مقتطفات من رواية أناشيد الألم (76)

سنة النّشر 1987

خامرني الرّجاء في أن تنفسح لليلى رحاب السّعادة، إن قدّر عليها أن تدرك نصيبها النّاجم عن تحقيق مقتضيات تلك القسمة، التي تهيّئ لها ذاك الارتباط الوثيق بشريك حياتها، وأملت أن تشملها مع زوجها ظلال العطف والرّحمة، وأن يحلّا بمثوى كريم، هانئين بموفور الغبطة.

لم ير صالح معالم الشّرود، التي عمّت أسارير وجهي، فكان يغتبط بميلي إلى الإصغاء إلى عباراته، فلا يمسك عن الكلام أو يكفّ عن الاسترسال في الحديث، ثمّ استأذنته في الانصراف، وقد كنّا أمضينا معاً هزيعاً من اللّيل، في تلك المحاورة التي جرت بيننا، وعدت إلى منزلي وقد برّح بي امتداد السّهر، وتهالكت على فراشي، وما إن توسّدت مخدّتي حتّى تعذّر عليّ النّوم، فأمسيت متنبّه الذّهن، متيقّظ الخاطر، وبتّ أتقرّع مسهّداً، وبدأت تتردّد في خلدي أصداء تلك الأحاديث التي تبادلتها مع جاري صالح، وأنا أقرن الوقائع المتماثلة في هذه الحياة، إلى بعضها البعض، فكأنّها حلقات سلسلة، محكمة الارتباط، ومحبكة الاتّصال فيما بينها، فمهما تعدّدت رغائب البشر وتنوّعت مشاربهم، فإنّهم يخضعون لإرادة واحدة بعينها، ولم أكن لأرغب في أن أطلق هذا التّعميم على أفراد الجنس البشريّ، وأخلع عليهم سمة واحدة، وخاصّيّة متفرّدة، بيد أنّ تأمّلي في سير النّاس، دفعني إلى اعتناق ذلك الرّأي في تفسير حدوث تلك الوقائع الجارية في حياتهم، وبدأت أتدبّر ذلك الموضوع الذي يشغل خاطر صالح، ولم أكفّ عن التّفكير في هذا الأمر إلّا عندما لاح في بالي موعد لقائي مع نادية بعد ظهر الغد، من دون أن يسترعي انتباهي، ذلك الخاطر الذي طرأ حينئذ عليّ، أو أكتنه مغزاه، فالهاجّت عيناي، وما لبث أن أطبق النّوم أجفاني، وأغلق منافذ تفكيري حتّى الصّباح.

أتقرّع: أتقلّب لا أنام.

الهاجّت عينه: اختلط بها النّعاس.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (75)

سنة النّشر 1987

امتدحت في نفسي تفكيره السّويّ الصّائب، إلاّ أنّني اعتقدت أنّه سعى في أن يمهّد لنفسه بآرائه التي أفصح عنها، أن يدفع عنه تلك المذمّة التي تلحق به، لإذعانه لتلك الأمور الطّارئة عليه، فيعزو موضوع الاحتكام فيها، إلى إرادة نافذة تملي عليهم أوامرها وتخضعهم لسلطانها، فتسدّ دونهم سبل التّروّي في أسباب حدوث تلك الوقائع الجارية في حياتهم، ثمّ تابع حديثه قائلاً:

تسيّر شؤون الإنسان في حياته، دواعي القسمة، التي لا قدرة لنا على معارضتها، فعسى أن تكشف الأيّام المقبلة عن يمن موفور وبركة هنيئة.

تفوّه بعباراته، وكأنّه أدرك ما توصّل إليه تفكيري، فقلت له:

ليس في وسع المرء أن يدارئ ملابسات تلك الأحداث الطّارئة عليه، إن لم تتكشّف له السّبيل إلى مناهضة قضاءها المبرم، فحريّ به حينئذ، أن يساير تلك الوقائع الجارية.

أطبقت فاهي مطرقاً، ولم يرَ في لهجتي طابع السّخرية الذي غلّف عباراتي، وإن لم تخف عليه سيماء الأسى التي تبدّت فيها، ولم أكن لأنكر وجود من يتودّد إلى تلك الفتاة، إلّا أنّني كنت أتيقّن بأنّها لن تصادف في هذا الأوان من سنين حياتها، من يتفهّم شعورها ويدرك خواطر فكرها، وتكاد تنجم براعم تلك الخواطر في ذهنها، من دون أن تظهر ثمارها بصورة جليّة، فأنّى يدرك المرء كنهها، ويميّز سحرها وهي لم تعرض أكمامها للنّور الغامر الذي تتّضح فيه معالمها، وكأنّي أقصر امتلاك تلك المقدرة على نفسي، لما تبيّنته من دخيلة نفس تلك الفتاة، وجلوته من سريرتها، فكشفت عن تلك الأشياء بإجهاد الفكر، ومواصلة التّأمّل من دون أن تتبدّى تلك المشاهد لأحد غيري، فلا يتاح لسائر النّاس أن يراها ويوضّحها، ولا مرية من أنّ الفرص السّانحة الملائمة، آتتني في تلك الحوارات الدّائرة بيني وبينها، وفي الأحداث التي التقيتها فيها، وقد تيسّر لي في أثنائها، أن أعرف سجايا وطباع ليلى، وأن أحيط بها علماً، وإن لم أثر فطنتي وأشحذ ذهني، في سعيي إلى أن أسبر أغوار نفسها، فلا يضلّ لي رأي أقدّر به شأنها، ولا يبطل معتقد أتصوّر فيه سجاياها، وأرى الآن من يتحبّب إلى ليلى، وكم وددت أن أقف على حقيقة ذلك الجهد الذي يبذله في سعيه إلى أن يتقرّب إلى تلك الفتاة، التي تتيه دلّاً وهي ترفل في حلّة الشّباب، وخامرتني الرّغبة في أن أعرف غاية إدراكه روعة شمائلها ورفعة  خصالها، وخطر في ذهني التّساؤل عن حقيقة علمه برقّة طباعها، وحسبي الظّنّ أنّ تلك الأشياء ستظلّ خافية على النّاس جميعهم مدّة طويلة.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (74)

