أدرك علماء اللّغة العرب القدامى أهمّيّة تلك الثّروة اللّغويّة التي تميّزت بها اللّغة العربيّة، التي تعدّ أوسع لغات العالم، فهي تحوي 12302912 كلمة، من دون أن تكرّر أيّ مفردة من هذا العدد الكبير من الكلمات، التي تبلغ بالمقارنة مع كلمات اللّغة الإنجليزيّة، 25 ضعفاً من عدد كلمات تلك اللّغة التي تبلغ 600000 كلمة، وقد دأب اللّغويون العرب في أن يحافظوا على تلك اللّغة العربيّة، حيث أكّدوا بفطنتهم ونباهتهم، وعيهم ضرورة تحقيق العناية الوافرة بلغتهم، التي تمتاز بغزارة مفرداتها، وكان ابن خلدون ذكر أنّه "احتيج إلى حفظ الموضوعات اللّغويّة بالكتابة والتّدوين خشية الدّروس"، وقد انكبّ علماء العرب على وضع الكتب التي أطلقوا عليها اسم المعاجم اللّغويّة، التي جمعوا فيها محافظين على مفردات اللّغة، التي توخّوا أن يضمّوها إلى تلك المعاجم التي أصبحت مجامع لتلك الكلمات، وقد كان تحقّق أوّل معجم لغويّ عربيّ، في كتاب العين الذي وضعه في النّصف الثّاني من القرن الثّاني الخليل بن أحمد الفراهيديّ.

أطلقت كلمة المعجم على الكتاب الذي يتضمّن الألفاظ اللّغويّة ومعانيها، التي رتّبت بحسب حروفها،وكلمة المعجم في اللّغة جاءت من مادّة "ع،ج،م" حيث ذكر معجم العين أنّ "العجم ضدّ العرب، ورجل أعجميّ ليس عربيّ وامرأة عجماء، والعجمة، والعجماء، وكلّ دابّة أو بهيمة، والعجماء كلّ صلاة لا يقرأ فيها، والأعجم كلام ليس بلغة عربية، والمعجم حروف الهجاء المقطّعة لأنّها أعجميّة وتعجيم الكتاب تنقيطه كي تستقيم عجمته ويصحّ"، وورد في لسان العرب أنّ "الأعجم الذي لا يفصح ولا يبين كلامه وإن كان عربيّ النّسب، وأعجمت الكتاب ذهبت به إلى العجمة، وقالوا حروف المعجم فأضافوا الحروف إلى المعجم، وكتاب معجم إذا أعجمه: كتابته بالنّقط"، وقد اختلف في تحديد الفترة التي أطلقت فيها كلمة المعجم على ذلك النّوع من كتب اللّغة، التي تجمع كلمات اللّغة وفق ترتيب محدّد، وقد ذكر أنّ الإمام البخاريّ، أبو عبد الله محمّد بن إسماعيل المولود 194ه، أوّل من أطلقه على واحد من مؤلّفاته المرتّبة على الحروف.

صدرت في العصر الحديث عدّة معاجم، حيث نجد أحدها، وهو المعجم الوسيط، قد ساهم في إيراد تعريف للمعجم، فذكر أنّه "ديوان لمفردات اللّغة مرتّبة على حروف المعجم"، وقد اتّفق علماء اللّغة على تعريف المعجم بأنّه "كتاب يضمّ بين دفّتيه مفردات لغة ما، ومعانيها واستعمالاتها في التّراكيب المختلفة وكيفيّة نطقها، وكتابتها مع ترتيب هذه المفردات بصورة التّرتيب، التي غالباً ما تكون مع التّرتيب الهجائيّ"، ويذكر أيضاً في تقديم كلّ كلمة في المعجم أحوال استخدامها واشتقاقها، وذكر المرادفات لها والمعاني العديدة التي تشير إليها، فيعتبر المعجم مرجعاً يحتوي على كلمات تكون "مصحوبة بمعلومات عن بنيتها وطرق نطقها، ووظائفها، ومعانيها، وموقعها، واستعمالاتها الاصطلاحيّة"، فيصبح المعجم محتوياً كلمات اللّغة، أو مصطلحات علم معيّن، حيث تعرض موادّ المعجم بحسب ترتيب محدّد.

تعدّدت أنواع المعاجم في اللّغة العربيّة، فاتّجه بعضها إلى الاهتمام بالمعاني، وكانت لهذا الصّنف من المعاجم، الأسبقيّة في الوجود بالنّسبة إلى المعاجم المرتّبة بحسب الألفاظ، وقد عرفت المعاجم اللّغويّة بالقواميس، ومفرد هذه الكلمة هي قاموس ومعناه: البحر أو أبعد موضع فيه غوراً وقيل وسطه ومعظمه. وقد أطلقه الفيروزأباديّ على معجمه، فسمّاه (القاموس المحيط): وهو يعني البحر الأعظم كما ذكر ذلك المؤلّف بذاته، و"لمّا كثر تداوله اكتفى من اسمه بالقاموس، ثمّ انتقل هذا اللّفظ لينطبق على الكتب التي شابهته سواء أكان صدرت قبل، أو بعد ظهور كتاب الفيروزأبادي"، وقد اصطلح على تعريف المعجم بأنّه "مؤلّف ضمّ بين دفّتيه كلمات لغة قوم مقرونة بشرحها وتأصيلها" فالمعجم هو "كتاب يحوي على كلمات منتقاة، ترتّب عادة ترتيباً هجائيّاً، مع شرح لمعانيها ومعلومات أخرى ذات علاقة بها"، وإذا كانت توفّرت اللّغة العربيّة أعداداً متنوّعة من أصناف المعاجم منذ بداية التّأليف المعجميّ، فإنّ اللّغويّين العرب قد أولو اهتمامهم في البداية مفردات القرآن الكريم، ويعدّ غريب القرآن أوّل مؤلّف اهتمّ بمعاني كلمات القرآن الكريم، ثمّ بدأت تنتشر المعاجم المتنوّعة التي توزّعت إلى أصناف عديدة، مثل معاجم المعانيّ، ومعاجم الألفاظ ومعاجم المفردات،ومعاجم الأمثال، ومعاجم المصطلحات المتخصّصة في العلوم أو الفنون أو الطّبّ.

ظهر التّأليف المعجميّ بارزاً بين المواضيع  الكثيرة، التي تناولها اللّغويّون العرب، في كتبهم التي وضعوها، وقد اعتبرت المساعي التي أتاها أولئك اللّغويون في مزاولة ذلك التّأليف المعجميّ، أحد "أهمّ الجهود التي لا يمكن الاستهانة بها، نظراً لما يؤدّيه من دور في إفهام معاني ودلالات الكلمات" وقد حافظت المعاجم على اللّغة العربيّة، حيث تنوّعت الطّرائق التي اتّبعت في ترتيب موادّ تلك المعاجم الوفيرة و"إذا تفاخرت اللّغات كلّ بمعجمها، فالفخر كلّ الفخر لأمّها الضّاد، إذ لم يعرف العالم أمّة كالعرب فاقت سائر الأمم عناية بلغتهم، وسعياً في جمعها وتدوينها، وبحثاً في مفرداتها، وتعقّباً لدلالة الحرف الواحد من حروفها بحسب موقعه من اللّفظ الواحد"، وكانت برزت بالإضافة إلى أصناف تلك المعاجم التي ذكرتها آنفاً، معاجم أساس البلاغة للزّمخشريّ، والمخصّص لابن سيّدة، والصّحاح للجوهريّ، وتاج العروس للزّبيديّ، ومحيط المحيط للفيروزأبادي، وفي العصر الحديث ظهرت أيضاً معاجم متنوّعة مثل المنجد في اللّغة، والمعجم الوسيط، ويعدّ لسان العرب لابن منظور، أشهر معاجم اللّغة العربيّة، حيث ما برحت تستند إليه الأجيال المتعاقبة على مدى سبعة قرون، وتنوّع المعاجم يؤكّد أنّه "مهما كان صنفها تبقى في النّهاية وسيلة تلبّي حاجيات من يطلبها، وهؤلاء هم أهل اللّغة برمّتهم وليسوا من أهل الاختصاصات اللّغويّة فحسب"، فيحتاج النّاس جميعهم إلى استخدام تلك المعاجم.

إنّ ميزة تلك الغزارة في عدد مفردات اللّغة العربيّة، أكّدت قدرة تلك اللّغة على التّعبير عن المعاني الكثيرة، واستطاعتها وصف الوقائع العديدة التي يحيط بها فكر الإنسان، وقد كانت أعداد كلمات اللّغة العربيّة، مطّردة الزّيادة إذ هي "واسعة الثّراء بما منحها التّاريخ العربيّ المجيد من مفردات هي قابلة لزيادة هذه الثّروة بما وهبتها طبيعتها العبقريّة في الصّياغة من إمكان الاشتقاق والارتجال والتّعريب، وتغليب الصّيغ"(1)، واللّغة العربيّة هي أقدم اللّغات التي ما زالت مستمرّة ويزداد أعداد النّاطقين بها، الذي ينتشرون في بلدان عديدة، حتّى صحّت الملاحظة الدّقيقة التي تؤكّد أنّنا إذا رأينا هذا الامتداد الزّمنيّ البعيد، الذي تتميّز به اللّغة العربيّة، فإنّها لغة ممتدّة جغرافيّاً أيضاً و"لا نجد لغة أخرى في العالم اليوم، تستجيب لحالتي الامتداد الزّمنيّ والجغرافيّ معاً"(2)، واللّغة هي كائن حيّ، وهي بسبب هذه الخاصّيّة، تتعرّض للتّطوّر، حيث تكون "الكلمة التي هي في كثير من اللّغات مادّة حيّة يعمل فيها الزّمن ويؤثّر فيها، وتجدّ فيها الحياة، فتتطوّر وتتبدّل وربّما اكتسبت خصوصيّات معنويّة أبعدها الاستعمال عن أصلها قليلاً أو كثيراً"(3)، وهذا المظهر الحيويّ الذي تتّصف به اللّغة، ييسّر لها أن تساير مواكبة تلك الأشياء والحاجات، التي تستحدث وتنشأ في حياة النّاس، واللّغة هي مرآة الفكر، وتظهر أيضاً أحوال المجتمع الذي تنتشر فيه، فاللّغة "تتطوّر وفق تطوّر هذا المجتمع، فترقى برقيّه وتنحطّ بانحطاطه"،فلا تنبتّ الصّلة بين شأن اللّغة وأحوال أولئك النّاس الذين يستخدمونها، فهي تظهر حقيقة تلك المراتب التي أدركوها، في معارج الفكر، وفي مدارج التّطوّر التي يسلكونها.

