مقتطفات من رواية أناشيد الألم (63)

سنة النّشر 1987

اشتدّت قرّة الشّتاء، وجلّلت أرجاء السّماء سدم الضّباب، ثمّ ما لبثت أن انتشرت في أصقاعها السّحب الدّكناء، ففتنت بتلك المشاهد وهمت بتلك المناظر التي كنت أراها، وارتدّت خواطري إلى قرارة نفسي، لتسكن في أغوارها وتهدأ في ظلالها، إلّا أنّ سرعان ما ألفت ذلك القرّ المنتشر في أعماقي، حيث انطفأ في أغوار نفسي أوار تلك الرّوابط التي كانت تؤلّف بيني وبين سائر الأشخاص، فأصاب خواطري، ذلك البرد الذي حثّها على معاودة طوافها، فسعيت إلى أن أطرح فورتها نحو معالم الطّبيعة، وانطلقت هواجسي إلى رحاب هذا العالم، واستحالت مشاعري إلى دفقة رقراقة من مياه الجداول، وإلى رعشة خافقة من اهتزاز أعشاب المروج، فانعكست صور أحاسيسي عن مرآة الكون الفسيح، وكانت تحجب عن باصرتي تلك المشاهد التي تتدفّق من ظواهر الطّبيعة ولوائح الكون، رؤية تلك الأخيلة والهواجس الدّائرة في فكري، فأهنأ بهدأة البال ورواح النّفس، ولم تكن تحدّني تلك الأجواء الصّاخبة عن تجوالي في طرقات مدينة دمشق، وإن كنت أختصر أحياناً مدّة مسيري، حينما أسلك شوارعها الممتدّة، وأجوب أحياءها الفسيحة.

لم أجد معابة أو نقيصة في انشغالي عن تلك الأفكار التي تخطر في بالي، حينما أطمح ببصري إلى معالم الطّرقات حولي، فأعرض عن تلك الخواطر الجائلة في نفسي، وأنطلق نحو أمور طارئة وأحداث متغيّرة، وأحيد عن ذلك العالم الذي يحدق بي بشرائعه القائمة على مذاهب الفكر، فأتنقّل في هذا التّجوال في أحوال الشّعور المختلفة، وما إن أدرك ناحية من أرجاء المدينة حيث يلذّ لي المقام، ويطيب لي الاستقرار، حتّى سرعان ما آخذ في أن أشدّ رحالي وأواصل تجوالي، بحثاً عن المكان الذي يحيطني بأجوائه الهادئة، ومبانيه العامرة وأشجاره الزّاهرة، فلا أرى بدّاً من أن أتّجه إلى حديقة المزرعة، وأمرّ بالقرب من منزل نادية، فيصبح شأنيّ كحال أولئك العشاق الغرار، وهم يسعون في إتمام لوحة أطيافهم وصورة أحلامهم، بدنوّهم من تلك الأطلال التي تحتويها، فيقصدون مزارها، ليستمدّوا منها بلغة يسيرة من نفحات الأمل، من دون أن يدركوا أنّ مركب حياتهم يمخر بين لجج الضّياع وأمواج الضّلال.

مضت تلك الأيّام من دون أن أراها فيها، وانبعثت في نفسي نزية الشّوق، فحاولت عبثاً إخمادها، وتجلّدت بالصّبر وتعمّدت السّلوان عنها، من دون أن أفلح في مسعاي، فقصدت إلى ملاقاة نادية بعيد انتهائها من فروض عملها، فصادفتها في الطّريق التي كانت تسلكها في أثناء عودتها إلى منزلها، وما إن ألفتني مقبلاً نحوها، حتّى تهلّل وجهها فرحاً وبشّ محيّاها، فتبادلنا التّحيّة، وعرضت عليها أن أسايرها حتّى تصل إلى الحيّ الذي تقطن فيه، فرحبت باقتراحي قائلة:

_يخامرني الأنس بلقائي بك الآن، وأرغب في أن أطّلع منك على شواغل أيّامك، وبواعث أمورك التي صرفتك عنّي في الفترة الماضية.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (62)

