إنّ الأضابير التي تحتوي على الوثائق التي تنجم عن تلك الأنشطة التي يزاولها النّاس، تحلّ بمكانة رفيعة عند أولئك الأفراد، الذين يعدّون تلك الوثائق ذاكرتهم النّيّرة، إذ يعوّلون عليها في مداورتهم وتدبّرهم تلك الأحداث التي تطرأ عليهم في مجرى حياتهم، فتتراكم عندهم تلك الخبرات المكنوزة في أضابير مصنّفة، فلا يستطيعون مطلقاً أن يستغنوا عن هداية تلك الذّاكرة، ولا يطيقون أن يتخيّلوا أن تنطفئ أنوارها وأن ينحسر عنهم ضياؤها، الذي يهتدون به في تأمّلهم في تلك الوقائع، التي انطوى عليها تاريخ حياتهم، فيجهدون في أن يستخلصوا من تلك الوقائع الغابرة العبر، التي ليس في وسعهم أيضاً أن يطرحوها عنهم حينما يستطلعون تلك الأحداث، التي ستتمخّض بها الأيام المقبلة، فلا يمكنهم من أن يخوضوا غمار تلك الوقائع التي تنجلي عنها تلك الأزمان القادمة، وليس في وسعهم أن يتهيّؤوا حقّاً لأن يعيشوا في خضم تلك الوقائع، التي تطرأ عليهم في سني حياتهم القادمة، إن لم يهتدوا بذاك المخزون من الأحداث التي تحيط بها تلك الذّاكرة النّيّرة، وإذا لم يردفوا على تبصّرهم في تلك الوقائع الماضية، اعتبارَهم بالمغازي التي تتضمّنها مجريات الأحداث السّالفة، واتّعاظَهم بالعبر التي يستخلصونها من تاريخ تلك الوقائع الماضية، ولا يتحدّد تبصّر الإنسان في الأيام المقبلة، باقتصاره على أن يتتبّع تلك الأحداث التي يتوقّع أن يعقب بعضها بعضاً، من دون أن يستخلص من سيرة حياته في الأيام الفائتة، تلك المغازي التي يهتدي بها في انتهاجه تلك السبيل التي تؤدّي إلى مشارف الأيام القادمة.



استطاعت شعوب العديد من البلدان النّامية، أن تنتهج سبيل النّمو الاقتصاديّ، بعد أن كانت تتكبّد في تلك الأقطار التي كانت تعيش فيها، المشاقّ والمشاكل التي كانت حتّى وقت لا يبعد كثيراً عن هذا الأوان الحاليّ، تعيق تحقّق تطوّر النّشاط الاقتصاديّ في تلك الأقطار النّامية، وكانت الوسيلة التي تذّرعت بها شعوب تلك الدّول النّامية إلى تحقيق ذلك النّمو، هي وسيلة التّصنيع المتطوّر، ولا غرو من أن تلقّب تلك الدّول بصفة دلّت على تلك الوسيلة التي استخدمتها، فسمّيت بالدّول حديثة التّصنيع، التي اندرجت في عدادها، دولُ شرق وجنوب شرق آسيا، وهي هونج كونج، وتايوان، وجمهوريّة كوريا الجنوبيّة، وسنغافورة، وتايلاند، وإندونيسيا، وماليزيا، والفليبين، وكان أضيفت إلى تلك الدّول، مجموعة من البلدان الأخرى وهي "الهند، والصّين، والأرجنتين، والبرازيل، والمكسيك، وتشيكوسلوفاكيا، والمجر، وبولندا"(1)، وكانت الدّول الثّلاثة الأخيرة التي ألحقت بالدّول حديثة التّصنيع، قد صنّفت أيضاً ضمن دول "الاقتصاديّات الانتقاليّة، Transitory Economies"، وتطلق هذه العبارة على "اقتصاديّات بلدان أوربا الشّرقيّة التي تتحوّل لشكل ما من العلاقات السّوقيّة أو الرّأسماليّة، بعد انهيار اقتصادها الذي كان يتميّز بسعة تدخّل الدّولة في الشّؤون الاقتصاديّة على أساس التّخطيط الاقتصاديّ، الذي كان قائماً فيها قبل العام 1989"(2)، وقد حقّقت دول جنوب شرق آسيا معدّلات نمو اقتصاديّ عالية، ولا سيّما في نطاق عمليّة تصدير منتوجاتها التي كانت تصّنعها، وقد تحدّثت سابقاً عن أنّ التّصنيع هو أساس عمليّة التّنمية الاقتصاديّة، وقد كانت وسائل الإنتاج المتطوّرة، وخصوصاً الآلات والمكائن الحديثة، هي الرّكيزة الأساسيّة التي قامت عليها عمليّة التّصنيع المتطوّرة.

انطلقت دول شرق وجنوب آسياإلى تحقيق النّجاح في رفع معدّلات النّمو الاقتصاديّ خلال سنوات السّبعينيّات من القرن الفائت، إذ اعتمدت على تطبيق القواعد التي استند عليها اقتصاد السّوق الذي انبنى على "حرّيّة العرض والطّلب في آليّات السّوق دون تدخّل الدّولة"(3)، وأخذت تلك الدّول أيضاً في تصدير منتجاتها وسلعها المصنّعة،ودأبت في أن تحقّق لبرلة أسواق المال الدّاخليّة والخارجيّة، وقصدت إلى أن تجذب إليها الاستثمار الأجنبيّ المباشر، وبينما عانت سائر البلدان النّامية في العقد السّابع من القرن الماضي، مشاكل عديدة، إذ فرضت عليها في تلك الفترة أن تتحمّل "أعباءثقيلة"(4)، فإنّ ذلك الأوان بذاته، كان"فترةنجاحمجموعةهذهالدّولالآسيويّةالتياستطاعتتحقيق معدّلاتنموعاليةجدّاًوأصبحتتعرفبالدّولالصّناعيّةالجديدة («NIC’s»New Industrial Countries"(5)، فأنشأت تلك الدّول في تلك المنطقة من العالم، مركزاً إنتاجيّاً صناعيّاً، ولأنّها كانت حديثة العهد في اتّباعها نهج التّصنيع، فكانت تسمّى لهذا السّبب أيضاً الاقتصادات الصّناعيّة الجديدة، "Newly Industrializing Economies NIEs"، وقد أخذت منتجات تلك الدّول تنتشر في الأسواق العالميّة، وبخاصّة في أسواق الولايات المتّحدة الأمريكيّة واليابان، وكانت يطلق على الطّريقة التي اتّبعتها شعوب تلك الدّول الآسيويّة في مزاولة نشاطها الاقتصاديّ، نموذج "النّمور النّاشئة"، واستخدم أحياناً مصطلح التّجربة الآسيويّة، وقد سمّيت تلك الدّول أيضاً بدول المعجزة الآسيويّة، وتستدعي هذه التّسميات التي تلفت نظر من يبحث في موضوع النّمو الاقتصاديّ في الأقطار النّامية، أن يدقّق في المعاني التي تتضمّنها تلك العبارات، التي أطلقت على دول تلك الاقتصادات النّاشئة في شرق جنوب آسيا.

لم تكن كلمة المعجزة التي وردت في الأبحاث الاقتصاديّة، صفة جديدة مبتكرة في ذلك الأوان، الذي أطلقت فيه تلك الكلمة على تلك الدّول الآسيويّة النّاشئة اقتصاديّاً، فكانت اليابان حظيت بهذا اللّقب الذي أطلق عليها، إذ كانت "بمساعدة وتشجيع من الولايات المتّحدة، تعافت من الخراب الذي نجم عن الحرب ومضت إلى تحقيق "المعجزة اليابانيّة" في النّمو الاقتصاديّ في الخمسينيّات والسّتينيّات"(6)، فحقّقت اليابان تلك المعجزة في عالم الاقتصاد في مطلع النّصف الثّاني من القرن المنصرم، حيث أخذ الباحثون الاقتصاديّون والدّارسون يتحدّثون عن النّمط اليابانيّ، الذي تميّز به النّشاط الاقتصاديّ الذي زاوله شعب تلك الدّولة الآسيويّة، وإذا كانت لليابان سابقة في تحقيق تلك المعجزة في نطاق الاقتصاد، فإنّ صفة النّمور كانت جديدة، وهي خصّت بها دول شرق وجنوب آسيا، وقد شبّهت تلك الدّول الآسيويّة بالنّمور تشبيهاً بلاغيّاً مجازيّاً، لأنّ حيوان النّمر، يتميّز بقفزاته الطّويلة ووثباته الواسعه وركضه السّريع، وكانت المعاني التي تتضمّنها الصّفات التي نعتت بها حركة حيوان النّمر، تنطبق على تلك المراحل التي تضّمنتها مسيرة تلك الدّول في انتهاجها سبيل النّمو الاقتصاديّ، إذ حقّقت وتائر سريعة جدّاً في عمليّة التطوّر الذي حقّقته تلك الدّول الآسيويّة، إلّا أنّه بعد أن استمرّت على النّجاحفي انتهاج النّمو الاقتصاديّ قرابة ثلاثين سنة،تعرّضتلأزمةماليّةاعتباراًمن عام١٩٩٧،عندماانهارتعملاتهاالمحلّيّة وبدأت تنسحب منهارؤوسالأموال في سرعة شديدة، وبكميّات كبيرة، وقد وصفت عملّية الانسحاب بالنّزوح الكثيف لرؤوس الأموال السّاخنة، فوقعت تلك الدّولفيأزمةماليّة، ثمّ اقتصاديّة اعتبرت أنّها كانت شديدةوطاحنة.

إنّ تلك الدّول الآسيويّة التي أصابتها تلك الأزمة الماليّة، لم تتجرّد عن الصّلة التي أقيمت بينها وبين الأسلوب المجازيّ، الذي اتّبع في الحديث عن النّمو الاقتصاديّ الذي أنجزته تلك الأقطار، إذ بالإمكان أن نصيغ عبارة لغويّة مجازيّة أخرى استناداً إلى الاستعارة البلاغيّة من عالم الحيوان أيضاً، إذا ما عمدنا إلى الحديث عن حالة تلك الدّول في تلك الأزمة الماليّة التي وقعت فيها، ففي وسعنا أن نتحدّت عنها قائلين: أنّ لكلّ جواد كبوة، وقد صغت هذه العبارة تمشّياً مع الوصف البلاغيّ المجازيّ الذي اعتُمِد في نعت النّمو الاقتصاديّ الذي حقّقته تلك الدّول، التي سمّيت بالنّمور الآسيويّة، وهذه العبارة التي وصفت بها الأزمة التي أصابت تلك الدّول الآسيويّة، تبيّن حالة التّعثر الذي عرقّل مسيرة تلك الأقطار في مواصلتها تحقيق النّمو الاقتصاديّ، وقد كان العديد من "المتحمسّين لمفهوم العولمة يرون أنّ الأزمة في آسيا هي أوّل أزمة اقتصاديّة كونيّة بحقّ، وخاصّة استشراء العدوى من آسيا إلى روسيا"(7)، وقد ذهب وكيل وزير الماليّة في اليابان إلى أن يتحدّث عن أزمة تلك الدّول الآسيويّة مؤكّداً في يناير من العام 1998 أنّ "الأزمة ليست أزمة آسيويّة، بل هي أزمة النّظام الرّأسماليّ العالميّ"(8)،وقد كثرت تلك الأقاويل التي تطرّق فيها إلى استخلاص العبر من تلك الأزمة الماليّة، التي أصابت دول حديثة التّصنيع.

لم تنحصر تلك النّتائج التي نجمت عن هذه الأزمة في تلك الدّول الآسيويّة التي حدثت فيها، بل أنّ ارتباط الدّول ببعضها البعض بواسطة الأنشطة الاقتصاديّة التي تمتدّ في بلدان عديدة، دفع أحد الباحثين الاقتصاديّين، إلى الحديث عن علّة نشوء هذه الأزمة التي كانت اتّخذت كما ذكرت آنفاً مظهراً ماليّاً، فَقِيلَ عنها أيضاً "أنّ أزمة جنوب شرق آسيا الماليّة وانهيار أسواق عملاتها تمثّل سلسلة متّصلة الحلقات من أزمات أسعار الصّرف. ولم تقف الأزمة عند حدّ الدّول التي نشأت فيها، بل امتدّت أوّلاً إلى الدّول الآسيويّة المجاورة لتصبح أزمة إقليميّة، ثمّ انتقل مداها إلى خارج حدود هذه الأقاليم لتصبح أزمة عالميّة. ولقد ساعد على تعمّق هذه الأزمة في الدّول التي نشأت فيها ما يعانيه اليابان من انكماش منذ عام 1991، وهو بطبيعته القاطرة التي تجرّ وراءها دول جنوب شرق آسيا"(9)، ويتّفق انتقال نتائج الأزمة إلى سائر بلدان العالم، مع تلك الخصائص التي تميّز ظاهرة العولمة، حيث كانت عولمة النّشاط الماليّ، تعني اندماج أسواق المال العالميّة ببعضها البعض، حيث تحقّق الارتباط بين تلك العمليّات الماليّة التي تجري في تلك الأسواق التي تنتشر في العديد من أقطار العالم.