إنّ هذا التّطوّر الذي يطرأ على اللّغة، يمتدّ ليصل أيضاً إلى تراكيب الجمل، التي لا تختلف في شأن تطوّرها عن الكلمة التي يهيّأ لها أن "تولد أوّلاً، ثمّ تشتهر بين أهلها، أو قد تكون خاملة، أو يعتريها الهزال، فيقلّ استعمالها بين النّاس، وقد تبقى مدفونة بين طيّات الكتب والمعجمات إلى أن تكتب لها أسباب البعث"(4)، وإذا كانت الكلمة، تمضي على تلك الحالة، التي بيّنتها آنفاً، فلا غرو من أن يهتمّ علماء اللّغة التّاريخيّين بموضوع التّطوّر اللّغويّ، وتسير اللّغة العربيّة على سنن ذلك التّطوّر الذي تمرّ به سائر اللّغات، إذ تضاف إلى تلك اللّغة العربيّة ألفاظ كثيرة و"هي إمّا تستحدث مفردات جديدة، أو تستوردها من لغات أخرى، وحتّى المفردات القديمة تتطوّر ويتغيّر معناها وبالتّالي لا تحمل بالضّرورة في العصر الحاليّ نفس الدّلالة التي حملتها في العصر الذي ظهرت فيه"، والحديث عن التّطوّر الذي يحدث في اللّغة يستدعي التّفكير في ضرورة تأليف المعجم التّاريخيّ الذي "لا يكتفي بإعطاء دلالة محدّدة للكلمة، بل يذهب أبعد من ذلك حين يعيد كتابة قصّة دلالات الكلمة وعبورها في الزّمن"، وقد اعتبر ذلك الصّنف من المعاجم هو "الجوهرة الأساسيّة" في تاج تأليف المعاجم، حيث يكون معجماً تاريخيّاً يعيد تركيب سيرة الكلمة و"صورتها في أذهان مستعمليها ودارسيها"، وقد تميّز المعجم التّاريخيّ "بالحفر البعيد في الذّاكرة اللّغويّة"، حيث يستحضر الطّرائق التي مضى فيها تطوّر كلمات تلك اللّغة.

تؤّكد حاجة النّاس إلى استخدام المفردات اللّغويّة، أنّ اللّغة "ليست كما يظنّ حبيسة المعاجم والقواميس، إنّما هي أداة عمل وكائن حيّ شديد التّأثّر والتّأثير"، ولا تقتصر المعجمات التّاريخيّة على تقديم الكلمات التي وجدت في زمن ومكان محدّدين، بل إنّها "تقوم بتتبّع تطوّر معاني الكلمات، وترصد حركيّة اللّغة عبر مراحل حياتها المختلفة، حتّى تكون نظرتها بذلك نظرة شموليّة تبدأ من أقدم العصور إلى غاية العصر الذي يتمّ فيه وضع المعجم، خاصّة من ناحية الاستعمال، حتّى ينتهي في الأخير إلى ترتيب تطوّر استعمال المفردات سواء كان في المبنى أو المعنى"، وتعرض في تلك المعاجم أيضاً الشّواهد اللّغويّة، التي توضّح "معاني ومباني الكلمات، وفي جميع مراحل حياة اللّغة"، ويهتمّ المعجم التّاريخيّ بسرد المسيرة التّاريخيّة التي اتّبعتها اللّغة "منذ نشأتها بل ولادتها إلى نهايتها"، وقد وضّح معنى كلمة النّهاية، بأنّها لا يقصد بها الموت والفناء و"إن يكن هذا من الأمور الخاصّة في جمهرة من الألفاظ التي عفا عليها الزّمن، أو قل قد انتفت الحاجة إليها"، واللّغة العربيّة هي أيضاً مهيّأة للتّطوّر لأنّ "لها خصوصيّاتها الدّاخليّة التي تمنحها التّفرّد والاستمراريّة، كيف لا وهي أوسع اللّغات مدى، وأغزرهنّ مادّة، وأوفاهنّ بالحاجة الحقيقيّة من معنى اللّغة، ككثرة أبنيتها وتعدّد صيغها، ومرونتها على الاشتقاق، وانفساحها من ذلك إلى ما يستغرق اللّغة بجملتها"، فيهتمّ المعجم التاريخيّ بالكلمات وتطوّرها "من حيث المبنى أو المعنى أو طريقة الكتابة، مع تسجيل أصولها الاشتقاقيّة بداية دخولها اللّغة وصيرورتها، بعد فترات من التّطوّر"، ولم تغب فكرة غياب ذلك المعجم عن أذهان اللّغويّين وعلماء اللّغة العرب في الوقت الرّاهن، إذ عنوا باستدراك وجود هذا النّقص في ذلك الصّنف من المعاجم، حيث يحظى ذلك المعجم التّاريخيّ بمكانة بارزة بين سائر أصناف المعاجم المتعدّدة.

ظلّت مجموعات المجلّات والجرائد منتشرة بكثرة في المنزل،وبدأت تلك المطبوعات المنشورة تستلفت نظري إليها منذ سنوات طفولتي الباكرة، وكانت الصّور البهيّة الألوان، التي تضمّها تلك المنشورات الدّوريّة، تشدّ إليها انتباهي، فآخذ في أن أتفرّج على تقاطيع تلك الصّور الزّاهية، التي طالما كانت تستميلني إليها، فاتّضحت منذ حداثة سنّي، الدّلائل على اهتمامي بتلك المجلّات والجرائد، التي كان أهلي يواظبون على أن يقتنوها ويطالعوها، ونشأت تلك الصّلة بيني وبين تلك المطبوعات الدّوريّة، حتّى قبل أن أتعلّم القراءة، وأبدأ في تهجّي الحروف المطبوعة، فكانت تلك الصّور التي تندرج في ثنايا تلك المجلّات والجرائد، هي الدّافع الذي كثيراً ما حفزني إلى أن أعكف في سنوات الطّفولة، على أن أقلّب صفحات تلك المطبوعات، التي كنت أبحث فيها مفتشاً عن تلك الصّور المشرقة بألوانها العديدة الزّاهرة.

اشتدّ حرص والدي ووالدتي على ترتيب أعداد تلك المجلّات في المكتبة، وكنت أرى أيضاً في أحد زوايا الغرفة التي كنّا غالباً ما نجلس ونجتمع فيها، مجموعة من تلك المنشورات الدّوريّة، موضوعة في تنسيق دقيق، وقد لحظت طريقة التّنظيم المحكم، الذي كان والديّ يرتّبان به، أعداد تلك المجلّات في الأماكن المتفرّقة التي كانت تشغلها في منزلنا، وكنت أدرك مقدار المسؤوليّة الجسيمة، التي تلقى على عاتقي، حينما أستلّ أحد أعداد تلك المجلّات المرتّبة على أرفف المكتبة، إذ كنت أجهد في ألّا أفسد تنسيق تلك الصّفوف المنتظمة، التي رتّبت فيها المجلّات، ودأبت في المحافظة على مراعاة طريقة ذلك التّرتيب، الذي وضعت به في المكتبة، تلك المطبوعات الدّوريّة، التي كنت أرى أفراد عائلتي في أحيان كثيرة، يقرؤونها بجدّيّة واهتمام بالغين، فأستدلّ على مقدار أهمّيّة تلك المجلّات، من إقبال أهلي المتواصل على قراءتها، وعندما أفرغ من تقليب صفحات المجلّة، التي أكون قد اطّلعت فيها على محتوياتها المتنوّعة، أحرص على أن أعيد تلك المجلّة إلى مكانها ذاته، الذي كانت موضوعة فيه بين المجموعة الكبيرة من نسخ المجلّات المتراصفة.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (57)

سنة النّشر 1987

ما إن فرغنا من ارتشاف الشّاي، حتّى التفتت إليّ قائلة:

مضى الوقت سريعاً، فآن لي أن أعود إلى منزلي، وإنّي أجزل لك الشّكر لما أظهرته لي من كرم الضّيافة.

أشرق في وجهها ذلك البهاء الذي يجهر في مخايل السّرور، ويظهر في أشكال الحبور، إلّا أنّ من الضّعة أن أنسب أسباب غبطتها إلى ما أبديته نحوها من طيب التّصرّف، فمن السّفاهة أن أفرض نفسي قيّماً على أحوال تلك الأحاسيس التي تطرأ على نادية، فأقصر على ذاتي القدرة على تحقيق بهجتها، وإسعاد مهجتها، وربّما امتدّ نفوذ تأثيري إلى ذهنها وفكرها، إلّا أنّه لا يتاح لي أن أثير مكامن الشّعور في كيانها، وإن كان يجمع بين ذهنها ونفسها مسالك عديدة، فتسري فيها تيّارات السّعادة والغبطة متدافعة، وتتوارد في جريانها إلى نفسها وفكرها.

استأنفت حديثها بعد أن تهيّأت للانطلاق نحو وجهتها المقصودة، وخاطبتني بلهجة رقيقة الهمسات، عذبة الكلمات، فقالت:

أثار اهتمامي ما أفضت به من آرائك وما عرضته عليّ من معتقداتك، وسأتبصّر في هذه الأفكار حتّى نجتمع معاً في لقاء قادم.

توادعنا وقد بدأت تتردّد في فكري عباراتها، التي تفوّهت بها في ختام حديثها، وقد صرّحت فيها ببواعث اهتمامها، وأفصحت عن دواعي رضاها، فرسخت في ذهني تلك الخواطر التي لاحت في بالي منذ برهة يسيرة.

يدأب الإنسان في أن يستجلي حقائق الظّواهر التي يشاهدها، فيستغلّ طاقة المعرفة التي يمتلكها، في سعيه إلى استكشاف معالم الأشياء التي تتبدّى له، وكان العقل هو مرتكز تلك المعرفة و"حاملها في مستوى الذّات الإنسانيّة"، ويمتلك العقل القدرة على التّجريد والتّفكير وإطلاق الأحكام، وهو أيضاً "ملكة متعالية شكّلت التّفوّق النّوعيّ للإنسان بوصفه كائناً فكريّاً Homo Sapiens وكان تاريخ تطوّر المعرفة "مشروطاً بتاريخ تطوّر العقل المرتبط شرطيّاً أيضاً بتاريخ التّطوّر التّقنيّ _ الإيديولوجيّ _ الاجتماعيّ للمجتمعات"، وقد أصبحت المعرفة "نتاج تجريديّ لدماغ الإنسان بوصفه عقلاً. كما أنّ المعرفة تعيد إنتاج العقل"، فالإنسان هو كائن عاقل "يملك قابليّة التّعقّل والتّمييز بين سلبيّات الأشياء وإيجابيّاتها... ويولد الإنسان وهو يحمل قوّة الإدراك بالفطرة والوراثة أو الغريزة، (العقل الفطريّ، والعقل الغريزيّ)". وقد كان ابن خلدون قد ذكر أنّ "العقل صفة الإنسان من هو ذو فكر"، وكان العالم العربيّ جابر بن حيّان بيّن لامحدوديّة العقل التّنويريّة بقوله: "العلم نور، وكلّ علم عقل، إذن كلّ عقل نور"، فأصبح العقل هو "القوّة على اكتساب العلم" وبتلك الصّفة أضيفت وظيفة أخرى إلى العقل وهي "تحويل الإدراك الحسّيّ إلى إدراك عقليّ مجرّد"، وكان الجبائيّ قد ذكر أنّ العقل هو العلم، وفي اللّغة "إنّما العقل سمّي عقلاً لأنّ الإنسان يمنع نفسه به عمّا لا يمنع المجنون نفسه، وأنّ ذلك مأخوذ من عقال البعير"، وقد وصف الإنسان بأنّه عقلٌ وهوى، وقد كان العقل "يمكّنه من أن يكتشف ما في الأشياء والسّلوك من صلاح أو فساد، فيوجب العمل بما هو صالح، وينهي عمّا هو فاسد"، حتّى صحّ الاعتقاد في أنّ الحسن ما حسّنه العقل، والقبيح ما قبّحه العقل.

