانت بمثابة الموادّ التي تعالج في عمليّة الأرشفة،وتتجلّى في الوثائق، طبيعة تلك المواضيع التي انبنت عليها تلك الموادّ المحفوظة، والوثائق الأرشيفيّة هي "عبارة عن الوثائق بأشكالها المتنوّعة (وثيقة مفردة _ دوسيه _ وحدة أرشيفيّة) والتي يراد بها _ بمقتضى طبيعتها _ أن تكون محفوظة بحيث تكون دليلاً يستدلّ به في أعمال الإدارة التي أصدرتها أو أن تكون مصدراً للمعلومات للإدارة أو للموظّف التي تسلّمها وقام بترتيبها. وهي الوثائق التي ستحفظ حفظاً نهائيّاً لتستعمل في البحث التّاريخيّ"(10)، وكانت التّعاريف التي وضعها الباحثون لتفسير مفهوم الوثيقة، تتوالى لتحيط بكلّ المعاني التي يشتمل عليها مصطلح الوثيقة، التي اعتبرت أنّها "مكتوب يحوي معلومة، بصرف النّظر عن طريقة أو خصائص التّسجيل أو القيد. والوثيقة القانونيّة (الدّبلوماتيقيّة) هي مكتوب كدليل قانونيّ يحوي فعلاً أو تصرّفاً قانونيّاً صادراً بإرادة المتصرّف أو المتصرّفين"(11)، وتتنوّع أشكال الوثائق وأنماطها بحسب المواضيع الذي تقوم عليه تلك الوثائق، فتوجد الوثائق الأرشيفيّة السّمعيّة والبصريّة، والدّيوانيّة، والجغرافيّة، والوثائق الخاصّة، والوثائق العامّة، والوثيقة بمفهومها العام والتي يقابلها بالإنكليزية كلمة Document، هي إحدى مصادر المعلومات، وإن كانت تتّخذ أشكالاً عديدة، فلأنّها كانت تستخلص في الأساس من الأنشطة المختلفة التي كان يزاولها النّاس.

يحرص الأشخاص الذين يتولّون تنفيذ عمليّة الأرشفة، على أن يتّبعوا الطّرائق التي تنتظم في منهج علميّ راسخ، فاتّسمت عمليّة الأرشفة بخصائص ذلك النّشاط العلميّ، الذي يجري وفق قواعد محدّدة، وقد اهتمّ العديد من الدّارسين بأن يتلّقوا ويدرسوا المبادئ التي يقوم عليها علم الأرشفة، فتوخّى أولئك الدّارسون أن يتوغّلوا في مباحث ذلك العلم، ويتلّقوا القواعد التي انبنى عليها، ويغوصوا على المضامين التي تحتويها عمليّة الأرشفة، وقد أخذت الجامعات في العالم، تخصّص لعلم الأرشفة، كليّات يلقّن فيها الطّلبة أصول ومبادئ ذلك العلم، وكان الباحثون والمؤرّخون يعتمدون على الوثائق في دراساتهم، التي تطرّقوا فيها إلى البحث في شؤون عصور التّاريخ كلّها، فالوثائق هي إحدى الرّكائز الرّئيسيّة التي تقوم عليها البحوث التّاريخيّة، والوثيقة توصف غالباً بأنّها ذلك الوعاء الذي يحتوي المعلومات التي اكتنزت وتراكمت فيه، وينضمّ مجموع تلك الوثائق المحفوظة إلى حصيلة المعارف، التي تندرج في عداد تلك الذّخائر التي تصونها الشّعوب، وتجري عمليّة التّوثيق ذاتها، بحصر وجمع كلّ تلك المعلومات التي تفصح عنها تلك الوثائق، التي تنظّم وترتّب في طرائق تمهّد السّبيل للباحثين إلى أن يطّلعوا ويعاينوا تلك الموادّ المحفوظة، وتندرج في عمليّة الأرشفة، مهمّة صيانة تلك الوثائق، التي تجري وفق طرائق، توسّع الباحثون في أن ينظّموها بدقّة، وقد انتشر مثل سائر يبيّن أهمّيّة عمليّة التّوثيق، في حياة الشّعوب، فذكر أنّ "موت راوٍ إفريقي للحكايات الشّعبيّة يعني أنّ مكتبة قد احترقت"، وقد أصبحت تلك العبارة مثلاً يبيّن أهمّيّة عمليّة التّوثيق، وكان النّاس يتناقلون هذه العبارة فيما بينهم، كي يحفزوا بعضهم بعضاً إلى أن يبذلوا جهودهم في جمع الوثائق، التي يتوجّب عليهم أيضاً أن يعكفوا على أن يصونوها، ويردّوا عنها دواعي التّلف والضّياع.

لا يعسر على من يستعرض تلك المراحل التي تمرّ بها عمليّة الأرشفة، أن يتيقّن بنشوء ذلك التّماثل بينها وبين تلك الخطوات، التي تمضي عليها عمليّة التّذكّر، الذي يستحضر به الأفراد المعلومات التي يدّخرونها في أذهانهم، وقد ذاعت بين النّاس تلك العبارات، التي تبيّن ذلك التّماثل الحاصل بين الأرشيف والذّاكرة، ولم يكن النّاس يشبّهون الأرشيف بالذّاكرة اعتباطاً، ولم يذكروا السّمات المشتركة بين عمليتي الأرشفة والتّذكّر عبثاً، فلأن التّشابه بين الأرشيف والذّاكرة جليّ وبيّن، حتّى اعتبر أنّ الأرشيف هو ذاكرة الشّعوب، فعمليّة إدارة الأرشيف "تقوم بتوجيه برنامج الأرشيف وتخطيطه وتشمل الوظائف التّالية: تقويم وفرز الوثائق، وتنظيم الحفظ الجيّد للوثائق، وإضافة قيد الوثائق، وحفظ الوثائق وصيانتها، وترتيب الوثائق، والوصف (الفهرس)، وتقديم الخدمات المرجعيّة، وعمل المعارض اللّازمة، ونشر الوثائق"(12)، فتضمّن التّعريف الذي ذكرته آنفاً، النّصّ على تلك المراحل، التي تتوالى فيها الأعمال التي ينجزها الأرشيفيّ، وقد ورد في ذلك التّعريف أيضاً، الحديث عن عمليّة الحفظ، الذي اعتبر هو "الحالة المادّيّة لحفظ الوثائق المتكاملة الأرشيفيّة الحاليّة، أي الوضع المادّيّ الموجودة عليه المتكاملة حاليّاً"(13)، وقد عرّفت عمليّة الحفظ في مسرد المصطلحات الصّادر سنة 1974 عن جمعيّة الوثائقيّين الأمريكيّين بأنّه "المسؤوليّة الأساسيّة المتّصلة بتوفير الإمكانيّات الملائمة للحماية، والعناية والمحافظة على الوثائق والسّجلات"(14)،وقد ذُكر تعريف يوضّح حقيقة الذّاكرة، التي وصفت بأنّها "نشاط عقليّ معرفيّ يعكس القدرة على ترميز وتخزين وتجهيز أو معالجة المعلومات المستخدمة أو المشتقّة واسترجاعها"(15)، ولا يتعذّر على من يقابل بين كلا التّعريفين اللذين تحدّثا عن الأرشفة والذّاكرة، أن يرى المعالم المشتركة بين تلك المراحل المتعاقبة التي تمضي عليها عمليتا الأرشفة والتّذكّر.

اقتضى تحقّق الشّروط المثلى للتّعلّم، أن تمضي عمليّات التّذكّر بانتظام وفق تعاقب مراحل حدّدت بدقّة، إذ يجري عمل الذّاكرة عند الإنسان، ابتداء من الحالة التي ينشأ فيها الانتباه والإدراك، ثمّ تحلّ حالة تخزين وترتيب المعلومات في طرائق تسهّل على الذّهن، استحضار تلك المعلومات عند تحقّق عمليّة التّذكّر، التي تتضمّن ثلاث مراحل هي "التّرميز encoding ومرحلة الاحتفاظ أو التّخزين storage، ومرحلة الاسترجاع أو التّذكّر retrieval"(16)، فتتضمّن عمليّة معالجة المعلومات، تلك المراحل التي يتحقّق فيها التّحليل والتّفصيل والتّركيب المنظّم لتلك الخبرات والمعلومات التي تختزن،وقد تحدّث عالم النّفس وليم جيمس عن فكرة المستودع في توضيحه لعمل الذّاكرة الثّانويّة، التي اعتبرها "هي مستودع خفيّ.... للمعلومات التي سبق أنّ مرّت بالخبرة"،(17)، وقد ظهرت وجهة نظر أخرى في الدّراسات التي عولجت فيها مسألة الطّبيعة الثانويّة للذّاكرة، حيث اعتقد في "وجود مستودع واحد للذّاكرة، وإنّ عدّة عمليّات تحدث فيه"،(18)، وتندرج أيضاً في عمليّة التّذكّر التي تجري عند الإنسان، المراحل التي يتحقّق فيها توزيع المعلومات وتصنيفها أو تبويبها، فحدّدت المهامّ التي تحقّقها الذّاكرة بمعالجة المعلومات التي يحتفظ بها الإنسان، حيث كانت "وظائف عمل الذّاكرة هي تنظيم المعلومات على شكل وحدات متميّزة للمعلومات"(19).

عوّل النّاس كثيراً على قدرة الذّاكرة على استحضار المعلومات، التي كانوا يدّخرونها في أذهانهم، بيد أنّ كان لحجم المعلومات التي تستطيع تلك الذّاكرة أن تجلبها، حدٌّ لا تستطيع تلك الذّاكرة أن تتخطّاه، وقد اتّفق علماء النّفس على أن يعيّنوا استطاعة الذّاكرة "بكمّيّة المعلومات التي تمكن تذكّرها في زمن معيّن"(20)، وكانوا أطلقوا كلمة أخرى على تلك العمليّة التي يجري فيها استحضار تلك المعلومات، إذ سمّيت بسعة الذّاكرة، أمّا كمّيّة المعلومات التي يجري تذكّرها، فقد حددت بمرحلتي الاحتفاظ والتّخزين، إذ كلّما "كانت كمّيّة التّخزين أكبر كان التّذكّر والاسترجاع أكبر"(21)، فإن كانت المراحل التي يتحقّق فيها عمل الذّاكرة في معالجة المعلومات، تشتمل على عمليّات التّرميز والاكتساب، والتّخزين أو الاحتفاظ، وأيضاً مرحلة الاسترجاع، فإنّنا إذا نظرنا في تلك المصطلحات التي تطلق على العمليّات، التي يتحقّق فيها عمل الذّاكرة، فنتيّقن بأنّها تشابه بعض تلك المراحل التي تجري فيها عمليّة الأرشفة، ولم يقتصر التّشابه بينهما، على تماثل تلك المراحل التي تمضي فيهما عمليتا التّذكّر والأرشفة، بل أنّ بعض الوظائف التي عزيت إليهما، تتشابه عند هاتين العمليّتين، وما يبرح الإنسان يسعى إلى أن يراكم الخبرات، ويدأب في أن يستحضرها في ذهنه، لأنّه يتعذّر عليه أن ينطلق إلى الخوض في غمار الأيام المقبلة عليه، إن لم يرتكز على تلك الخبرات والمعلومات التي اكتسبها في الأيام السّالفة، وليس في وسعنا أن نتخيّل شعباً ينطلق أفراده إلى أن يسلكوا مجرى الأيام القادمة عليهم، من دون أن يستفيدوا من معارفهم التي حصّلوها في الأيام الماضية التي مرّوا بها، أو يتناولوا تلك الخبرات التي استجمعوها في غابر الأيام، كي يستفيدوا منها، باتّباع طريقة منتظمة علميّة، اصطلح على أن تسمّى بعمليّة بالأرشفة، التي برزت أهمّيّتها في عدّة ميادين من البحوث الفكرّية والأنشطة التي يزاولها النّاس، الذين لم يتوانوا في أن يضعوا قواعد ومبادئ علميّة، ينظّمون بها عمليّة الاستفادة من خبرات الماضي المتراكمة والمختزنة.