سنة النّشر 1987

هبّت الرّيح البليلة نديّة النّفحات، وما برحت الشّمس تدنف متهيّأة للأفول، فتحزم أشعّة ضيائها، وتضمّ حبال سنائها، وأعود إلى منزلي بعد طوافي في طرقات المدينة الوادعة، عاكفاً على أن أشقّ دربي وأمهّد طريقي في ملس الظّلام، فأواصل مسيري في مهابّ ريح همزى، ولم أكد أقترب من مدخل البناء الذي أقطن فيه، حتّى انتهى إلى مسمعي جلبة تعالت ضوضاؤها في أرجائه، فألفيت جاري صالح يباغت بعض الشّبان اليفعة والفتيان النّاشئين، الذين ما فتئوا يجوسون بأقدامهم الأعشاب الرّطبة النّابتة في جوانب المدخل، ويعيثون في الزّرائع فساداً، ويتلفون أفنان الأشجار الممتدّة من فسحة منزله، ورأيته يتوعّدهم بشدّة العقاب، ويستنكر مغبّة طيشهم، ويحمّلهم تبعات فعالهم، وكانت تقف بالقرب منه ابنته ليلى، وقد لاحت على محيّاها معالم الوقار والرّزانة، فوارت بوادر غضبها وحميّا انفعالها خلف ستار من الدّلّ والهدوء، وبدت في بشائر وجهها دلائل السّكينة، وأدركت مقدار اهتمام جاري صالح بهذه الأعشاب المنتشرة في مدخل البناء، وبتلك الأشجار المزروعة في فناء منزله، وتبادلت معه التّحيّة، وأقبل إليّ وقد تساير الغضب عن وجهه، وسكن اضطراب جأشه، وخاطبني بلهجة هادئة، وهو يشير إلى الأعشاب والأشجار قائلاً:

_إنّها سلواي الوحيدة، وأبذل جهدي في رعايتها، بقدر ما تبهجنا بزهوها، وتسرّنا بنضارتها.

سرّتني عنايته بتلك النّباتات الزّاهرة، فقلت له:

_لا تكون عاقبة ذلك الجهد الذي تبذله، الخسران ولا النّدامة، إن ارتدّ إليك من شقائك في الكدّ وعنائك في الجدّ، ذاك النّتاج النّضير، والحسن الوفير.

وألفيت ليلي تمسك بيدها طاقة من النّباتات والورود البهيّة، وما لبث أن تلقّف والدها منها تلك الحزمة الزّاهية، ثمّ قدّمها إليّ قائلاً:

_احتفظ بتلك الطّاقة من الورود لديك، لتسترجع بتأمّلك في منظرها البهيّ، وبتنسّمك روائحها العطرة، ذكرى تلك الحادثة التي شهدتها الآن.

والتفت إلى ابنته وقال لها بلهجة غلب عليها المزاح والدّعابة:

_لن تتحسّري على ضياعها، وتتلهّفي على فقدانها، فسوف يوليها تمام الاهتمام.

فأجابته ابنته الشّابّة ليلى على الفور قائلة:

_إنّها جديرة بالبقاء في حوزة السّيّد باسم، فسيوفّر لها الرّعاية اللّائقة والعناية البالغة.

وما لبثت أن ودّعت جاري صالح وهو يدعوني بإلحاح إلى القدوم إليه في منزله، وفوّض إليّ أن أتخيّر الفرصة المناسبة للمجيء إليه، وقبل أن أنصرف عنه، خاطبني قائلاً:

_ابذل جهدك في حفظ تلك الغراس والورود، فهي خليقة بأن تدوم نضارتها، ويصان بهاؤها.

صعدت في الدّرج وأنا أقلّب عباراته الأخيرة في ذهني من أوجهها المختلفة، وتأويلاتها المتعدّدة، فأبتسم لكلّ مغزى تلمّح إليه، حتّى اعتراني الخجل من جراء انطلاق أهوائي وراء تلك التّخيّلات الطّائشة.