تأكّدت أهمّيّة استرشاد الإنسان بنور العقل وهدايته، ليمضي في دربه في هذه الحياة، في مأمن من مزالق العثار، وفي منجاة من بواعث المضارّ، وقد كان الفقيه والعالم ابن القيّم ذكر "أنّ نور العقل يضيء في ليل الهوى، فتلوح جادّة الصّواب، فيتلمّح البصير في ذلك عواقب الأمور"،وقد برز عقل الإنسان في عمليّة تحقيق المعرفة، لأنّه "بوسعه تخطّي حدود ما يعطى له مباشرة في التّجربة الحسّيّة"، فيتمكّن الإنسان من أنّ يتّبع طريقة في التّفكير، تستند إلى العقل، حيث يطلق مفهوم العقلانيّة على قدرة الإنسان في نشاطه الذي يمارسه في مجرى الحياة، على أن ينجز المحاكمة الواعية، التي تجري "بعيداً قدر الإمكان، عن تسلّط المشاعر والعواطف، وعلى وزن كافّة الاعتبارات "لصالح" أو "ضدّ" الاختيار المعني، وعلى السّعي لتعليل أقواله وتصرّفاته"، وكلمة العقلانيّة في اللّغة الانكليزيّة rationalism، تحدّرت من اللّاتينيّةratio، وهي تعني عقل، وبصيرة، وتصبح العقلانيّة "تعني حرفيّاً: أسلوب في التّفكير أو التّفلسف، يقوم على العقل"، فالعقلانيّة لا تعترف بأيّة "قوّة أخرى غير قوّة العقل"، وتعتمد العقلانيّة على عدّة عوامل، يندرج في عدادها على سبيل المثال "تربية التّفكير المنطقيّ المبني على المعطيات العلميّة، والموضوعيّة البعيدة عن الاستنتاجات المبهمة والعامّة"، وتلك العقلانيّة تهيّئ الإنسان لأن يتجنّب "الفوضى التي تؤدّي إلى إهدار الطّاقات، وضياع الوقت وإلى التّسيّب"، وهي تمكّنه من "تفادي الأخطاء قبل وقوعها"، فيصبح العقل "ملكة الاستدلال الصّحيح والاستنتاج، وعرض المرء أفكاره بطريقة منطقيّة"، حيث اعتبر العقل أيضاً، مصدر كلّ الأفكار، فتحدّد مفهوما المعرفة والأخلاق "على ما يقرّه العقل"، وأمّا الفكر فإنّه يقصد به "القدرة على كشف أسباب وجواهر الظّواهر، وبحثها بطريقة شاملة"، وقد أدّى تحلّي الإنسان بالتّفكير العقلانيّ، إلى زيادة قدرته على أن ينجز مهامّه بإتقان.

إنّ القدرة العقليّة التي يمتلكها الإنسان، هي "أحد الأمور الهامّة والمؤثّرة بل الأساسيّة في عمليّة التّفكير البشريّ" وقد عرّفت تلك القدرة العقليّة بأنّها "مجموعة من الأساليب الخاصّة بالأداء المعرفيّ"، حيث اعتبرت تلك الأساليب "مجموعة من الملكات الخاصّة بالشّخص، والمنفصلة عن بعضها البعض"، فأصبحت في نظر عدد من المفكّرين، القدرة العقليّة هي "تلك القدرة العقليّة الفكريّة أو الشّعوريّة أو الإراديّة، حيث أنّ كلّها تعتمد على تفسير تلك المظاهر العقليّة المختلفة والتي تعبّر عن الأداء العقليّ"، فأصبحت القدرة العقليّة "جوانب النّشاط العقليّ كملكة التّذكّر وملكة الانتباه وملكة التّخيّل، وملكة الابتكار"، فتمكّن تلك القدرات العقليّة الإنسان من أن يمتلك ناصية الفهم، في تأمّله في تلك المعالم التي يسبر أغوارها، ساعياً إلى الإحاطة بحقيقتها.

إنّ تأكيد بروز عمليّة التّفكير، التي تمهّد السّبيل إلى استجلاء معالم الظّواهر التي تتبدّى في مجرى حياة النّاس، قد أوقع على الإنسان مسؤوليّة تنشيط عقله،وتنمية قدراته العقليّة، حيث قد تأتّى له "العمل على تنمية ومضاعفة وتطوير القدرات العقليّة الخاصّة به"، وتعرّف القدرة العقليّة بأنّها "قدرة الفرد على اتّخاذ القرارات الخاصّة به، واكتساب المهارات المعرفيّة، واستقبال المعلومات وحتّى الحساب، بالإضافة إلى القدرة على إنجاز عدّة أمور"، وقد أكّدت نتائج الأبحاث التي عولجت فيها شؤون تلك القدرات العقليّة، أنّ القاعدة الرّئيسيّة في تنمية تلك القدرات تتحدّد في التّعليم "بمفهومه تلك العمليّة الخاصّة باكتساب المهارات والمعارف، والقيام بناء على ذلك بتطوير السّلوك، وذلك بعد اكتساب الخبرات والمهارات اللّازمة للتّطوير، حيث أنّه من المفروض ألّا يتمّ التّعليم إلّا عن طريق عامل التّحفيز والإدراك"، وقد أكّدت بعض التّجارب الطّبّيّة الحديثة أنّه "من أفضل الأساليب والطّرق التي يمكن اتّباعها لتنمية القدرات العقليّة وتطويرها هي القيام بالتّمارين العقليّة، لأنّها تعمل على تحفيز الخلايا الخاصّة بالمخّ، وتعمل أيضاً على تفعيل قدرات الذّكاء حتّى وإن كانت عن طريق بعض التّمارين البسيطة مثل الألعاب المنطقيّة، أو الدّخول في عمليّات النّقاش الفكريّة مع الأصدقاء، أو حتّى لعب الألعاب التي تحتاج إلى ذكاء وتفكير مثل لعبة الشّطرنج"، والإنسان الذي ينعم بتلك الملكات الذّهنيّة، يتوجّب عليه أن ينمّي ويصقل تلك القدرات التي يحوزها.

أضيف إلى وسائل تنمية القدرات العقليّة المذكورة آنفاً، "اكتشاف موهبة جديدة لدى الفرد ممّا سيساهم في تنمية ذكاءه وقدراته العقليّة من جديد"، وقد نوّهت أيضاً بأهمّيّة عمليّة التّساؤل الدّائمة، حيث "إنّ تلك الطّريقة هي من إحدى الوسائل شديدة النّجاح والفاعليّة في تنمية القدرات العقليّة، حيث يجب على الشّخص أن يكون دائم السّؤال عن كلّ شيء من حوله يجهله أو أنّه ملتبساً عليه، أو كونه أمراً غامضاً، حيث سيساعد ذلك على تحسين وظائف المخّ وجعله أكثر حيويّة"، وأضيفت إلى تلك الوسائل أيضاً "القراءة، وخاصّة قبل النّوم، لأنّ القراءة تساعد على تحفيز التّحليل الإبداعيّ، وتطوير المفردات اللّغويّة، وتطوير أنماط التّفكير، كما ينصح البحث عن المفاهيم الجديدة، من أجل زيادة معجم المفردات، والمشاركة في النّقاشات والنّدوات، فعند محاولة العقل إثبات وجهة نظر معيّنة، سيساعده ذلك على النّمو والانفتاح"، ويستدلّ على امتلاك الفرد القدرة العقليّة، باستطاعته "فهم المعلومات الخاصّة بقرار ما، والاحتفاظ بالمعلومات لموعد اتّخاذ قرار ما، والتّفكير مليّاً بالمعلومات"، ولا غنى للإنسان أيضاً عن ممارسة الرّياضة، كي يحقّق تنمية قدراته العقليّة، لأنّ الرّياضة "تساعد على تحفيز الدّماغ وزيادة التّحمّل العقليّ، بسبب انتقال الأكسجين والموادّ المغذّية له"، فتتحقّق عندئذ في مزاولة الألعاب الرّياضيّة، سداد مقولة العقل السّليم في الجسم السّليم.

احتوت الوسائل التي تسهم في تنمية القدرات العقليّة عند الإنسان، وسيلة اعتبرت أيضاً أداة ترويح للنّاس، وهي تحديداً لعبة الشّطرنج، التي هي إحدى الألعاب التي "تتطلّب من يمارسها اتبّاع طرائق التّفكير والتّحليل العقليّ"، ولعبة الشّطرنج هي لعبة ذهنيّة تحلّ في مرتبة رفيعة جدّاً بين سائر الألعاب والأنشطة الذّهنيّة، وتتحقّق ممارسة هذه اللّعبة، بتطبيق قواعد ثابتة، وهي تعتبر تسلية ذهنيّة، فضلاً عن أنّها لعبة عريقة في قدمها، وتطغى شهرتها على شهرة سائر الألعاب الذّهنيّة، وفي ممارستها تتّضح كثير من القدرات العقليّة العالية، التي تصقل وتنمّى، حتّى أنّ بعض تلك القدرات يكتسبها الإنسان من جرّاء مزاولته تلك اللّعبة، لتغدو متأصّلة في ذهنه وراسخة في نفسه، فالشّطرنج يجلب إلى الإنسان بحقّ، أجلّ وأرفع المتع التي يتمّكن من أن يحصل عليها، وتلك الفكرة تخالف الفكرة الشّائعة عند النّاس، في الميل إلى تجنّب إعمال الذّهن وتنشيط العقل في مزاولة أعمال شتّى، وعندما يقال أن الشّطرنج لعبة ذهنيّة، لأنّ كلّ العوامل الأخرى تسقط في حسابات هذه اللّعبة مثل الصّدف، التي تبتعد عن قوانين العقل المترابطة.