 1-نوربير سلامي، المعجم الموسوعيّ في علم النّفس، وزارة الثّقافة، دمشق 2001، الجزء الثّالث، ص1126.

2- المصدر السّابق.

3- محمّد قاسم عبد الله، سيكولوجيّة الذّاكرة، قضايا واتّجاهات حديثة، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 290، الكويت، فبراير 2003، ص17.

4- المصدر السّابق.

5- سلوى عليّ ميلاد، قاموس مصطلحات الوثائق والأرشيف، عربيّ _ فرنسيّ _ انكليزيّ، دار الثّقافة للطّباعة والنّشر، القاهرة، 1982، ص9.

6- سلوى عليّ ميلاد، الأرشيف ماهيّته وإداراته، دار الثّقافة للنّشر والتّوزيع، القاهرة، 1986، ص1.

7- المصدر السابق، ص2.

8- المصدر السّابق، ص3.

9- المصدر السّابق، ص4.

10- سلوى عليّ ميلاد، قاموس مصطلحات الوثائق والأرشيف، عربيّ _ فرنسيّ _ انكليزيّ، دار الثّقافة للطّباعة والنّشر، القاهرة، 1982، ص68.

11- المصدر السّابق، ص70.

12- المصدر السّابق، ص7، 8.

13- المصدر السّابق، ص27.

14- موقع اليسير للمكتبات وتقنية المعلومات.

15- موسوعة مصطلحات علم النّفس.

16-محمّد قاسم عبد الله، سيكولوجيّة الذّاكرة، قضايا واتّجاهات حديثة، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 290، الكويت، فبراير 2003، ص12.

17- المصدر السّابق، ص11.

18- المصدر السّابق، ص12.

19- المصدر السّابق، ص31.

20- المصدر السّابق.

 

21- المصدر السّابق.



لا يفتر الإنسان عن سعيه إلى أن يظفر بمآربه، فيسلك السّبيل الذي يفضي به إلى أن ينال بغيته، من دون أن يتوانى في أن يستفيد من تلك الطّاقات التي يحوزها، وينتفع من تلك المؤهّلات التي يتمتّع بها، ليبعث في نفسه تلك القدرة على أن يسدّ حاجاته، ويحقّق رغائبه، وقد اعتبر أنّ "ما يميّز الفرد عن سائر الموجودات الأخرى هو الاكتمال الذّاتيّ والاكتفاء الذّاتيّ وبقدر ما يكون الكائن معتمداً على سواه، تنقص فرديّته بمقدار ما فيه من ذلك الاعتماد"(1)، فيسعى الإنسان إلى أن يؤكّد ذاته، ليثبت تفرّده عن سائر الأشخاص، وكان عدد من الفلاسفة والمفكّرين الذين نظروا في الصّلة التي تربط بين الإنسان والمجتمع، تحدّثوا عن النّزعة الفرديّة التي تتأصّل عند الإنسان، وكان الكاتب الفرنسيّ ألكسي توكفيل صاغ كلمة الفرديّة، التي حدّدت "بمعناها العامّ بأنّها تقال على كلّ نظريّة أو كلّ اتّجاه يرى في الفرد أو في الفرديّ إمّا أكثر الصّور جوهريّة، وإمّا أسمى درجات القيمة. فهي، بالتّحديد مذهب من يرى أنّ الفرد أساس كلّ حقيقة وجوديّة، أو مذهب يفسّر الظّواهر الاجتماعيّة والتّاريخيّة بالفاعليّة الفرديّة، أو مذهب من يرى أنّ غاية المجتمع رعاية مصلحة الفرد والسّماح له بتدبير شؤونه بنفسه. وهي أيضاً تعبير مشابه، إلى حدّ ما، للمذهب التّحرّريّ، فكلاهما يعطي الفرديّة قيمة كبرى"(2)، وهذه الكلمة التي وضعها توكفيل، غدت مصطلحاً يرمز إلى تلك المعاني التي وردت في التّعريف الذي حدّد فيه معنى الفرديّة.

أخذ عدد من الباحثين والمفكّرين في الطّعن في الأسس، التي يستند إليها مذهب الفرديّة، التي ادّعوا بأنّها قد تهيّئ للإنسان المجال في أن يشتطّ في اجتلاب المنافع إلى نفسه، ليبرز الطّابع الذّاتيّ، الذي تتميّز به شخصيّته، التي يسعى إلى أن يؤكّد تباينها عن سائر شخصيّات الأفراد في المجتمع، وكان ألكسي توكفيل وصف الفرديّة بأنّها "نوع من الأنانيّة المعتدلة، تجعل الإنسان فرداً لا يهتمّ إلّا بحلقته الضّيّقة المقتصرة على عائلته وأصدقائه"(3)، وإنّي أعتقد أنّ أؤلئك الفلاسفة والباحثين الذين ارتابوا في سداد وصواب تلك المبادئ، التي استندت إليها نظريّة الفرديّة، عمدوا إلى أن يمزجوا مفهوم الفرديّة بتلك المعاني الممجوجة المستهجنة، التي ظنّوا أنّها تندرج في عداد تلك المبادئ التي يستند إليها مذهب الفرديّة، التي أصبحت في نظرهم آنئذ تتضمّن "معنى محقّراً"(4)، ولا سيّما إذا كانوا يظنّون أنّ مذهب الفرديّة يدفع الفرد "إلى الانفراد عن الآخرين بآرائه وسلوكه"(5)، وقد وقر في أذهانهم أيضاً أنّ ميل الإنسان إلى هذا الانفراد بحسب اعتقادهم الذي تشبّثوا به، "كثيراً ما يكون ناشئاً عن الأنانيّة، أو عن الطّموح والكبرياء"(6)، ولكنّ الكتّاب والفلاسفة الذين نافحوا عن النّزعة الفرديّة، ما برحوا يؤكّدون أنّ "النّظريّة الفرديّة، في الطّبيعة الإنسانيّة، تعتقد أنّ مصالح الفرد البالغ الاعتياديّ تكون مؤمّنة بشكل أفضل، عندما يُمنح مسؤوليّة لاختيار غاياته ووسائله مع ما يناسبها من أفعال للوصول إلى تلك الغايات. وهذا الاعتقاد ناجم عن الاقتناع بأنّ كلّ فرد أفضل حكم فيما يتعلّق بمصالحه الخاصّة، ويستطيع أن يكشف عن إمكانيّة زيادتها. وهو أيضاً مبني على الادّعاء بأنّ الفعل الذي يصنع تلك الخيارات يساهم في تطوير الفرد وفي خير المجتمع. وهذا لأنّ الفرديّة فكرة تُقدِّم أفضل البواعث والمحرّكات الفعليّة للمحاولات المنتجة"(7)، فيضع الفرد نصب عينيه تلك الأهداف التي يدأب في أن يتحفّز عازماً على أن يدركها، بعد أن يروز في نفسه تلك المؤهّلات التي تهيّئه للمضيّ على بلوغ مطامحه.

إنّ الإنسان الذي تتهيّأ له الفرص التي ينمّي فيها تلك القدرات التي يمتلكها، وتتوفّر له تلك الأسباب التي يتذرّع بها إلى أن يستثمر المؤهّلات التي يحوزها، يكون في وسعه آنئذ "أن يدافع بسهولة عن متطلّباته وحاجاته المتتابعة"(8)، وذهب عدد من المفكّرين إلى أن يؤكّدوا تحقّق "الجنّة على سطح الأرض بسرعة، بالاعتماد على الفرد لتحرير طاقاته الطّبيعيّة، وإطلاق العنان لقواه الخيّرة الصّالحة الكامنة في أعماق نفسه"(9)، ولا يتأتّى لذلك الإنسان أن يحقّق رغائبه الذّاتيّة، إن لم تتهيّأ له تلك الشّروط الملائمة لإبراز تلك المؤهّلات التي يتمتّع بها في الأساس، فإذا أردنا أن ينشأ الفرد "المتحفّز المشغول بفرديّته والمؤمن بالتّعبير عن إمكانيّاته وفعاليّاته بطرقه الخاصّة"(10)، فإنّه لا بدّ من أن يتمتّع بحقّه في "خلق ذاته وإبداع قيمه وتحمّل مسؤوليّة وجوده"(11)، فتزول دواعي التّعارض، وتنتفي بواعث التّناقض بين مصالح كلّ من الفرد والمجتمع، وتعتبر في مذهب التّحرّريّة الفرديّة هي "وسيلة لتحقيق الانسجام الاجتماعيّ"(12)، وقد تأكّد في ذلك المذهب أيضاً تلك الفكرة التي يثبت فحواها "أنّ المجتمع ليس غاية أسمى من الأفراد"(13).

توفّر البحّاثة والفلاسفة على تحديد تلك الصّلة التي تجمع بين الإنسان والمجتمع، وقد انبنت مذاهب فكريّة متنوّعة على تلك النّتائج المختلفة، التي كانت تستخلص من المضامين التي انطوت عليها تلك النّقاشات، التي كانت تجري بين أولئك الباحثين، الذين أدلى كلّ منهم بدلوه في الحديث عن تلك المصاعب، التي تعترض مجرى تحقّق الصّلة القويمة التي تربط بين الإنسان والمجتمع، فكان "يواجه القرن العشرون معضلات عديدة عن إقامة علاقة مناسبة بين الفرد والجماعة، ولا تخرج المناقشات، حول هذا الموضوع، عن كونها محاولات لمعالجة أمر هذا التّطوّر أو ذاك"(14)، وكان رائد الفرديّة الفيلسوف الأمريكيّ البراغماتيّ جون ديوي يرى وجود رابطة عضويّة بين الفرد والمجتمع، وذهب إلى أن يؤكّد أنّ "الفرديّة منيعة لا تقهر، ومن طبيعتها أن تفرض نفسها وتؤكّد ذاتها"(15)، وقد توطّد اقتناع ذلك الفيلسوف برفعة مكانة مذهب الفرديّة لأنّه كان يعتقد أنّها "أسلوب متميّز في الحساسيّة والانتخاب والاختيار والاستجابة والانتفاع من الأوضاع. ويستحيل لهذا السّبب وحده، لا لغيره، تطوير الفرديّة المتكاملة عن طريق أيّ نظام أو برنامج شامل"(16).

إنّ ذلك الإنسان الفرد، الذي يراعي تحقّق المصالح العامّة، التي تجلب الخير للجماعة التي يعيش بين ظهرانيها، هو جدير أيضاً بأن ينعم بأن يحقّق منافعه الشّخصيّة، من دون أن تطغى أهداف الجماعة، على تلك الرّغائب الشّخصيّة التي كان سعى إلى أن يؤكّدها، وكان روجي فرنو يذكر أنّ الإنسان "ليس فرداً كبقيّة الأفراد، وإنّما هو شخص، ومن حيث هو كذلك، له جوهر خاصّ، وهو ذات حرّة. فالفرد ملزم أخلاقيّاً بالعمل لصالح الخير العامّ وبالتّضحية من أجل ذلك، ولكنّ هذا لا يرفع أيّ شيء من سمة شخصيّته غير القابلة للانتقاص"(17)، وإن دأب الإنسان في تأكيد تلك المعاني التي تتضمّنها نظريّة الفرديّة، فإنّه لا يعزل نفسه عن الأشخاص الآخرين فقد رأى الفيلسوف هيدجر أنّ "الوجود بدون الآخرين هو نفسه صورة من صور (الوجود مع الآخرين)، بمعنى أنّ الشّعور الفرديّ لا ينطوي على أيّ انفصال مطلق عن عالم (الغير) الذي هو من مقوّمات الوجود الإنسانيّ بصفة عامّة"(18)، فلا تتضمّن المبادئ التي يحتويها مذهب الفرديّة، فكرة انفصام صلة الإنسان بالمجتمع، بل إنّ علاقة الإنسان بذلك المجتمع لا تتوطّد إلّا في تلك الحالة، التي يتأتّى فيها للإنسان أن يؤكّد فيها ذاته في تلك الأفعال التي يتعمّد أن يأتيها.