تجري على رقعة الشّطرنج، وقائع التّنافس الرّياضيّ الذي يجمع بين اللّاعبين اللذين يتحفّز كلّ منهما، لأن يضع الخطط، التي ينظّم بها حركة القطع، فوق تلك الرّقعة التي تنقسم إلى مربّعات متتالية في ثمانية صفوف متجاورة، ويتناوب لون تلك المربّعات بين البياض والسّواد، وهي متساوية في المساحة، ومتطابقة في الشّكل، ويعمد كلّ من لاعبي رياضة الشّطرنج، إلى أن يحرّك قطعه وينقلها على تلك المربّعات، وفق تلك الخطّة التي كان اعتمدها في الأساس، فرياضة الشّطرنج "تلعب بالذّهن قبل الأصابع"، فعندما يتهيّأ لاعب هذه الرّياضة الذّهنيّة، لأن ينفّذ النّقلة، التي يحرّك فيها إحدى القطع، بعد أن يفتكر في الوضع الذي تتّخذه أحجار الشّطرنج، يمدّ يده ممسكاً تلك القطعة، بينما كان ذهن اللّاعب يوجّه تلك اليد في حركتها، وكان عالم الرّياضيات والفيزيائيّ والفيلسوف باسكال قد قال أنّ "الشّطرنج هو قاعة رياضيّة خاصّة للعقل"، فلا غرو من أن تعتبر رياضة الشّطرنج، هي المعيار الذي يقاس به معدّل الذّكاء بحسب اعتقاد الكاتب الألمانيّ غوته، وقد كان أحد أبطال العالم في هذه اللّعبة، اعتقد أنّ الشّطرنج هو "أكثر من لعبة"، حيث تجتمع في هذه اللّعبة "المعالم الفنّيّة الأكيدة والعناصر العلميّة الكثيرة"، ويستند اللّاعبون إلى الرّؤية النّافذة التي يمتلكونها، ليضعوا الخطط الملائمة لينفّذوها على الرّقعة، التي يتبيّن فيها أنّ "كلّ التّصوّرات ضمن لعبة الشّطرنج لها قواعد هندسيّة"، واعتبرت تلك اللّعبة هي "طريقة ملائمة لتمرين العقل"، فتسهم رياضة الشّطرنج في تنمية القدرات العقليّة، وإذا كانت قد تعدّدت تلك الفوائد الجليلة التي تحقّقها هذه الرّياضة، فإنّه يتحتّم الاستفادة من المنافع كلّها، التي تجلبها لعبة الشّطرنج إلى اللّاعبين الذين يمارسونها، وأن ينعم بتلك الفوائد النّاس كلّهم، طوال العمر الذي يتاح لهم فيه أن يزاولوا رياضة الشّطرنج.

يتّسع مدى ذلك الزّمن، الذي يستطيع فيه النّاس، اكتساب تلك الفوائد التي تنفحها إليهم رياضة الشّطرنج، إذ يتاح لهم التّنعّم خلال فترة طويلة، بتلك المنافع العديدة التي يحصلون عليها حينما يمارسون تلك اللّعبة الرّياضيّة، ولا عجب في أن تطرأ على البال الفكرة التي يتصوّر فيها، بداية الزّمن الذي تزاول فيه تلك الرّياضة في حياة الإنسان، إذ يحدّد ذلك الوقت في مرحلة الصّغر، وتحديداً عند سنّ الطّفولة، فينشأ الأطفال الصّغار منذ تلك السّنّ المبكرة، مستفيدين من منافع شتّى تنجم عن مزاولتهم لعبة الشّطرنج، وقد تبيّن أنّ "لعب الشّطرنج منذ سنّ مبكرة يحفز الإبداع عند الأطفال"، ولا يعسر على أحد من الأشخاص، مهما كان بلغ من العمر، حتّى إنّ كان طفلاً غضّ الإهاب، أن يلمّ بقواعد هذه اللّعبة وأسرارها، ويتمكّن من أن يزاولها، فالأطفال وإن كانوا في سنّ الرّابعة من العمر، فإنّهم "يمتلكون ما يكفي من المهارات المعرفيّة لتعلّم تحريك القطع على رقعة الشّطرنج"، وقد ثبت أنّ هذه اللّعبة الذّهنيّة تجلب الفائدة إلى الأطفال "على المستويين المعرفيّ والذّهنيّ"، فلعبة الشّطرنج لها "تأثير إيجابيّ على تنمية القدرات الفكريّة خاصّة في مجال الرّياضيات"، فتنشّط لعبة الشّطرنج عمليّة التّفكير، ولا تنحصر فوائد الشّطرنج في تنمية القدرات العقليّة، إذ أنّها تؤكّد أيضاً "تعزيز وتنمية المهارات الاجتماعيّة، وبخاصة عند الأطفال الذين يواجهون صعوبة في التّفاعل والتّعامل مع الآخرين"، فتحقّق عند الأطفال صغار السّنّ التّنمية الاجتماعيّة العاطفيّة، التي تهيّئهم لبناء العلاقات الاجتماعيّة، وإنشاء روابط الصّداقة التي تجمعهم مع أقرانهم الأطفال الصّغار.