اشترط على لاعب الشّطرنج كي يتقن ممارسة هذه اللّعبة، أن يدأب في ممارسة لعبة الشّطرنج، التي لا يختلف شأنها عن أحوال سائر الألعاب الرّياضيّة، التي يتوجّب المواظبة على ممارستها، كي يحافظ الرّياضيّون على لياقتهم الجسديّة واستعدادهم العالي لمزاولة تلك الألعاب الرّياضيّة المتنوّعة، وقد ذهب أحد أبطال هذه اللّعبة إلى أن يذكر "أنّ الشّطرنج مثل رياضة بناء الجسام، إذا تدرّبت كلّ يوم سوف تبقى بشكل مثاليّ، والأمر نفسه بالنّسبة للدّماغ، فالشّطرنج هو مسألة تدريب يوميّ"، حيث يصبح التّدريب المتواصل واليوميّ هو شرط جوهريّ في ممارسة تلك اللّعبة الذّهنيّة، فإنّ توقّف لاعب الشّطرنج وتقاعس عن مواصلة اللّعب، فإنّه ستتقهقر استعداداته لمزاولة هذه اللّعبة بطريقة متقنة، ويحصل لاعب الشّطرنج في أدائه هذه اللّعبة، على المتعة الكاملة الوافية، إذ اعتبرت لعبة الشّطرنج هي ممتعة في حدّ ذاتها، من دون أن تحتاج إلى أيّ دافع أو "محفّز مادّيّ لمزاولتها"، وقد كان يستخلص من تاريخ مباريات هذه اللّعبة، أنّ الشّطرنج "لم يتمّ لعبه أبداً من أجل المال"، ولعبة الشّطرنج "تلعب بالذّهن قبل الأصابع"، فالشّطرنج يجمع بين العلم والرّياضة والفنّ، وكانت دقّة التّشبيه بالغة، في وصف الشّطرنج بأنّه الحياة، لأنّه يتضمّن كلّ الأنشطة التي تظهر في مجرى الحياة، مثل الصّراع والمنافسة، بالإضافة إلى الأحداث المختلفة، وإن كانت تلك اللّعبة الذّهنيّة هي ميدان خاصّ للعقل، فإنّ لعبة الشّطرنج هي أيضاً مرآة للعقل والنّفس معاً، وقد أثبتت التّجارب العمليّة أنّ الشّطرنج يحسّن المهارة الفكريّة ويطوّرها، حيث اعتبرت تلك الخاصّيّة الفرديّة، في عداد الصّفات المكتسبة، ولا تمتّ بصلة بأحوال المواهب الرّاسخة في النّفس، فتعتبر لعبة الشّطرنج نشاطاً رياضيّاً، يتحقّق فيه تمرين العقل وتنشيط الذّهن، حتّى أنّ كلّ "التّصوّرات في الشّطرنج لها قواعد هندسيّة، مثل الهندسة الفراغيّة"، فلعبة الشّطرنج تشحذ فهم اللّاعب الذي يمارس هذه اللّعبة، وتنمّي قدراته العقليّة، وتحقّق في نفسه المتعة في أثناء مزاولته هذه اللّعبة الذّهنيّة.

تعزّزت فضيلة التّسامح في التّراث العربيّ، فكثرت الشّواهد على تلك المكانة العالية التي حلّ بها مبدأ التّسامح في حياة العرب، فكان الإطناب في توضيح مزايا ذلك المبدأ الإنسانيّ الجليل، وكثير من المعاني التي امتلأت بها المرويات التّراثيّة العربيّة عن التّسامح، تضّمنها أغلب نظريّات الفكر المعاصر في دراسات فروع العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، في وقتنا الرّاهن، فكان العرب سبّاقين إلى اكتشاف تلك المعاني التي يتضمّنها مفهوم التّسامح، وكانت تجاربهم الإنسانيّة، غنيّة بالمآثر والحكم النّفيسة التي تناقلتها الأجيال خلال الدّهور المتوالية، وقد كان الحقد الذي يكنّه الإنسان في نفسه نحو الأشخاص الآخرين، يشبّه بالسّمّ الذي يحتبسه في جسده، فيفتكّ به، وقد قيل في الموازنة بين الحيّة والإنسان، أنّ الحيّة هي أعقل من الإنسان، لأنّها تنفث سمّها إلى الخارج، بينما الإنسان عندما يحقد، فإنّه يوجّه السّمّ إلى ذاته، وقد كان الشّافعيّ قد ذكر:

"لمّا عفوت ولم أحقد على أحد... أرحت نفسيّ من همّ العداوات"

"إنّي أحيّ عدوّي عند رؤيته... لأدفع الشّرّ عنّي بالتّحيّات"

"وأظهر البشر للإنسان أبغضه... كأنّما قد حشى قلبي محبّات"

"النّاس داء ودواء النّاس قربهم... وفي اعتزالهم قطع المودّات"

وهذه الفكرة النّاضجة التي عبّر عنها الشّافعيّ منذ زمن موغل في القدم، أثبتت أنّه قد أدرك ببصيرته النّافذة دخائل النّفس البشريّة، وكان أبو علاء المعريّ ذكر:

"إذا عثرَ القومُ فاغفر لهم... فأقدام كلّ فريق عثر"

وهو قال أيضاً:

"إذا عفوت عن الإنسان سيّئة... فلا تروّعه تأنيباً وتقريعاً"

فبيّن الطّريقة المثلى في تعامل النّاس مع بعضهم البعض في تلك المواقف، التي تتأسّس على قواعد حسن السّلوك، ولطف المعاشرة، وهي نصائح اهتدى إلى صوابها علماء النّفس والتّربية في عالمنا المعاصر، وكان أبو العتاهية قال:

"خليليّ إن لم يغتفر كلّ واحد... عثار أخيه منكما فترافضا"

"وما يلبث الحيّان إن لم يجوّزوا... كثيراً من المكروه أن يتباغضا"

"خليلي باب الفضل أن تتواهبا... كما أنّ باب النّصّ أن تتعارضا"

فوضع قواعد في المعاملة، بعد أن بيّن المحاذير التي يجب أن يتلافاها النّاس في تعاملهم مع بعضهم البعض، وكان أبو الفتح البستيّ قال:

"خذ العفو وأمر بعرف كم... أمرت وأعرض عن الجاهلين"

"ولن في الكلام لكلّ الأنام... فمستحسن من ذوي الجاه ليّن"

حيث بيّن أنّ الرّقّة لا تدلّ على الضّعف والهوان، بل هي تؤكّد قوّة ورفعة الشّخصّ الذي يتّبع طريقة الملاينة في تعامله مع النّاس، ونصل إلى ابن نباتة الذي قال:

"والصّفح لا يحسن عن محسن... وإنّما يحسن عن جاني"

وفي هذا الكلام كتبت أبحاث ونشرت دراسات كثيرة في الفكر المعاصر، تبيّن فحوى هذا البيت، والحديث عنها يطول جدّاً، فالتّسامح هو صفة خلقيّة جليلة، ومبدأ إنسانيّ رفيع، يؤّسس قواعد الألفة والتّعاطف بين النّاس، وأصبح التّسامح زينة الفضائل التي تغنّى بها العرب القدماء في أقوالهم، وطبّقوها في أفعالهم.

تظهر في مجرى العلاقات الاجتماعيّة النّاشئة بين الأفراد، قضايا ومسائل متعدّدة، تسترعي النّظر في شؤونها، وتستدعي البحث في مضامينها، وتتصدّى بحوث علم الاجتماع لمعالجة تلك المسائل التي تتبدّى في المجتمعات البشريّة، فينظر في معالمها بالتّحليل المعمّق، ويسبر غورها وأبعادها بالتّدقيق النّاجز، وتسجّل الملاحظات التي تغدو توثيقاً ثابتاً للمشكلات، التي تعالج في الدّراسات الجارية في نطاق علم الاجتماع، الذي رأى دوركايم أنّ ذلك الصّنف من العلم يهتمّ بدراسة "أنماط الحياة والظواهر والمشكلات الاجتماعيّة"، بينما ذهب ماكس فيبر في تعريفه علم الاجتماع إلى أن يقول "أنّه العلم الذي يحاول الوصول إلى فهم وتفسير للفعل الاجتماعيّ، وذلك من أجل الوصول إلى تفسير سببيّ"، وتتحقّق الإحاطة بتلك الوقائع والعلاقات الاجتماعيّة، بعد إدراك النّتائج التي تفضي إليها تلك الدّراسات القائمة في ميدان علم الاجتماع.

تتنوّع أنماط السّلوك، الذي يعنى بدراسته علم الاجتماع، حيث تبحث فيه، تلك الدوافع التي تنشئ السّلوك البشريّ، الذي كان نوعاً محدّداً منه، قد اتّخذ سمة متفرّدة، فكان يشترك كلّ أفراد المجتمع في مزاولته، حيث كان ذلك النّمط من السّلوك "ذات وجود خاصّ مستقلّ عن الصّور، التي تظهر عند كلّ شخص على حدة"، واصطلح على أن يطلق على ذلك النّمط من السّلوك اسم الظّاهرة، وقد باتت تندرج في مواضيع علم الاجتماع الظّواهر الاجتماعيّة، التي تمارس "نوعاً من القهر أو الضّغط الاجتماعيّ الخارجيّ على الأفراد"، فكان علم الاجتماع يهتمّ أيضاً "بدراسة الظّواهر الاجتماعيّة، التي هي عبارة عن قوى تفرض على المجتمع، نوعاً معيّناً من التّصرّف والتّفكير والعواطف، وهي ليست من صنع أفراد المجتمع بل هي تسبقهم في الوجود"، فيتناول علم الاجتماع الظّواهر الموجودة في المجتمع، حيث تعتبر تلك الظّواهر "واقعة اجتماعيّة كلّيّة، لا يمكن أن تختزل إلى جانبها السّياسيّ أو النّفسيّ أو الاقتصاديّ... وليست مجرّد محصلة حسابيّة لعناصرها المكوّنة"،فيهدف علم الاجتماع إلى أن يتيح الوسائل الملائمة، ليتحقّق فهم الظّواهر فهماً دقيقاً، حيث يقتضي أن تدرك القوانين التي تنتظم بها، العمليّات الاجتماعيّة القائمة في المجتمع.

حدّد عالم الاجتماع أوغست كونت وجود شرطين اثنين، ليتحقّق نشوء الظّواهر في المجتمع، وكان الشّرط الأوّل هو أن تنشأ الظّواهر الاجتماعيّة "وفقاً لقوانين محدّدة وبالبعد عن الأهواء والصّدف"، بينما عيّن الشّرط الثّاني في "ضرورة معرفة النّاس هذه القوانين"، وقد قسّم أميل دوركهايم الظّواهر الاجتماعيّة إلى نوعين اثنين، فكان أولاهما ظواهر عامّة "تفرض نفسها على جميع شرائح المجتمع"، بينما كان النّوع الثّاني من الظّواهر، تلوح في "بعض شرائح المجتمع وفي مدّة زمنيّة محدّدة وتحت ظروف معيّنة"، وقد كانت صفات الظّاهرة الاجتماعيّة، تحدّد ببعض السّمات، حيث يجب أن تتميّز بالموضوعيّة، التي تعني أنّ لها وجود "خارج شعور الفرد لأنّها ليست من صنعه بل يتلقّاها من المجتمع"، ويجب أن تكون تلك الظّواهر إلزاميّة، فهي تعني خضوع الإنسان "لإلزام أخلاقيّ وهو يؤدّي سلوكاً اجتماعيّاً محدّداً"، فتكون تلك الظّواهر قسريّة وإلزاميّة"، فلا يستطيع الفرد "الإفلات منها متى شاء، بغضّ النّظر عن إحساس الفرد لهذا الإلزام أو عدم إحساسه"، فالفرد لا يسعه أن يجابه معترضاً في المجتمع الذي يحيا فيه، العادات والأعراف والتّقاليد والقوانين، إذ يجب عليه أن يستنّ بها، وتكون الظّواهر تلقائيّة "يمارسها الفرد دون أيّ تردّد"، فمصدرها هو المجتمع الذي ينشئ تلك الظّواهر، التي تتّسم بالخاصّيّة الإنسانيّة، حيث تظهر داخل المجتمع البشريّ.