1- بول هيرست وجراهام طومبسون، ما العولمة، الاقتصاد العالميّ وإمكانات التّحكّم، ترجمة: د. فالح عبد الجبّار، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد 273، سبتمبر 2001 ، ص416.

2- آفاق اقتصاديّة.

3- إسماعيل عبد الفتّاح عبد الكافي، الموسوعة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، ص49.

4- حازم الببلاويّ، النّظام الاقتصاديّ الدّوليّ المعاصر، من نهاية الحرب العالميّة الثّانية إلى نهاية الحرب الباردة، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد257، الكويت، مايو 2000، ص96.

5-  المصدر السّابق نفسه.

6- آفاق اقتصاديّة.

7- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق،  ص236.

8- أولريش شيفر، انهيار الرّأسماليّة، أسباب إخفاق اقتصاد السّوق المحرّرة من القيود، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 371، الكويت، يناير 2010، ص154.

 

9- عمرو محيي الدّين، أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة.



استطاعت شعوب العديد من البلدان النّامية، أن تنتهج سبيل النّمو الاقتصاديّ، بعد أن كانت تتكبّد في تلك الأقطار التي كانت تعيش فيها، المشاقّ والمشاكل التي كانت حتّى وقت لا يبعد كثيراً عن هذا الأوان الحاليّ، تعيق تحقّق تطوّر النّشاط الاقتصاديّ في تلك الأقطار النّامية، وكانت الوسيلة التي تذّرعت بها شعوب تلك الدّول النّامية إلى تحقيق ذلك النّمو، هي وسيلة التّصنيع المتطوّر، ولا غرو من أن تلقّب تلك الدّول بصفة دلّت على تلك الوسيلة التي استخدمتها، فسمّيت بالدّول حديثة التّصنيع، التي اندرجت في عدادها، دولُ شرق وجنوب شرق آسيا، وهي هونج كونج، وتايوان، وجمهوريّة كوريا الجنوبيّة، وسنغافورة، وتايلاند، وإندونيسيا، وماليزيا، والفليبين، وكان أضيفت إلى تلك الدّول، مجموعة من البلدان الأخرى وهي "الهند، والصّين، والأرجنتين، والبرازيل، والمكسيك، وتشيكوسلوفاكيا، والمجر، وبولندا"(1)، وكانت الدّول الثّلاثة الأخيرة التي ألحقت بالدّول حديثة التّصنيع، قد صنّفت أيضاً ضمن دول "الاقتصاديّات الانتقاليّة، Transitory Economies"، وتطلق هذه العبارة على "اقتصاديّات بلدان أوربا الشّرقيّة التي تتحوّل لشكل ما من العلاقات السّوقيّة أو الرّأسماليّة، بعد انهيار اقتصادها الذي كان يتميّز بسعة تدخّل الدّولة في الشّؤون الاقتصاديّة على أساس التّخطيط الاقتصاديّ، الذي كان قائماً فيها قبل العام 1989"(2)، وقد حقّقت دول جنوب شرق آسيا معدّلات نمو اقتصاديّ عالية، ولا سيّما في نطاق عمليّة تصدير منتوجاتها التي كانت تصّنعها، وقد تحدّثت سابقاً عن أنّ التّصنيع هو أساس عمليّة التّنمية الاقتصاديّة، وقد كانت وسائل الإنتاج المتطوّرة، وخصوصاً الآلات والمكائن الحديثة، هي الرّكيزة الأساسيّة التي قامت عليها عمليّة التّصنيع المتطوّرة.

انطلقت دول شرق وجنوب آسياإلى تحقيق النّجاح في رفع معدّلات النّمو الاقتصاديّ خلال سنوات السّبعينيّات من القرن الفائت، إذ اعتمدت على تطبيق القواعد التي استند عليها اقتصاد السّوق الذي انبنى على "حرّيّة العرض والطّلب في آليّات السّوق دون تدخّل الدّولة"(3)، وأخذت تلك الدّول أيضاً في تصدير منتجاتها وسلعها المصنّعة،ودأبت في أن تحقّق لبرلة أسواق المال الدّاخليّة والخارجيّة، وقصدت إلى أن تجذب إليها الاستثمار الأجنبيّ المباشر، وبينما عانت سائر البلدان النّامية في العقد السّابع من القرن الماضي، مشاكل عديدة، إذ فرضت عليها في تلك الفترة أن تتحمّل "أعباءثقيلة"(4)، فإنّ ذلك الأوان بذاته، كان"فترةنجاحمجموعةهذهالدّولالآسيويّةالتياستطاعتتحقيق معدّلاتنموعاليةجدّاًوأصبحتتعرفبالدّولالصّناعيّةالجديدة («NIC’s»New Industrial Countries"(5)، فأنشأت تلك الدّول في تلك المنطقة من العالم، مركزاً إنتاجيّاً صناعيّاً، ولأنّها كانت حديثة العهد في اتّباعها نهج التّصنيع، فكانت تسمّى لهذا السّبب أيضاً الاقتصادات الصّناعيّة الجديدة، "Newly Industrializing Economies NIEs"، وقد أخذت منتجات تلك الدّول تنتشر في الأسواق العالميّة، وبخاصّة في أسواق الولايات المتّحدة الأمريكيّة واليابان، وكانت يطلق على الطّريقة التي اتّبعتها شعوب تلك الدّول الآسيويّة في مزاولة نشاطها الاقتصاديّ، نموذج "النّمور النّاشئة"، واستخدم أحياناً مصطلح التّجربة الآسيويّة، وقد سمّيت تلك الدّول أيضاً بدول المعجزة الآسيويّة، وتستدعي هذه التّسميات التي تلفت نظر من يبحث في موضوع النّمو الاقتصاديّ في الأقطار النّامية، أن يدقّق في المعاني التي تتضمّنها تلك العبارات، التي أطلقت على دول تلك الاقتصادات النّاشئة في شرق جنوب آسيا.

لم تكن كلمة المعجزة التي وردت في الأبحاث الاقتصاديّة، صفة جديدة مبتكرة في ذلك الأوان، الذي أطلقت فيه تلك الكلمة على تلك الدّول الآسيويّة النّاشئة اقتصاديّاً، فكانت اليابان حظيت بهذا اللّقب الذي أطلق عليها، إذ كانت "بمساعدة وتشجيع من الولايات المتّحدة، تعافت من الخراب الذي نجم عن الحرب ومضت إلى تحقيق "المعجزة اليابانيّة" في النّمو الاقتصاديّ في الخمسينيّات والسّتينيّات"(6)، فحقّقت اليابان تلك المعجزة في عالم الاقتصاد في مطلع النّصف الثّاني من القرن المنصرم، حيث أخذ الباحثون الاقتصاديّون والدّارسون يتحدّثون عن النّمط اليابانيّ، الذي تميّز به النّشاط الاقتصاديّ الذي زاوله شعب تلك الدّولة الآسيويّة، وإذا كانت لليابان سابقة في تحقيق تلك المعجزة في نطاق الاقتصاد، فإنّ صفة النّمور كانت جديدة، وهي خصّت بها دول شرق وجنوب آسيا، وقد شبّهت تلك الدّول الآسيويّة بالنّمور تشبيهاً بلاغيّاً مجازيّاً، لأنّ حيوان النّمر، يتميّز بقفزاته الطّويلة ووثباته الواسعه وركضه السّريع، وكانت المعاني التي تتضمّنها الصّفات التي نعتت بها حركة حيوان النّمر، تنطبق على تلك المراحل التي تضّمنتها مسيرة تلك الدّول في انتهاجها سبيل النّمو الاقتصاديّ، إذ حقّقت وتائر سريعة جدّاً في عمليّة التطوّر الذي حقّقته تلك الدّول الآسيويّة، إلّا أنّه بعد أن استمرّت على النّجاحفي انتهاج النّمو الاقتصاديّ قرابة ثلاثين سنة،تعرّضتلأزمةماليّةاعتباراًمن عام١٩٩٧،عندماانهارتعملاتهاالمحلّيّة وبدأت تنسحب منهارؤوسالأموال في سرعة شديدة، وبكميّات كبيرة، وقد وصفت عملّية الانسحاب بالنّزوح الكثيف لرؤوس الأموال السّاخنة، فوقعت تلك الدّولفيأزمةماليّة، ثمّ اقتصاديّة اعتبرت أنّها كانت شديدةوطاحنة.

إنّ تلك الدّول الآسيويّة التي أصابتها تلك الأزمة الماليّة، لم تتجرّد عن الصّلة التي أقيمت بينها وبين الأسلوب المجازيّ، الذي اتّبع في الحديث عن النّمو الاقتصاديّ الذي أنجزته تلك الأقطار، إذ بالإمكان أن نصيغ عبارة لغويّة مجازيّة أخرى استناداً إلى الاستعارة البلاغيّة من عالم الحيوان أيضاً، إذا ما عمدنا إلى الحديث عن حالة تلك الدّول في تلك الأزمة الماليّة التي وقعت فيها، ففي وسعنا أن نتحدّت عنها قائلين: أنّ لكلّ جواد كبوة، وقد صغت هذه العبارة تمشّياً مع الوصف البلاغيّ المجازيّ الذي اعتُمِد في نعت النّمو الاقتصاديّ الذي حقّقته تلك الدّول، التي سمّيت بالنّمور الآسيويّة، وهذه العبارة التي وصفت بها الأزمة التي أصابت تلك الدّول الآسيويّة، تبيّن حالة التّعثر الذي عرقّل مسيرة تلك الأقطار في مواصلتها تحقيق النّمو الاقتصاديّ، وقد كان العديد من "المتحمسّين لمفهوم العولمة يرون أنّ الأزمة في آسيا هي أوّل أزمة اقتصاديّة كونيّة بحقّ، وخاصّة استشراء العدوى من آسيا إلى روسيا"(7)، وقد ذهب وكيل وزير الماليّة في اليابان إلى أن يتحدّث عن أزمة تلك الدّول الآسيويّة مؤكّداً في يناير من العام 1998 أنّ "الأزمة ليست أزمة آسيويّة، بل هي أزمة النّظام الرّأسماليّ العالميّ"(8)،وقد كثرت تلك الأقاويل التي تطرّق فيها إلى استخلاص العبر من تلك الأزمة الماليّة، التي أصابت دول حديثة التّصنيع.

لم تنحصر تلك النّتائج التي نجمت عن هذه الأزمة في تلك الدّول الآسيويّة التي حدثت فيها، بل أنّ ارتباط الدّول ببعضها البعض بواسطة الأنشطة الاقتصاديّة التي تمتدّ في بلدان عديدة، دفع أحد الباحثين الاقتصاديّين، إلى الحديث عن علّة نشوء هذه الأزمة التي كانت اتّخذت كما ذكرت آنفاً مظهراً ماليّاً، فَقِيلَ عنها أيضاً "أنّ أزمة جنوب شرق آسيا الماليّة وانهيار أسواق عملاتها تمثّل سلسلة متّصلة الحلقات من أزمات أسعار الصّرف. ولم تقف الأزمة عند حدّ الدّول التي نشأت فيها، بل امتدّت أوّلاً إلى الدّول الآسيويّة المجاورة لتصبح أزمة إقليميّة، ثمّ انتقل مداها إلى خارج حدود هذه الأقاليم لتصبح أزمة عالميّة. ولقد ساعد على تعمّق هذه الأزمة في الدّول التي نشأت فيها ما يعانيه اليابان من انكماش منذ عام 1991، وهو بطبيعته القاطرة التي تجرّ وراءها دول جنوب شرق آسيا"(9)، ويتّفق انتقال نتائج الأزمة إلى سائر بلدان العالم، مع تلك الخصائص التي تميّز ظاهرة العولمة، حيث كانت عولمة النّشاط الماليّ، تعني اندماج أسواق المال العالميّة ببعضها البعض، حيث تحقّق الارتباط بين تلك العمليّات الماليّة التي تجري في تلك الأسواق التي تنتشر في العديد من أقطار العالم.