يمتلك الأطفال الذين يمارسون لعبة الشّطرنج بانتظام، القدرة على "التّركيز في المسائل الفكريّة"، إذ كان هؤلاء الأطفال قد تمرّسوا في أثناء اللّعب "بتحليل الخيارات الممكنة أمامهم، وهو ما يجعلهم منفصلين تماماً عن كلّ ما يحيط بهم"، فيحشدون طاقتهم في التّمعّن بعمق في أوضاع تلك القطع المنتشرة على الرّقعة، التي يقوم عليها ذلك التّباري بين لاعبي رياضة الشّطرنج، وتتسبّب تلك اللّعبة الذّهنيّة بأن تنشّط عند اللّاعبين "نصف الكرة المخّيّة، ممّا يحسّن أداء الدّماغ ويعزّز العلاقة بين الخلايا العصبيّة، ومجمل ذلك التّأثير يسهم في تحسين الحسّ الإبداعيّ، حيث أنّ لعب الشّطرنج منذ سنّ مبكرة يحفز الإبداع عند الأطفال"، وكانت تلك النّتائج المستخلصة من تجارب علميّة واختبارات عديدة، تثبت تلك الحقائق التي تبيّن تأثير رياضة الشّطرنج، في أعضاء جسد الإنسان، وفي أحواله النّفسيّة، حيث تبيّن "أنّ درجة اختبار الإبداع قد زادت بمعدّل محدّد، بالنّسبة للطّلّاب الذين لعبوا رياضة الشّطرنج، مقارنة بالنّسبة لأولئك الذين لم يراهنوا على هذا التّدريب"، فرياضة الشّطرنج تنمّي مهارات الطّلّاب الحسابيّة واللّفظيّة، بالإضافة إلى أنّ تلك الرّياضة "تتسبّب بالوقاية من الإصابة ببعض الأمراض النّفسيّة والعصبيّة"، وقد كان العديد من مؤهّلات الطّلّاب، تنمو وتتعزّز عندهم، بعد أن يخوضوا في مزاولة رياضة الشّطرنج، التي كانت "تحسّن المهارة الفكريّة وتطوّرها، وهي أمور مكتسبة وليست موهبة"، وقد تميّزت رياضة الشّطرنج، بقدرتها على تعزيز قدرة دماغ الأطفال، علاوة على أنّها تتسبّب أيضاً بازدياد معدّلات الذّكاء عندهم.