 

سعى الباحثون في نطاق علم الاجتماع، في أن ينجزوا الدّراسات، التي تيسّر لهم أن يفسّروا الظّواهر التي تنشأ في المجتمع، ودأبوا أيضاً في أن يكشفوا عن القوانين، ويضعوا النّظريّات العلميّة، التي تتيح لهم أن يوضّحوا المسائل والقضايا المجتمعيّة، وقد كان أحد مواضيع علم الاجتماع، هو دراسة "كيفيّة تنظيم وبناء الأطر الاجتماعيّة للحياة الإنسانيّة"، واهتمّ أولئك الباحثون في ميدان ذلك العلم، بأن يتناولوا القضايا الاجتماعيّة، التي يعمّ بعضها غالبيّة المجتمعات، مثل موضوع التّفكّك الأسريّ، والتّشرّد، والتّفرقة بين الجنسين، فكانت تجرى البحوث، التي يعالج فيها مسائل اجتماعيّة شتّى، ويعنى علم الاجتماع بتوضيح "أسباب تغيير المجتمعات الإنسانيّة وتطوّرها"، وتهدف الدّراسات الجارية في ذلك العلم أيضاً، إلى أن تحدث "عمليّات الإصلاح بالمجتمع والتّخطيط وتحقيق الخدمة الاجتماعيّة، التي يقدّمها العلم نفسه إلى المجتمع"، فاهتمّ الباحثون في مواضيع علم الاجتماع، بالنّظر في الظّواهر الاجتماعيّة والمشاكل التي كانت تلوح في المجتمع، حيث يستخدمون مناهج علميّة، في تناولهم المواضيع الاجتماعيّة المتنوّعة، وكانت تمهّد لهم، تلك الطّرائق المتّبعة، السّبيل إلى أن يجمعوا المعلومات والبيانات لدراسة "مشكلات المجتمع في الوقت الرّاهن، والتّنبّؤ بالنتائج العامّة لهذه المشكلات في المستقبل"، فسعى أولئك الباحثون في نطاق علم الاجتماع، في أن يوثّقوا مواضيع المشاكل التي تتجلّى في المجتمع، وقد كانت تلك الدّراسات التي أجروها، توفّر لهم أيضاً وجود الفرص الملائمة لحلّ المشاكل المجتمعيّة.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (56)

سنة النّشر 1987

تطايرت الأوراق اليابسة الصّفراء في مخترق الرّياح، التي ما برحت تهتزّ في مهبّها أفنان الأشجار، ورأيت نادية ترمق مناظر الطّبيعة من خلال زجاج النّافذة، فاستأذنتها في الذّهاب إلى المطبخ لأحضّر شراب الشّاي، وتمهّلت في إعدادي ذاك المشروب السّاخن، لأفسح لها متّسعاً من الوقت، تفرغ فيه من تأمّلها، وما إن أقبلت نحوها، حتّى ألفيتها ما تزال على تلك الحالة من التّفكير التي استغرقت فيه، فلم أشأ أن أبعثها من غفوتها الحالمة، وأن أنبّهها من نشوتها الوادعة، كي لا أبدّد روعة ذلك المشهد الذي أرنو إليه، فأرمق مسافر وجهها الصّبيح وقد تبدّت في أسارير جبهتها أطياف أمانيها الزّاهرة، وزهت في وجنتيها رغائب نفسها الطّاهرة، فغدت نادية كإحدى الحوريات الحسان اللّواتي اكتملت صورتهنّ في خيالي، من دون أن أرى لهنّ ظلّاً متشكّلاً في وقائع الحياة، ولا ألفي صنواً لإشراقهن إلّا في أنوار السّماء البرّاقة، فكأنّ حلّت تلك الأطياف التي تحوم في فكري بكيان نادية، واستقرّت تلك الأخيلة التي تجول في خاطري بهيئتها.

أحسّت باقترابي منها، فقدّمت إليها كأس الشّاي، فتناولتها بيد مرتعشة، قد أرعدتها حدّة تلك الخواطر التي جالت في فكرها، وبدأت ترشف ذلك الشّراب السّاخن بتمهّل، بينما كنت آخذ في أن أتأمل في أثناء تجرّعها مشروب الشّاي، رشاقة قدّها وملاحة جسدها، فلمحت اتّساق قوامها الممشوق بحسن فريد وجمال فتّان، وأبصرت شموخ منكبيها بسموّ واعتزاز، وقد انضمّا برفق إلى أعطاف جذعها، ولم تبد منّي تلك اللّمحة عن مآثم الغواية، فكان ذلك الشّعور الذي يشمل وجهها بصوره المضيئة، يعمّ سائر قوامها بأشكاله العديدة، فلا ينطبع في ذهني إلّا مشاهد تلك العواطف الطّاهرة، وما نفع جسد تكوّنت فتنته واكتملت روعته، إن غاض فيه ذلك الشّعور السّامي، والعاطفة النّبيلة، اللذان يوشّجان بين أوصاله بسريانهما فيها، ويغطّيان إهابه بجريانهما عليه، ولم يظهر لي هذا الجمال المتكوّن من وسامة وجهها، وبهاء قدّها على هذه الشّاكلة من الرّونق إلّا بعدما أبصرت ذلك الإحساس، الذي دبّ فيه، وأدركت تلك العواطف التي تتدفّقت منه، فتحقّق تصورّي لهذا الجمال في أنقى هيئة من الجهارة، وأسمى صورة من الطّهارة.

 

مسافر الوجه: ما يظهر منه.

تتّضح مظاهر الحياة الاجتماعيّة التي يعيشها الأفراد، في نطاق عمليّة التّفاعل الاجتماعيّ الذي ينشأ بين شخصين اثنين، أو مجموعة من الأفراد، وليس في وسع الإنسان إلّا أن يكون كائناً اجتماعيّاً، إذ وصف بأنّه حيوان اجتماعيّ، فيتحقّق اتّصال وتفاعل دائمان بينه وبين سائر الأفراد في المجتمع، الذي يندمج فيه ذلك الإنسان، فكانت تلك الخاصّيّة الاجتماعيّة، تميّز بها سلوك الفرد، وقد اتّخذ البحث في علاقات النّاس مع بعضهم البعض، منهجاً علميّاً، أطلق عليه اسم علم الاجتماع، الذي ذكر في أحد التّعاريف التي وضعت لتوضيح الأبحاث الجارية فيه، أنّه علم دراسة المجتمع، حيث يتناول دراسة المجتمع الإنسانيّ، ويبحث في العلاقات الحادثة بين النّاس، ويستنبط من "ملاحظة ومشاهدة تلك العلاقات الإنسانيّة قوانين علم الاجتماع"، وقد كان عبد الرّحمن بن محمّد ابن خلدونأوّل من أسّس علم الاجتماع، حيث بادر إلى أن ينشئ قواعد ذلك العلم، وقد ولد في تونس في عام 1332م، وقد أدرك ابن خلدون أنّه أنشأ بحثاً جديداً، حين قال في مقدّمته "أعلم أنّ الكلام في هذا الغرض مستحدث الصّنعة"، وكان أطلق على ذلك البحث الذي أنشأه، اسم علم العمران، قبل أن يعرّف لاحقاً بعلم الاجتماع، وهو حدّده بأنّه "ما يعرض لطبيعة العمران من الأحوال مثل التّوحّش والتّأنّس، والعصبيّات وأصناف التّغلّبات للبشر على بعضهم البعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدّول ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصّنائع، وأثر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال وما لذلك من العلل والأسباب"، فاستطاع ابن خلدون أن يسبق بنظريّاته التي وضعها، العديد من علماء الاجتماع في الزمن المعاصر.

كان الفيلسوف الوضعيّ أوغست كونت، قد أطلق على البحث الذي تجري فيه دراسة الظّواهر الاجتماعيّة، مصطلح الفيزياء الاجتماعيّة، إذ كان يعتقد أنّ "الظّواهر الاجتماعيّة يمكن أن تدرس بطريقة علميّة"، ثمّ وضع كلمة سوسيولوجيا ليشير بها إلى علم الاجتماع، والعلم في حدّ ذاته، يفسّر بأحد التّعاريف بأنّه "فرع من فروع المعرفة، أو مجالات الدّراسة التي تبحث الوقائع، أو الحقائق المرتّبة تريباً منهجيّاً، لإظهار عمل القوانين العامّة"، وذلك المصطلح سوسيولوجيا الذي وضعه كونت عام 1830، يجمعباللّغة الأجنبيّة، بين الكلمة اللّاتينيّة "Socius"، وهي تعني شعباً أو قبيلة أو مدينة متحالفة مع روما، ثمّ دلّت في وقت لاحق على كلمة المجتمع "Society"، بينما كانت الكلمة اليونانيّة "Logos"، تعني العقل أو المعرفة، فهدف علم الاجتماع إلى أن يدرس السّلوك الإنسانيّ، والطّرائق التي ينتظم بها المجتمع، وقد أوضحت آنفاً أنّ الفرد لا يملك إلّا أن يكون كائناً اجتماعيّاً يعيش في وسط اجتماعيّ، حيث يظلّ على اتّصال ببقيّة أفراد المجتمع، وقد كان الفيلسوف سبنسر ذهب إلى أن يذكر أنّ علم الاجتماع "هو العلم الذي يصف ويفسّر نشأة وتطوّر النّظم الاجتماعيّة، والضّبط الاجتماعيّ والعلاقات بين النّظم الاجتماعيّة"، فهو علم تجريبيّ يقوم على الملاحظةوإعمال الفكر في الظّواهر الاجتماعيّة"لا على البحث في مسائل ميتافيزيقيّة (علم ما بعد الطّبيعة) كما أنّ نتائجه ليست تأمّليّة بل تفسّر العلاقات بين موضوعات البحث الاجتماعيّ تفسيراً علميّاً"، فتلك المعرفة التي تستخلص من ذلك العلم، تنشأ عن استخدام المنهج العلميّ، في دراسة أبنية ومكوّنات الحياة الاجتماعيّة.

يهتمّ الباحثون في علم الاجتماع أيضاً، بدراسة خصائص المجموعات الاجتماعيّة والمنظّمات والمؤسّسات التي ينشئها البشر، حيث يدرسون في نطاق ذلك العلم، التّفاعل الاجتماعيّ بين تلك المجموعات، التي يهدف علم الاجتماع إلى "أن يكشف القوانين التي تحكمها"، فعلم الاجتماع هو الدّراسة العلميّة التي يجرى فيها "البحث في المظاهر الاجتماعيّة للحياة الإنسانيّة والمعرفة البشريّة المرتبطة بها"، إذ يدرس أنظمة الجماعات، والطّرائق التي تكوّنت فيها تلك الجماعات، ويبحث أيضاً في الطرّيقة التي تطوّرت فيها، فيعنى علماء الاجتماع بالإحاطة بتلك "القواعد والعمليّات الاجتماعيّة التي تربط بين النّاس ليس فقط كأفراد، لكنّ كأعضاء جمعيّات ومجموعات ومؤسّسات"، ويهدف علم الاجتماع إلى تحديد الدّعائم الأساسيّة التي ترتكز عليها الجماعات البشريّة، حيث يبحث في أحوال المجتمع "لمعرفة المبادئ العامّة لحياة ذلك المجتمع وخصائصه، ودراسة التّطوّرات التي تمرّ على المجتمع والتي تؤثّر على ظواهره وأنظمته، وخاصّة أنّ الظّاهرة الاجتماعيّة دائمة التّغيّر والتّقلّب من فترة لأخرى"، فيدرس علم الاجتماع الظّواهر الاجتماعيّة، كي يتسنّى "صياغة النّظريّات التي تؤسّسها مجموعة من القضايا المتناغمة، والمأخوذة من واقع التّجربة الاجتماعيّة بالاستقراء والقياس"، فكان أحد مواضيع علم الاجتماع، هو تفسير نشوء تلك المجموعات الاجتماعيّة، التي يجري فيها التّفاعل بين الأفراد، حيث يدرس في نطاق ذلك العلم، سلوك أولئك الأشخاص في العلاقات الاجتماعيّة كافّة، التي تربط بينهم.