1- بول هيرست وجراهام طومبسون، ما العولمة، الاقتصاد العالميّ وإمكانات التّحكّم، ترجمة: د. فالح عبد الجبّار، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد 273، سبتمبر 2001 ، ص416.

2- آفاق اقتصاديّة.

3- إسماعيل عبد الفتّاح عبد الكافي، الموسوعة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، ص49.

4- حازم الببلاويّ، النّظام الاقتصاديّ الدّوليّ المعاصر، من نهاية الحرب العالميّة الثّانية إلى نهاية الحرب الباردة، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد257، الكويت، مايو 2000، ص96.

5-  المصدر السّابق نفسه.

6- آفاق اقتصاديّة.

7- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق،  ص236.

8- أولريش شيفر، انهيار الرّأسماليّة، أسباب إخفاق اقتصاد السّوق المحرّرة من القيود، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 371، الكويت، يناير 2010، ص154.

 

9- عمرو محيي الدّين، أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة.



إنّ الرّوابط التي تجمع بين الأفراد الذين يتبادلون فيما بينهم الصّنائع التي ينتجونها، تتوطّد ثابتة كلّما تعمّقت المعاني التي ينطوي عليها ذلك النّتاج الذي ينشئونه، وإذا أبلى أولئك الأقوام في أن يتبيّنوا في تلك الصّنائع التي يتناولونها، المغازيَ التي أودعها صنّاع ذلك النّتاج ضمن تلك الأعمال المنجزة، فإنّ تلك المضامين التي تشتمل عليها تلك الصّنائع، كفيلة بأن تبصرهم بأحوال أولئك الأشخاص، الذين مضوا في تنفيذ مهامّهم التي تمخّضت بتلك الصّنائع التي يتناولها سائر النّاس، الذين هيهات أن يسلوا عن تلك المعاني التي يضمّنها ذلك النّتاج، الذي تنعقد عليه تلك العلاقات، التي تجمع بين أقوام شتّى، من دون أن تهي تلك الرّابطة التي تؤلّف بينهم، لأنّ اطّوت نفوسهم على رغائب مشتركة، دلّ عليها ذلك النّتاج الذي كانوا يتداولونه فيما بينهم، فتتوثّق بينهم أواخي الألفة، بعد أن ارتفعت بينهم الأسباب التي تدعو النّاس إلى أن ينكر بعضهم بعضاً، إذ أيقنوا بصدق تلك المكاشفة التي باحت فيها كلّ منهم بتلك المآرب التي رام أن يظفر بها.

 

يقبل النّاس على أن يتناولوا فيما بينهم تلك الصّنائع التي أنجزوها، فإذا غاب عنهم التي تلك الخلائق والسّجايا، التي يتّسم بها بقيّة الأفراد الذين يجتمعون معهم في تلك العلاقة التي تؤلّف بينهم، فلشدّ ما يفرّطون آنئذ في ذلك النّفع العميم، الذي يفوّتون على أنفسهم أن ينالوه، فيستهترون بذاك الرّجع الوافر، ويستخفّون بتلك الفائدة الجلّى، إذ قعدوا عن تبيان سجايا ذلك الفرد، الذي كان وطّن نفسه معتزماً على أن يجيء تلك الأفعال التي ما برح يجني ثمارها سائر النّاس، الذين إن سرّوا بذلك المغنم العاجل الذي ظفروا به، وقصروا أنفسهم على الانتفاع به، من دون أن يسعوا إلى أن ينالوا ذلك المكسب الآجل، الذي يتحقّق في الاطّلاع على السّجايا والطّبائع التي يتخلّق بها أولئك الأفراد، الذين تلقّفوا منهم صنائعهم التي أنجزوها، فسيضيّعون حينئذ تلك المنافع التي غنموها بادئ بدء سدًى، فيفوّتون عليهم، الاطّلاع على ذلك المدى الذي تبلغه تلك القدرات التي يكتنزها الورى في أنفسهم، ويسهون عن إدراك قدر تلك العزائم التي يدّخرها الأقوام في ذواتهم، فلا يمضي أولئك النّاس الغافلون عن تلك المزايا الجليلة، في أن يحذوا حذو أولئك الأشخاص الذين حفلت سير حياتهم بالعبر البالغة، ولا يثرّب على هؤلاء النّاس إن هم وقفوا على خلائق وسجايا سائر النّاس، ثمّ انقلبوا إلى أن يتغرّفوا تلك المنافع التي جاد بها الأفراد، الذين صنعوا ذلك النّتاج الذي يتداولونه فيما بينهم، فلأنّ لا بدّ من أن تتوثّق آنئذ العلاقة بينهم متينة صلبة، فهيهات أن يغفلوا عن طبائع أولئك الأشخاص، أو يبادروهم بالتّنكّر والجحود لذاك الخير العميم الذي أنتجوه، إن هم تعمّقوا في سبر تلك المعاني التي ينطوي عليها النّتاج الذي تلقّوه منهم، ولن تغيب عن بالهم تلك المغازي، التي يستمروّن على أن يسترشدوا بها في انتهاجهم سبيل تلك المساعي، التي يحقّقون فيها الأعمال التي تنطوي عليها الأنشطة التي يزاولونها.



استنفدت شعوب عديدة في هذا العالم، وسعها في بنائها تلك الحضارات في البلدان التي نشأت فيها، وكانت أنوار كلّ حضارة انبنت في صقع متفرّد في هذا العالم، تشعّ ساطعة لتغمر بضيائها سائر البلدان، التي كان يحرص النّاس فيها، على أن يتلقّفوا نتاج تلك الحضارة، التي لم يكن تنحصر مآثرها الجليلة في ذلك البلد الذي قامت فوق أديمه أركان تلك الحضارة، وكانت تجمع بين تلك الشّعوب المتباعدة في أرجاء هذا العالم، تلك المآثر الحضاريّة التي التفّ حولها هؤلاء النّاس، الذين كان يأصرهم على بعضهم البعض، تلك المعاني التي ينطوي عليها نتاج تلك الحضارة، التي جمعت هؤلاء النّاس معاً، وشدّت بينهم أواخي الألفة، فلم تكن لتباعد فيما بينهم المغازي التي اشتملت عليها المعالم الحضاريّة، لأنّه كان اشترك النّاس قاطبة في التّطلّع إلى أن يحقّقوا تلك المعاني ذاتها في الأعمال التي يزاولونها، فكان يلفت أنظار النّاس إلى بعضهم البعض، تلك المساعي التي كان يأتيها كلّ منهم، في دأبه في المضيّ قدماً في مدارج التّطوّر، وكانت تلك الطّاقات الكبيرة التي بذلها أفراد تلك الشّعوب، في سعيهم إلى إشادة بنيان تلك الحضارة في بلدانهم، هي محطّ أنظار سائر النّاس الذين يتروّون في سير هؤلاء الأفراد بناة تلك المآثر الحضاريّة الرّفيعة، ويتفكّرون في تلك الأعمال التي جاؤوها، ولم يكن ليقضي هؤلاء القوم العجب من جلال تلك المآثر والمكارم التي يأتيها أقرانهم في هذا العالم، فكانت تدلّ تلك المآثر على عزائمهم الماضية على نيل بغيتهم الرّفيعة، فغدا سموّ تلك المقاصد وعلو تلك المراتب التي دأبوا في أن يدركوها، يغترق أنظار تليّة النّاس في هذا العالم.

لم يكن ليعتري الأقوام الافتتان بتلك المآثر الرّفيعة التي بناها سائر الشّعوب في هذا العالم، إن لم يدركوا طبائع وشمائل تلك النّفوس، التي انبثقت منها تلك الهمم العالية بتحقيق الأماني، التي كان يرنو إليها هؤلاء النّاس الذين صنعوا تلك الحضارة، فمهما كانت شدّة ذلك الألق، الذي كان يلتمع مشعّاً من النّتاج الحضاريّ الذي كانت أنجزته تلك الشّعوب، فإنّه لم يكن ليلفت أنظار تليّة النّاس عن التّطلّع إلى تلك الطّبائع، التي جبلت عليها نفوس بناة تلك الحضارات، حتّى تلك الصّنائع المادّيّة التي كان ينتجونها، لم تكن تتجرّد من تلك المضامين التي تفصح عن تلك الهواجس، التي تردّدت في خواطر هؤلاء النّاس الذين حقّقوا تلك المآثر الحضاريّة، وكان الأفراد الذين تأمّلوا في ذلك النّتاج الحضاريّ، لم يغفلوا عن النّظر إلى طبائع نفوس الأقوام الذين بنوا تلك المكارم الرّفيعة، فلم يكن ذلك النّتاج الذي أنجزوه يواري شمائلهم، ولم يكن يخفي تلك البواعث، التي اندفعت تستحثّهم على أن يحقّقوا رغائبهم في إشادة بنيان الحضارة في بلدانهم، فبدت تلك الشّمائل جليّة في ضحة نيّرة، فلا تنبتّ الصّلة مطلقاً بينهم وبين ذاك النّتاج الذي أتوا به، فمهما يكن ذلك السّبب، الذي يتوصّل به سائر القوام إلى أن يتلقّفوا نتاج الحضارة التي قامت في سائر الأقطار، فإنّه كان يتاح لهم أن يقفوا على دخائل أفراد تلك الشّعوب التي بنت تلك الحضارة.



استنفدت شعوب عديدة في هذا العالم، وسعها في بنائها حضارات شامخة البنيان في البلدان التي نشأت فيها، وكانت أنوار كلّ حضارة انبنت في أصقاع هذا العالم، تشعّ ساطعة لتغمر بضيائها سائر الأقطار، التي كان يحرص النّاس فيها، على أن يتلقّفوا نتاج تلك الحضارة، التي لم تكن تنحصر مآثرها الجليلة في ذلك البلد الذي قامت فوق أديمه أركان تلك الحضارة، وكانت تجمع بين تلك الشّعوب المتباعدة في أرجاء هذا العالم، تلك المآثر الحضاريّة التي التفّ حولها هؤلاء النّاس، الذين كان يأصرهم على بعضهم البعض، تلك المعاني التي ينطوي عليها نتاج تلك الحضارة، التي جمعت هؤلاء النّاس معاً، وشدّت بينهم أواخي الألفة، فلم تكن لتباعد فيما بينهم المغازي التي اشتملت عليها المعالم الحضاريّة، لأنّه كان اشترك النّاس قاطبة في التّطلّع إلى أن يحقّقوا تلك المعاني ذاتها في الأعمال التي يزاولونها، فكان يلفت أنظار النّاس إلى بعضهم البعض، تلك المساعي التي كان يأتيها كلّ منهم، في دأبه في المضيّ قدماً في مدارج التّطوّر، وكانت تلك الطّاقات الكبيرة التي بذلها أفراد تلك الشّعوب، في سعيهم إلى إشادة بنيان تلك الحضارة في بلدانهم، هي محطّ أنظار سائر النّاس الذين يتروّون في سير هؤلاء الأفراد بناة تلك المآثر الحضاريّة الرّفيعة، ويتفكّرون في تلك الأعمال التي جاؤوها، ولم يكن ليقضي هؤلاء القوم العجب من جلال تلك المآثر والمكارم التي يأتيها أقرانهم في هذا العالم، فكانت تدلّ تلك المآثر على عزائمهم الماضية على نيل بغيتهم الرّفيعة، فغدا سموّ تلك المقاصد وعلو تلك المراتب التي دأبوا في أن يدركوها، يغترق أنظار تليّة النّاس في هذا العالم.