إنّ تلك المعاني التي ما برح مذهب النّزعة الفرديّة يحتّم تأصّلها في شخصيّة الإنسان، لم تكن تتجرّد عنها تلك السّمات الشّخصيّة، التي كان يتّصف بها الأفراد خلال العهود التّاريخيّة المتعاقبة، ولم تفتقدها شخصيّات الأقوام في بلدان شتّى من العالم، وتمدّنا الدّراسات التي أجريت في الأبحاث الأنثروبولوجيّة بالبراهين الثّابتة على تأصّل خصائص الفرديّة، عند الأفراد الذين توالوا على العيش في هذا العالم خلال الحقب التّاريخيّة المتعاقبة، إذ "حسبنا أن نرجع إلى دراسات علماء الأنثروبولوجيا، لكي نتحقّق من أنّه ليس ثمّة حضارة بشريّة يمكن القول بأنّها قد استطاعت أن تلغي نهائيّاً كلّ ما بين أفرادها من فوارق مزاجيّة وخلقيّة وعقليّة... حقّاً أنّ المجتمع ليخلق الفرد على صورته ومثاله، ولكنّ الفرد أيضاً يحوّر مجتمعه ويطوّره ويشكّله ويعدّله. وإذن فإنّ العلاقة بين الفرد والمجتمع هي علاقة مزدوجة قوامها الأخذ والعطاء، أو التّأثّر والتّأثير؛ وبالتّالي فإنّ القول بوجود سلوك اجتماعيّ أو أنماط ثقافيّة لا يعني إنكار كلّ استقلال فرديّ على الإطلاق، كما أظهرنا على ذلك بوضوح بعض علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا أنفسهم"(19).

عنى العديد من الفلاسفة والباحثين في عصرنا الحاليّ، بأن يتناولوا في دراساتهم الفكريّة تلك الأسس التي يتضمّنها مذهب التّحرّريّة، إذ كانت "من أهمّ ما تتميّز به فلسفات العصر الحاضر في الغرب صبغتها الفرديّة، بعدما اجتازت الفلسفة فترة كاد يهمل فيها العنصر الفرديّ إهمالاً تامّاً"(20)، وقد رأى تشارلز هورتن كولي أنّ "المجتمع والفرد إنّما يكوّنان كلّاً لا يمكن تجزئته"(21)، ولم يقتصر كولي على أن يؤكّد توطّد الصّلة بين الفرد والمجتمع، بل أنّه طعن في كل الأبحاث التي تتضّمن الأفكار التي تؤكّد انفصام الرّوابط بين الفرد والمجتمع، إذ اعتقد كولي ببطلان تلك المذاهب الفكريّة التي تفصل بين هذين الطّرفين، حتّى أنّه اعتبر "أنّ خطأ علم النّفس وعلم الاجتماع أنّهما اعتبرا الفرد من جهة والهيئات الاجتماعيّة من جهة ثانية أمرين منفصلين"(22)، ولم تغب فكرة توطّد الرّابطة بين الفرد والمجتمع عن أذهان العديد من المفكّرين والفلاسفة، إذ كانت ذلك التّرابط بينهما يثبت أنّ "الفرديّة والجماعيّة هما جانبان لحقيقة واحدة، وهي المجتمع الإنسانيّ. ولا حاجة للاقتصار على جانب واحد والتّنويه به وبمزاياه دون اعتبار مكانة الجانب الآخر"(23)، ويقتضي تحقّق تلك الصّلة بين الفرد والمجتمع، أن تجلب المنافع إليهما معاً، إذا تسنّى لهما أن ينعما حقّاً بتلك المغانم المشتركة، وإن اقتنعنا بثبات تلك الصّلة بينهما، فلا نستطيع "أن نتصّور الفرد منفكّاً عن الجماعة ولا الجماعة الخالية من الأفراد، والمهمّ هم التّوفيق الأمثل بين هذين الجانبين لخير الفرد والمجتمع معاً لو أمكن مثل هذا التّوفيق"(24).

ما برح دعاة المذاهب الجمعيّة، يصرّون على أن يرجّحوا مصالح الجماعة على منافع الأفراد، الذين يعيشون في كنف المجتمع، فإنّ ظلّ أولئك الدّعاة يتشبّثون بتلك الآراء التي كانوا يعتنقونها، فلا ريب في أنّهم ينزلون الضّرر الفادح بقوام تلك الجماعات نفسها، التي كانوا ينافحون عنها، فإذا انطمست النّزعة الفرديّة في نفس الفرد، فتسري آنئذ "في الذّات روح الضّعف والانحلال، أو إذا عملنا على كسر شوكة (الشّخصيّة الفرديّة)، فقد قضينا في الآن نفسه على المجتمع ذاته"(25)، فإذا كان الفلاسفة والباحثون أكّدوا الميل الفطريّ عند الإنسان إلى الانضواء إلى المجتمع، فلأنّ الإنسان يعرف في الأساس "أنّه لا يستطيع أن يحيا إلّا في مجتمع ويعرف أيضاً أنّ أصداء الجماعة لا بدّ من أن تتردّد في أعمق أعماق ذاته"(26)، ولكنّ ذلك الإنسان إذا سلّم بحقيقة نزوعه الفطريّ إلى أن يعيش في كنف المجتمع، فإنّه "يشعر في الوقت نفسه بأنّ لوجوده الفرديّ واقعيّته وقيمته"(27)، وذاك الفرد الذي يحيا في ظلّ المجتمع، يسترشد كما ذكرت آنفاً، بتلك القواعد التي اعتمدت في تنظيم مجرى تلك التّصرّفات، التي يأتيها الأفراد الذين ينضوون إلى ذلك المجتمع، وتتكفّل طرائق التّنشأة الاجتماعيّة بتمهيد السّبيل للأفراد، إلى أن يألفوا تلك القواعد المنصوصة عليها في ذلك المجتمع الذي يكتنفهم في ظلّه، وإذا تناولنا الجماعات البشريّة المتنوّعة فهي تعتمد "عادة معايير خاصّة لتنظّم بها سلوك الأعضاء وتمكّنهم من أداء أدوارهم وفق تلك المعايير. والمعايير ليست دائماً مكتوبة بل قد تكون غير مدوّنة ومع ذلك فهي مفهومة ومعروفة بالنّسبة للأعضاء الذين يتّبعونها في سلوكهم"(28).

ظلّت تلك العلاقات الاجتماعيّة النّاشئة بين الأفراد في المجتمع، تتشعّب في مناحي عديدة من الأنشطة التي يزاولها النّاس، ودعا تفرّع تلك الرّوابط في تلك الميادين المتنوّعة من المناشط الإنسانيّة، أن تنتظم تلك العلاقات في طرائق تحقّق تماسك وترابط المجتمع، فبات الإنسان مهيّأ لأن يوائم تصرّفاته مع تلك القواعد التي تعتمد في المجتمع، الذي تتوفّر فيه الوسائل الملائمة التي تهيّئ الإنسان لتقبّل تلك القواعد، التي تستند إليها مجريات تلك الحياة الاجتماعيّة، التي يعيشها في المجتمع، وقد عدّت التّنشأة الاجتماعيّة أبرز تلك الوسائل، التي تمهّد للإنسان السّبيل إلى الاندماج في المجتمع الذي يحيا فيه، وقد عرّفت التنشأة الاجتماعيّة بأنّها "عملية تعلّم وتعليم وتربية، تقوم على التّفاعل الاجتماعيّ، وتهدف إلى اكتساب الفرد طفلاً مراهقاً، فراشداً فشيخاً، سلوكاً ومعايير واتّجاهات مناسبة لأدوار اجتماعيّة معيّنة، وهذه المعايير تمكّنه من مسايرة جماعيّة والتّوافق الاجتماعيّ معها، وتكسبه الطّابع الاجتماعيّ وتيسّر له الاندفاع في الحياة الاجتماعيّة"(29)، فيدأب الإنسان في أن يظهر نفسه في كيان متفرّد يتّسم بالخصائص الذّاتيّة، وبحسب قدر ذلك النّجاح الذي يحقّقه في تأكيد ذاته، يقوى في نفسه ذلك الباعث على أن يوطّد انتماءه إلى ذلك المجتمع، الذي يعيش في كنفه.

1- الموسوعة الفلسفيّة العربيّة، الاصطلاحات والمفاهيم، المجلّد الأوّل، معهد الإنماء العربيّ، الطّبعة الأولى، 1986، ص639.

2- الموسوعة الفلسفيّة العربيّة، المدارس والمذاهب والاتّجاهات والتّيّارات، المجلّد الثّاني، معهد الإنماء العربيّ، الطّبعة الأولى 1988، ص931.

3- المصدر السّابق.

4- المصدر السّابق.

5- المصدر السّابق.

6- المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق.

8- المصدر السّابق، ص935.

9- المصدر السّابق.

10- المصدر السّابق، ص936.

11- زكريا إبراهيم، مشكلة الإنسان، مكتبة مصر، د.ت.، ص170.

12- الموسوعة الفلسفيّة العربيّة، المدارس والمذاهب والاتّجاهات والتّيّارات، المجلّد الثّاني، معهد الإنماء العربيّ، الطّبعة الأولى 1988، ص931.

13- المصدر السّابق.

14- المصدر السّابق، ص938.

15- المصدر السّابق، ص939.

16- المصدر السّابق.

17- المصدر السّابق.

18- زكريا إبراهيم، مشكلة الإنسان، مكتبة مصر، د.ت.، ص153.

19- المصدر السّابق، ص167، 168.

20- الموسوعة الفلسفيّة العربيّة، المدارس والمذاهب والاتّجاهات والتّيّارات، المجلّد الثّاني، معهد الإنماء العربيّ، الطّبعة الأولى 1988، ص939.

21- المصدر السّابق.

22- المصدر السّابق.

23- المصدر السّابق، ص939، 340.

24- المصدر السّابق، ص340.

25- زكريا إبراهيم، مشكلة الإنسان، مكتبة مصر، د.ت.، ص169.

26- المصدر السّابق.

27- المصدر السّابق.

28- الموسوعة الفلسفيّة العربيّة، الاصطلاحات والمفاهيم، المجلّد الأوّل، معهد الإنماء العربيّ، الطّبعة الأولى، 1986، ص331.

 

29- الموسوعة الفلسفيّة.