تجري في بحوث علم الاجتماع، دراسة نسق العلاقات الاجتماعيّة، حيث عرّف النّسق الاجتماعيّ بأنّه "أيّة وحدة اجتماعيّة ضمن نظام اجتماعيّ تؤدّي وظيفة ضمن شبكة معقّدة، يهدف أطرافها إلى تحقيق التّكافل والاستقرار في المجتمع"، وينظر في تلك الوحدة الاجتماعيّة، إلى سلوك الأفراد الذين يتحقّق التّفاعل الاجتماعيّ فيما بينهم، ويوضّح راد كليف براون مفهوم النّسق، فيذكر أنّه "مجموعة معيّنة من الأفعال والتّفاعلات بين الأشخاص، الذي توجد بينهم صلات متبادلة"، وتلك التّفاعلات التي كانت تحدث بين الأفراد، أحد ركائز العمليّات الاجتماعيّة التي تجري في المجتمع، وهي تكوّن "النّموذج الذي تتسلسل وفقه، عدّة وقائع وحوادث اجتماعيّة ناتجة بعضها من بعض"، وتلك العمليّات الاجتماعيّة هي مستمرّة في المجتمع، إذ كانت ما تبرح "تنقله من حال إلى آخر"، فيجري في نطاق علم الاجتماع دراسة نسق تلك العلاقات الاجتماعيّة، ويحلّل أنماطها وأنواعها المختلفة، ويبحث في "العوامل التي تؤدّي إلى زيادة هذه العلاقات، أو إلى تفكيكها، سواء بين الأفراد أو الجماعات داخل المجتمع"، فالنّسق الاجتماعيّ هو عنصر يحقّق وظيفة في المجموعة حيث "يشكّل النّسق كوحدة في بناء كلّيّ"، ويعالج في نطاق علم الاجتماع، النّظام الاجتماعيّ، ليتسنّى معرفة "التّغيّير الذي يحدث على نوعيّته والوظائف التي يجب أن يقوم بها"، ويسعى في أبحاث ذلك العلم، إلى "معرفة طبيعة حياة البشر الاجتماعيّة، ومدى اختلافها عن حياة سائر الكائنات الحيّة"، وقد تضمّنت أبحاث علم الاجتماع دراسة "أحوال تباين المجتمعات الحديثة عن المجتمعات التّقليديّة"، إذ بحث أيضاً في أنماط معيشة الناس في تلك المجتمعات التي يعيشون فيها.

إنّ مجموعة تلك العلاقات التي تربط بين الشّخص وأفراد المجموعة التي ينضوي إليها، تحدّد الدّور الاجتماعيّ الذي يؤدّيه ذلك الشّخص، وهذا الدّور يشكّل أحد معالم النّظام الاجتماعيّ الذي يتجلّى في المجتمع، حيث عرّف ذلك النّظام بأنّه "مجموعة الأدوار الاجتماعيّة المنظّمة التي تتّصل بمجال معيّن من مجالات الحياة الاجتماعيّة، والتي تخضع لمعايير وقواعد اجتماعيّة ثابتة"، وقد حدّد ذلك النّظام الاجتماعيّ أيضاً بمجموعة منظّمة "من القواعد الاجتماعيّة، التي تخضع لمعايير ثابتة لضبط التّعامل والسّلوك"، فمصطلح النّظام الاجتماعيّ، يشير إلى مجموعة من البنى والمؤسّسات والممارسات الاجتماعيّة المترابطة، والتي كانت "تحمي وتحافظ وتقوّي الطّرق المعتادة للتّصرّف والفعل داخل المجتمع"، وفكرة الثّبات هي كانت تهيّئ "الاستقرار النّسبيّ لمنظومة تشكّلها أنواع من التّفاعلات والعادات"، حيث يتاح لمظاهر تلك الحياة الاجتماعيّة، أن تحقّق دائماً "إعادة إنتاج الشّروط الضّروريّة لوجودها"، فتصبح تلك العلاقات المستقرّة النّاشئة بين الجماعات البشريّة، هي أسس ذلك البناء الاجتماعيّ، الذي تتجلّى فيه القواعد التي تنظّم الأنشطة التي تجري في المجتمع.

ملاحظة: سنذكر بالتّفصيل في خاتمة هذا البحث، المصادر التي لها صلة بموضوع هذا البحث.

تتنوّع أشكال الوثائق التي يحرص النّاس على الاحتفاظ بها، وصيانتها وحمايتها من أسباب التّلف والاندثار التي تهدّد تلك الموادّ الوثائقيّة، التي يكون أغلبها هشّاً في بنيانه، نظراً لمرور الأزمان عليه، وبرزت في الآونة القريبة، موادّ جديدة أدرجت في عداد الوثائق التي تستوجب العناية بها، وتوفير مستلزمات الرّعاية لها، وذلك النّمط الجديد الذي أضيف إلى مجموعة الوثائق التي تقتنى، هي الوثائق السّمعيّة والبصريّة، التي هي "فئات من أوعية المعلومات غير التّقليديّة، تقوم على تسجيل الصّوت أو الصّورة المتحرّكة، أو هما معاً بإحدى الطّرق التّكنولوجيّة الملائمة، وتصنع بمقاسات وسرعات متفاوتة، وتظهر في أشكال متنوّعة أشهرها الشّريط والقرص والأسطوانة، وتستخدم في أغراض البحث ومجالات التّرفيه"، وعرّفت أيضاً تلك الموادّ السّمعيّة والبصريّة بأنّها "عبارة عن كافّة الموادّ والوسائل والأوعية والأجهزة، التي قد تستخدم في التّعامل والتّعبير عن المعلومات، وتعتمد بشكل رئيس على السّمع والبصر أو كليهما معاً في إدراك المعلومة"، وتتفرّع تلك الموادّ إلى أصناف عديدة، وزّعت في فئات متمايزة عن بعضها البعض، فكانت إحدى تلك الفئات حدّدت صفتها "استناداً إلى طبيعة الحواسّ التي تستخدم في الاتّصال بها واستيعاب رسالتها"، بينما كانت الفئة الثّانية، التي وزّعت إليها تلك الموادّ الوثائقيّة التي ذكرتها آنفاً، مرتكزة على "الطّريقة التي أعدّت وصنعت وأنتجت بها تلك الموادّ الوثائقيّة"، ويبرز بين الموادّ التي صنّفت ضمن الفئة الأولى، الموادّ البصريّة، حيث يعتمد النّاس على حاسّة البصر عندهم في تعامل مع ذلك النّمط من الموادّ، التي يندرج في عدادها، النّماذج، والمجسّمات، والعيّنات والصّور، والرّسوم المختلفة، واللّوحات، والخرائط، والمصغّرات الفيلميّة، والشّرائح الفيلميّة الثّابتة غير النّاطقة، والشّرائح المجهريّة، والدّمى وسائر الألعاب المتنوّعة.

إنّ تلك الفئة التي تحدّثت عنها آنفاً، وهي التي تضمّ الموادّ التي يتحقّق تلقّيها اعتماداً على الحواس، تشتمل أيضاً تلك الموادّ التي تستند إلى حاسّة السّمع وحدها، في استيعاب محتويات تلك الموادّ والإحاطة بالمعاني والأفكار التي تشتمل عليها، وهي سمّيت بالموادّ السّمعيّة، التي يندرج فيها، التّسجيلات والأشرطة الصّوتيّة، والأسطوانات، والبرامج الإذاعيّة، والأشرطة الصّوتيّة الفنّيّة، التي تضمّ الأغاني والموسيقا على سبيل المثال، وتضاف إليها أيضاً الأشرطة الصّوتيّة الوثائقيّة، وقد اعتبرت تلك الوثائق السّمعيّة والبصريّة "تراثنا المشترك وهي تحتوي على السّجلّات الأوّليّة لتاريخ القرنين العشرين والقرن الحادي والعشرين"، فهي حديثة النّشأة قياساً إلى سائر الموادّ الوثائقيّة التي تقادم عليها الزّمن، ونظراً لصفة الهشاشة التي تغلب على تلك الموادّ الوثائقيّة التّراثيّة، فإنّه "ممّا يؤسف له أن هذا التّراث معرّض للخطر، لأنّ التّسجيلات الصّوتيّة والصّور المتحرّكة يمكن تدميرها عمداً أو فقدها بصورة لا رجعة فيها نتيجة للإهمال والتّدهور والتّقادم التّكنولوجيّ"، وقد كان المؤتمر العامّ لليونسكو في دورته الثّالثة والثّلاثين أصدر القرار 33م/53 الذي أعلن يوم 27 تشرين الأوّل /أكتوبر يوماً عالميّاً للتّراث السّمعيّ والبصريّ، وكان اختيار ذلك اليوم احتفالاً "باعتماد المؤتمر العامّ في دورته الحادية والعشرين عام 1980 التّوصية الخاصّة بحماية الصّور المتحرّكة"، وكان إعلان ذلك اليوم يهدف إلى اعتباره "آليّة لزيادة الوعي العامّ بضرورة الحفاظ على الموادّ السّمعيّة البصريّة الهامّة، والحفاظ عليها للأجيال المقبلة واتّخاذ تدابير عاجلة لحفظ هذا التّراث، وضمان أن تظلّ متاحة للجمهور الآن، وإلى الأجيال المقبلة"، وقد أسهم إقرار ذلك اليوم للاحتفال بالتّراث السّمعيّ والبصريّ، في زيادة وسائل العناية المتنوّعة التي وفّرت لصيانة وحفظ ذلك النّمط من الموادّ الوثائقيّة.

كانت موادّ ذلك التّراث السّمعيّ والبصريّ، تتّسم بالتّعدّد الذي أظهر خصائصها المتنوّعة، وقد وزّعت تلك الموادّ إلى وحدات أرشيفيّة، بحسب طبيعة وخصائص تلك الوثائق التّراثيّة، التي صنّفت في نوعين اثنين، حيث كانت أحدهما الموادّ غير قابلة للبثّ، كأنّ تكون في هيئة الأوراق، مثل نصوص البرامج ونشرات الأخبار، بينما كان ثاني نوعي تلك الموادّ، هي القابلة للبثّ، مثل الأفلام السّينمائيّة، والأفلام الموسيقيّة، ومجموعة التّأثيرات المرئيّة والصّوتيّة والأفلام الثّابتة والشّرائح وتسجيلات الفيديو، وقد استدعى نشوء وانتشار أنواع تلك الوثائق التّراثيّة، إلى إحداث منظّمات دوليّة تهتمّ بالعناية بتلك الموادّ الأرشيفيّة، وكانت تنوّع سمات تلك المنظّمات وتتحدّد، بحسب هويّة الموادّ التي تعني بها خاصّة، فوجد منظّمات دوليّة متخصّصة في مجال الصّورة المتحرّكة والصّوت، وهي الاتّحاد الدّوليّ لأرشيف الأفلام "FIAF, International Federation of FilmArchive"، وقد نشأت منظّمة تهتمّ ببرامج التّلفزيون وهي الاتّحاد الدّوليّ لأرشيف التّلفزيون "FIAT, (IFTA)Intrernational Federation of Television Archives"، بالإضافة إلى ظهور الجمعيّة الدّوليّة للأرشيفات الصّوتيّة والسّمعيّةالبصريّة "IASA, InternationalAssociation of Sound and Audiovisual Archives"، وتلك الجهود التي بذلتها تلك المنظّمات الدّوليّة في حفظ وصيانة موادّ ذلك التّراث الأرشيفيّ، قد تضافرت مع تلك المساعي التي أتتها اللّجان الفرعيّة للموادّ السّمعيّة البصريّة للمجلس الدّوليّ للأرشيف "ICA, International Councilon Archives"، والاتّحاد الدّوليّ لجمعيّات المكتبات"IFLA, InstitutionInternational Federaration of Library Associations "، الذين يعنون أيضاً بصيانة وحفظ تلك الموادّ الوثائقيّة التّراثيّة.