سنة النّشر 1987

لم أكن أصطفي خيرة سجرائي وخلصائي إلّا ممّن بانت سجاياهم، وظهرت خبايا سرائرهم، وكانت خواطر فكرهم، وعبارات نجواهم التي يكاشفوني بها، تعبّر عن دخائل نفوسهم، وإن لم يسلكوا مناهج العلم، التي قد تسهم في زيادة حكمتهم، ونموّ حنكتهم، ولم يصقلوا أذهانهم، ويشحذوا أفهامهم، بمطالعة المؤلّفات التي تعرض الأفكار التي تصوّر الخبرات التي يحصل عليها أفراد البشر، فلا غرو من أنّي أنست بصحبة جاري صالح، على الرّغم من اختلاف ميولنا، التي كانت توسّع أمد البعاد بين أفكارنا، بيد أنّ صالح كان يتمتّع بالشّعور المرهف والفكر النّابه، اللذين تسبّبا بتضييق تلك الفرجة الظّاهرة بين أهواء نفسينا، فكان يعي كلّ خاطرة ومسألة كنت أطرحها عليه، فاستبدل بالأفكار التي كان يتاح أن تستقى من مظان المعرفة المتوفّرة، تلك العبرَ التي أمدّته بها مشاهد الحياة المتنوّعة التي اطّلع عليها، وبدأت ألوم نفسي على تلكّئي عن مدّ أسباب التّعارف فيما بيني وبين جاري صالح.

أنهيت أداء فروض عملي باكراً، فأتيح لي أن ألتقي بصالح عند المساء، فقصدته في منزله، ولم يكد يراني مقبلاً إليه، حتّى انبسط وجهه، وانطلقت أساريره، وكنت أجد في حرارة ترحابه، تشجيعاً خفيّاً لي على المجيء إليه، وجلست على الأريكة قبالة المدفأة، وشرع يقصّ عليّ الأخبار المتنوّعة، مبتدئاً بالإشارة إلى حالة الطّقس، ثمّ ما لبث أن انتقل إلى الحديث عن تلك النّغص، التي أصبح عرضة لها في هذه الأيّام الحاضرة، فكانت تثير في نفسه بواعث الشّكوى والتّذمّر، وأحجمت عن الخوض معه في الحديث، فأكتفي بما أرى أمامي من الصّور التي تلوح فيها أحوال نفسه، من دون أن أفسد انتظام ترتيب تلك المشاهد التي أتابعها، أو أبطل انسجام تركيبها، فكان يَدِسُ إليّ بكلامه من دون أن يتمّمه، فينقطع مقاله حينما تتخلّل عباراته زفرات متّصلة، وحسبت أنّ تلك العبارات التي ذكرها في مستهلّ كلامه، كانت توطّئة للحديث عن أمر جلل قد جرى له، وظننت أنّه يرمي في تلك الكلمات التي كان أوردها، إلى أن يخبرني بحادث طارئ قد تعرّض له، فقلقت من جرّاء هذا التّصوّر الذي ذهب إليه فكري، وما لبث أن أخذ يحدّثني عن مناقشاته الدّائرة بينه وبين زوجته، ونواحي اختلافه معها في موضوع البتّ في أمر خطبة كريمته ليلى، فبعثني من غفلة الشّرود عندما أورد في سياق كلامه، حديثه عن تلك المجادلة الحاصلة بين أفراد عائلته، وإن كان يعرف لذلك النّمط من الوقائع، عند غالبيّة الأسر، طرائق معهودة من المماحكة والمناقشة في تناوله، والبحث في تبعات تحقّقه، منذ بلوغ الفتاة سنوات الشّباب، وأنصت له وهو يحدّثني قائلاً:

_إنّها لم تتخطَ شرخ شبابها، فإن اشتدّ ساعدها، واكتملت خبرتها في تدبير أمور المنزل ومداورة شؤونه، إلاّ أنّها لا يتاح لها، وهي ما زالت في منتصف الشّباب، أن تتبيّن أغوار شخصيّتها، وتشرف على خوافي مستقبلها، كي تختار وفق مشيئتها السّمت الذي تسلكه في مجرى حياتها.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (73)