لم يكن ليعتري الأقوام الافتتان بتلك المآثر الرّفيعة التي بناها سائر الشّعوب في هذا العالم، إن لم يدركوا طبائع وشمائل هؤلاء الأفراد، الذين انبعثت في نفوسهم تلك الهمم العالية بتحقيق الأماني، التي كان يرنو إليها هؤلاء النّاس الذين صنعوا تلك الحضارة، فمهما كانت شدّة ذلك الألق، الذي كان يلتمع مشعّاً من النّتاج الحضاريّ الذي كانت أنجزته تلك الشّعوب، فإنّه لم يكن ليلفت أنظار تليّة النّاس عن التّطلّع إلى تلك الطّبائع، التي جبلت عليها نفوس بناة تلك الحضارات، حتّى تلك الصّنائع المادّيّة التي كانوا ينتجونها، لم تكن تتجرّد من تلك المضامين التي تفصح عن تلك الهواجس، التي تردّدت في خواطر هؤلاء النّاس الذين حقّقوا تلك المآثر الحضاريّة، وكان الأفراد الذين تأمّلوا في ذلك النّتاج الحضاريّ، لم يغفلوا عن النّظر إلى طبائع وسجايا الأقوام الذين بنوا تلك المكارم الرّفيعة، فلم يكن ذلك النّتاج الذي أنجزوه يواري شمائلهم، ولم يكن يخفي تلك البواعث، التي اندفعت تستحثّهم على أن يحقّقوا رغائبهم في إشادة بنيان الحضارة في بلدانهم، فبدت تلك الشّمائل جليّة في ضحة نيّرة، فلا تنبتّ الصّلة مطلقاً بينهم وبين ذاك النّتاج الذي أتوا به، فمهما يكن ذلك السّبب، الذي يتوصّل به الأقوام إلى أن يتلقّفوا نتاج تلك الحضارات التي قامت في سائر الأقطار، فإنّه كان يتاح لهم أن يقفوا على دخائل أفراد تلك الشّعوب التي بنت تلك الحضارة.



إنّ المسيرة المديدة التي قطعها الإنسان في مدارج الحياة، منذ العصور الغابرة حتّى هذه الأيام الحاضرة، ما انفكّت تحفل دائماً في تلك الدّهور كافّة، بشواهد غزيرة على شدّة تصميم ذلك الإنسان، وقوّة عزيمته الوكيدة على أن ينال مآربه، ويحقّق أمانيه، وما برحت تتنوعّ مقاصده وتتعدّد غاياته، إذ نمت حوائجه وترامت، فدام على مرّ الأيام ازدياد رغائبه التي اجتهد في أن ينالها، وكانت تكثر دائماً مطالبه التي يسعى إلى أن يدركها، وما فتئ يدأب ماضياً في سعيه إلى أن يظفر ببغيته، وقد بدأ ينفسح له ذلك العالم الذي يحيى فيه، ليسع تلك المقاصد التي رام أن يبلغها، وجهد في أن يحيط علماً بكافة تلك الوجوه التي كان يسفر عنها ذلك العالم الرّحيب، الذي طالما دأب في أن يسبر غوره ذلك الإنسان، إذ ما برح يقصد إلى أن يستطلع جليّة تلك المعالم التي كان يستكشف عنها، فانتهج مسالك هذه الحياة طمّاح البصر قصيّ الهمّة، فلم يخفض تعاقب السّنين التي مرّت عليه من سموّ بصره إلى المقاصد العالية والمرامي الرّفيعة، فكانت مطامحه تعلو صعداً كلّما أوغل في دروب هذه الحياة، وتوطّد عزم ذلك الإنسان على أن يخلّد ذكر تلك الفعال التي يأتيها، مهما توالت تلك العصور التي تمضي عليها، فسعى إلى أن يبني تلك الأمجاد العظيمة التي يظلّ صيتها باقياً طوال الدّهور، فلا تخمل ذكرها السّنون المتتالية، ولا تسلو عنها الأجيال المتعاقبة، ولا يذهب نضرتَها توالي الأزمنة، ولا يطمس شهرتَها طرائق الدّهر.

ما برح الإنسان يدأب في أن يرسخ في هذه الدّروب التي سلكها من مسارب الحياة، تلك المآثر الجليلة التي عكف على أن يحقّقها، إذ احتفز مجتهداً في الارتقاء إلى الرّفعة والعلاء، وقد آتت تلك الجهود التي بذلها ذلك الإنسان أكلها، حيث أنجز تلك الصّنائع الحميدة التي ظلّ يترامى خيرها مهما مرّت عليها الحقب، فأشاد تلك الصّروح الشّامخة التي تبحبحت بالعزّ المنيف، لتشهد على سموّ تلك المساعي التي دأب في أن يحقّقها، فبنى تلك الحضارات البواذخ، التي باتت دلائل نيّرة على علوّ همّة ذلك الإنسان البعيد المنزعة، وما برح يواصل إنشاءه تلك الحضارات التي توالت مترادفة مئتلفة، كأنّها فرائد درّيّة تنتظم في سمط الزّمان، الذي كلّما امتدّ واستطال، تأخذ تنسلك في ربقه حضارة بازغة جديدة، فيزدان ذلك العالم بذلك العقد النّفيس الذي يتخايل بألقه الأخّاذ، وغدت تلك الحضارات تتراصف في ذلك السّمط الذي تآلفت فيه، فهيهات أن يتمكّن أحد من النّاس من أن ينتزع من عقد تلك الحضارات الزّاهية، لؤلؤة واحدة، إذ ترابطت تلك الدّرر متآلفة في ذلك السّمط الوثيق الذي يجمعها، وإذا طاوعنا الخيال في تصوّرنا أنّنا في وسعنا أن ننتزع لؤلؤة واحدة من ذلك العقد، فإنّ سرعان ما يقتضي ذلك الفعل الذي تخيّلنا أنّنا أتيناه، أن يتبعه تشكّل صورة في خيالنا، يتمثّل لنا فيها تشظّي ذلك العقد، وانفراط تلك اللّآلئ التي كان يؤلّف بينها، فتتبعثر تلك الحضارات متشتّتة، وتندثر ضياعاً، وأمّا تلك الجهود التي بذلها ذلك الإنسان في بنائه تلك الحضارات، فإنّها تذهب آنئذ سدى.

تتميّز تلك الحضارات التي تنسلك في ذلك العقد النّفيس، بذاك التّرابط  الوثيق الذي ينشأ بينها، حتّى أنّ بريق كلّ درّة من تلك اللّآلئ التي تنتظم في ذلك العقد، يمازج ويخالط لمعان سائر تلك الفرائد الدّرّيّة، وليس في وسع أحد من النّاس أن يميّز تلألؤ إحدى تلك الدّرر عن ذلك المزيج اللّامع، إذ اشتدّ التئام أنوار تلك الحضارات، التي لن يستطيع الأقوام مطلقاً أن يحدّدوا ضياء كلّ منها، في ذلك البريق الذي يغتمر ألقه أعطاف تلك الحضارات التي تراصّت مأتلفة، فلا يتمكّن أحد قط من أن يستلّ أشعّة إحدى تلك الحضارات من تلك الحزمة الرّصيصة النّيّرة، ولن يتأتّى له أبداً أن يسلخ من تلك الأنوار المتمازجة، ضياء إحدى تلك الحضارات، إذ تلاحمت تلك الأشعّة المضيئة التي اندرأت من تلك الحضارات المتآلفة النّيّرة، التي يمدّ ضياءها شعاع كلّ حضارة تنضمّ إلى عقدها البرّاق، فيزداد حينئذ سطوع أنوار تلك الحضارات انتشاراً، ويشتدّ تألّقها توهّجاً، وكلّما متن التحام أضواء تلك الدّرر النّفيسة، احتدّت تلك الأنوار تلألؤاً، واشتدّ بريقها ائتلاقاً.

بات تمتين التّواصل بين تلك الحضارات المتعدّدة هدفاً، يضعه النّاس نصب أعينهم، إذ دأبوا في أن يقيموا دائماً الرّاوبط بين تلك الحضارات، ويشدّوا بينها أواخي الوئام، وكانت كلّما تتقوّى تلك العلاقات النّاشئة بينها وثوقاً وثباتاً، تزداد تلك المنافع التي تعود على بناة تلك الحضارات جميعاً، وكثيراً ما كانت تلك الغاية التي توخّوا أن يدركوها في تلك العلائق التي تؤلّف بينهم، تجلّ عن احتساب تلك المغانم التي يحصّلونها من تلك الصّلات التي تجمعهم معاً، فكان أولئك الأقوام لا يتقصّدون عمداً أن يجنوا ثمار تلك الرّاوبط التي توشّج بينهم، إذ هدفوا إلى أن يلاقي بعضهم بعضاً، وإن رجعت عليهم من تلك العلائق القائمة بينهم الفوائد، فيحصلون آنئذ على تلك المكاسب عرضاً، فكأنّما تغدو تلك المغانم مثوبة لهم على ذلك التّواصل الذي حقّقوه بينهم، ومجازاة على ذاك التّرابط الذي بنوه بينهم.



تكتنز الموادّ الأرشيفيّة بالخبرات والمعلومات التي يستقيها النّاس ليزيدوا بها حصيلة المعارف، التي ترتكز عليها تلك الأفكار والخواطر التي تلوح في أذهانهم، فلا يجدّ هؤلاء الأشخاص الذين تتنوّع مشاربهم، بدّاً من أن يستندوا إلى تلك الوثائق الأرشيفيّة، في دأبهم في أن يتدبّروا تلك الوقائع التي تبرز في مجرى الحياة، ودعت تلك المكانة العالية التي تحلّ بها موادّ الأرشيف عند هؤلاء النّاس، إلى أن تتأكّد على الدّوام ضرورة الحفاظ على تلك المواد الأرشيفيّة، التي يتوجّب أن تسلم من الأذى والأضرار التي تفتك بها، كي يتاح للأشخاص أن يستفيدوا من تلك الوثائق، التي مالهممغنى عن الاستناد إليها في ممارستهم أنشطتهم المتنوّعة، وإذا كانت القواعد التي يقوم عليها علم الأرشيف، نصّت على الطّرق القويمة التي يجب أن تتبّع في إعداد وتهيئة وترتيب الوثائق، كي تتيسّر للنّاس الاستفادة من تلك الوثائق الأرشيفيّة بسهولة، فإنّه لم تكن لتغيب عن تلك الأسس التي قامت عليها عمليّة الأرشفة، القواعدُ التي تنصّ على وجوب تحقّق عمليّة حفظ وصيانة تلك الموادّ الأرشيفيّة، إذ وضعت مبادئ، وجب أن يهتدي بها النّاس في سعيهم إلى أن يردّوا عن تلك الوثائق أسباب التّلف، وأصبح الأفراد الذين يتولّون إدارة عمليّة الأرشفة، يستخدمون الوسائل التي يحمون بواسطتها تلك الوثائق من الاندثار والهلاك، فإحدى الغايات التي يتوخّى أن يدركها الأشخاص في تنظيم وترتيب تلك الوثائق الأرشيفيّة، هي التّمهيد للنّاس سبيل الاطّلاع على تلك المعارف والمعلومات، التي تنطوي عليها تلك الوثائق، التي يحرص الأرشيفيّون على أن يولوها عنايتهم الموفورة.

توزّعت المهامّ التي كان العاملون في دور الأرشيف ينجزونها في صيانتهم الموادّ الأرشيفيّة، إلى نمطين اثنين من الأعمال التي كان أولئك الأشخاص يأتونها، فقد تضمّنت عمليّة المحافظة على وثائق الأرشيف، مهامّ الوقاية والحماية من عوامل التّلف، والتي تهدّد تلك الوثائق، ثمّ أعقبت تلك المهمّة التي لزم على أولئك الأفراد أن ينجزوها، عمليّة معالجة الوثائق التي حلّت بها الأضرار، إذ وجب أن ترمّم تلك الوثائق التي نالت منها أسباب التّلف، وقد حدّدت هاتان المهمّتان بعبارة "المنع (الوقاية) أوّلاً ثمّ العلاج Prevention et curs"(1)، وكان الأفراد الذين يتوّلون إدارة دور الأرشيف، قد تمكّنوا من الاهتداء في تلك الأعمال التي كانوا يزاولونها، إلى معرفة الأسباب التي تؤدّي إلى تلف الوثائق الأرشيفيّة، حيث لوحظ أنّ المخاطر التي تهدّد المواد الأرشيفيّة المحفوظة، تنقسم إلى "(أ)عوامل طبيعيّة كيمائيّة مثل الرّطوبة والجفاف وأشعّة الشّمس ووجود موادّ كبريتيّة في الجوّ والأتربة. (ب) عوامل عضويّة حيّة مثل البكتريا والفطريّات والحشرات والحيوانات القارضة، هذا علاوة على أخطار الحرائق والغرق واحتمالات السّرقة"(2)، وإذا أصيبت المواد الأرشيفيّة بتلك الأضرار التي تسببّت بحدوثها، أحد تلك المخاطر التي كان حدّدها الأرشيفيّون، فيقتضي علاج تلك الأضرار النّازلة بتلك الموادّ، أن تنحّى في البدء تلك الوثائق الأرشيفيّة عن تلك المكامن، التي صدرت منها تلك الأخطار التي نالت من تلك الوثائق، ونصّت القواعد التي نظّمت بها عمليّة الأرشفة، على تلك الوسائل والأدوات، التي تبعد بواسطتها الوثائق عن مصادر تلك المخاطر، إذ كان يراعى "ألّا تتعرّض الوثائق الأخرى السّليمة لخطر العدوى بدورها (خاصّة في حالات الإصابة بقرضة الحشرات أو ثقوب الفطريّات). وفي نفس الوقت فإنّه يستحسن التّعرّف بدقّة على طبيعة التّلف أو الضّرر حتّى يمكن تحديد طريقة العلاج المناسبة لها، أي التّشخيص قبل العلاج"(3)، فتضمّنت تلك المهامّ التي يؤدّيها الأفراد الذين يديرون العمل في مقارّ الأرشفة، عمليّة مكافحة الأخطار المتعدّدة التي تهدّد الموادّ الأرشيفيّة، التي طالما كان النّاس يحرصون على أن يطالعوها ويستفادوا من تلك المعلومات التي تتضمّنها.