تنوّعت أشكال تلك العلاقات التي ينشئها فيما بينهم أولئك النّاس، الذين تأصلّت في نفوسهم الحوافز المتعدّدة، التي تحثّهم على أن يبنوا تلك الرّوابط التي تؤلّف بينهم، وأدّى تباين تلك البواعث العديدة، إلى أن تتنوّع أنماط تلك العلاقات النّاشئة بين هؤلاء النّاس، ولم يفت الباحثون الذين نظروا في المسائل التي  تضمّنتها بحوث علم الاجتماع، أن يلحظوا المكانة التي تحلّ بها تلك الرّوابط في حياة أولئك الأشخاص، الذين كانت تصل بعضهم ببعض تلك العلاقات الاجتماعيّة، التي لم تغب عن أذهان أولئك الباحثين أيضاً، عندما عكفوا على أن يضعوا تعريفاً يبيّنون فيه كنه ذلك المجتمع، الذي ينضوي إليه هؤلاء النّاس، إذ عرّف المجتمع بأنّه "مجموعة كبيرة من النّاس مكتفية ذاتيّاً ومتّصلة بشبكة من المؤسّسات والعلاقات المختلفة"(1)، فاهتمّت غالبيّة علماء النّفس والاجتماع، بدراسة تلك الرّوابط النّاشئة بين النّاس، وقد حدّد المجتمع أيضاً في تعريف آخر بأنّه "تجمّع ثابت ومنظّم من الأشخاص أو الحيوانات من نوع واحد، تقوم بينهم علاقات متبادلة"(2)، وكان أرسطو اعتبر الإنسان مهيّأ بطبعه لأن يعيش في المجتمع، وذكر أنّه حيوان اجتماعيّ يميل في فطرته إلى الحياة الاجتماعيّة، فالإنسان "ينفر من العزلة بطبيعته ويميل إلى التجّمع بفطرته"(3)، فأصبح يتعذّر على الإنسان أن ينشأ بمنأى عن ذلك المجتمع، الذي إذا تصوّرنا نشوء الإنسان بمعزل عنه، فإنّه سرعان ما يصبح ذلك الإنسان "ضرباً من التّجريد. وإذ يغوص الفرد منذ قدومه إلى العالم في بيئة اجتماعيّة، فإنّه لا يمكننا النّظر إليه، حتّى يكون مفهوماً، إلّا في علاقته بالآخر"(4).

ينشأ الإنسان في كنف ذلك المجتمع، الذي لا يتمكّن النّاس المنضوون إليه، من أن يتجنّبوا دواعي الاحتكاك والتّأثّر بتلك العناصر، التي يتضمّنها قوام ذلك المجتمع، الذي يغدو تأثيره في الإنسان جليّاً وثابتاً "أينما كان، سواء في التّعبير عن الانفعالات، واللّغة، والمعتقدات، والأحكام، أو في إعداد مفهوم الشّخص. حتّى الإدراك موسوم بسمة الثّقافة. فالغير موجود دائماً، ولو لم يكن إلّا في المتخيّل، على شكل متدخّل، يؤدّي دور نموذج، دور شيء، دور شريك أو خصم"(5)، فيحيا الإنسان في ظلّ ذلك المجتمع، الذي تتمهّد فيه للنّاس السّبل العديدة إلى تمتين تلك العلاقات، التي تربطهم ببعضهم البعض، وذلك الميل المنغرس في نفس الإنسان، إلى أن ينشئ تلك الرّوابط الاجتماعيّة مع الأشخاص الآخرين، يتبيّن جليّاً، كلّما أتيحت لذاك الإنسان الفرص التي يبني فيها العلاقات المتنوّعة مع سائر الأفراد، وإن كانت تتعدّد البواعث، التي كانت تعزا إليها أسباب نشوء تلك الجماعات المتنوّعة، التي كان النّاس ينضمّون إليها، إلّا أن باعثاً واحداً بذاته، كانت يسهم دائماً مع سائر البواعث في حثّ النّاس على بناء تلك الجماعات، مهما كان نمط تلك الجماعة التي اندفع النّاس إلى أن ينشئوها، وكان ذلك الباعث المشترك الذي كان أحد أسباب نشوء تلك الجماعات كلّها، هو ميل الإنسان إلى الاجتماع مع الأشخاص الآخرين، لأنّ وجود "الجماعات على اختلافها يرجع أساساً إلى أنّ الأفراد هم أشخاص اجتماعيّون لا يستغنون عن العيش مع الآخرين، ولهذا فهم يحتاجون إلى الانتماء والعمل في نطاق جماعات متعدّدة ومتنوّعة"(6)، ويتّضح ذلك التّأثير الذي يتعرّض له الإنسان أيضاً في تلك العلاقات، التي تربطه مع سائر الأفراد في تلك الجماعات التي ينضوون إليها، لأنّ الجماعة هي "كيان عضويّ قادر على تحديد تصرّف الأفراد الذين يؤلّفونه"(7).

ينطلق الإنسان إلى إدراك تلك الأهداف التي يعتزم على أن يبلغها، مهما اعترضت العوائق تلك السّبيل، التي يتّبعها لبلوغه تلك الغايات التي يتطلّع إليها، فلا يألو جهداً في أن يستثمر تلك القدرات التي يمتلكها، ليستفرغها في تحقيق تلك الرّغائب التي تنبعث في نفسه، فيمضي على محاولته أن يؤكّد ذاته وإثبات قدرته على أن يقضي حوائجه الشّخصيّة، وما يبرح الإنسان يمضي على هذا المنوال، إذا ما رغب في أن يؤكّد تمايزه عن سائر الأشخاص، بيد أنّ ذلك الإنسان مهما اعتزم على أن يتميّز بمؤهلاته الشّخصيّة عن تليّة الأفراد، فإنّه لا يتأتّى له أن ينفصل عن تلك الرّوابط التي تجمعه معهم، فلا يجد مندوحة عن أن يتّصل بهم بتلك العلاقات، التي تجمعه معهم في المجتمع الذين يعيشون فيه، وليس في وسعه أن يتجّنت تأثير المجتمع في تحديد تلك القواعد، التي يستنّ بها النّاس في تعيين ذلك السّلوك الذي يتصرّفون به، فكلّ مجتمع "هو في الواقع حقل قوى تحدث فيه ظاهرات جذب ونبذ؛ إنّه يستخدم آليّة سيكولوجيّة كالإيحاء، والتّقليد، والمنافسة، مجموعها يؤلّف ( الضّغط الاجتماعيّ )، مصدر التّغيّرات الفرديّة التي تظهر في اتّجاهاتنا وتصرّفاتنا، وحتّى في إدراكاتنا. وليست المسألة في الواقع قسراً خارجيّاً بل بالحريّ تأثير خفيّ يقودنا إلى إصلاح سلوكنا على نحو شعوريّ على وجه التّقريب، لنوفّق بيننا وبين الجماعة التي نعيش فيها"(8).

اقتضى نشوء الإنسان في ذلك المجتمع الذي يحيا في ظلّه، أن يراعي تلك القواعد، التي تضبط مجرى تلك التّصرّفات التي يأتيها النّاس، لأنّ الإنسان هو "موجود اجتماعيّ بصورة أساسيّة يحتاج إلى الغير ليتفتّح. وتمثّل الجماعة له ضرباً من الضّرورة؛ فهو يجد فيها، على وجه الخصوص، الأمن، والتّعاطف، وإمكان التّواصل مع أمثاله وإمكان الاتّحاد بهم لتحقيق مشروع مشترك"(9)، ويحاول ذلك الإنسان أن يوافق التّصرّف الذي يبدر منه، تلك القواعد المنصوص عليها في المجتمع، وهو يتجّنب أن يضرب تلك الأسس الموضوعة، بعرض الحائط، لأنّه يدرك أنّ "الفرد الرّافض يتعرّض للنّبذ، وهو ضرب من ( الموت الاجتماعيّ). بل إنّ من يقتصر على البقاء منسحباً يمكنه أن يستقطب عدوانيّة أعضاء جماعته الآخرين ويصبح (كبش الفداء ) لهم. وتترتّب على الغالب، في هذه الحالة، اضّطرابات نفسيّة جسميّة، أو سلوكات هروب، تمضي من الفرار إلى التّشرّد"(10)، فيتيقّن الإنسان بأنّ لا قبل له بمجابهة تلك الجماعة، التي استنّت بتلك القواعد التي تتّبع في المجتمع، الذي أخذ الأفراد الذين يعيشون فيه بتلك القواعد المرعيّة لأنّهم "عانوا إيحاء نفوذ الغالبيّة. ويتهيّؤون إلى أن يفكّروا، ويحسّوا، ويدركوا مثلها، وإلى أن يتّخذوها نموذجاً ومنظومة إحالة، وإلى الحكم على أنفسهم وعلى الآخرين بحسب معاييرها"(11)، والإنسان الذي يمضي على مراعاة تلك القواعد، يتاح له أن يدرك آنئذ تلك الطّرائق التي تفضي به إلى الاندماج في تلك الجماعات، التي ينضوي إليها.

يلزم على أولئك الأفراد الذين يعزمون على أن ينضمّوا إلى تلك الجماعات، التي تربطهم مع سائر الأشخاص، أن يعوا تلك الشّروط التي يوجب تحقّقها، نشوء تلك الجماعات، فيتوجّب على الإنسان أن "يفهم كيف يمكن أن يتغيّر تصرّف شخص بفعل حضور الغير"(12)، وإذا ما سعى الإنسان إلى أن يدرك تلك القواعد التي تنتظم بها عمليّة نشوء تلك العلاقات، بين النّاس في نطاق تلك الجماعات، فإنّه سيتاح له أن يعي الطّريقة التي تنشأ فيها عند الأفراد الاتّجاهات التي يعتمدونها، ويدرك الوسائل التي تتبّع في "تعديلها بفعل الدّعاية"(13)، وسيحيط علمه أيضاً بأسباب نشوء "الأحكام المسبقة ووسائل تقليصها"(14)، وسيتهيّأ له أيضاً أن يطّلع على "ديناميك العلاقات الاجتماعيّة وإمكان تحسينها"(15)، فسيستخلص من تبصّره في تلك القواعد التي ينعم النّظر فيها، أنّ رسوخ تلك الأسس التي تقوم عليها الجماعات، يفضي إلى أن تصبح "العلاقات الإنسانيّة منسجمة"(16)، وإذا استعرضنا تلك التّعاريف التي حدّدت بها مفهوم الجماعة البشريّة، فإنّنا سنرى أنّ "أبسط تعريف للجماعة هو أنّها تتضمّن أشخاصاً في علاقات متبادلة"(17)، فتؤكّد تلك الرّوابط الرّاسخة فيما بين أولئك الأفراد، ذلك الميل الذي ينشأ في نفس كلّ منهم، إلى الانضواء إلى تلك الجماعات التي تضمّهم معاً.

1- الموسوعة الفلسفيّة.

2- نوربير سلامي، المعجم الموسوعيّ في علم النّفس، وزارة الثّقافة، دمشق 2000 ، الجزء الخامس، ص 2311.

3- زكريا إبراهيم، مشكلة الإنسان، مكتبة مصر، د.ت.، ص165.

4- نوربير سلامي، المعجم الموسوعيّ في علم النّفس، وزارة الثّقافة، دمشق 2000، الجزء الرّابع، ص1770.

5- المصدر السّابق.

6- الموسوعة الفلسفيّة.

7- نوربير سلامي، المعجم الموسوعيّ في علم النّفس، وزارة الثّقافة، دمشق 2000، الجزء الثّاني، ص859.

8- نوربير سلامي، المعجم الموسوعيّ في علم النّفس، وزارة الثّقافة، دمشق 2000، الجزء الثّاني، ص861.

9- المصدر السّابق

10- المصدر السّابق، ص862.

11- المصدر السّابق.

12- المصدر السّابق.

13- المصدر السّابق.

14- المصدر السّابق.

15- المصدر السّابق.

16- المصدر السّابق.

17- الموسوعة الفلسفيّة العربيّة، الاصطلاحات والمفاهيم، المجلّد الأوّل، معهد الإنماء العربيّ، الطّبعة الأولى، 1986، ص330.