سنة النّشر 1987

رجعت إلى منزلي بعد فراغي من تجوالي في مساء هذا اليوم، وقد طفق نسيم وانٍ يرود حولي، وشرعت أنوار البرق تشعّ وهّاجة، فترقش صفحة السّماء بخطوطها اللاّمعة، وجزت فناء البناء الذي أنارت فسحته أضواء المصابيح، فلمحت ليلى وهي تتمهّل في الخروج من المبنى مع أشقائها، وتدنّق النّظر إلى تلك الأجواء الصّاخبة، وما إن ألفتني مقبلاً نحوها حتّى حيّتني بوجه طلق المحيّا، ونيّر الشّارة، ثمّ وارت تلك البشاشة لتتشكّل بدلاً منها مخايل الجدّ والوقار، فرددت إليها التّحيّة، وأنا حائر الفكر فيما أتصوّره من شأنها، وبتّ أتفكّر في أحوال تلك العواطف المنبعثة في النّفس، التي تستحوذ عليها الحيرة فيما تعلنه وتخفيه من أهوائها، فلا تفقه البصائر لها تعبيراً جليّاً، فيما تراه من تلك البسمة الحائرة، والومضات الغائرة في الباصرة، وكنت أرى في قسمات وجه ليلى الدّلائل النّيّرة على تلك الحالة، التي يلتبس أمرها على الفكر، أمّا الآن فإنّه كثيراً ما يكاد يستغلق عليّ القول، حينما أهمّ بالتّحدّث إليها، فأعيى عن محاورتها لافتتناني بطلاقة لسانها وطلالة حديثها، الذي كان تشوبه فيما انصرم من الأيّام، معالم الحذر من أن تسترسل في الكلام، فكانت تحترس من أن تتوغّل في شجون الأحاديث المتشعّبة، ثمّ ولجت ليلى في منزلها، وكنت أحمل بيدي كيساً مكتنزاً بقطع الحلوى، فاتّجهت إلى أشقاء ليلى الصّغار لأهبهم بعضاً ممّا احتواه الوعاء من أصناف الحلوى اللّذيذة، فتقدّم نحوي فتى يافع، ثمّ تبعته شقيقته الصّغيرة فنفحتهما ببعض القطع، بينما ابتعدت عنّي صغرى الأشقاء، فاقتربت منها، وقدّمت إليها قطعاً من الحلوى فأبت أن تتناولها من يدي، وأشرت عليها ملحّاً بأن تأخذ تلك القطع، فتروّت في إذعانها لطلبي، كأنّها تنتظر إشارة محدّدة، وبلغ سمعي في أثناء كلامي مع تلك الفتاة الصّغيرة، وقع أقدام، فالتفت إلى النّاحية التي يصدر منها ذلك الصّوت، فألفيت ليلى تقبل نحونا مع شقيقها الأصغر، واتّجهت إلى شقيقتها، وخاطبتها قائلة:

هلّا تتناولين تلك القطع من السّيّد باسم، وأجزلي الشّكر له لما يقدّمه إليك من أطايب تلك الحلوى.

فتهلّل وجه الصّبيّة الصّغيرة، وأخذت من يدي تلك القطع، وتفوّهت ببضع كلمات أعربت فيها عن سرورها، ثمّ اتّجهت نحو أشقائها، فاعتراني الارتباك مثل متّهم قد ظهرت الدّلائل على جنايته، من خلال هفوة صدرت عنه، وهو يخال أنّ النّاس حوله، غافلين عن تصرّفاته وأفعاله، وأشرق وجه ليلى بالبشاشة، وزهت في طلاقته مخايل الشّكر والثّناء، من دون أن تبرز فيه الدّلائل على تودّدها إليّ، وجدير بي أن أعتقد بوجود كلا هذين النّوعين من الشّعور في نفسها، فاطّلعتْ ببصيرتها النّيّرة على الإحساس الذي انبعث في نفسي، ورسخ في ذهنها ما راود فكرها من الخواطر، وقد رأتني أتعطّف وأتحنّى على شقيقتها الصّغرى، فافتضح دفين سرّي، واتّضح خبيء أمري، وتبخترت ليلى في مشيتها وقد أزهرت في أساريرها معالم الزّهو والعجب، وشأن الفتاة حينما تكون في حداثة سنها، أن تبدو في ملامح وجهها، سيماء الخفر إذا انبعث في نفسها الشّعور بالمودّة، وحينما تخصّ بمحبّتها امرأ تميل إليه، وإن لم تصرّح بعاطفة ذلك الولع أو تعبّر عنه، ويتألّق محيّاها زهواً، وتثبت في نفسها بواعث العزّة والكبرياء، إن تلقّت صفوة ذلك الودّ من الأشخاص الآخرين، وترسّلت في كلامها وهي تخاطبني، كي أتبيّن في مقاطع كلامها عذوبة لهجتها، وإشراق بهجتها، فقالت لي:

إنّنا لنعجز عن إيفائك حقّك من الشّكر الذي تستحقّه، لما أظهرته لنا من كرمك الجزيل ومعروفك العميم.