تنوّعت تلك المصادر التي تنجم عنها الأضرار التي كانت تصيب الوثائق الأرشيفيّة، فكان الجو الملوّث بالأتربة، والذي ارتفعت فيه نسبة الرّطوبة، هو المنبت الملائم لتكاثر الفطريّات في تلك الموادّ الأرشيفيّة، التي ارتئي أن تحمى أيضاً من مخاطر الأضواء الباهرة، ووجود الحشرات والحيوانات القارضة، وأن يحال دون أن تصيب تلك الوثائق الأرشيفيّة المياه، التي قد تغمر تلك الموادّ أحياناً إذا استفحل فيضانها عليها، وقد وجب التّنبّه في عمليّة حفظ تلك الوثائق، ألّا تتعرّض لعمليّة السّرقة، وأن يدفع عنها مخاطر الحريق، وكانت العوامل الطّبيعيّة تهدّد الوثائق لأنّ "طبيعة الوثائق الدّقيقة تجعل استجابتها للظّروف السّيّئة مثلالحرارة والرّطوبة والتّلوّث الجوّيّ والحفظ السّيّئ وسوء استعمالالجمهور لها، ممكنة للغاية وإذا ما أتلفت وثيقة وهلكت فإنّشاهداً تاريخيّاً له قيمته قد ذهب إلى الأبد"(4)، وإذا كنت تحدّثت سابقاً عن أوضاع الوثائق العربيّة في العصور التّاريخيّة الغابرة، وذكرت المشاكل العديدة التي تعرّضت لها تلك الوثائق العربيّة، في أزمنة وحقوب تاريخيّة مديدة، فإنّ الوثائق العربيّة في العصر الحالي لم تسلم من تلك المشاكل التي حاقت بها، وكان أحد الكتّاب، الذي تولّى إدارة مقرّ تحفظ فيه وثائق الأرشيف في مصر، قد تحدّث عن شؤون الأرشيف في مصر، فذكر أنّ "النّاظر إلى حال وثائقنا ومستنداتنا يرثي لها ولنا. فهي عبر التّاريخ إمّا دمرت، أو سرقت، أو بيعت، أو تعاني من إهمالنا لها"(5)، وكانت تبرز في الكتابات القليلة التي عولجت فيها مسائل الأرشفة في البلاد العربيّة، عبارات تدعو فحواها إلى وجوب تلافي التّهاون والاستخفاف بأداء عمليّات الأرشفة، حيث دعت إلى "ضرورة تغيير تلك الصّورة الكالحة للأرشيف عند عامّة النّاس وكثير من خاصّتهم"(6)، فكانت تلك الفكرة الخاطئة التي يتصّور فيها النّاس عمليّة الأرشفة، تزيد من تفاقم سوء ذلك الوضع الذي تقع فيه تلك الوثائق الأرشيفيّة، ولا ريب في أنّ توعية النّاس بأهمّيّة تلك المكانة التي يحلّ بها الأرشيف، تمهّد السّبيل للمحافظة على تلك الوثائق الأرشيفيّة، التي يلزم أن تدفع عنها تلك الأخطار التي تهدّدها.

لا يستعصي على النّاس معالجة تلك المشاكل التي تعترض مجرى عمليّة الأرشفة، إن لم ينظروا إلى وقائع عمليّات الأرشفة بوجهة النّظر التي توصف بأنّها نمطيّة، وقد دعي إلى وجوب تغيير تلك الصّورة النّمطيّة، التي يرى بواسطتها النّاس الموادَّ التي تضمّها دور الأرشيف، وقد تأكّدت وجاهة تلك الدّعوات، لأنّ "الأرشيف ما زال على سيرته البدائيّة في مخازن شبه مظلمة تملؤها الأتربة، وتسرح فيها الحشرات، بينما الأرشيف في الدول المتقدّمة أصبح الآن يدار إلكترونيّاً في قاعات مكيّفة"(7)، وأوضاع ذلك الأرشيف الزّريّة التي تحدّث عنها الكاتب في كلامه عن الأرشيف في مصر، دعت الأشخاص "الذين يتخرّجون من أقسام الوثائق في تلك الكلّيّات الجامعيّة القليلة التي تدرسها، يستنكفون العمل في الأرشيف"(8)، وكان أبرز المخاطر التي تهدّد الوثائق هو تقصير النّاس في إدراك أهمّيّة محتوى ومضامين تلك الوثائق، وهذه الأخطار لا تندرج تحديداً في عداد عوامل التّلف الطّبيعيّة، لأنّها تنجم عن تلك التّصرّفات التي تبدر من الأشخاص، الذين يتولّون مهمّة إدارة وحفظ تلك الوثائق، إذ قد يرتأى في غضون تنفيذ عمليّة الأرشفة، جواز الاستغناء عن الوثائق التي لا جدوى من الاحتفاظ بها، وقد أطلقت على تلك العمليّة مصطلح إعدام الوثائق  Destruction_ Eliminationوهي "عمليّة تقوم على إعدام الوثائق الأرشيفيّة التي تبيّن عدم جدوى الحفاظ عليها بغرض البحث التّاريخيّ. وإعدام الوثائق له طرق مختلفة. وهي عمليّة تنظيميّة للوثائق غير الجارية (التّاريخيّة) حسب قيمتها، وتشمل طرق التّصرّف في الوثائق المستغنى عنها والتّحويل إلى مركز الحفظ المؤقّت للوثائق، أو إلى أيّ هيئة أرشيفيّة أو إهدائها إلى مستودع مناسب جدير بحفظها، أو إعدادها على هيئة ميكروفيلم، أو التّخلّص منها بإعدامها بالحرق أو ببيعها بعد _ مسح معالمها_ إلى مصانع الورق لإعادة تصنيعها"(9)، ويقتضي تحقّق عمليّة الاستغناء عن الوثائق، أن يتحلّى الأشخاص الذين ينظرون في مسألة إعدام الوثائق، بنظر ثاقب إلى مضامين تلك الوثائق، حيث يتيسّر لهم أن يحدّدوا مدى ملاءمة تلك الوثائق لأحوال تلك الأحداث المستجدّة في حياة الأفراد، لأنّ فقدان تلك الموادّ الأرشيفيّة، التي يقرّر الاستغناء عنها، ليس بالإمكان أن يتلافاه النّاس، في إثر تحقّق إعدام تلك الوثائق.

صدرت في العديد من دول العالم، القواعد والشّرائع التي تنصّ على تنظيم عمليّة الأرشفة، إذ كان سنّ في الدّول الأوروبيّة قوانين صدرت "لتنظيم هذه العمليّة في القرنين الماضي والحاليّ (القرن العشرين والقرن الذي قبله)، ومن أهمّها القانون الذي صدر في فرنسا في 21 يوليو سنة 1936. وقبل صدور هذا القانون، كانت هناك أوراق تعدم لعدم أهمّيّتها الإداريّة، الأمر الذي حرم رجال العلم من وثائق ذات أهمّيّة بالغة في الدّراسات التّاريخيّة. وقد أكّد هذا القانون ضرورة إشراف الأرشيفيّين على الإداريّين في هذه العمليّة وذلك لأنّ هناك حالات كثيرة من الإعدام للأوراق تمّت داخل الإدارات دون موافقة إدارة أرشيف فرنسا"(10)، وقد كانت شعوب دول العالم، تعمد في أغلب الأزمان إلى أن تقتبس من بعضها البعض تلك المعارف والخبرات، التي تنتقل بين تلك الأقطار التي يضمّهما معاً هذا العالم، ولم تر باحثة عربيّة بأساً في الاقتداء بتلك التّجربة التي أنتجتها فرنسا في مجال إعدام الوثائق، فاعتقدت أنّه "لعلّه من الواجب الاستفادة من القوانين والنّظم التي سبقتنا إليها بعض الدّول الأوروبيّة في هذا المجال، لمحاولة تطبيقها على الأرشيف القوميّ في مصر (دار الوثائق)، حتّى نصل بها إلى المستوى المرجو، إذ لا تزال هذه العمليّة في مصر تسير بطريقة غير مقنّنة، ودون أن تخضع لقواعد ثابتة، فعمليّة الإعدام التي تقوم بها دار المحفوظات العموميّة لا ترمي بأيّ حال إلى الاحتفاظ بالوثائق الهامّة تاريخيّاً، وترمي أوّلاً وأخيراً إلى التّخلّص من الوثائق الزّائدة بتوفير المكان لغيرها، والمفروض أنّ دار الوثائق التّاريخيّة القوميّة هي التي تعالج هذا النّقص"(11)، ويرجع تاريخ صدور القانون الذي نظّمت فيه شؤون الأرشفة في مصر إلى حوالي منتصف القرن العشرين، إذ صدر "القانون رقم 356 سنة  1954 بشأن إنشاء دار الوثائق القوميّة لخدمة الباحثين ونصّ في مادّته الثّالثة الفقرة السّادسة على أن يكون لدار الوثائق مجلس أعلى لإبداء الرّأي في إعدام الأوراق الخاصّة بكلّ وزارة"(12).

حرصت الباحثة المصريّةسلوى عليّ ميلادعلى معالجة تلك المشاكل التي تعترض مجرى تحقيق حماية الوثائق الأرشيفيّة في مصر، فتحدّثت عن تلك الأخطار التي تهدّد تلك الوثائق، وقد دفعها الشّعور بالأسى والحزن على ذلك المآل الذي صارت إليه تلك الوثائق، إلى أن تتحدّث عن شؤون الأرشيف في بلدها، وكان غلب على ذلك الحديث الذي أوردته، طابع التّهكّم، علاوة على طغيان ذلك الأسى الذي أفصحت عنه تلك الكلمات التي ذكرتها، حيث قالت أنّها رأت في مجال عملها الأرشيفيّ في مصر، أنّ "السّمك الفضّيّ (نوع من العثّ) وهذا النّوع من الحشراتالفضّيّ اللّون أكثر الأنواع انتشاراً، ويوجد بكثرة في سجلات المحاكم العثمانيّة المحفوظة بمصلحة الشّهر العقاريّ (الآن)، والتي قمت بدراسة سجلات إحدى محاكمها وهي الباب العالي، ويزاول هذا النّوع من الحشرات نشاطه في السّجلات دون ما إزعاج، اللّهم إلّا إذا تعرّضت هذه السّجلات لأيدي الباحثينسواء في التّاريخ أو الوثائق، كذلك فإنّ السّجلات لا تلقى أيّنوع من العلاج والتّبخير الواجب، والضّروريّ لها في تلك الحالات،ولم تبذل أيّ محاولة لإبعاد الحشرات عن الصّفحات، التي تؤكلبطريقة طوليّة وحلزونيّة في نفس الوقت"(13)، وكانت تلك الباجثة أسّست دراستها وأبحاثها على ذلك الاختبار العمليّ، والمشاهدة العيانيّة، التي تبيّنت بواسطتها مكمن العلّة، واستطاعت أن توضّح الأساليب الملائمة لعلاج تلك المضارّ التي أصابت الوثائق الأرشيفيّة، بعد أن وضّحت أساس تلك العلّة، التي أصابت تلك الموادّ التي كانت عاينتها.