إنّ ممارسة الأطفال هذه الرّياضة الذّهنيّة في فترة مبكرة من حياتهم، يؤدّي إلى أن يتعزّز عندهم "التّفكير النّقديّ والتّحليليّ ومهارات التّصوّر، بالإضافة إلى ازدياد  قدراتهم المعرفيّة"، وأثبتت دراسات عديدة في دول شتّى، تأثير هذه الرّياضة الذّهنيّة في "المهارات اللّفظيّة للطّلّاب، على الرّغم من عدم احتواء اللّعبة على أيّة مهارات لفظيّة، وسبب ذلك أنّ اللّعبة تشحذ العقل كلّيّاً"، ويحسّن الشّطرنج أيضاً مستوى الذّكاء العاطفيّ، بالإضافة إلى "مهارات التّواصل الاجتماعيّة وقراءة لغة الجسد، نظراً لأنّ هذه اللّعبة تحتاج هذه المهارات لتوقّع ردود أفعال الخصم"، وتشمل الفوائد التي تنتج عن مزاولة لعبة الشّطرنج، كبار السّنّ أيضاً، إذ تسهم في الحفاظ على قدراتهم العقليّة، وتدرأ عنهم "المشاكل العصبيّة الانتكاسيّة كالخرف ومرض الزّهايمر"، فتتحقّق فوائد الشّطرنج في كلّ مراحل العمر، وهي لعبة "ليست معقّدة في الأساس"، حيث يستطيع النّاس عموماً "أن يفهموا القواعد الأساسيّة للعبة، والتّدرّج في مستوى التّطوّر المستمرّ"، وتنمو القدرات العقليّة عند من يزاولون رياضة الشّطرنج، بعد أن يتمرّسوا "بالمران الدّائم، ولعب مباريات كثيرة، بغضّ النّظر عن نتيجتها"، وتعتبر رياضة الشّطرنج هي "لعبة إستراتيجيّة رائعة"، تسهم في شحذ العقل، وتساعد على التّفكير "بطريقة أكثر فعّاليّة ومنطقيّة، وتتسبّب في تحسين الذّاكرة، وتطوير مهارات القراءة الخاصّة"، ويستخدم الأطباء الإخصائيّون في الطّبّ النّفسيّ، لعبة الشّطرنج في علاج مرضى الاضطراب النّفسيّ، إذ شاعت "طرق العلاج النّفسيّ الإبداعيّ، ومعالجة الاضطرابات العصبيّة والسّلوكيّة، وحقّق ذلك العلاج النّجاح في التّعامل مع الأطفال الذين يعانون الاضطرابات العصبيّة والسّلوكيّة"، وقد كان الطّبيب والكيميائيّ والفيلسوف أبو بكر الرّزاي "854_ 925"، استخدم في بغداد "إستراتيجيّات وتكتيكات الشّطرنج في مساعدة المرضى على التّفكير بوضوح"، فتظلّ الفوائد التي يحصل عليها من يزاول لعبة الشّطرنج، تزداد باطّراد، حتّى باتت تتنوّع أوجه تلك المنفعة، التي ينعم بها الشّخص الذي يمارس هذه اللّعبة الذّهنيّة.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (61)

سنة النّشر 1987

إنّ لعلائق الغرام سبلاً شتّى، ولروابط الولع طرائق عدّة، تتّبعها كي تصل إلى نفوس النّاس، فإن أغلقت دون تلك الصّلات، المنافذ التي تفضي بها إلى فؤادي، وصدفت عن بهجة الحبّ ومسرّته، تفِد حينئذ أنسامه إليّ، من خلال معابر الفكر والذّهن، فيكون رسوخ تلك العاطفة آنئذ في شغاف القلب أمتن، وأحار في أمري، كيف غفلت عن تلك الحقائق، أوتنتهي بي الحال التي أمسيت فيها، إلى تمنعّي عن الإقرار بالبديهيّات إلّا بعد أن أرى عياناً تحقّقها وثباتها، وعلى الرّغم ممّا توصّلت إليه من هذا الاعتقاد، فإنّي لا أبرح أروغ عن تلك الحقيقة الجليّة، وأكاد أزعم أنّ لا رجيّة لي في تحقيق ائتلافي مع الأشخاص الآخرين، فأغدو منفرداً بنفسي في عزلة دائمة، فليتني ملكت قياد عواطفي، لسهل عليّ التّحرّر من حبائلها، ولتسنّى لي الخلاص من مصائدها، وتهيّأ لي النّجاة من مكائدها، أمّا الآن فهيهات أن أبلغ هذه الحالة المرغوبة إلّا إذا أصبحت مأفون العقل، ومأفوك الرأي، تلوح في فكري مظاهر البلاهة، وتظهر في ذهني معالم العتاهة، فحينما أتنكّر لحقيقة تولّعي بنادية، وتعلّقي بطيفها الذي يراود خيالي، أطفئ حينئذ اتّقاد ذهني، وأمحو جذوة إدراكي، فما إن يتلاشى كلّ أثر لتلك العاطفة، وتهمد شعلة نيرانها في نفسي، حتّى سرعان ما تغيب عن تفكيري أسباب الوعي والفهم، وأجرّد من الفطنة، وتتبدّد في خاطري النّباهة.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (60)