دأب النّاس في أن يمارسوا الأعمال المتنوّعة، التي توزّعت في فئات متعدّدة من الأنشطة التي كان هؤلاء الأقوام يميّزون بينها، بحسب الخصائص التي كان كلّ نشاط ينفرد في أن يتّسم بها، فكانوا يقصدون إلى أن يستدرّوا من بعض الأعمال التي يزاولونها، دخلاً ماليّاً يغطّي تكاليف معيشتهم، فاصطلحوا على أن يطلقوا على ذلك النّمط من الأعمال التي تدرّ عليهم بالأموال، اسم الحرفة، التي حدّدت بأنّها "وسيلة الكسب من زراعة وصناعة وتجارة وغيرها"(1)، بينما كان أولئك النّاس يعمدون أحياناً إلى أن يزاولوا مجموعة من الأعمال المتنوّعة الأخرى، ترويحاً عن أنفسهم، من دون أن يتعمّدوا أن يحصلوا على العوائد الماليّة من مزاولتهم تلك الأعمال، التي أدرجوها في فئة الأنشطة التي تتّسم بطابع الهواية، وقد اعتادت أغلبيّة النّاس أن تميّز بين هاتين الفئتين من الأعمال، بخاصيّة المردود الماليّ الذي يفصل بين هاتين الفئتين، فيعتبرون ذلك العائد الماليّ هو القاعدة الأساسيّة، التي تقوم عليها الفئة الأولى من الأعمال، بينما هذه الخاصيّة ذاتها هي غائبة تماماً عن فئة الأفعال، التي تشتمل على أنشطة الهواية التي يزاولها النّاس، فيصبح ذلك المردود الماليّ هو الحدّ الفاصل الذي يفرّق بين الأعمال المهنيّة، وتلك الأفعال التي تندرج في أنشطة الهوايات، التي يزاولها الأشخاص في أوقات الفراغ.

تناول النّاس ذلك الرّابط بين الحرفة والدّخل الماليّ، ليتّخذوه مقياساً يستخدمونه في تمييزهم بين الأعمال المهنيّة وأنشطة الهواية، ولا ريب في أنّ الفارق بين هذين النّمطين من الأنشطة لا يتحدّد بخاصّية المردود الماليّ فحسب، ولكنّ اعتاد النّاس، كما ذكرت آنفاً، أن يركّزوا انتباههم في موضوع المردود الماليّ في موازنتهم بين هذين النّشاطين، وقد قصدت أغلبيّة النّاس إلى أن تدرج نشاط الكتابة الأدبيّة، في مجموعة تلك الأعمال التي تنضوي إلى فئة الهوايات، التي تمارس في أوقات الفراغ، نظراً إلى أنّ ذلك النّمط من النّشاط الأدبيّ، لا يعود على من يزاوله بالدّخل الماليّ الذي يحقّق به قوام معيشته، ولكنّ الفارق بين نشاط التّأليف الأدبيّ وسائر المهن الأخرى، لا يتحدّد بمسألة الدّخل الماليّ فقط، لأنّ مهنة الكتابة الأدبيّة تتميّز عن سائر الحرف، بسمة خاصّة لا تتّصف بها بقيّة المهن قاطبة، فإذا كانت المهن جميعها تدرّ بالدّخل الماليّ الذي يكتسبه الأشخاص، الذين يزاولون تلك المهن، فإنّ الكاتب الذي يزاول تلك المهنة الأدبيّة، يضطّر دائماً إلى أن يصرف على تلك المهنة كي يحقّق شروط قيام ذلك النّشاط الأدبيّ، ولا يجد مناصاً من أن ينفق على تلك الحوائج، التي يقتضي وجودها، قيام هذا النّشاط الأدبيّ في المجتمعات الإنسانيّة.

إنّ الكاتب الذي يكرّس نفسه لممارسة نشاط الكتابة الأدبيّة، لا يبخل أبداً على هذه المهنة التي يزاولها، وهو يضحّي غالباً بقوته اليوميّ، ويبذل كلّ مدّخراته الماليّة، ولا يضنّ عليها بأنفس ممتلكاته الشّخصيّة، فكلّ النّاس يكسبون من المهن التي يمارسونها، الأموالَ التي ينفقونها على سدّ حوائجهم الشّخصيّة، بينما الكاتب يضطرّ إلى أن يصرف على ذلك النّشاط الأدبيّ، كي يحقّق شروط بقاء واستمرار تلك المهنة الأدبيّة، التي يتبادل معها المواقع في تلك العلاقة الماليّة، التي تجمع بينه وبين نشاط الكتابة الأدبيّة، والنّاس معذورون إن التبست عليهم حقيقة ذلك العمل الذي يتجلّى في التّأليف الأدبيّ، فقد كثرت تلك الطّرف التي تروى عن أحوال الكتّاب الذين يمارسون نشاط الكتابة الأدبيّة، وغزرت الملح التي يتنادر النّاس بها على تلك الصّعاب، التي تعترض مجرى ذلك النّشاط الذي يزاوله هؤلاء الأدباء، فيحكى أنّه سئل كاتب عالميّ، عن المبيعات التي حقّقها بعد أن نشر كتابه، فأجاب قائلاً بأنّه باع أثاث غرفة النّوم في منزله، بينما أجاب كاتب آخر عن ذلك السّؤال نفسه، بأنه باع مقتنياته الشّخصيّة التي قام يعدّدها، فذكر ساعة اليد والغسّالة بالإضافة إلى سائر تلك الأدوات التي كان يستخدمها.

إنّ تلك النّوادر التي يتناقلها النّاس فيما بينهم، للسّخرية من تلك الأزمات الماليّة، التي بات هؤلاء الكتّاب نهباً لها، عزّزت اعتقاد النّاس في أنّ نشاط ذلك التّأليف الأدبيّ، لا يندرج في عداد المهن التي تدرّ بالموارد الماليّة، ولا يقتصر أولئك النّاس على أن يأخذوا بذلك الاعتقاد، الذي يتصّورون به طبيعة ذلك النّشاط الأدبيّ، بل أنّهم عمدوا أيضاً إلى أن يشدّدوا قناعتهم بأنّ الكتابة الأدبيّة تنضوي إلى تلك الأعمال التي تمارس في أوقات الفراغ، وقد تحدّثت آنفاً عن أنّهم يعدّون نشاط الكتابة الأدبيّة، ضرباً من الأفعال التي تتّسم بطابع الهواية، وتكاد غالبيّة النّاس في الأقطار العربيّة تتشبّث بتلك الفكرة المنتشرة عند أكثريّة النّاس، الذين يعتقدون أنّ ذلك النّشاط الأدبيّ هو نمط من الهوايات التي يزاولها الأقوام، إلّا أنّ الأدباء العرب الذين يمارسون نشاط الكتابة الأدبيّة، تختلف أوضاعهم عن أحوال سائر الكتّاب في دول العالم الأجنبيّة، في مجابهة تلك الأزمات الماليّة التي يتعرّضون لها، من جراء مزاولتهم نشاط الكتابة الأدبيّة، وتتباين أحوال أولئك الكتّاب العرب عن بقيّة الكتّاب في العالم، في شدّة صعوبتها وحدّة شقائها، فإذا قارنا بين أوضاع هاتين الفئتين من الكتّاب، في مسألة طباعة ونشر الكتب، فإنّنا نرى أنّ عمليّة نشر الكتب في أغلب دول العالم الأجنبيّة، أصبحت صناعة حقيقيّة، تمتلك كلّ مقومات النّشاط الصّناعيّ، بينما ما زالت تفتقد عمليّة نشر الكتب في الوطن العربيّ، تلك المقوّمات الأساسيّة التي ترتكز عليها تلك الصّناعة، التي تتجلّى في عمليّة طباعة ونشر الكتب.

تجري عمليّة إنتاج الكتب وتوزيعها في الأقطار العربيّة، من دون أن تنتظم في خطّة ثابتة، تحدّد القواعد الأساسيّة التي تقوم عليها عمليّة طباعة ونشر الكتب، وقد أتيح لي أن أنشر في الفترة الماضية ثلاثة كتب على نفقتي الخاصّة، وقد تفرّغت لكتابة المؤلّفات الأدبيّة، وتجرّدت لمزاولة ذلك النّشاط الأدبيّ منذ وقت يرجع إلى ما يقارب الثّلانين عاماً، علماً بأنّي بدأت في مزاولة هذا النّشاط منذ حداثة سنّي، وقد كنت ألتقي بين الفينة والأخرى، بعض الأشخاص النّبهاء الذين انغرست في نفوسهم، الرّغبة في أن يحيطوا بخصائص ذلك النّشاط الأدبيّ، الذي يزاوله الكتّاب، وقد أتيح لهم بذلك اللّقاء الذي كان يجمع بيني وبينهم، الفرصة التي يشبعون فيها نهمهم المعرفيّ لإدراك ذلك الموضوع الذين ينظرون فيه، ولا يكاد يعلم أولئك الأشخاص الذين يلتقون بي، أنّي متفرّغ لمزاولة نشاط الكتابة الأدبيّة، حتّى يبادروا إلى السّؤال فوراً عن مصدر الدّخل الماليّ، الذي أستند إليه في تحمّلي تكاليف المعيشة، وقد هيّأت لهم فطنتهم الواعية، أن يدركوا بسهولة حقيقة تلك المسألة الماليّة، التي تثار عادة عند النّظر في شؤون هذه المهنة الأدبيّة، فلا غرابة إن كانوا يميلون إلى أن يظنّوا أنّني أمارس مهنة أخرى، بالإضافة إلى مهنة الكتابة الأدبيّة، وكانت تزداد حيرة أولئك الأشخاص وتكبر دهشتهم، عندما يتيقّنون ببطلان ظنونهم التي نشأت في نفوسهم، بعد أن يعلموا علم اليقين أنّي لا أجمع مهنة أخرى أبداً إلى نشاط تلك الكتابة الأدبيّة، التي كنت أوضّح لهم شؤونها المتنوّعة، وأدأب أيضاً في أن أردّهم عن ذلك الالتباس الذي يقعون فيه، وأصحّح تلك الأفكار التي ينظرون فيها إلى أحوال تلك المهنة الأدبيّة.

1- المعجم الوسيط _ مجمع اللّغة العربيّة في القاهرة.



تفاقمت تلك المشاكل التي نجمت عن اكتظاظ المدن بالسّكّان، حتّى كاد أن يستعصي تماماً على النّاس القاطنين في تلك الحواضر السّكنيّة، أن يعالجوا تلك المشاكل المستشرية، فكثيراً ما أعيت الحيل هؤلاء الأقوام في معالجة تلك الأزمات التي طرأت عليهم، وقد جهد كثيراً أولئك الأشخاص الذين يديرون شؤون تلك المدن، في أن يجروا الأبحاث وينجزوا الدّراسات العديدة، ليتحرّوا عن الوسائل النّاجعة لمعالجة تلك المشاكل التي طرأت على تلك المدن، ولا سيّما بعد أن أدركوا مقدار تلك المضارّ الكبيرة، التي تتمخّض بها مشكلةُ نمو معدّل الكثافة السّكانيّة في المناطق الحضريّة، التي يستقرّ بها أولئك النّاس المزدحمون، فسعى هؤلاء القيّمون على إدارة أحوال تلك المدن، إلى أن يكافحوا تلك العلل المستفحلة التي ألحقتها بالحواضر السّكنيّة، تلك الأزمات الطّارئة، وبذل أعضاء غالبيّة الأجهزة التي تدير شؤون المدن في العالم جهوداً موفورة، في معالجتهم تلك المشاكل المستفحلة، بيد أنّ أغلب تلك الطّاقات التي أفرغوها، كانت تذهب سدى من دون أن يحلوا منها بطائل، ولم يكد هؤلاء الأفراد الذين انضووا إلى تلك الأجهزة الإداريّة، يتيقّنون بأنّ جهودهم التي بذلوها، قد ضاعت هباء في أدراج الرّياح، حتّى بادروا إلى أن يطلبوا مشورة الخبراء، الذين كانوا يعكفون على وضع المخطّطات العمرانيّة للحواضر السّكنيّة، وعمد هؤلاء المشرفون على إدارة المدن المكتظة بالسّكّان، إلى أن يستنصحوا الباحثين في المسائل الدّيموغرافيّة، وتطلّعوا إلى أن يعثروا عند كلّ هؤلاء الخبراء والدّارسين الذين أقبلوا إليهم، الحلول النّاجعة لمشاكلهم المستعصية.