تنوّعت تلك الوسائل التي تذرّع بها إلى حماية الوثائق الأرشيفيّة، وإن كان اتّسع المجال الذي اتّبعت فيه تلك الطّرائق التي تتحقّق فيها صيانة تلك الوثائق، فلأنّ زادت وتنوّعت أساساً تلك المخاطر التي تهدّد سلامة تلك الموادّ الأرشيفيّة، وكان يتحرّى عن مكمن تلك الأخطار، بالاستدلال بتلك المعالم التي تنذر بحلول الخطر، وقد تحدّثت الباحثةسلوى عليّ ميلاد عن خطر الحشرات التي تهدّد الوثائق الأرشيفيّة، وكانت استندت إلى تلك الدّراسة التي أنجزتها، كما ذكرت آنفاً، فعرضت خبرتها التي أنشأتها في دراسة أوضاع الأرشيف في بلدها مصر، فتكلّمت عن الأضرار التي تلحقها حشرات الصّراصير بالوثائق الأرشيفيّة فقالت: "الصّراصير:وهي حشرات تميل إلى السّواد وغير لامعة وجسمها بيضاويّويصل طولها: من 2_ 3 سم، ولها شعيرات أمام رأسها، وحتّى تهرب من الضّوءفإنّها تجري وتعيش في الأماكن المظلمة والدّافئة الرّطبة وهي تلتهم الصّمغ والنّشا، وتقضي أوّلاً على أماكن اللّصق في الورق. وهذاالنّوع من الحشرات كان يوجد في دفترخانه محكمة  الأحوالالشّخصيّة بشبرا، وقت أن كانت سجلات المحاكم العثمانيّة تحفظ هناك وقبل عام 1970م، وذلك لوجود السّجلات داخل دواليب خشبيّة غير مغلقة في حجرة واسعة في الدّور الأوّل رطبةومظلمة، وتقع بالقرب من دورة المياه ومواسير المجاري. وكانت هذه الأنواع من الحشرات تسبّب رائحة كريهة تنبعث منالدّواليب"(14).

لم تكد تفرغ تلك الباحثة من حديثها عن الدّلائل التي اهتدت بها إلى اكتشاف وجود تلك الحشرة، حتّى أخذت تردف على كلامها عن ذلك الاكتشاف، حديثها عن الطّريقة النّاجعة التي يجب أن تتّبع في معالجة وجود تلك الحشرة في وثائق الأرشيف، فذكرت أنّه "عند رؤيتنا لمخلّفات نشر الخشب يمكننا التّأكّد من وجود هذاالنّوع من الحشرات، ولذلك ينبغي حفظ الوثائق بأنواعها فيدواليب من الحديد أو المعدن كما هو متّبع الآن في حفظالسّجلات القضائيّة بمصلحة الشّهر العقاريّ (التي كانت قبلذلك في دواليب من الخشب المتآكل)، وإن كان من الواجبتنظيفها وتبخيرها قبل حفظها في تلك الدّواليب وبعد نقلها من دفترخانه محكمة الأحوال الشّخصيّة بشبرا، إذ أنّها محمّلةبالحشرات والعدوى، فالسّجل الواحد المصاب يؤدّي إلى إصابة غيره وهكذا على التّوالي، وسوف يزداد الحال سوءاً إذا كانتمعظم هذه السّجلات تحمل في طيّاتها أنواعاً من الحشرات"(15)، ولا مرية في أنّ التّهاون في معالجة المضارّ الواقعة بالوثائق الأرشيفيّة، يؤدّي إلى استفحال تلك الأضرار، وكلّما اكتشف الضّرر باكراً أمكن تقليل قدر تلك الجهود التي تبذل في معالجة تلك الوثائق، وتيسّر أيضاً تحقّق اختصار حجم تلك التّكلفة المادّيّة، التي يتطلّبها النّجاح في مكافحة الأضرار التي نزلت بتلك الوثائق الأرشيفيّة.

تمكّن الأفراد القيّمون على إدارة مقارّ الأرشيف، من أن يحيطوا بتلك الأخطار التي تصيب الوثائق الأرشيفيّة، واستطاعوا أن يحدّدوا أيضاً الطّرائق، التي يجب أن تتبّع في ترميم الوثائق التي أصيبت بالأضرار، وقد توصّل هؤلاء الأرشيفيّون إلى القناعة الأكيدة بأهمّيّة عمليّة التّرميم التي تعالج بها الوثائق المصابة بالأضرار، وقد رؤوا ضرورة الإسراع في معالجة تلك الوثائق، التي نزلت بها المضارّ، وكانت الباحثة سلوى عليّ ميلادأردفت على حديثها عن تلك الإصابات التي تتعرّض لها الوثائق، كلامها عن تلك الطّرق التي تتحقّق فيها عمليّة ترميم الوثائق، حيث اعتقدت أنّه "لعلّ دور الوثائق والحفظ بمصر في أشدّ الحاجة إلى معرفة طرق القضاء على أسباب تلف الوثائق،.... والتي تعاني من أجلها حتّى الآن، ولم تمتدّ إليها يد العناية والتّرميم من المسؤولين عنها، فسجلات المحاكم العثمانيّة _ على سبيل المثال_ تعاني من معظم أسباب التّلف،.... سواء كانت عوامل ميكانيكيّة كالحشرات وسوء الاستعمال وغيرها، أو عوامل ميكرو عضويّة كالعظيمات، أو عوامل طبيعيّة كيميائيّة كالرّطوبة والهواء الجوّيّ والتّراب وطرق الحفظ السّيّئة"(16)، فإن كانت تحدّثت تلك الباحثة عن مبلغ ذلك الضّرر، الذي يتسبّب بحدوثه الأشخاص الذين يتهاونون في ترميم الوثاق المصابة، فإنّها تحدّثت عن أوضاع الأمكنة التي توجد فيها تلك الوثائق الأرشيفيّة، إذ ذكرت أنّ "الزّائر لمكان الحفظ وطريقته، ومعاينته (فحصه) للسّجلات والحشرات الموجودة فيها، تجعله يدرك لأوّل وهلة، مدى الخطورة التي ستنجم عن التّأخير في سرعة انتشالها ممّا هي فيه، الأمر الذي يترتّب عليه ضياع معالم حقيقيّة من تاريخ مصر الإداريّ والقضائيّ والاقتصاديّ.. الخ، كما بدأ يحدث ذلك بالنّسبة لسجلات الدّشت التي بلغ عددها حتّى الآن 355 سجلاً أو محفظة ( جمع فيها بقايا السجلات ) في حالة يرثى لها، مع أنّها تضمّ مادة تاريخيّة هامّة وبكر"(17)، ولا ريب في أنّ التّسبّب بتلف الوثائق وضياعها، يفضي إلى القضاء على التّجارب والخبرات، التي تحرص الأجيال المتعاقبة على أن تتناقلها فيما بينها، فيتأذّى هؤلاء النّاس خلال تلك الدّهور المديدة، من ضياع تلك الوثائق التي تحتوي على المضامين والعبر المتعدّدة.

إنّ الباحثين والخبراء الذين يمتلكون دراية كبيرة بعمليّة ترميم الوثائق المصابة، ما برحوا يجهدون في أن يتحرّوا عن الطّريقة المثلى في إصلاح الوثائق المتضرّرة بالإصابات، التي تلحقها بالأرشيف المخاطر المتنوّعة، وقد اعتبرت الباحثةسلوى عليّ ميلاد أنّه "في كثير من الأحيان يعتبر نقل الوثائق المصابة وإبعادها عن عوامل التّلف كافياً لحمايتها. وحتّى هذا الإجراء البسيط لا يعمل به في معظم أرشيفاتنا في مصر إذ تظلّ الوثائق والسّجلات على ما هي عليه حتّى تأتي عليها الحشرات وغيرها من العوامل المسبّبة للتّلف السّابق ذكرها، ثمّ تندثر في نهاية الأمر. أو تبلى. وللأسف توجد حالات يكون فيها التّلف خطيراً، بحيث لا يمكن حفظ الوثيقة كما هي عليه من التّلف، أو نقلها بعيداً عن عامل التّلف فقط بدون اتّخاذ إجراءات تقوية وحماية لها، وهذا هو موضوع فنّيّات التّرميم"(18)، ولم تكن الأضرار التي تحلّ بالوثائق الأرشيفيّة، تصدر عن الحشرات أو العوامل المناخيّة فقط، فكان الحريق أيضاً يندرج في عداد تلك المخاطر، التي تهدّد تلك الموادّ الأرشيفيّة، وكانت تلك الباحثة في أثناء زيارتها تلك المؤسّسات التي كانت تضمّ في أجنحتها المتنوّعة، الأماكن التي خصّصت لاستيعاب الوثائق الأرشيفيّة، قد رأت آثار الحريق في بعض صفحات سجلات الباب العالي حيث كانت بعض صفحاتها تلاحظ فيها "آثار الحريق التي أضرّت الوثائق لاحتراق أطراف جميع هذه الصّفحات"(19)، فلا مرية من أنّه يجب أن تتوفّر في مقارّ الأرشيف، الوسائل التي تفي بردّ المخاطر التي تتهدّد تلك الوثائق الأرشيفيّة.

دأب الأقوام الذين كانوا يؤدّون عمليّة الأرشفة في العديد من الدّول، في أن يراكموا الخبرات التي استخلصوها من مزاولتهم الأعمال المتنوّعة، وكانت تلك الخبرات والعبر المتراكمة، تنجم في كثير من الأحيان عن تلك المساعي والتّجارب التي كانت تجرى في تلك الدّول، وإذا كانت الباحثة سلوى عليّ ميلاد قد أفاضت في الحديث عن التّصرّفات، التي تبدر عن الأفراد، الذين يقدمون على أن ينجزوا عمليّات إعدام الوثائق، فإنّها تحدّثت بدراية كبيرة وقناعة راسخة، عن مسألة ترميم الوثائق، وهي رأت معاناة فرنسا نقصان عدد الأشخاص الذين كانوا مهيّئين لمزاولة عمليّة ترميم الوثائق المصابة، فذكرت أنّه "إذا كانت المشكلة بالنّسبة لفرنسا _وهي البلد المتقدّم جدّاً في دراسة الأرشيف بالنّسبة لنا_ هو قلّة عدد المرمّمين في الأرشيفات، فإنّ المشكلة في مصر أبعد من ذلك بكثير، وتتمثّل في عدم وجود الآلات الكافية، والمرمّمين والإمكانيّات المادّيّة والدّراسة الفنّيّة اللّازمة لذلك العمل"(20)، ويؤكّد فحوى الحديث الذي أوردته تلك الباحثة، أنّه يجب أن تنجز عمليّة تأهيل الأفراد المختصّين بمعالجة الوثائق التّالفة، كي تتحقّق تلك الشّروط التي استندت إليها عمليّة الأرشفة، فما هي الفائدة التي تنجم عن حفظ الوثائق، إذا كان سيأتي عليها الزّمن وتفتك بها أسباب الضّرر؟.

يتسبّب شحّ الموارد الماليّة بعرقلة انتظام العمل في العديد من تلك الأنشطة التي يمارسها الأفراد، وكان نقصان كمّيّة الأموال التي تخصّص لمسألة ترميم الوثائق الأرشيفيّة، أدّى إلى أن يتعسّر تحقّق عمليّة ترميم تلك الوثائق، وقد اكتملت أسباب ذلك الفشل في إصلاح تلك المواد الأرشيفيّة، بنقصان أعداد الأفراد المؤهّلين لمعالجة تلك الوثائق المصابة، وقد رأت تلك الباحثة أنّ "جميع الطّرق النّاجحة للتّرميم باهظة التّكاليف نسبيّاً وتتطلّب وقتاً طويلاً وجهداً وأيدي عاملة متخصّصة. وممّا يؤسف له أنّه لا يوجد بمصر متخصّصون في التّرميم مدرّبون على العمل على الأنواع المختلفة من الوثائق، ويجب أن نأخذ في اعتبارنا أنّه لا يمكن تحقيق المعجزات بعد فوات مرحلة معيّنة من التّدهور، وكلّ ما يمكن عمله منع تدهور حالة الوثائق أكثر من ذلك وتقوية ما تبقّى منها"(21)، فيقتضي النّجاح في إنجاز عمليّة التّرميم، أن يتحلّى الأفراد الذين يتولّون أداء عمليّة التّرميم بالرّفق والتّأنّي في مزاولة ذلك العمل، وأن تتوفّر عندهم الدّراية بتلك الطّرائق المثلى التي تعالج بها تلك الوثائق المصابة.