تحدّد موضوع العام 2010 في الاحتفال باليوم العالميّ للتّراث السّمعيّ البصريّ، بشعار "احفظ وتذوّق التّراث السّمعيّ البصريّ الخاصّ بك الآن"، بينما عيّن الموضوع الاحتفال بذلك اليوم العالميّ في عام 2011 بشعار "انظر.. استمع.. وتعلّم"، وكان موضوع احتفال عام 2012، هو "الوقت ينفد"، بينما كان شعار عام 2013، هو "حفظ تراثنا للأجيال المقبلة"، بينما كان احتفال عام 2014، اندرج تحت شعار "المحفوظات معرّضة للخطر، يبقى الكثير ممّا ينبغي فعله"، وكان الموضوع الذي أعلن للاحتفال بذلك اليوم في عام 2015 هو "أرشيف المخاطرة: حماية هويّات العالم"، وقد حدّد موضوع عام 2016 لهذه الاحتفاليّة بشعار "إنّها قصّتك: لا تفقدها"، وكان الدّافع إلى إثارة همم النّاس بالعناية بتلك الموادّ الأرشيفيّة، ظاهراً في معاني موضوع عام 2017 الذي كان "اكتشاف التّراث واستحضاره ونشره"، بينما كان شعار 2018 هو "قصّتك تتحرّك"،  وأمّا موضوع اليوم العالميّ للتّراث السّمعيّ البصريّ في هذا العام الحاليّ 2019، فهو "استحضار الماضي بالصّوت والصّورة"، فكانت تتوالى مناسبات الاحتفال بذلك اليوم العالميّ، حيث تميّز كلّ منها بموضوع خاصّ، يبرز الأهداف التي كان توخّي إلى أن تدرك.

كان أحد أهداف تلك الاحتفالات المتوالية بذلك اليوم العالميّ للتّراث السّمعي والبصريّ، هو إثارة الهمم عند النّاس بإسداء الرّعاية الملائمة لتلك الموادّ الأرشيفيّة، وخصوصاً لأنّ تلك الموادّ، كانت قابلة للعّطب، فيتوّجب صيانة تلك الموادّ السّمعيّة والبصريّة، حيث أنّ الإسطوانات أو الأقراص يجب أن تكون في منأى عن الحرارة والرّطوبة والأتربة، وأشعّة الشّمس المباشرة، وعن الموادّ الكيماويّة، والمجالات المغناطيسيّة كأجهزة التّلفزيون، والتّسجيل، فتلك الموادّ تحتاج إلى عناية خاصّة"لضمان سلامتها في الأجل الطّويل"، واعتبرت تلك الموادّ الأرشيفيّة "الأوعية التي تنطوي على تاريخ البشريّة الجماعيّ، حيث تظهر معالم الماضي، وهي تشتمل على تراثنا الثّقافيّ"، حيث كانت محفوظات التّراث السّمعيّ والبصريّ تعني "نضوجنا وفهم العالم الذي نتشاركه جميعاً"، وهي كانت تتّسم بخاصّيّة مميّزة حيث أنّها "بتجاوزها الحدود الثّقافيّة واللّغويّة، جذبت بصر وآذان المجتمعين المتعلّم والأمّيّ على السّواء، فالوثائق السّمعيّة والبصريّة قد حوّلت سير المجتمعات لكونها مكمّلة للسّجلّ المكتوب التّقليديّ"، وتلك الموادّ الوثائقيّة، إذ كانت تشتمل وقائع التّاريخ الإنسانيّ، فإنّه هدف أيضاً الاعتناء بتلك الوثائق، إلى أن يتحقّق "التّشارك بذلك التّاريخ مع الأجيال القادمة"، فيمتدّ النّفع الذي يعود من صيانة وحفظ تلك الوثائق الأرشيفيّة، إلى آماد تلك الأزمنة القصية الآتية.

تحقّقت تطوّرات عديدة في عالم التّكنولوجيا الرّقميّة، وقد بلغ تأثير ذلك التّقدّم التقنيّ الحاصل، إلى نطاق الصّناعة السّمعيّة والبصريّة ومؤسّسات التّلفزيون والإذاعة، وتعني الرّقمنة في أحد معانيها، "عمليّة التّحوّل في الأساليب التّقليديّة المعهودة إلى نظم الحفظ الألكترونيّة، ويستدعي هذا التّحوّل التّعرّف على كلّ الطّرق والأساليب القائمة واختيار ما يتناسب مع البيئة التي يتحقّق فيها هذا التّحوّل"، ويطلق على نتيجة التّحويل الرّقميّ اسم "التّمثيل الرّقميّ"، وقد وفّرت الرّقمنة الوسائل المناسبة لحفظ الوثائق السّمعيّة والبصريّة، إذ "يفيد تحويل الوثائق التّماثليّة على وعاء رقميّ في حماية الوثيقة الأصليّة، وفي إيجاد نسخة رقميّة للتّداول ذات جودة عالية مطابقة تماماً للأصل"، وتتميّز تكنولوجيا الرّقمنة في إحدى خصائها بأنّها "تفصل بين الوعاء والمحتوى، بحيث تصبح المعلومات السّمعيّة والبصريّة غير مرتبطة بوعاء مادّيّ مثل وعاء فيديو كاست"، ولا يكون متيسّراً على الأغلب، إن لم ينفّذ ذلك التّطوّر التّكنولوجيّ في تحقيق عمليّة التّحويل الرّقميّ، أن تظلّ تلك الموادّ السّمعيّة البصريّة باقية ومستمرّة في وجودها، إذ لولا وجود عمليّة الرّقمنة، فإنه قد اعتقد أنّه "ستختفي أجزاء كبيرة من تراثنا الثّقافيّ وتضيع إلى الأبد"، ولا ريب في أنّ نشر أسباب التّوعية بأهمّيّة الوثائق السّمعيّة والبصريّة، يبني الدّافع إلى تحقيق صيانة ورعاية تلك الموادّ الأرشيفيّة، التي تشتمل على أجزاء معتبرة من تاريخنا، الذي يجب أن يتاح للأجيال المقبلة أن تتلقّاه كاملاً في قادمات الأيّام.

تنشأ بين النّاس علاقات شتّى، تصل بينهم، وتجمع بعضهم ببعض، وكانت تلك الرّوابط التي تؤلّف بين الأشخاص، محطّ النّظر والتّدقيق منذ الزّمن البعيد في العهود الأغريقيّة القديمة، قبل أن يتّخذ البحث في تلك الرّوابط التي تؤّلف بين البشر، نهج العلم القائم على مبادئ وقواعد راسخة، فأصبح ذلك البحث في تلك العلاقات النّاشئة بين الأشخاص، منذ أن اتّبعت تلك الطّريقة الجديدة في الدّرس والتّدقيق، يندرج في نطاق العلوم الحديثة، على الرّغم من أن معالجة المواضيع التي تدخل في نطاق تلك العلوم، قد جرت في مراحل متقطّعة في التّاريخ البشريّ، وكان ذلك البحث الذي أشرت إليه آنفاً، هو الباعث إلى نشوء تلك العلوم الاجتماعيّة التي يعنى فيها "بإيجاد القواعد والعمليّات الاجتماعيّة التي تجمع بين الفرد والفرد الآخر، وعلاقته بالمجتمع وبالبيئة التي يعيش فيها"، وبات مصطلح العلوم الاجتماعيّة يحدّد في تلك الدّراسات العلميّة، التي تعالج فيها قضايا ومسائل المجتمع، وعلاقات الأفراد ببعضهم البعض ضمن المجتمع الذي ينضوون إليه، حيث كانت تلك الرّوابط الاجتماعيّة، تستند إلى مواقف وأفعال متبادلة بين أولئك الأفراد، وينشأ عن تلك الدّراسات الاجتماعيّة أفرع علميّة عديدة، وهي تنظر في "السّلوك الإنسانيّ الذي يشمل النّواحي الاجتماعيّة والثّقافيّة"، وأمّا تلك الأفرع التي تصدر عن تلك العلوم الاجتماعيّة، فإنّه يندرج في عدادها على سبيل المثال، علم الاقتصاد، وعلم السّياسة، وعلم الإنسان "الأنثروبولوجيا"، وعلم الاجتماع، والتّاريخ، والجغرافية الاجتماعيّة والجغرافية الاقتصاديّة، ويطلق على العلوم الاجتماعيّة مصطلح العلوم المرنة "Soft sciences"، وهي تسمّى أيضاً بالعلوم النّظريّة، بينما يقابلها العلوم الصّلبة "Hard sciences"، وتسمّى أيضاً بالعلوم الطّبيعيّة، وتعدّ العلوم الاجتماعيّة أقدم العلوم التي بحثت فيها شؤون الإنسان، فكانت أوّل منهج نظريّ، درست فيه صلات الأفراد ببعضهم البعض، وبحثت فيه أيضاً علاقة الفرد بالبيئة والمجتمع.

إنّ النّتائج التي تستخلص من أبحاث تلك العلوم الاجتماعيّة، تتميّز بنفعها الثّابت وأهمّيتها البارزة، وهي تشمل كلّ الأنشطة الإنسانيّة التي تبرز في مجرى حياة النّاس، وتعدّ تلك العلوم الاجتماعيّة "علم العلوم لقدرتها على تقديم النّظرة الثّاقبة حول كيفيّة عمل كلّ من العلوم الأخرى"، فمهّدت تلك العلوم الاجتماعيّة السّبيل إلى معالجة القضايا والمسائل الهامّة والأزمات العديدة، التي تتصدّر الشّؤون التي يعنى بها الأفراد في المجتمع، وهي قدّمت أيضاً التّفاسير التي وضّحت مواقف النّاس تجاه القضايا المختلفة التي أقدموا على معالجتها، حتّى أصبح "إيلاء الاهتمام بالعلوم الاجتماعيّة، يعني العناية والكفاءة والقدرة على معالجة مسائل عديدة تبرز في المجتمع"، وبات تحقيق النّظر في تلك المسائل المتنوّعة التي كان اهتمّ بها النّاس، يتوقّف على نتائج أبحاث تلك العلوم الاجتماعيّة، التي أنارت الدّراسات التي أجريت في نطاقها، تلك الطّرائق التي يتعامل النّاس فيها مع بعضهم البعض.