سنة النّشر 1987

دأبت في أن أوطّدجهدي، وأشدّد عزمي فيما خلا من الأعوام على أن أوسّع رقعة معرفتي، وبساط فكري، كي أتّقي رياح الغرام الملتهبة، فآمن من هبوبها وأنجو من حرّها اللّافح، بيد أنّي خلت أنّ الشقّة الممتدّة من سعة تفكيري، قد تحول بيني وبين الأشخاص الآخرين، فسعيت إلى أنّ أسدّ تلك الفرجة الفاصلة، وأردم تلك الهوّة التي تحجز بيننا، بما أظهره من طويّتي، وأفصح عنه من سريرتي، وإن كنت أقبل على تلك المكاشفة متردّداً في أمري، كي لا أرغم على أن أعقد عهود الألفة، وإبرام مواثيق المودّة مع من يجهد في أن يتبصّر متأمّلاً في أفكاري، ويكدّ في الإحاطة بها علماً، تقديراً منّي لجهده، واعترافاً بصنيعه الذي أسداه إليّ، فأظنّ عندئذ أنّ ارتباطي به لن يحدث فيه الانفصام، وأنّ عشرتي معه لن يصيبها التّصدّع، إلّا أنّ في الأيّام الغابرة، لم تكن تتحقّق بيني وبين الأفراد الآخرين تلك الرّابطة، التي كنت أفتكر فيها، حتّى صادفت نادية، ففوجئت بتبوّئها تلك السّدّة الرّفيعة، التي لم يكن في وسع أحد، أن يقيم بذراها، على مرّ السّنوات الماضية، بعد أن تمّكنت من أن تدرك أفكاري، وتتفهّم مشاعري، فكأنّ الفكر والعاطفة يقيمان في الموضع ذاته في علاقتي مع نادية، حتّى حسبت أنّهما كوّنا صورة واحدة لهيأتين مختلفتي الأحوال، فلم أميّز إحداهما عن الأخرى، أو أفصل بينهما، ولم تتحقّق تلك الرّابطة النّاشئة بين هاتين الحالتين اللتين تآلفتا معاً، لو لم تكن نادية، تتّسم برهافة الحسّ ونباهة الخاطر وحدّة التّفكير.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (59)

سنة النّشر 1987

وقع في ظنّي أنّ لتلك العاطفة مسلكاً فريداً ومعبراً وحيداً، تمرّ فيه أنسامها، من خلال فوران المشاعر المضطرمة في أتون ملتهب، وإذا ما رادت حولي رياحها العليلة اللّيّنة، عندما كنت في عنفوان الشّباب، أعمد إلى أن أجثو خاشعاً آنئذ في رحاب العاطفة، فأتنزّه عن مثالب الأهواء، وأتخلّص من معايبها، فلا يطرأ على بالي أو يجول في خاطري إلّا أن أتضرّع إلى صورة تلك الفتاة، التي كانت تمكّنت من أن تثير مكامن الشّعور في نفسي، وأتودّد إلى هيئتها التي ملأت خيالي، إلّا أنّي أجد نفسي الآن، خليّاً من تلك الأحاسيس، فلا يثيرني طرب، أو يبعثني وجد، فيظلّ فكري على هموده، ويستمرّ ذهني في شروده، وإن كنت أحاول عبثاً أن أشغلهما بأشياء عديدة في بعض الأحيان.