برزت في إحدى المدن العربيّة قبل مدّة تزيد على الثّلاثين عاماً، ظاهرة ازدحام السّكان في أرجاء تلك المدينة الكبيرة، التي استعان القيّمون على إدارة شؤونها، بأحد الخبراء الذين تميّزوا بعلمهم الغزير ومعرفتهم الواسعة، في حلّ تلك المشاكل التي يحدثها ازدياد الكثافة السّكّانيّة، وقد كانت إحدى الأزمات التي طُلب من ذلك الخبير أن ينظر فيها أيضاً، هي ازدياد أعداد النّاس الرّاغبين في السّكن في تلك المدينة، التي كانت أعداد المنازل المشيدة فيها، لا تفي بسدّ حاجة النّاس إلى الاستقرار في تلك المدينة، وقد قدم ذلك الخبير الأجنبيّ الجنسيّة قبل أكثر من ثلاثين عاماً إلى تلك المدينة العربيّة، وهو كان يعمل في إحدى المنظّمات العالميّة، التي يهتمّ الأعضاء المنتسبون إليها، بمعالجة المشاكل الدّيموغرافيّة التي تنشأ في دول العالم قاطبة، وقد أمضى ذلك الخبير بضعة أشهر في تلك المدينة العربيّة، حيث عكف على أن يتنقّل في أرجائها، فسبر أحوال مناطقها كافّة، وتفحّص أوضاع المرافق كلّها التي أنشئت فيها، ودقّق النّظر في قدر الكثافة السّكانيّة الحاصلة في تلك المدينة، وأمعن في البحث في النّسيج العمرانيّ الذي أقيم فيها، وأخذت تتجمّع عنده تلك الملاحظات الموفورة التي يرتئي الباحثون أن يدعموا بها دراساتهم، التي يجرونها وفق تلك القواعد التي يقوم عليها المنهج العلميّ الذي يتّبعونه، واستغرق ذلك الخبير في إعداد دراسته زمناً امتدّ إلى عدّة شهور، وبعد أن أنجز مهمّته التي انتدب للقيام بها، تهيّأ لتقديم حصيلة دراسته المكثّفة وبحثه المتشعّب، إلى الأشخاص القيّمين على إدارة شؤون تلك المدينة العربيّة، وقد استعدّ هؤلاء الأفراد متلهّفين لتلقّي نتيجة تلك الدّراسة التي أجراها ذلك الخبير الأجنبيّ، الذي نظر في تلك المشاكل الذي فوّضوه البحث فيها.

توقّع أولئك الأشخاص الذين تهيّؤوا لتلقّي التّقرير الذي أعدّه الخبير الأجنبيّ، أنّهم سيطالعون سيلاً طويلاً من النّصائح التي سيمحضها لهم ذلك الخبير، وقد عزوا غزارة تلك النّصائح التي تنبّؤوا بأنّهم سيتلقّونها، إلى طول المدّة التي أمضاها ذلك الخبير في هذه المدينة، وظنّوا أنّ كبر مقدار تلك النّصائح، سيناسب ضخامة تلك المشاكل التي بحثها ذلك الخبير، فلم تكن الأزمات التي أصابت تلك المدينة يسيرة، وقد توقّع هؤلاء الأشخاص المشرفون على إدارة المدينة، أنّ تلك الطّريقة التي ستعالج بها تلك الأزمات التي نزلت بها، لن تكون هيّنة بتاتاً، ولم يكد ذلك الخبير يقدّم حصيلة دراسته التي أنجزها، حتّى تفاجأ هؤلاء الأفراد الذين تلقّوا تلك الدّراسة، مفاجأة كبيرة، ودهشوا مبهوتين من حجم ذلك البحث الذي قدّمه لهم ذلك الخبير، واعترتهم الحيرة من مضمون تلك الدّراسة التي تلقّوها، وأمّا حجم تلك النّصائح فلم يكن يتعدّى بضع كلمات قليلة، شغلت حيّزاً صغيراً جدّاً من ورقة واحدة، وكانت حصيلة تلك الأبحاث التي أجراها، تركّزت في بضع كلمات قليلة، فتسبّبت ضآلة حجم تلك الدّراسة الوجيزة، بتلك الصّدمة التي نزلت بهم حينما تلقّوا ذلك التّقرير الذي قدّم إليهم، وهم كانوا يهيّؤون أنفسهم لتلقّيهم ملفّاً ضخماً من الأوراق المكدّسة، والمحشوّة بالنّصائح والملاحظات والمعلومات.

انتظر أعضاء الهيئة التي أنيط بها الإشراف على إدارة تلك المدينة، أن يتناولوا تقريراً كبيراً مليء بالعبارات، التي تفيض بالكلمات التي تدلّ على الشّرح والإيضاح لتلك المواضيع التي بحثها ذلك الخبير، وكان قدّر لهؤلاء القوم المشرفين على إدارة المدينة العربيّة، أن يتلقّوا مفاجأة أعنف وأشدّ قوّة من المفاجأة الأولى، التي أصابتهم بسبب تلقّيهم تلك الكلمات القليلة، التي حواها ذلك التّقرير الذي أعدّه الخبير الأجنبيّ، وأمّا المفاجأة الإضافيّة التي ألمّت بهم أيضاً، فكانت نجمت عن فحوى تلك العبارة الوجيزة التي ذكرها ذلك الخبير، الذي قال في عبارته التي تضمّنها تقريره: "يجب إيجاد الوسائل التي تسهّل تحقّق عمليّة استيراد السّيّارات"، ولم يكد القيّمون على إدارة شؤون تلك المدينة، يطّلعون على تلك الكلمات القليلة، حتّى ظنّ بعض منهم، أنّ الخبير قصد أن يمازحهم ويتّبع سبيل المداعبة الطّريفة، في تقديمه ذلك التّقرير الوجيز، وقد اعتقدوا في قرارة أنفسهم أنّ تلك الدّراسة لا تحوي مضموناً جدّيّاً، بيد أنّ ذلك الخبير أكّد جازماً أنّه عازم ومصمّم على التّشبّث بفحوى تلك الدّراسة التي أعدّها، وقد وقر في ذهنه أنّ تلك النّصيحة التي أفصح عنها، ملائمة لمعالجة مشاكل تلك المدينة.

إنّ النّاس الذين يتروّون في مغزى تلك الكلمات التي حواها التّقرير الذي أعدّه ذلك الخبير الأجنبيّ، لا يعسر عليهم أن يتبيّنوا أنّ أساس المشاكل التي تجبه الأقوام، لا يكمن بالضّرورة في الأسباب المباشرة التي أدّت إلى نشوء تلك المشاكل، وبخاصّة أنّ عين النّاظر في تلك المشاكل، تلحظ تلك الأسباب من الوهلة الأولى، بينما غالباً ما يكمن أساس تلك الأزمات في الأغوار السّحيقة، التي ينطوي عليها قوام تلك المشاكل، وكثيراً ما تعجز عين النّاظر عن أن تدرك ذلك الأساس العميق، من فور ظهور معالم تلك المشاكل لناظريه، وذلك الخبير الذي نظر في مشاكل تلك المدينة العربيّة الكبيرة، لم يعيَ عن أن يجد الحلّ الملائم لمشكلة ازدحام النّاس الحاصل في تلك المدينة، وإذا أردنا أن نتبيّن بدقّة مضمون عبارة ذلك الخبير، بمثال نستقيه من تلك الأحداث الواقعة في مجرى الحياة، فإنّه يجب أن نتقدّم في الزّمن فترة تقارب العشرين سنة، لنرى بصورة عمليّة تلك الطّريقة التي تطبّق فيها تلك النّصيحة التي كان ذلك الخبير ذكرها منذ زمن بعيد.

كابد سكّان عدّة مدن بالعالم في مطلع القرن الحادي والعشرين، عناء البحث عن منازل تفي بتلبية حاجاتهم إلى الإقامة في تلك المدن، التي لم يكن يتوفّر فيها العدد الكافي من المنازل المهيّأة لاستيعاب تلك الحشود المتزايدة من النّاس، الذين يرغبون في أن يسكنوا فيها، وكان المسؤولون عن إدارة شؤون تلك المدن، عمدوا إلى أن يطبّقوا فحوى تلك المشورة التي كان محضها ذلك الخبير قبل ثلاثين عاماً أولئك القيّمين على إدارة شؤون تلك المدينة العربيّة، التي كان زارها ذلك الخبير باحثاً في تلك المشاكل التي طرأت عليها آنذاك، فإذا تعذّر على النّاس أن يعثروا على مسكن يقطنون فيه في المدينة التي ينوون الإقامة فيها، فإنّ من يعالج تلك المشكلة التي جبهت هؤلاء القوم، قد يخطر في باله أن يقترح حلّاً ينصّ على ضرورة تحفيز أولئك النّاس إلى السّكن خارج تلك المدينة، حيث توجد الأماكن الفسيحة التي تهيّأ لاستيعاب العمارات الجديدة، التي يتأهّب النّاس لأن يبنوها في تلك الأراضي الواسعة، ولكنّ العقبة الكأداء التي تعترض تنفيذ ذلك الحلّ العمليّ، هي تلك المشاقّ التي سيعانيها أولئك السّكّان الذين يضطّرون إلى أن يقطعوا المسافات الطّويلة، التي تفصل بين المكان الذي يسكنون فيه، وتلك المدينة التي تضمّ تلك المقارّ التي يعمل فيها أولئك السّكّان، ومن يبحث عن الحلّ الملائم الذي يخفّف عن هؤلاء الأفراد وعثاء ذلك التّنقّل، الذي لا مفرّ لهم من أن يكابدوا تلك المشقّة التي يحدثها، فإنّه لن يجد حلّاً يفضل ذلك الحلّ الذي يتحقّق في حصول هؤلاء الأفراد، على وسيلة المواصلات المناسبة التي تيسّر لهم تنفيذ عمليّة ذلك التّنقّل بين تلك الأماكن، التي تفصل فيما بينها مسافات طويلة، فإذا ما توفّرت وسائل تلك المواصلات الملائمة، فإنّ النّاس سيتحفّزون آنئذ للسّكن خارج المدن.

انتشرت ظاهرة السّكن خارج المدن في أرجاء شتّى في هذا العالم، حتّى أصبحت ظاهرة عالميّة، إذ نفّذت دول عديدة ذلك الحلّ لتلك المشاكل التي يحدثها ازدحام النّاس في المدن، وإذا استعرضنا أحوال المدن الأمريكيّة، فإنّنا نجد أنّه "بات مزيد من الأمريكيّين، وأكثر من أيّ وقت مضى مستعدّين لتمضية فترة طويلة في سياراتهم مقابل الحصول على منزل كبير وفناء واسع"(1)، وتلك المشاريع الاقتصاديّة التي أقيمت لتلبية حاجات أولئك النّاس الذين يرغبون في السّكن خارج المدينة، لم تقتصر على توفير وسائل المواصلات المناسبة لأولئك السّكّان، بل أنّ التبّدلّ الطّارئ على الأماكن التي يقيم بها هؤلاء النّاس، استتبّع نشوء مناشط اقتصاديّة جديدة جارت تلك الظّاهرة العالميّة المنتشرة، فلوحظ أنّ "مع انتشار نزعة العيش خارج المدن وعلى أطرافها في أنحاء العالم، فإنّ الخدمات تتعقّبها أيضاً"(2)، وقد عنت شركات تجاريّة ومؤسّسات صناعية عديدة بتلبية حاجات هؤلاء الأفراد الذين اقتنوا منازلهم خارج المدينة، وكان بعض تلك المؤسّسات الاقتصاديّة وضع أولئك الأفراد في فئة المستهلكين، الذين يواظبون على قيادة سياراتهم فترات طويلة، وقد توطّدت تلك الصّلة التي تجمع بين السّيّارات التي يقودها هؤلاء السّكّان، والمنازل التي يقطنون فيها، حتّى أخذت تجمعهما عبارة واحدة تتضمّن مغزى اقتصاديّاً جليّاً، وتلك العبارة ترمز تحديداً إلى تلك القروض الماليّة التي يقترضها أولئك الأشخاص كي يتمكّنوا من شراء المنازل خارج المدينة، فقد كان في إحدى المدن الأمريكيّة "يقود 10 ملايين شخص سيّاراتهم لمدّة تفوق السّاعة للوصول إلى مراكز أعمالهم. بزيادة 50 بالمائة مقارنة بعام 1990. والكثيرون يقومون بما يسمّيه الوكلاء العقاريّون في كاليفورنيا "القيادة حتّى التّأهّل" لقرض عقاريّ"(3).