وحسمت تلك الحيرة التي اعترتني بعدما تلقّفت كلماتها البليغة، بامتداح طباع وسجايا أشقائها، ثمّ ودّعتها، وألقيت نظرة عطوفة قبيل أن أنصرف، إلى تلك الفتاة الصّغيرة، وسرعان ما أدركت ليلى مغزى تلك اللّمحة، ثمّ صعدت إلى مسكني في الطّبقة الثّانية.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (72)

سنة النّشر 1987

أقهمت السّماء مشرقة الأنوار، وامتدّت أشعّة الشّمس بين قزع السّحاب المبعثرة، وألقت بضيائها على حبيبات الماء المنتثرة فوق الأعشاب، فتتلألأ وهّاجة برّاقة.

مررت في ظهيرة هذا اليوم في طريق الصّالحيّة، فوجدته في هذه السّاعة من النّهار، مكتظّاً بالأشخاص المارّين فيه، وكانت تتنوّع فيه مقدار الضّوضاء وحركة النّاس والسّيّارات، بحسب اختلاف طبيعة الطّقس، وتبدّل أحوال الجوّ، إلّا أنّه لا يعدم أثراً من الحيويّة والنّشاط اللذين يسريان فيه على مدار الأيّام، وكانت تتوزّع الحوانيت على جانبي ذلك الشّارع، فحينما يسير فيه الإنسان، يطوي تلك المسافة الممتدّة حتّى نهاية هذا الطّريق من دون أن ينتبه لمضيّ الزّمن، بسبب تنوّع المشاهد، وتعاقب المناظر حواليه، فلا يأبه لذلك المسير الطّويل الذي خاض فيه آنئذ، فجزت أرجاء ذلك الشّارع حتّى أدركت ساحة عرنوس، فلاحت أمامي عدّة طرقات متفرّعة عن ذلك الشّارع الذي سرت فيه، فتجاذبتني طريقان، كانت إحداهما تؤدّي إلى حيّ المزرعة وحديقتها الهادئة، والأخرى تفضي إلى شارع الرّوضة حيث أقطن، وكنت أجزم قراري فيما مضى من الأيّام، بقدر ما أدّخره من الهمّة والعزيمة، ثمّ ما لبثت أن اتّجهت نحو حيّ الرّوضة، وأنا أوطّد مريرتي على معاودة التّجوال، والذّهاب إلى حيّ المزرعة في فرصة قادمة.

قعدت على الأريكة، أنصت لألحان الموسيقار النابغة بتهوفن في سيمفونيّته الخامسة، ثمّ استمعت إلى بضع قطع موسيقيّة للموسيقار ليست، أظهرت روائع ألحانه المخصّصة لآلة البيانو، فبدأت توقد مشاعري شعلة ذلك الفنّ الرّفيع، فتوهّج سراج العاطفة في نفسي، ليضيء غياهب فكري، وظلمات خاطري، وانطلقت من هدأة الشّرود إلى حدّة الانفعال، من دون أن يعتري ذهني اضطراب التّفكير واختلال الخيال، فحلّت بملامحي آيات الوقار ودلائل على الرّزانة، وتردّدت في زفراتي تلك الأنّات التي يدوّي صداها في نفسي، فخلّفت آثارها في مشاعري من دون أن يبرح كياني منها نغمة خافتة، فاقتصر على نفسي، مجال انتشارها الرّحيب، وموضع جولانها الفسيح.

أقهمت السّماء: انقشع عنها الغيم.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (71)

سنة النّشر 1987

إنّي لأغبط حال أولئك النّاس الذين يكدّون في عملهم لتحصيل قوتهم، وأسباب معيشتهم، فيظفرون بالثّواب والجزاء على جهودهم التي بذلوها، وينعمون ببهجة العيش، وينالون أصالة الحكمة التي يستكشفونها في سلسلة الأحداث المتعاقبة الجارية في هذه الحياة، وما يبرحون يستزيدون في اكتساب تلك العطايا، ويمتدّ نظرهم إلى تخوم هذا الكون فيضعون له حدّاً في ذلك المكان الذي تبلغه نظراتهم، من دون أن يجوزوا بأفكارهم تلك الحدود الموضوعة، فيعيشون متنعّمين في أرجاء هذا العالم، الذي يدركون مقدار ضيقه إن هم قاسوا أبعاده بالنّظر، ويتيّقنون بمبلغ اتّساعه إن هم سبروا أغواره بالفكر، فتجري حياتهم ضمن تلك الأمكنة الضّيّقة التي يحدّدها نظرهم، وليتني انضويت إلى جمعهم، فكنت قد بلغت بأيسر سبيل السّكينة والطّمأنينة.

استأذنت جاري صالح في الانصراف، فتوادعنا وهو يدعوني بإلحاح إلى معاودة تلك الزّيارة، وأن أختلف إليه حينما أجد من خلال أشغالي وفروضي المتعدّدة، الفرصة الملائمة لتحقيق ذلك اللّقاء بيننا.