إنّ مدار البحث في العلوم الاجتماعيّة هو السّلوك الإنسانيّ، بينما كانت الدّراسات التي تبحث فيها حالة الإنسان وثقافته والأشياء التي ينتجها، يطلق عليها اسم العلوم الإنسانيّة "Humanities"، التي تتوزّع إلى أفرع عديدة، وهي على سبيل المثال، الفنون مثل الأدب والموسيقا والرّسم، ثمّ علوم اللّغة، والآثار واللّسانيّات والفلسفة، والدّيموغرافيا، وكانت النّتائج التي تتمخّض بها الدّراسات التي تجرى فيها، تتيح للنّاس تبيان الطّرائق التي يحقّق فيها، التّطوّر والابتكار في الأعمال التي ينتجونها، فتلك العلوم الإنسانيّة هي "مصدر القوّة والمدنيّة والذّاكرة الوطنيّة والتّفاهم الثّقافيّ والقيم الإنسانيّة والمثل العليا"، وهي تسهم في أن يتحقّق دوام "الأعراف والتّقاليد والنّظم التي تتميّز بها الدّول والمجتمعات، عن بعضها البعض"، فيعنى في نطاق تلك العلوم الإنسانيّة، بدراسة وتفسير الخبرات والأنشطة والنّتاجات والأعمال التي يأتيها النّاس، الذين تمدّ النّتائج المستخلصة من أبحاث تلك العلوم الإنسانيّة، آفاق فكرهم، وتنير أذهانهم، وتوضّح لهم حقائق وجودهم، وطبيعة روابط كلّ فرد منهم مع سائر مكوّنات تلك البيئة التي يعيش فيها.

عنى الدّارسون في نطاق تلك العلوم الإنسانيّة، بالبحث في الظّواهر والتّجارب البشريّة، حيث كانوا يسعون في أن يضعوا التّفاسير، التي توضّح حقائق تلك الأشياء التي يدرسونها في ميدان تلك العلوم، التي تعرّف الإنسان أيضاً على مسار التّطوّر الذي تمضي فيه أحواله، وتمدّ ذلك الإنسان أيضاً بقواعد الفكر النّقديّ والعلميّ، وأسس التّقييم الموضوعيّ الذي ينظر فيه إلى خصائص وجوده في هذا العالم، فيتبّع في تلك العلوم الإنسانيّة، النّهج الذي يفضي إلى "فهم التّجربة الإنسانيّة من منظور ذاتيّ عميق، وشخصيّ، وتاريخيّ"، وهي تتناول "الطّرق التي تتيح للتّأمّل الذّاتيّ والفنّ والموسيقا والشّعر والدّراما واللّغة المجازيّة أن تعكس حالة الإنسان"، فتلك العلوم والدّراسات تتناول النّشاط البشريّ، باتّباع النّهج الذي يسعى فيه إلى "دراسة التّجارب النّفسيّة والحسّيّة التي يمرّ بها الإنسان"، فتوضّح مفسّرة التّجارب الإنسانيّة من كافّة "نواحيها الثّقافيّة والإنسانيّة والتّاريخيّة والرّوحانيّة والشّخصيّة والسّياسيّة"، فالعلوم الإنسانيّة هي علوم الصّفات، وليس الكمّيّات، لأنّها "تهتمّ بدراسة صفات الأشياء، من دون أن يعنى فيها بالنّظر في الكمّيّات التي تكون عليها"، ويعنى فيها أيضاً بدراسة قدرة الإنسان على التّعبير عن نفسه.

فسّرت النّتائج التي قدّمتها تلك العلوم الإنسانيّة الطّرائق التي ينتهجها النّاس في "توثيقهم تجاربهم الإنسانيّة"، حيث كان الإنسان اتّبع سبل عديدة في سعيه إلى أن يدرك العالم، فاستند إلى أبحاثه الفلسفيّة والتّاريخيّة، وسلك نهج الفنون المتنوّعة والأبحاث اللّغويّة، فكانت هذه المواضيع بمجملها، تبيّن خصائص الثّقافة التي يأخذ بها، وهي تبني الفكر النّقديّ، وخصوصاً لأنّها تمتلك الرّكائز التي يقوم عليها ذلك النّمط من الفكر، الذي "ينبني على قواعد التّحليل،الذي يثير بواعث التّساؤل، ويضع طرائق ملائمة لتحقيق تفسير وإدراك الظّواهر التي يبحثها"، فتنير تلك العلوم أذهان النّاس، وتفتّح مداركهم على آفاق التّطوّر، وتهيّئهم لامتلاك ناصية التّفكير التّحليليّ، ليبنوا طرائق الاتّصال مع سائر الأشخاص، وإن درس الباحثون في العلوم الإنسانيّة التّجربة البشريّة، فإنّهم لأموا في دراساتهم التي أنجزوها بين "البعد التّاريخيّ والواقع الحاليّ"، حيث تتطلّب هذه الدّراسة تقييم وتفسير  التّجربة البشريّة التّاريخيّة، وتحليل النّشاط البشريّ الحاليّ للتّمكّن من "فهم الظّواهر البشريّة، ووضع خطوط عريضة للتّطوّر البشريّ"، فيدقّق في العلوم الإنسانيّة في الظّواهر البشريّة، حيث يبحث في الأسس والقواعد، التي تقوم عليها تجارب وخبرات النّاس.

تحقّق في نطاق العلوم الاجتماعيّة، تطبيق قواعد المنهج العلميّ "Sientificmethod"، حيث كانت تتّبع طرائق علميّة دقيقة في دراسة الظّواهر الإنسانيّة، وقد أدّت الأبحاث الجارية في نطاق العلوم الاجتماعيّة، إلى دراسة أنشطة الإنسان داخل المجتمع، بينما كانت الأبحاث في العلوم الإنسانيّة، تدرس الإنسان نفسه، وتبحث في ثقافته، بغضّ النّظر عن خصائص المجتمع الذي يعيش فيه، وكانت تتّبع  في أبحاث تلك العلوم الاجتماعيّة، نهج الطّرق الكمّيّة "quantitativemethod"، والطّرق الكيفيّة "Quantita qualitative method"، وقد كان يندرج في عدادالطّرق الكيفيّة، تحقيق المقابلات والنّقاشات والملاحظات المسجّلة للعمليّات وتحليل المضمون، فكان يعتمد في تنفيذ ذلك البحث الكيفيّ "دراسة وقراءة البيانات والأحداث بأسلوب غير كمّيّ"، حيث لا يتم تحويل البيانات إلى أرقام كما في حالة البحث الكمّيّ، وإنّما يتمّ "الحصول على النّتائج من واقع ملاحظة وتحليل الأحداث، والمواقف والصّور والوثائق والاتّصالات اللّفظيّة، وغير اللّفظيّة"، وأمّا الطّرق الكمّيّة، فإنّه يستخدم فيها الأساليب الرّياضيّة في إجراء الأبحاث، فهي "علم التّمثيل الرّياضيّ لمشاكل عمليّة"، وتدرس في البحث الكمّيّ "الأسباب والحقائق في العلاقات بين المتغيّرات حتّى يمكن تفسير علاقات السّبب والنّتيجة بين هذه المتغيّرات، ويصبح من الممكن التّوصّل إلى تنبّؤات دقيقة بخصوص الظّواهر محلّ الدّراسة"، وقد هيّأت تلك المعرفة التي أتاحت تحقّقها أبحاث العلوم الاجتماعيّة، إدراك أنّ "العلاقات بين المتغيّرات يمكن تعميمها كما يمكن التّنبّؤ بها في المجالات أو مجتمعات البحث المشابهة"، فكان البحث الكمّيّ يهدف إلى "اختبار النّظريّة بأسلوب قياسيّ من خلال ثبوت أو عدم ثبوت صحّة الفرضيّات، حيث يعمل الباحثون بأسلوب قياسيّ "Deductively"، بينما يعتمد البحث الكيفيّ على استخدام الطّريقة الاستقرائيّة "Inductive method"، في تنفيذ الأبحاث في نطاق أفرع العلوم المتنوّعة.

تحدّدت تلك الميادين التي تجرى فيها أبحاث العلوم الاجتماعيّة، والعلوم الإنسانيّة، حيث وضعت الأسس التي ينهض عليها هذان المصطلحان، إلّا أنّه على الرّغم من ذلك التّحديد الذي ضبط به، مفهوم كلّ من هذين المصطلحين، فقد كان يحدث في أحايين كثيرة الخلط واللّبس بين مصطلحي العلوم الاجتماعيّة والعلوم الإنسانيّة، إذ كانت الموضوعات والمسائل التي تبحث في ميادين فروع تلك العلوم، هي مشتركة فيما بينها، فكان يقع التّداخل والخلط بين تلك الدّراسات والأبحاث، التي كانت تجرى في نطاق هذين النّمطين من العلوم.

كانت العلوم الاجتماعيّة أسبق إلى الظّهور من العلوم الإنسانيّة، وقد اعتقد كثير من الباحثين أنّ العلوم المتّصلة بالظّواهر الإنسانيّة قد "ظلّت موسومة بالخلط والتّداخل، ممّا صعّب تحديدها وتصنيفها"، وقد سعى العديد من المفكّرين إلى أن يوجد المقاييس، ويضع المعايير، التي يضبط بها معاني ومفاهيم هذين الصّنفين من العلوم، وهما العلوم الاجتماعيّة والعلوم الإنسانيّة، حيث ذهب أحد المفكّرين إلى القول أنّه "إذا كانت العلوم تعنى بالظّواهر التي تنشأ من الحياة الاجتماعيّة للإنسان كالاقتصاد، والقانون والسّياسة فهي علوم اجتماعيّة"، وقد سعى ذلك المفكّر إلى أن يوضّح المعاني التي يشتملها هذان المصطلحان، حيث اشترط في نشوء العلوم الاجتماعيّة، ألّا تتناول إلّا "ما هو مشترك بين جميع أفراد المجتمع وفئاته، أمّا إذا كانت العلوم تتناول ما يعتبر ظواهر فرديّة تنبثق من سلوك الأشخاص كأشخاص، فهي علوم إنسانيّة مثل الظّواهر التي يبحثها علم النّفس في الغالب والفلسفة"، وقد اعتقد أنّ العلوم الاجتماعيّة تعنى بالدّراسات التي تهتمّ "بالمؤسّسات والنّظم الاجتماعيّة القائمة في الوسط الاجتماعيّ بالذّات، مع ما يترتّب على هذا الاهتمام من عناية بتكوين الأطر والفعّاليّات البشريّة للقيام بنشاط مهنيّ معيّن كالقضاء، والمحاماة، والإدارة"، بينما كانت العلوم الإنسانيّة تنشأ في نطاق عامّ وواسع، من دون أن تتحدّد بمجتمع معيّن، حيث تكون النّتائج التي تستخرج منها، عامّة في شمولها النّاس كلّهم، من دون أن تنحصر في مجتمع على حدّته، أو أن تخصّ شخصاً معيّناً بمفرده.

ملاحظة: سنذكر بالتّفصيل في خاتمة سلسلة هذه المقالات، المصادر التي لها صلة بموضوع هذا البحث.