استشرف أشخاص عديدون بنظرهم الثّاقب تلك الحاجات، التي تنشأ عند النّاس، الذين يستخدمون سيّاراتهم في تنقلّهم الدّائم بين تلك الأماكن التي تفصل بينها مسافات شاسعة، فأولئك الأشخاص الذين تمّكنوا من أن يستوعبوا تلك الحاجات الشّخصيّة، التي تنشأ عند أولئك الأفراد القاطنين في أماكن خارج المدن، توقّعوا بيسر أنّ أولئك السّكّان الذين سيطوون يوميّاً المسافات الطّويلة، سيحتاجون إلى أن يهجؤوا جوعهم، وينضحوا عطشهم خلال تنقلهم بين تلك الأماكن المتباعدة عن بعضها البعض، ولم يعسر على أولئك الأشخاص الذين يبحثون عن المشاريع التّجاريّة المربحة، أن يدركوا حاجة هؤلاء الأفراد المتنقّلين إلى أن يتناولوا وجبات الطّعام، فعمدوا إلى أن يهيّؤوا لهم وجبات الطّعام التي يتناولونها، بينما يكونون جالسين في مقاعدهم الوثيرة في سيّاراتهم التي يستقّلونها، فأولئك الأفراد الذين يتنقلّون بين تلك الأماكن التي تفصل بينها مسافات مديدة، يضطّرون إلى أن يمضوا وقتاً طويلاً في قيادتهم سياراتهم على الطّرقات الممتدّة، وقد قدّر الوقت الذي يستغرقه النّاس في إحدى المناطق في أمريكا، في تنقّلهم بين الأماكن التي يسكنون فيها، والمقارّ الذي يعملون فيها "بأربع ساعات يوميّاً"(4)، فانفرج السّكّان الذين يقطنون خارج المدينة، من أزمة السّكن، التي كانوا يكابدونها في بحثهم المضني عن أمكنة يقيمون فيها، بالمدينة التي تضمّ المقارّ التي يمارسون فيها أعمالهم، وأصبحت "نزعة العيش خارج المدن الكبرى تحوّل أمريكا إلى بلد الرّحل. ف"المتنقّلون المتطرّفون" الذين يحتاجون إلى أكثر من 90 دقيقة للوصول إلى مراكز عملهم هم الشّريحة الأسرع نموّاً بين المتنقّلين يوميّاً إلى أعمالهم، وهم أيضاً قوّة اقتصاديّة تزداد أهمّيّة وتؤثّر في شتّى الأمور، من الأسواق العقاريّة إلى قوائم الوجبات السّريعة"(5).

اهتمّت شركات تجاريّة عديدة بتلبية حاجة أولئك النّاس إلى أن يتناولوا الطّعام، في أثناء ذلك الوقت الذي يقطعون فيه تلك المسافات الطّويلة، فوفّرت لهم الحصول على وجبات الطّعام التي اصطلح على أن تسمّى بالوجبات السّريعة، وقد أحصت الشّركات التّجاريّة عدد الوجبات التي يتناولها الفرد الأمريكيّ في سيارته فوجدت أنّه "يأكل 32 وجبة سنويّاً في سيّارته.. ويطلب وجبة من أصل كلّ أربع وجبات من سيارته"(6)، ولم تقتصر عناية الشّركات التّجاريّة بأولئك السّائقين على تقديم وجبات الطعام إليهم، بل أنّها عمدت إلى أن توجد الطّريقة الملائمة التي يقدّم بها الطّعام إلى هؤلاء السّائقين ضمن سيّاراتهم التي يستقلّونها، فهيّأت لهم بعض الشّركات التي تعدّ وجبات الطّعام، وسائل تكنولوجيّة متطوّرة، إذ وضعت شاشات يستخدمها الأشخاص بلمسها بأطراف أصابعهم، ليحدّدوا أنواع الطّعام الذي يعرض عليهم في قوائم تظهر على سطح تلك الشّاشات، التي سرعان ما شغلت المكان المناسب، الذي كان ضمن محطّات الوقود نفسها، فالسّائق الذي يقود سيارته فترة طويلة، مضطرّ إلى أن يقصد تلك المحطّات ليتزوّد منها بالوقود الذي يدفع بسيّارته إلى أن يمضي بها قدماً، في مسيرها على الطّرقات الممتدّة الطّويلة، فيمدّ سيّارته بتلك الطّاقة التي تدفعها إلى مواصلة سيرها، وهو سيتاح له أيضاً أن يحصل في تلك المحطّات على وجبات الطّعام، التي تثير في جسده الطّاقة التي تدبّ النّشاط في جسده، ولا يصعب على الإنسان أن يحدّد ذلك المكان الذي تحلّ فيه تلك الشّاشات، التي لا ريب في أنّها ستوضع على مضّخات الوقود بذاتها، فلا يكاد ذلك السّائق ينتهي من ملء الوقود، حتّى تكون شطيرته مهيأة لأن تقدّم إليه في السّيارة التي يقودها.

إنّ أولئك السّائقين الذين لقّبوا بالمواطنين الرّحل، عمدوا في أغلب الأوقات إلى أن يطلبوا وجبات الطّعام السّريعة في تنقلهم على الطّرقات، حتّى أصبح "أكثر الأدوات الكهربائيّة رواجاً في أمريكا ليست أفران المايكرويف، بل النّوافذ الكهربائيّة"(7)، وقد استتبع رواج تلك العروض التّجاريّة في محطّات الوقود، أن تبنى على مقربة من مضخّات الوقود "المراحيض التي يستخدمها هؤلاء المتنقّلون على الطّرقات(8)، وإذا كانت السّيارة هي الأساس الذي ارتكز عليه ذلك الحلّ لمشكلة السّكن، فإن الشّركات التي تصنّع السّيارات سعت إلى أن تجاري نشوء تلك النّتائج التي تمخّض بها، تطبيق ذلك الحلّ النّاجع، وتكاد شركات السّيّارات أن تكون هي أولى وأحقّ بأن تساهم مساهمة فعّالة، في أن توجد الخدمات الملائمة التي يحتاجها هؤلاء السّائقون الرّحل، فقد دأبت شركات تصنيع السّيّارات في أن تنتج "سيّارات هجينة تهدف جزئيّاً إلى الحدّ من تكاليف الوقود المترتّبة على المتنقّلين الذين يعيشون بعيداً عن عملهم. لكنّ التّغييرات الحقيقيّة تحصل داخل السّيارة. فحاملات الأكواب. التي أطلقت عام 1982، يفوق عددها الآن عدد المقاعد في الكثير من السّيارات"(9)، وقد عملت بعض الشّركات على أن تصنع سيّارات تضمّ "ثلاث حاملات أكواب للسّائق وحده: واحدة لقنينة الماء وواحدة للقهوة وواحدة للعصير. هناك حتّى شقوق لوضع سدادات القنانيّ"(10)، وقد بادرت إحدى الشّركات التي تصنع السّيّارات، إلى أن "تقدّم صندوق قفّازات مبرّداً اختياريّاً، كما أنّ مقعد راكبها الأماميّ يتحوّل إلى طاولة طعام عند ثنيه"(11)، فبدأت شركات السّيّارات تهتمّ بأن تسدّ تلك الحاجات، التي كانت سابقاً تندرج في فئة الكماليّات التي لم يكن يؤبه لها كثيراً.

لم تتوان الشّركات التي تصنّع السّيّارات، في أن تندفع أيضاً في إنتاجها المقاعد الوثيرة، التي توفّر دواعي الرّاحة لأجساد أولئك السّائقين الذين يطوون يوميّاً مسافات واسعة، وقد حرّصت تلك الشّركات على أن تتعاقد مع المهندسين المهرة الأكفاء، الذين عندهم خبرة ودراية واسعتان بتصنيع تلك المقاعد المريحة، التي عكفت تلك الشّركات على أن تعدّها لتلائم أولئك السّائقين، الذين يجلسون على تلك المقاعد فترات طويلة جدّاً، وقد ذكر أحد المسؤولين عن تصنيع تلك المقاعد في إحدى شركات السّيّارات أنّ "هذه التّنقلات الطّويلة ستغيّر طريقة تقييمنا للمقاعد. قد نرى أشخاصاً مستعدّين لدفع مبالغ كبيرة للحصول على مقاعد مريحة جدّاً"(12)، وقد انتشرت "نزعة العيش خارج المدن وعلى أطرافها في أنحاء العالم"(13)، حتّى أنّها أدركت أوروبا واليابان، إذ كانت "التّنقلّات الطّويلة إلى أماكن العمل باتت راسخة في أوروبا وتنتشر في اليابان إلى بقيّة آسيا أيضاً"(14).

لم تغب ظاهرة السّكن خارج المدينة، عن الصّين أيضاً حيث ذكر أنّ "الصّينيّين المتنقّلين إلى أعمالهم يقطعون مسافات طويلة ويقضون أوقاتاً طويلة في سيّاراتهم بقدر سكّان كاليفورنيا، أي أكثر من ساعة يوميّاً"(15)، وإذا كان أصحاب المؤسّسات الاقتصاديّة قد تنبّهوا لانتشار هذه الظّاهرة في تلك البلدان، التي أنشؤوا فيها المراكز الرّئيسيّة التي قامت فيها شركاتهم التّجاريّة، فإنّهم قرّروا أيضاً أن يجاروا تنقّل تلك الظّاهرة بين بلدان العالم، وإن اضّطرّ أصحاب تلك الشّركات أن يقطعوا المسافات الطّويلة، كي يسايروا انتشار تلك الظّاهرة العالميّة، فكانت الشّركات التّجاريّة الأمريكيّة، التي تابعت عن كثب نشوء ظاهرة السّكن خارج المدن في أمريكا، سرعان ما عمدت إلى أن توسّع نطاق تلك الأعمال التي تنجزها، حتّى تمّكنت من أن تحيط ببلد فسيح الأرجاء هو الصّين بذاتها، حيث كان يتنقّل فيها أيضاً على الطّرقات أولئك الصيّنيّون الذين كانت "التّجارة الأمريكيّة في أعقابهم"(16)، إذ ذكر أنّ إحدى شركات الطّعام عمدت إلى أن تفتتح في عام 2006 "أوّل نافذة لتسليم الوجبات في السّيارات... في الصّين، وتنوي افتتاح مئات النّوافذ الأخرى"(17).

لم يكد النّاس يندفعون في الاستقرار بمناطق واقعة خارج المدن، التي يزاولون فيها أعمالهم، حتّى أخذ أصحاب الشّركات التّجاريّة الحصفاء، في أن يسارعوا إلى أن يتبيّنوا تلك الحوائج المستجدّة التي نشأت عند أولئك النّاس، الذين قرّروا أن يسكنوا خارج المدن، بل إنّ مديري تلك الشّركات التّجاريّة تكهّنوا مسبقاً في طبيعة الأزمات التي سيصادفها أولئك الأفراد، الذين أطلق عليهم لقب الأشخاص الرّحل، الذين جهد أصحاب تلك الشّركات التّجاريّة في أن يذلّلوا المصاعب التي تعترضهم، وسعوا إلى أن يمهّدوا لهم سبيل التّنقّل بيسر وسهولة، ولا ريب في أن تلك الشّركات غنمت فوائد عديدة بتنفيذ تلك المبادرات التّجاريّة، فأنشأت أنشطة اقتصاديّة واسعة، واستطاع الرّجال الذين أطلقوا تلك المبادرات الاقتصاديّة أن يحلّوا العديد من المشاكل، التي برزت في مجرى حياة أولئك النّاس الرّحل، وكانت فكرة السّكن خارج المدن، تعتمد اعتماداً كبيراً على توفّر وسيلة المواصلات المناسبة، وأعتقد أنّه مهما اشتدّت قسوة تلك المشاكل التي تجبه النّاس، فإنّ في إمكانهم أن يوجدوا الحلول التي تنتشلهم من أشدّ الأزمات المستعصية، وتفرّج عنهم ذلك الضّيق الذي توقعهم فيه تلك المشاكل التي تطرأ عليهم.