رأيت في هذا المنزل المنشأ الكريم والمثوى الأثيل الذي شبّت في كنفه ليلى، وغالباً ما يعزا سلوك الإنسان وطريقة تصرّفه في أعماله التي يأتيها، إلى الأثر الذي تخلّفه في نفسه تلك البيئة التي يعيش فيها، فتأثير ذلك المحيط الذي يحيى فيه، قد يظهر في تكوين ميوله، وبعث أهوائه، أمّا ذلك الحسّ الرّفيع المتأصّل في الكيان، فإنّه يجفو كلّ تلك المؤثّرات، ويظلّ في منعة من أن تدركه سطوة كلّ الأوساط التي تحيط بالنّاس، فتحافظ النّفس الصّالحة على رسوخها في مقام السّجايا الجليلة، التي يتطبّع بها الإنسان في الظّروف والأحوال المختلفة، فيترفّع عن الانحدار إلى دركات المآرب الوضيعة، ويتنزّه عن اتّباع الأهواء الطّائشة، ولا يحيد عن ذلك الموضع الذي اقتبس منه أنوار الهداية، التي تشعّ من الخصال الرّفيعة، وأكاد أنفر من تلك الأفكار التي تلأم بين طباع المرء وخصاله، وأحوال تلك الوقائع المتبدّلة حوله، وتسنّ لها القوانين الباطلة والأحكام السّاقطة، وهذه النّجوم المتلألئة في أقطار السّماء شهدت ذاك التّبدّل الذي طرأ على معالم الكون، بينما تأصّلت في مكانها بثبات ومنعة من دون أن يخفت لمعانها، أو يخمد ضياؤها، ولا يذعن الإنسان لتلك الأفكار إلّا عن جهالة، فتحكم سيطرتها التّامّة عليه بما تغريه بتلك البهارج الزّائفة التي تصوّرها له، وتطمعه في منافعها الزّائلة.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (70)

سنة النّشر 1987

أصغى بانتباه جليّ إلى حديثي، وهو يثير فطنته لتتبّع زلّات لساني وهفوات كلماتي، التي ظنّ أنّها قد تصدر عنّي، فأخذ يترصّد ظهور سقطة تنفلت من فمي، واعتراني العجب من شأنه، لما أقرّ به من رجاحة بعض تلك الآراء التي أفصحت عنها، ولم أثر فضوله بما أبديته من الأفكار، بقدر ما بعثت في نفسه تلك الرّغبة في أن يجاذبني أطراف الكلام، الذي كنت أدفع من خلاله عن نفسي تلك الملامة التي تنحى عليها، لما طبعته برحاء الهموم وغمّم الشّجو في أساريري من مظاهر الحسرة والألم، فوقدة ذلك الأسى المتوّهجة في نفسي، تضرم لواعجي وتؤجّج مشاعري، لتزكّي وجداني، وتطهّر كياني، ولن أدرك تلك المنزلة الرّفيعة من السّعادة، وأهنأ بالغبطة الدّائمة، إلّا بعدما تضمحلّ أهوائي الطّائشة في أجيج الأشجان، وتزهق في لهيب الغموم، وإن عنت من جرّاء سعيي إلى بلوغ تلك الحالة من الإحساس بالسّكون والطّمأنينة، ومنيت بأفدح العذاب، وتمثّل في خاطري حال أولئك البررة الصّالحين الذين طبع شقاء حياتهم على جباههم صور العناء، فتلوح في نظراتهم رعشات الألم، ويشعّ من أعينهم وميض الأسى، إلّا أنّ ذلك الحزن الذي ينتابهم، لم يحل دون أن تنبعث البهجة في نفوسهم، فلا تنغّص عليهم صفو عيشهم هذه الأشجان، ولا تكدّر هناء حياتهم تلك الأحزان.

استغربت شأن تلك المحاورة التي دارت بيننا، وقد أثرنا فيها تلك المسائل التي ناقشناها، فكان كلّ كلمة وعبارة تتلقّفها أذناي، أجد صداها المتردّد في نفسي، وحينما رأيت تأثّره الجليّ بتلك المناقشة، واقتناعه بما كاشفته به من أفكاري، تيقّنت بأنّي لم أشتطّ في كلامي، ولم أنأ عن ذلك المقصد الذي توخّاه وسعى إليه في كلامه الذي تلفّظ به.

تنوّعت تلك الموضوعات التي تطرّقنا إليها في كلامنا، فأخذ جاري صالح يحدّثني عن وقائع تلك الأيّام التي أمضاها من سنوات حياته، وبدأ يخبرني بشؤون عائلته بلهجة كان يغلب عليها الشّكوى تارة، والحمد تارة أخرى، وكنت أتتبّع لمعان ذلك الضّياء الذي كان يشعّ من أساريره، حينما يورد في حديثه اسم كريمته ليلى، أو عندما يلمّح إليها من دون أن يجهر باسمها، وكانت تشغلني عن الالتفات إلى حديثه فترة وجيزة، تلك النّيران التي تضطرم في الموقد، فأتأمّل سياطها الممتدّة وشعلتها الملتهبة.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (69)