إنّ اتّباع الأشخاص طرائق التّرميم الخاطئة، كثيراً ما كان يؤدّي إلى أن تتفاقم الأضرار التي تحلّ بتلك الوثائق التي استرمّت، وقد رأت الباحثةسلوى عليّ ميلاد، أنّ أوضاع الأرشيف الذي وجد في مصر، تستدعي أن تتحقّق الاستعانة بخبرات الأفراد العاملين في دور الأرشيف في الدّول، التي وجد فيها ناس طوال الباع في ممارسة عمليّة الأرشفة، وقد كانت "معالجة الوثائق بوسائل غير سليمة وترميمات سريعة قد تسبّب أضراراً أكثر من تلك التي سبّبتها العوامل الطّبيعيّة للتّلف"(22)، وقد أفصحت تلك الباحثة عن رأيها في مسألة معالجة حالة الأرشيف في مصر، إذ قالت: "نأمل في القريب العاجل أن يتمّ التّعاون بين الدّول العربيّة ومنظّمة اليونسكو للرّفع من كفاءة وأداء الأرشيف في البلاد العربيّة عامّة ومصر خاصّة، علماً بأنّ مصر لم تخط للآن خطوات جادّة في هذا المضمار"(22)، وقد تيسّر لشعوب العالم أن تتبادل فيما بينها الخبرات، وتتناقل حصيلة التّجارب التي كان كلّ منها يخوض غمارها، وكانت تلك الباحثة رأت ضرورة الاستفادة من الخبرات التي تتوفّر عند سائر البلدان.

تعدّدت تلك الأدوات التي كان يستخدمها العاملون في إدارة دور الأرشيف، في حفظ الوثائق الأرشيفيّة، إذ كانوا اهتدوا إلى أن يستعملوا وسائل متنوّعة، تيسّر لهم حماية وحفظ الوثائق الأرشيفيّة، وقد اندرجت في عداد تلك الأدوات التي كانوا يستخدمونها، أداة التّصوير المصغّر microfilmingوالتّصوير الميكرو فيلم هو "طريقة لحفظ الوثائق في شكل مغاير لشكلها الأصليّ، وهو أحد البدائل التي يمكن الاستعانة بها في مجال الأرشيف والوثائق. وتعتبر عمليّة التّصوير على ميكروفيلم عمليّة فنّيّة، لعمل نسخ مصوّرة صغيرة الحجم جدّاً للقراءة بدون تكبير (طبعها على ورق حسّاس للتّكبير مثلاً)، علماً بأنّه إذا تمّ عمل صور ميكروفيلميّة للوثائق، فإنّه من الضّروريّ استعمال جهاز قارئ لهذه الأفلام لتكبير الصّورة لتكون مناسبة للقراءة على شاشة خاصّة للعرض"(23)، ويعمد أغلب الأرشيفيّين إلى أن يتلافوا التّعرض لمشكلة ارتفاع أعداد الوثائق، وتضّخّم الحجم الذي يظهر فيه مجموع تلك الوثائق التي تحفظ في مقارّ الأرشيف، وقد كان في الأحوال العادّيّة "هدف عمل مصوّرة مصغّرة (ميكروفيلم) للوثائق هو:1- الإقلال من حجمها الأصليّ.2- لتأكيد أهمّيّة بقائها وقيمتها الدّائمة، ويعتبر الميكروفيلم من الأدوات أو الموادّ التي إذا ما استخدمت في الأرشيف، فإنّ استخدامها يزيد من تنظيم كفاءة الأرشيف، حيث يحتلّ الميكروفيلم مركزاً له أهمّيّة عظيمة في التّنظيم، ولعلّ أهمّ ميزة أساسيّة له هو الإقلال المحسوس في حجم المحفوظات"(24)، فتهيّئ طرق التّصوير سبل مراجعة الوثائق بيسر وسهولة، فتعمّم الفائدة من استخدام تلك الموادّ الأرشيفيّة، فضلاً عن توفير المساحات التي كان يضيق بعضها عن احتواء الأعداد المتزايدة من الوثائق الأرشيفيّة.

تخطّت دول شتّى مراحل عديدة في ارتقائها بالمستوى، الذي كان يبلغه المواطنون فيها بممارسة عمليّة الأرشفة، إلّا أنّ ما برح بعض تلك الدّول، حتّى وإن كانت توصف بأنّها متقدّمة في مجال عمليّة الأرشفة، يعاني من قلّة أعداد الخبراء في نطاق تصوير الميكروفيلم، وإذا استذكرنا حراجة أوضاع تلك الدّول المتطوّرة، فإنّ المقارنة التي أجرتها تلك الباحثة بين أوضاع الأرشيف في كلّ من مصر وتلك الدّول المتطورّة، ترسخ في ذهن من يطّلع على أحوال الأرشيف في تلك الدّول، الاعتقاد بأنّه إذا "كانت معامل التّصوير في مخازن أرشيفات فرنسا ما زالت بعيدة حتّى الآن، عن إمكان حصولها على المعدّات التي تسمح بعمليّة التّصوير الميكرفيلميّ البديل والهيئة العامّة الفنّيّة المناسبة لها، فإنّ الحالة في مصر أسوأ بكثير حيث لم تقم حتّى الآن دار الوثائق التّاريخيّة أو دار المحفوظات أو أيّ أرشيف مصلحيّ ذو أهمّيّة بالتّصوير الميكرفيلميّ الأمان أو التّكميليّ حتّى يمكننا الحديث عن ميكرفيلم البديل. ويبقى أن نقول إنّه من وجهة نظر المؤرّخ والوثائقيّ فإنّ الميكروفيلم بوجه عامّ لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يقوم مقام التّعامل المباشر بالوثيقة الأصليّة من حيث مادّتها وخطّها وحجمها، وهذه كلّها عوامل ذات فائدة كبيرة في الدّراسة التّحليليّة للميزات الخارجيّة للوثائق"(25)، فأفاضت تلك الباحثة في الحديث عن أوضاع الأرشيف في مصر، التي كانت تسعى إلى أن تتقدّم في نطاق تحقّق عمليّة الأرشفة، ولعلّ الدّليل الأبرز على تقدّم مصر في مجال العمل الأرشيفيّ، هو ظهور تلك الملاحظات والآراء التي أفصح عنها هذان الباحثان، اللذان لم يكونا ليفصحا عن أفكارهما، لولا أن وجد عندهما الوعي بأهمّيّة عمليّة الأرشفة، ولا ريب في أنّ إدراك النّاس ذلك النّقصان في تحقّق عمليّة الأرشفة، يحثّهم إلى أن يشتقّوا السّبيل، التي تفضي بهم إلى أن يطوّروا طرائق العمل في إعداد وتنظيم الموادّ الأرشيفيّة.

1- سلوى عليّ ميلاد، الأرشيف ماهيّته وإداراته، دار الثّقافة للنّشر والتّوزيع، القاهرة، 1986، ص49.

2- المصدر السّبق، ص49، 50.

3- المصدر السّابق، ص58.

4- المصدر السّابق، ص66.

5- موقع الكتب والوثائق التاريخيّة في الأنترنت، ونشر حديث الكاتب في ذلك الموقع في عام 2000.

6- المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق.

8- المصدر السّابق.

9- سلوى عليّ ميلاد، قاموس مصطلحات الوثائق والأرشيف، عربيّ _ فرنسيّ _ انكليزيّ، دار الثّقافة للطّباعة والنّشر، القاهرة، 1982، ص11، 12.

10- سلوى عليّ ميلاد، الأرشيف ماهيّته وإداراته، دار الثّقافة للنّشر والتّوزيع، القاهرة، 1986، ص34.

11- المصدر السابق.

12- المصدر السّابق.

13- المصدر السّابق، ص60.

14- المصدر السّابق، ص60، 61.

15- المصدر السّابق، ص63.

16- المصدر السّابق، ص67.

17- المصدر السّابق.

18- المصدر السّابق، ص74.

19- المصدر السّابق، ص55.

20- المصدر السّابق، ص74.

21- المصدر السّابق، ص79.

22- المصدر السّابق، ص80.

23- المصدر السّابق، ص84.

24- المصدر السّابق.

25- المصدر السّابق، ص95.



عمد النّاس إلى أن يفاضلوا في أغلب الأحيان بين تلك المآرب التي رغبوا في أن يدركوها، فكانت تلك الحوائج التي تظهر في مجرى حياتهم، تتمايز فيما بينها، بحسب تلك المكانة التي تحلّ بها عند أولئك الأفراد، الذين اعتادوا أن يفاضلوا بين حاجاتهم، التي كانت تنتظم متسلسلة في صيغة ذلك التّراتب، الذي يحدّد تفاوت تلك الحاجات في قدر ذلك الاعتبار والأهمّيّة اللذين يتّسم كلّ منها، وذلك التّراتب الذي تظهر فيه تلك الحوائج، لا يظلّ ثابتاً، بل إنّ ترتيب تلك الحوائج يختلف بحسب تنوّع تلك الأحوال، التي تكون عليها معيشة هؤلاء الأشخاص، فإن نظرنا في سلّم تلك الحوائج في غضون تلك الفترات، التي تشظف فيها معيشة النّاس في المجتمعات العربيّة، حيث تكون قد انتابتهم آنئذ ضائقة ماليّة، وإذا شئنا أن نتحرّى بدقّة عن المرتبة التي تحلّ بها مطالعة الكتب، في سلّم تلك الحوائج، في أثناء تلك الأزمة التي أصابت معيشة هؤلاء النّاس، فإنّنا نجد أنّ الكتاب قد انحطّ إلى أدنى مرتبة، بين تلك الأشياء والحوائج التي يقارن بينها أولئك النّاس، وقد حاولنا أن نحدّد تلك المكانة التي تحلّ بها مطالعة الكتاب، لأنّنا افترضنا جدلاً أنّه وجد أفراد يعمدون أساساً إلى إدراج مطالعة الكتب، في سلّم تلك الحوائج التي يفاضلون بينها، في ظروف المعيشة العاديّة.

 

يتأتّى لنا أن نحيط بيسر بمصير الحاجة إلى مطالعة الكتب، عندما يقع النّاس في أحوال العسر والضّائقة الماليّة، فإن نظرنا إلى تلك الآراء التي  أفصح النّاس عنها، في حديثهم عن ضيق معيشتهم التي يكابدون شظفها، فإنّنا نرى أنّ فحاوي تلك الأقوال التي يذكرونها آنئذ، تؤكّد أنّ أوّل حاجة يضربون صفحاً عنها، ويسقطونها من حسابهم الذي يحصون فيه تلك الحوائج التي يحاولون أن يسدّوها، هي الحاجة إلى القراءة وشراء الكتب، فتحتلّ تلك الحاجة موقعاً متدنّياً في سلّم تلك الحوائج، فصناعة الكتب تكون هي أوّل الصّناعات المتضرّرة، وإذا نظرنا في أحوال صناعة الكتاب في فترات الرّخاء والانتعاش الاقتصاديّ، والبحبوحة الماليّة، فإنّنا نجد أنّ آخر صناعة تحظى بالفوائد من حالة ذلك الازدهار، هي صناعة الكتاب، الذي يكون هو آخر من يستفيد من ذلك الرّخاء الحادث في المجتمع، ففي حالة الشدّة يكون الكتاب هو أوّل وأكثر الأشياء تضرّراً من شأن ذلك الضّيق والعسر المادّيّين، بينما يكون الكتاب في حالة الرّخاء هو آخر الأشياء، التي ترجع عليها المنافع من حصول حالة ذلك الانتعاش الماليّ، وإذا تأمّلنا في سلّم الأولويّات، الذي يقيمه الأفراد في المجتمعات العربيّة، فإنّني أعتقد أنّه يجب أن تكون حالة ذلك التّراتب الذي تتسلسل به تلك الحاجات الأساسيّة، هي معاكسة تماماً لحقيقة تلك الصّورة التي تظهر تدنّي موضع الحاجة إلى مطالعة الكتب، ولا أريد أن أتحدّث حاليّاً عن نتيجة تلك الجهود التي يبذلها الأفراد، الذين يحاولون أن يغيّروا مسعى أولئك النّاس، الذين يضعون الكتاب في تلك المرتبة المتدنّية، ولكنّي أعتقد أنّه بالإمكان أساساً أن تبدّل تلك الفكرة التي يتصوّر فيها هؤلاء النّاس، ذلك الموضع الذي يحلّ به الكتاب، الذي يجب أن يحظى دائماً بمكانة عالية عند أولئك النّاس، الذين اعتادوا أن يجروا المفاضلة بين حوائجهم الشّخصيّة.