 

1- مجلّة نيوزويك، العدد 318، 18 يوليو 2006، ص47.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السّابق.

4- المصدر السّابق.

5- المصدر السّابق.

6- المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق.

8- المصدر السّابق.

9- المصدر السّابق.

10- المصدر السّابق.

11- المصدر السّابق.

12- المصدر السّابق.

13- المصدر السّابق.

14- المصدر السّابق.

15- المصدر السّابق.

16- المصدر السّابق.

17-المصدر السّابق.



يعمد النّاس إلى أن يقطنوا في تلك الأماكن التي ينفسح فيها لهم المجال لمزاولة أنشطتهم المتنوّعة، وما تبرح تزداد صلابة تلك الرّابطة التي تجمع بين الإنسان، وتلك البقاع التي يؤسّس فيها ركائز العمل الذي يمتهنه، فظلّت تتوثّق تلك العلاقة التي تجمع بين مثوى الإنسان الذي يسكن فيه، والمكان الذي يمارس فيه أعماله، ونشأت هذه الرّابطة المتينة منذ العصور السّحيقة، وظلّت تتوطّد على مرّ الزّمن، حتّى أنّ تلك العلاقة كانت سبباً مباشراً لنشوء مدن عديدة كبيرة، إذ كانت تلك المدن تتوسّع وتنمو، كلّما أمّتها الأعداد المتزايدة من النّاس الذين انتووا أن يمارسوا أعمالهم في أرجائها، حيث يقصدون إلى أن يتلبّثوا ماكثين في تلك المدن، وقد دخلت تلك الرّابطة بين المسكن ومكان العمل، في عالم الأمثال التي تتحدّث عن الصّلة الوثيقة النّاشئة بين الإنسان والمكان الذي يمارس فيه أعماله، التي تدرّ عليه أخلاف الرّزق الذي يقيم به أود عائلته، وقد محض مثل سائر شائع النّاس النّصيحة بأن يلزموا المكان، الذي يجنون فيه المال الذي يعود عليهم من مزاولتهم أعمالهم المهنيّة، فتستقرّنَواهم بتلك الأمكنة التي يقرّرون أن يمارسوا فيها أنشطتهم، وما برح النّاس يقبلون على الإقامة في أرجاء المدن، ويتزاحمون على أن ينشؤوا في تلك البقاع التي يحلّون بها، منازل يقطنون فيها، حتّى أخذت تلك المدن تضيق بجموع هؤلاء السّكّان المتزاحمين في نواحيها، إذ أخذ النّاس يتسابقون إلى السّكن في تلك البقاع التي أنشؤوا فيها تلك المدن، التي طفقت تكتظّ بالأقوام التي تلازنوا فيها، حتّى أصبحت الموارد المختزنة في تلك المدن لا تفي بتلبية حوائج أولئك السّكّان الذين كانت أعدادهم تتزايد.

تمخّض الاحتشاد البشريّ الكثيف بالأزمات العديدة، التي اندرجت في عدادها المشكلة السّكانيّة التي تنجم عن "تزايد عدد السّكّان بصورة لا تتناسب مع الموارد الاقتصاديّة"(1)، وقد تناول تلك المشكلة الباحثون في القضايا الدّيموغرافيّة، ونظروا في تلك الوسائل التي تهيّىء التّصدّي لمعالجة تلك المشاكل، التي يتسبّب بحدوثها اكتظاظ المدن بالأعداد المتزايدة من النّاس، ولا غرابة في أن تتعدّد الدّراسات الدّيموغرافيّة التي وضعها الباحثون، ليحلّوا تلك المشاكل الطّارئة على المدن، فلأنّ الدّيموغرافيّة هي "علم إحصائيّ يعنى بدراسة السّكّان بالاعتماد على الإحصاء والتّحوّلات المصاحبة للسّكّان، وكيفيّة توزّعهم حسب الجنس والفئات العمريّة، وكيفيّة توزّعهم على المجال وهجراتهم، ولا يكتفي بدراسة الظّواهر السّكانيّة بل يبرز التّفسيرات المرتبطة بها، ومن المقاييس الدّيموغرافيّة الهامّة نسبة النّزوح والهجرات الدّاخليّة والخارجيّة من حيث الوافدين والمغادرين، ونسبة الحضر والرّيف ونسبة الكهول والأطفال ونسبة النّمو الطّبيعيّ والولادات والوفيات"(2)، فعنى الباحثون في القضايا الدّيموغرافيّة بمعالجة تلك الأزمات النّاجمة عن تزاحم النّاس في المدينة، التي أطلق عليها اسم الحاضرة العمرانيّة، وقد تنوّعت تلك القضايا الدّيموغرافيّة، لتجاري تعدّد تلك المظاهر التي تتجلّى فيها الأعمال المختلفة، التي تأتيها الجموع السّكانيّة في تلك المدن التي تقيم فيها.

اختلفت أنماط تلك الأزمات التي نجمت عن اكتظاظ المدن بالسّكّان، إذ كانت تلك الحواضر السّكنيّة تحتوي أساساً تلك المناشط، التي تعبّر عن المظاهر الكثيرة والواسعة التي يلوح فيها مجرى الحياة التي يعيشها أولئك السّكّان، فإذا نظرنا على سبيل المثال، إلى المشاكل الصّحّيّة النّاجمة عن ذلك الاحتشاد البشريّ، فإنّنا نرى المنظّمات العالمية التي تندرج في عدادها منظّمة الصّحّة العالميّة، قد اهتمّت بمعالجة تلك المشاكل الصّحّيّة، التي تتسبّب بنشوئها حالة الانفجار السّكانيّ الذي يسمّى أيضاً بالتّضخّم السّكانيّ، وهو الحالة التي "يبلغ فيها عدد السّكّان حدّاً يختلّ فيه التّوازن بين عدد السّكّان وحاجاتهم والموارد الاقتصاديّة الطّبيعيّة والاقتصاديّة المتوفّرة"(3)، فكان الباحثون الذين درسوا الأسباب التي تؤدّي إلى نشوء تلك المشكلة، اعتبروا أنّ مسألة شحّ الموارد الطّبيعيّة هي العامل الأساسيّ الذي أنتج تلك المشكلة السّكانيّة، التي عيّنوا تلك المرحلة التي تنشأ فيها، وقد كانت تحديداً في ذلك الأوان الذي تبدأ فيه الموارد في المدن تتناقص، إلى أن تبلغ ذلك المقدار الذي لا يفي بتلبية حوائج أولئك السّكّان، الذين يحلّون في تلك المدن، وقد عمد الاقتصاديّ الكنديّ William Rees إلى أن يميّز بين المساحة الفعليّة التي تشغلها المدينة، وأبعاد المكان الذي تتوفّر فيه الموارد الطّبيعيّة التي تفي بسدّ حاجات السّكّان في تلك المدينة، فنشأ مفهوم الرّقعة الجغرافيّة الفعليّة للمدينة أو (Footprint ) وهي تتجاوز مساحتها الجغرافيّة الظّاهريّة، وعدّ ذلك الباحث أنّ تلك الرّقعة الجغرافيّة هي "المساحة الفعليّة اللّازمة لاكتفاء المدينة بسكّانها من المصادر الطّبيعيّة".(4)

إنّ ذلك التّعريف الذي وضع لتحديد مفهوم المشكلة السّكانيّة، يوضّح جليّاً أهمّيّة ذلك البحث الذي أجراه ذلك الباحث الاقتصاديّ الكنديّ "ويليام ريس"، الذي حدّد مقدار مساحة المكان الذي يجب أن يعدّ لاحتضان أعداد محدّدة من السّكان، بحسب مبلغ تلك الموارد التي يقدّمها ذلك المكان ليسدّ بها حوائج أولئك السّكّان، وقد اتّخذت مدينة لندن مثالاً يوضّح مفهوم الرّقعة الجغرافيّة، فذكر أنّ "مدينة مثل لندن يقطنها 12% من سكّان بريطانيا، والتي تمتدّ لمساحة 170 ألف هكتار تستهلك ما يعادل مساحة جغرافيّة فعليّة، هي 21 مليون هكتار أو 125 ضعف مساحتها الجغرافيّة الظّاهريّة، وبكلمات أخرى يستلزمها مساحة بريطانيا الجغرافيّة كلّها كمساحة فعليّة لتلبية احتياجاتها البيئيّة ومستلزماتها"(5)، وقد راعى الدّارسون الذين تناولوا المشكلة السّكانيّة في دراساتهم، أن يبحثوا أيضاً في مسألة الكثافة السّكانيّة التي اعتبرت هي "مقياس ديموغرافيّ يستخدم لقياس معدّل تواجد السّكّان في منطقة ما، وهي تساوي حاصل قسمة عدد السّكّان في منطقة ما على المساحة الكلّيّة لتلك المنطقة"،(6) وكانت تتنوّع طرق حساب الكثافة السّكانيّة، لتوافق طبيعة المكان الذي تحسب فيه نسبة تلك الكثافة، إذ كانت تحدّد تلك النّسبة في أماكن متنوّعة مثل الأراضي الزّراعيّة أو الحضريّة أو السّكنيّة، بالإضافة إلى المواقع الأخرى التي يهتمّ الباحثون برصد نسبة الكثافة السّكانيّة فيها.

تعدّدت في العالم المدن التي أخذت تتضخّم وتتّسع لتحيط بالأعداد المتزايدة من السّكّان الذين تكتنفهم في ظلّها، فأصبحت المدن الضّخمة ظاهرة عالميّة لا تقتصر وجودها على بقعة محدّدة من مناطق العالم، وكان أغلب المخطّطات العمرانيّة التي وضعت لتنظّم مسألة اتّساع وامتداد المدن، لم تف بمعالجة مشكلة تضخّم أعداد النّاس الذين بدأت تلك المدن تغصّ بهم، فظلّ الباحثون الذين اهتمّوا بوضع المخطّطات الملائمة لتلك المدن التي يزداد توسّعها، يفكّرون في إيجاد الخطط المناسبة لحلّ تلك المشاكل، التي يحدثها تزايد أعداد النّاس الذين يقطنون في المدن، وكانت جميع الهيئات المشرفة على إدارة شؤون تلك المدن، تلجأ إلى الاستفادة من المشورة التي يفصح عنها الخبراء، الذين اهتمّوا بدراسة مسائل النّمو العمرانيّ في المدن، وما زالت تتوسّع الدّراسات التي أجراها هؤلاء الباحثون في المسائل الدّيموغرافيّة، ليحيطوا علماً بأسباب نشوء تلك الأزمات التي أخذت تكابد رونتها مدن عديدة في العالم.

1- موسوعة المصطلحات الاقتصاديّة.

2- معجم المصطلحات الجغرافيّة.

3- موسوعة المصطلحات الاقتصاديّة.

4- قراءات في نشأة وتطوّر المدن تاريخيّاً ووجهة المدينة الحديثة ومشكلاتها، بحث منشور في موقع منتديات.

5- المصدر السّابق.

6- معجم المصطلحات الجغرافيّة.