سنة النّشر 1987

أدهشتني عباراته التي أفصح فيها عن سداد منطقه وحصافة رأيه، الذي دلّ على اختباره العميق لأحوال الحياة، وسبره الدّقيق لشؤون النّاس المتنوّعة، فوقفت على أصالة تلك المعاني التي تضمّنها حديثه، ورأيت صواب مرامي كلامه القصيّة، وقد كان دأبي أن أذمّ شأن أولئك الأشخاص الذين تقتصر خبراتهم على العبر، التي تفيض بها الوقائع الجارية، وتخلو معارفهم على تلك العظات التي يستخلصونها من مشاهد الحياة، على الرّغم من اتّساعها، فلا يخوضون في الشّؤون المستترة التي تنطوي عليها تلك الأحداث التي تحصل في حياتهم، ولا ينبشون عن أسرارها الخافية، ولا يستنبطون منها خواطر وأفكاراً جديدة، قد تناقض بعضاً من تلك الآراء، التي كانوا أقرّوها في مستهلّ مشاهدتهم تلك الأشياء التي كانت تسترعي انتباههم، وقد تعارض فحاوى تلك النّتائج التي توصّلوا إليها، في بدء اطّلاعهم على الأحداث التي كانوا يعاينونها، فيعزفون عن الدّرس المحكم والبحث العميق، ولا يرون الأشياء بأحوالها وأوجهها المختلفة، إلّا أنّي استأنست بتلك الأفكار التي أعرب عنها جاري صالح، وقد نشبت أشراك حديثه فيّ، وهو يحضّني على المناقشة، ولم يكن يعلم مقدار ذلك الأثر الذي خلّفه في نفسي، وكثير من النّاس يثيرون فيّ الحسّ والفكر عرضاً من غير عمد أو قصد، وانفلتّ من حبائل تلك الظّنون، التي توهّمت فيها أنّ اللّبس والغموض يشوبان ذلك المظهر، الذي كانت تتراءى فيه للأشخاص الآخرين طباع نفسي، فأدركت مقدار تشابه نفوس البشر لبعضها البعض، وتماثل الأفكار العديدة التي تخطر في أذهان النّاس، فما من حديث إلّا كثيراً ما كانت أصداؤه تصل إلى أبعد مدى، وتبلغ الأشخاص العديدين، والحكمة الشّاملة تبزغ من حياة فرد واحد، لتعمّ سائر الأنام، على اختلاف مشاربهم وتنوّع أحوالهم، وشرعت أسرد حديثي علّه يدرك من خلاله خواطر فكري، فقلت له:

إن ظهرت على ملامح الوجوه، معالم الفرح ومخايل الحزن، فهي غالباً لا تشير إلى ثبات حالة النّفس، التي تتجاذبها مشاعر شتّى، وتتنازعها عواطف مختلفة، فصور تلك الأحاسيس التي تبدو في قسمات الأوجه آنئذ، لا تدلّ على حقيقة الشّعور المستقرّ، فتلك الهيئة التي تلوح فيها المعارف، ليست إلّا مشهداً تبرز فيه مرحلة محدّدة من أطوار ذلك التّجاذب، الذي ينشب في دخيلة النّفس، بين تلك الأهواء المستترة، والرّغائب الكامنة، والمآرب المتوارية، فتتناوب تلك الصّور على الظّهور فوق تلك الأسارير، وفق مسار تلك المراجحة الجارية في أعماق النّفس، حتّى تتمّ الغلبة لحالة من الشّعور على أخرى، فيتأتّى لمعالم تلك المشاعر السّائدة حينئذ، أن تثبت في ملامح الوجه، وكم مداولة امتدّ أمدها برهة طويلة، فلا نستطيع أن نقف على حقيقة أحاسيس النّفس، لما نشهده من تقلّب وتبدّل المشاعر، وقد ننخدع بهيئة تلك الأقنعة المزيّفة التي يظهر بها بعض النّاس، الذين يتّبعون طرائق المراءاة في الإفصاح عن خفايا شعورهم، وما ينبعث في النّفس من دواعي المسرّة وأسباب الحزن، لا تقتضي نشوءه آثار تلك الظّواهر التي تحيط بالإنسان، فلا تنحصر فيها علل إثارة تلك المشاعر في نفسه، ولا تختصر دونها سائر الذّرائع، فيجب ألّا نغفل عن جلاجل النّفس، التي يتردّد نغيها الخفيت في أعماقنا، فنحسب مناجاتها الهامسة مشابهة للغط تلك الضّوضاء الصّادرة من أنحاء الطّرقات وأرجاء الكون.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (68)