هدف النّاس إلى أن يستخدموا الأدوات التّكنولوجيّة المتطوّرة في الأنشطة الصّناعيّة التي كانوا يزاولونها، ليزيدوا كمّيّة السّلع المنتجة المتنوّعة، التي كانت تتنوّع أصنافها أيضاً، ليسدّوا بها تلك الحاجات الملحّة التي كانت تطرأ عليهم، وقد هيّئت في الدّول التي خاض الأفراد فيها في ميدان الصّناعات التّحويليّة، الوسائلُ المناسبةُ لتدريب أولئك الأشخاص على أن يستخدموا بكفاءة عالية الأدوات التّقنيّة المتطوّرة، وقد أنشئت أيضاً في تلك البلدان مراكز البحث والتّطوير التي انضمّ إليها الأشخاص، الذين يعكفون على مزاولة نشاطهم في إجرائهم البحوث التّقنيّة، التي ترتكز عليها العمليّات الإنتاجيّة الصّناعيّة،وقد وقر في أذهان العديد من النّاس تلك الفكرة، التي يعزا فيها تحقّق تنمية ورفاهيّة المجتمعات، إلى رسوخ ذلك التّطوّر الصّناعيّ الحادث فيها، وإن كانت فكرة التّنمية في ذاتها هي أوسع من أن تحدّد بالمفاهيم والأنشطة الاقتصاديّة، إلّا أنّ تطوّر الصّناعة أتاح للنّشاط الاقتصاديّ أن يتبوّأ مرتبة عالية بين تلك الأعمال، التي يفضي تحقّقها إلى قيام عمليّة التّنمية الواسعة، التي تسعى شعوب العالم إلى أن تنجزها، فالتّنمية هي أساساً "عمليّة إحداث مجموعة من التّغيّرات الجذريّة في مجتمع معيّن خاصّة الاقتصاديّة منها، بهدف إكساب ذلك المجتمع القدرة على التّطوّر الذّاتيّ المستمرّ بمعدّل يضمن التّحسّن المتزايد في نوعيّة الحياة لكلّ أفراده في مختلف مجالات الحياة الاجتماعيّة، بمعنى زيادة قدرة المجتمع على الاستجابة للحاجات الأساسيّة والحاجات المتزايدة لأعضائه، بالصّورة التي تكفل زيادة درجات إشباع تلك الحاجات، عن طريق التّرشيد المستمرّ لاستغلال الموارد الاقتصاديّة المتاحة، وحسن توزيع عائد ذلك الاستغلال"(1)، فلم يكن في وسع شعوب الدّول التي تجهد في أن تنمّي تلك المجتمعات التي تحيا فيها، أن تتهاون في مراعاة قدر تلك المكانة، التي يحلّ بها النّشاط الاقتصاديّ بين تلك الأعمال، التي عكفت على أن تزاولها في سعيها إلى تحقيق تلك العمليّة التّنمويّة.

أدركت شعوب دول شتّى تلك المنافع التي تعود عليها من تحقّق عمليّة التّصنيع، في تلك البلدان التي تعيش فيها، وحرص أفراد تلك الشّعوب على أن يوفّروا لذلك النّشاط التّصنيعيّ، الأسباب الملائمة لأن يقوم في أرجاء بلدانهم التي تكتنفهم، وقد اعتمد تحقّق التّصنيع في دول العالم "بشكل أساسيّ، على تطوّر التّكنولوجيا. وبما أنّ التّكنولوجيا ذات خصائص تحريضيّة وتراكميّة وتصاعديّة فإنّ عمليّة تغيّر الهيكل الاقتصاديّ تندفع إلى الأمام بقوّة. ولمّا كان المجال الاقتصاديّ جزءاً مهمّاً في مجمل البنية الاجتماعيّة الشّمولية فإنّ تغيّر هذا الهيكل ينعكس بقوّة على جميع المجالات الأخرى، الثّقافيّة والاجتماعيّة والصّحّيّة ممّا يؤدّي إلى تغيير اندفاعيّ في مجمل الهيكل الاجتماعيّ"(2)، فتتسبّب عمليّة التّصنيع المنجزة برفع مستوى معيشة السّكّان، وقد تنوّعت تلك الوسائل التي تذرّع بها النّاس إلى تحقيق التّنمية في البلدان التي يعيشون فيها، ولم تغب عن تلك الأعمال التي قصد أن يأتيها أولئك الأقوام، تلك المهمّة التي تحدّدت في تطوير النّشاط الصّناعيّ، إذ اعتبرت "التّنمية بمختلف أنواعها: بأنّها عمليّة تغيير اجتماعيّ متعدّد الجوانب، غايته الوصول إلى مستوى الدّول الصّناعيّة"(3)، ومفهوم التّنمية Developpement، كما ذكرت آنفاً، يشمل معاني وأفكاراً أوسع من المفاهيم والمعاني الاقتصاديّة، إذ عرّفت التّنمية بأنّها "مجموعة  من الوسائل والطّرق التي تستخدم بقصــد توحيد الجهود، من أجل تحسين مستوى الحياة من النّواحي الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة في المجتمعات"(4).

تعدّدت تلك الرّكائز التي استند إليها تحقّق العمليّة التّنمويّة، التي كانت تقوم على دعائم النّشاط التّصنيعيّ المتطوّر، وقد عرّف التّصنيع بأنّه "عمليّة تطوير الهيكل الاقتصاديّ الدّاخليّ المتعدّد الفروع، والمجهز بتقانة حديثة، والذي يتميّز بقطّاع تحويليّ ديناميكيّ، يملك وينتج وسائل الإنتاج وسلع الاستهلاك، والقادر على ضمان معدّلات نمو عالية للاقتصاد كلّه، وتحقيق تقدّم اقتصاديّ واجتماعيّ"(5)، ولم يفتر النّاس الذين اقتنعوا بتلك المكانة، التي يحلّ بها النّشاط الصّناعيّ، عن أن يأخذوا في تحديد الرّوابط، التي تجمع بين التّصنيع والأهداف التّنمويّة، التي توخّوا أن يبلغوها في تلك المناشط المتنوّعة التي كانوا يزاولونها، فمهما كانت حقيقة تلك الوشائج التي تجمع بينهما، فإنّه يتوجّب أن يراعى تحقّق شروط نشوء عمليّة التّصنيع المتطوّر في البلدان، التي تسعى شعوبها إلى تحقيق التّنمية فيها، وكان بعض الباحثين اعتقد أنّه "لا يوجد اتّفاق بين النّظريات الاقتصادية حول مدى لزوم هذا الارتباط ودرجته على الرّغم من أنّ جميع النّظريّات تؤكّد أنّه لا يمكن التّحدّث عن تنمية حقيقيّة إذا لم يتمّ إدخال النّمط الصّناعيّ، بشكل أو بآخر، إلى بنية الاقتصاد"(6).

إنّ المنافع التي ترجع من تحقّق عمليّة التّصنيع على النّاس، لا تنحصر في ميدان محدّد من صنوف المناشط التي تنشأ في المجتمع، لأنّ التّصنيع هو "تغيير فى تركيب الهيكل الاقتصادىّ للدّول, ومؤشّر الى نسبة الزّيادة فى الدّخل القومىّ النّاشئة عن القطّاع الصّناعيّ, أي أنّ النّمو الصّناعيّ وزيادة عدد المصانع ليس فى حدّ ذاتها هو المقصود بالتّصنيع, فنجاح التّصنيع لا بدّ أن يواكبه زيادة فى نسبة ما يضيفه هذا القطّاع لمجموع الدّخل القومي"(7)، فعمد النّاس إلى أن يقيّموا تلك النّتائج، التي يؤدّي إليها تحقّق عمليّة التّصنيع، حيث قصدوا أن ينوّهوا بأهمّيّة الزّيادة، التي ينجزها ذلك التّصنيع في مستوى الدّخل القوميّ، إذ يسهم الأفراد الذين ينجزون المنتجات الصّناعيّة، في تحقيق زيادة ذلك الدّخل في تلك البلدان،  التي يتبّع فيها نهج التّصنيع المتطوّر، إلّا أنّ المنافع التي تنجم عن تحقّق عمليّة ذلك التّصنيع، لا تقتصر على تلك المنفعة التي تعود من عمليّة التّصنيع المنجزة على ذلك الدّخل القوميّ، لأنّ التّصنيع هو "عمليّة تحوّل اجتماعيّ يشمل التّطوّر الاقتصاديّ والاجتماعيّ والثّقافيّ، والتّصنيع يلزمه المزيد من التّخصّص فى اقتصاديّات الإنتاج بحيث يتماشى مع متطلّبات الأسواق العالميّة والمحلّيّة، وزيادة نسبة ما يضيفه الإنتاج الصّناعىّ لمجموع الدّخل القوميّ.... وانتشار الأسلوب الصّناعىّ إلى باقي الأنشطة الاقتصاديّة يعتبر تحوّلاً اجتماعيّاً كبيراً نحو المجتمع الحضريّ ممّا يوضح العديد من التّغيّرات الاجتماعيّة والبيئيّة والاقتصاديّة المصاحبة للتّصنيع, ممّا يؤكّد التّغيّرات الجذريّة المصاحبة له"(8)، فكلّما توثّقت تلك الوشائج التي تجمع بين التّصنيع وأهداف التّنمية، يتيسّر للنّاس أن تقتنع بأهمّيّة تلك المكانة التي تحلّ بها عمليّة التّصنيع، بين تلك المناشط التي تجري في المجتمع.

ما برحت تتأكّد رجاحة تلك الفكرة التي صوّر فيها النّاس، انتشار تلك المنافع التي تستخلص من إنجازهم عمليّة التّصنيع في المجتمعات التي ينضوون إليها، فإن شئنا أن نتبيّن تلك المكاسب التي ما فتئ الأفراد في مجتمعات شتّى في هذا العالم، يستخلصونها من تحقّق عمليّة التّنمية، فإنّ "الأمر هنا لا يتعلّق بالدّخل فقط، لأنّ النّشاطات الاستخراجيّة أو الزّراعيّة أو السّياحيّة قد تعطي دخولاً مرتفعة أيضاً، وإنّما المقصود تأثير عمليّة التّصنيع في مجمل البنية الاجتماعيّة. إنّ ارتفاع الدّخل يؤدّي إلى ارتفاع في مستوى الاستهلاك، لكنّ مفهوم مستوى المعيشة لا يقتصر على مستوى الاستهلاك فقط وإنّما يتعدّاه إلى مجمل ظروف الحياة، التّعليم، والتّكنولوجيا، أي إنّه يشمل ما يسمّى بتحسين مؤشّر التّنمية البشريّة"(9)، فكي تتّضح حقيقة تلك الرّوابط التي تجمع بين عمليّة التّصنيع وسائر المناشط التي تقام في المجتمعات، يجب النّظر إلى مقدار تلك المنافع التي تعود من تحقّق عمليّة التّصنيع على كلّ الأفراد في المجتمع، وكلّما اتّسع ذلك المدى الذي تبلغه تلك المكاسب التي تجلبها إلى النّاس عمليّة التّصنيع، ترسخ مكانة ذلك النّشاط التّصنيعيّ الإنتاجيّ بين تلك الرّكائز، التي تنهض عليها عمليّة التّنمية، التي تعمد شعوب العالم إلى أن تحقّقها في البلدان التي تنضوي إليها.

1- موقع العلوم الإداريّة والاقتصاديّة.

2- موسوعة المعرفة.

3- المصدر السّابق.

4- موقع المصطلحات الاجتماعيّة والاقتصاديّة.

5- الموسوعة العربيّة.

6- المصدر السّابق.

7- موقع العلوم الإداريّة والاقتصاديّة.

8- المصدر السّابق.

        9- الموسوعة العربيّة.