سنة النّشر 1987

قصدت جاري صالح إيفاءً بوعدي له بأن أزوره في منزله، فلقيني بوجه بشوش يفيض فيه البشر، مرحّباً بقدومي إليه، وكنت أسعى في بدء مجالستي معه إلى الإنصات لمتع أحاديثه المختلفة، التي تتشعّب في شؤون الحياة المتنوّعة، فتنسري عن نفسي غصص الهمّ ووطأة السّأم، ودلّت نبرة صوته الجهيرة على صلابة طبعه، وإن كان يتخلّلها أحياناً، بعض الخفوت الذي يشير إلى وداعة نفسه ودماثة خلقه، وراقني ذلك المزيج من السّمات المتباينة، التي ائتلفت في كيان واحد، وبدت في جبهته الأسارير المتفرّعة جليّة، وعلت ملامح وجهه الغضون التي جهرت بشقاء وتعب أيّامه الغابرة، وكنت موجز الكلام في حديثي معه، أكتفي بما ألمح أمامي من عالم ممتدّ وحياة واسعة، والمرء بما يشغله به هواه شغوف بالحديث عنه، فما فتئ يخبرني عن تلك النّباتات التي يمضي جلّ وقته في رعايتها وترتيبها في صفوف منسّقة وأرتال منتظمة، وكان يمتدّ قبالة الأريكة التي أجلس عليها، لوحاً عريضاً من الزّجاج تلوح من خلاله النّباتات النّاضرة، فكان منظرها يسرّ النّفس، ويمتّع الحسّ، وسمعت حديثه، وهو يقصّ عليّ دواعي ذلك الجهد الذي يبذله في العناية بتلك الزّرائع النّابتة، فقال لي:

إن ابتلى الجسد بعلّة، فإنّ أصل الدّاء يكمن في النّفس، فإنّي أمضي سحابة يومي في الكدّ والمثابرة على العمل حتّى يدركني النّصب ويوهنني التّعب، وما إن أفرغ من عملي حتّى أنتهز فرصة اللّهو والتّسلية، التي تشغلني عن الالتفات إلى شؤون نفسي، وتصرف انتباهي عن أغراضها المحتجبة وأدوائها المستترة.

لم يداخلني العجب من أمره حينما أدلى بحجّته وأفصح عن رأيه، فسوّغت معتقده مراعاة لباعث المودّة التي نشأت بيننا، ولم أنسبه إلى تلك الفئة من النّاس الذين يعرضون عمّا ينتابهم من الشّعور، ويضربون به عرض الحائط، ولم أشأ أن أفاتحه بهذا الرّأي الذي لاح في فكري، ليس تقديراً لما تستوجبه آداب المحادثة وسنن اللّباقة، من التّصرّف الملائم لهذه العلاقة التي ألّفت بيننا، وإنّما لخشيتي أن أخوض في شجون الحديث الشّائك، وألج في مجاهله، فيطرح فيه عليّ آراء محكمة، طبعتها في ذهنه خبرته بشؤون الحياة، فلا أتمكّن من أمضي رهواً في تجاذبنا أهداب ذلك الكلام الدّائر بيننا، وظلّ يتردّد ذلك الخاطر في نفسي حتّى سمعته يقول:

لن تكون النّفس عزيزة الشّكيمة، وشديدة الجلادة تجاه الأرزاء التي تتعرّض لها، فمن فدحته مشاقّ الدّهر وبهظته خطوبه، تترفّع به أنفته عن مذلّة الشّكوى إن أدركت نفسه ملاذ الصّبر، وموئل السّكينة، فإنّ ابتلاء المرء بمكروه هو عبرة تذيعها الألسن على الدّوام، وما تصبّره على المحنة إلاّ حكمة تحمدها الأفئدة بالمدح والثّناء، وتمضي حياته بين تلك العظة والحكمة من دون أن يغفل عن المسارّ، فلا تفوته المتع والملذّات.

النّصب: العناء.

تمتدّ آفاق الفنّ لتحيط بالمواضيع كافّة التي تبرز في مجرى حياة النّاس، من دون أن يستعصي على الفنّانات والفنّانين أن يتناولوا كلّ المسائل والقضايا، التي تستأثر باهتمام الأشخاص طرّاً في مجتمعات هذا العالم، ولا يقتصر تميّز النّتاج الفنّيّ، على أن يعرض تلك الأشياء التي ينشغل بها الأفراد، بل إنّه يسبر أغوارها، ويوضّح كنهها، ويجلو غوامضها، وكانت الفنّانة التّشكيليّة خالصة هلال، أخذت في كلّ أعمالها الفنّيّة، تعالج مواضيع عديدة، كانت وثيقة الصّلة بحياة النّاس بمختلف مشاربهم وتنوّع أحوالهم، وهي لجأت إلى التّصريح بالتّعبير الفنّيّ عن القضايا التي تناولتها برؤيتها الثّاقبة وبصيرتها المشرقة، وكانت تختار العناصر الفنّيّة التي تلائم التّعبير عن تلك المواضيع التي تناولتها في لوحاتها التي رسمتها، وقد تجلّت المؤهّلات الفنّيّة العالية التي تمتلكها الفنّانة التّشكيليّة خالصة هلال، في رسمها هذه اللّوحة بالألوان الزّيتيّة، وهي يعود تاريخها إلى عام 2003، وقد ظهر في هذه اللّوحة اللّون الورديّ الذي شغل مساحة امتدّت من وسط هذه اللّوحة، حتّى جهة اليمين، وكان تدرّج هذا اللّون المشرق الزّاهي، يساير أحوال الشّعور المتبدّلة، من الصّفاء الذّاتيّ والنّقاء النّفسيّ، حتّى بلوغ تلك الطّمأنينة التي تنشر في الكيان السّكون والهناء، والفنّانة خالصة هلال توفّقت بابتكارها الفنّيّ في التّعبير عن ذلك التّدرّج في الشّعور، فكان اللّون الورديّ يميّز ذلك الإحساس الرّائق الصّرف، بينما كان يشعّ متألّقاً بالحيويّة والإشراق الزّاهي.

يلحظ النّاظر إلى هذه اللّوحة، انطلاق أسراب تلك الأطياف التي تثير الخيال، وقد وفّقت الفنّانة خالصة هلال، في التّعبير العميق عن تلك الحالة من الشّعور الذي ينطبع فيه معالم الصّفاء، فكانت أطياف السّعادة والهدوء تقتبس من اللّون الورديّ تلك الخاصّيّة اللّونيّة التي باتت تتميّز بها أيضاً، لتغدو تلك الأطياف تطابق شأن الأحلام الورديّة، التي تداعب مخيّلة الإنسان، إلّا أنّ تلك الأطياف الزّاهية، لا تجعل النّاظر إلى هذه اللّوحة يحلّق بعيداً عن هذا الواقع المعاش الذي تعترض فيه النّاس العقبات، وتحبط آمالهم المنغّصات، وكان ذلك الارتداد إلى أرض الواقع، قد عبّرت عنه بدقّة عناصر هذه اللّوحة، فإنّنا في مقابل تلك الإشراقة من لمعة الأمل وبريق السّعادة الزّاهيتين بإشعاع اللّون الورديّ، كنّا نرى في جهة اليسار من هذه اللّوحة، تدرّجات اللّون البني، التي كانت تحمل في شكلها التّعبيريّ هيئة الإنسان، حيث برزت شخوص الأفراد في تلك المساحة التي ظهر فيها اللّون البني، وكانت هيئات الأفراد، التي كساها ذلك اللّون البني، تقدم على مجابهة تلك الأطياف الورديّة الهانئة، وكأنّ الإنسان ذاته، هو الحربة والأداة التي تطعن في استقرار وسكون ذلك الصّفاء الهانئ الذي يغمر نفوس النّاس، وكانت طريقة الارتداد إلى أرض الواقع، قد تحقّقت موافقة الصّفة الحقيقيّة، فضلاً عن التّعبير الفنّيّ الإبداعيّ، فاللّون البني يلائم طابع صلابة تلك الأحجار القاسية، التي ظهرت في القسم الأسفل من اللّوحة، حيث ظهر اللّون البني الغامق، ولاحت الأعشاب متناثرة بين أكوام الحجارة، وكانت تعلو تلك النّاحية السّفلى من اللّوحة، تلك المساحة الواسعة التي انتشر فيها اللّون الورديّ، فأنشأ الإنسان بذاته، تلك العوائق التي تحول دون استمرار تلك الحالة من الشّعور بالهناء، الذي أحبطته صلابة وقسوة الإنسان، الذي عبّرت عن سماته الشّخصيّة، هيئة الأحجار المترامية في النّاحية السّفلى من هذه اللّوحة.

إنّ انتقاء تلك الألوان التي تقابلت في هذه اللّوحة، وافق تلك المعاني التي تضمّنها ذلك العمل الفنّيّ التّشكيليّ، الذي تجلّت فيه حالة صفاء النّفس، التي كانت تماثل أحلام النّاس، بينما كانت تعترض تلك الأطياف الزّاهية، صلابة الواقع الذي عبّرت عنه قسوة الأحجار والأرض، التي لاحت باللّون البني الغامق، الذي كان يظهر تلك القسوة والمتانة التي اتّسم بها أديم تلك الأرض، وكان أحد خصائص الإبّداع الفنّيّ التي تجلّت في هذه اللّوحة، هو تحقيق الانسجام بين الألوان المتقابلة في تشكيل فنّيّ بهيّ، إذ أخذت تدرّجات تلك الألوان مقدارها الدّقيق في أجزاء تلك اللّوحة، فحصل تطابق بين الانسجام اللّونيّ، وذلك الموضوع الذي نهضت عليه تلك اللّوحة المتميّزة بوفرة التّفاصيل، التي لا يعنى بمراعاة تحقّقها إلّا من يتّسم بالجلادة والصّبر من الفنّانات والفنّانين البارعين، الذين دأبوا في أن يخصّوا أدقّ التّفاصيل بالاهتمام اللّائق برفعة الفنّ، وقد كان كلّ جزء في هذه اللّوحة التي رسمتها الفنّانة خالصة هلال، يوضّح فكرة عميقة في مجموع تلك المعاني، التي اشتمل عليها الموضوع الفنّيّ الذي انبنى عليه ذلك العمل الفنّيّ التّشكيليّ، وإن كان ظهر في هذه اللّوحة المقابلة والمجابهة بين طرفي تلك العلاقة النّاشئة فيها، ولكنّهما حقّقاً معاً حالة الانسجام الفنّيّ، الذي ظهر في صيغة التّشكيل الجماليّ البديع.