كنت أخوض في الحديث مع نادية، عن مشاغل الحياة المختلفة، ومجريات الوقائع المتنوّعة، من دون أن نتطرّق في كلامنا إلى شؤون العاطفة، إلّا أنّي أدركت أنّ كلّ مشهد من الصّور العديدة التي تتبدّى فيها أحوال الحياة، يغلّف ذلك الشّعور المحتجب، ويواري تلك العاطفة المستترة، التي لا ألمح معالمها ولا أتبيّن مظاهرها، إلّا بعد أن تضع أغلالها في يديّ، فأخضع لها، وأذعن لأحكامها، ولم أكن أصدع بتلك الحقائق، التي تتبيّن فيها طبيعة ذلك الشّعور الذي ثار في نفسي، ولم أجهر بالقول الذي يفصح عن تلك الحالة التي أمسيت فيها، وبتّ أنسب لواعج العاطفة وأشجانها التي تعتريني، إلى تلك الأطياف التي تلوح في مخيّلتي، وأشير إلى انشراحي باحتباس تلك الغموم في صدري، وأدلّ إلى سكون الخواطر في نفسي، بنزوان مشاعري واضطرابها، وهذا شأن الإنسان، فإنّه يصوّر حقيقة أحواله أحياناً، بما يلائم أفكاره المشوّشة، وما يوافق خواطره الملتبسة، وكثيراً ما يظنّ أنّ الضّرر الذي يداهمه، هو وهم مخادع، فإن واجهه بحراب الأذيّة وأسنّتها المرهفة، يدرك آنئذ أنّه أمر محتّم لا طائل له على ردّه، ولا طاقة فيه على دفعه عنه.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (58)

سنة النّشر 1987

ما برحت تعتلج في نفسي فورة العشق، الذي يعلن زفير توقّده في أنّاتي الهامسة، واحترست في علاقتي مع نادية، من أن أدرك تلك الحالة من هيجان العواطف وتأجّجها المستعر، وكنت أجد في أيّامي الغابرة عبرة ممضّة وعظة أليمة، فأذكر تلك الأيّام التي شببت فيها، وأنا أتترّف بمسارّ الهوى وأتنعّم بلذّات الحبّ، وكنت أصون عواطفي في حرز العفاف والنّزاهة، فلا أقترف إثماً ولا تدنّس خلقي معابة، إلّا أنّني لم أجنِ من ثمار هذه العاطفة إلّا غموم الكلافة وأشجان اللّهفة، وكنت أتعمّد في أحاديثي مع نادية ألّا أعرض هذا الجانب من حياتي، الذي أسرّ بسرد مقالي عنه، وأزهو حينما أشير إليه، وهو النّاحية التي يتدفّق منها سيل عواطفي النّاشئة في شرخ شبابي، والمتحدّرة من آكام ذكرياتي، فأهنأ ملتذّاً باستحضار تلك الذّكريات بصورها الأليمة ومشاهدها الموجعة، فأزيل عنها الوقائع التي تراكمت عليها، والأحداث التي تكدّست فوقها، وأرفع عنها غشاية النّسيان، فتصبح واضحة الصّور جليّة الأشكال، كيوم حدوثها بل كساعة نشوئها، ولم أثر تلك الذّكريات في مضاجعها، وأبعثها من رقادها، وأستنهضها للمثول في ذهني، كي أبعث تارة أخرى ألمها الممضّ، بل لأنّها نشأت في ذاك الأوان الذي تألّقت فيه بلّة شبابي، وانطلقت في ذلك الحين الذي زها فيه رونق صباي، فأفتن بالهموم والأشجان التي كانت انبعثت في تلك الأوقات المنصرمة، فعلى قدر ما كانت يفضي بي ذلك الأسى، إلى اليأس والقنوط في ذلك الأوان من سنين حياتي، فإنّه الآن تنتشي نفسي ويطرب حسّي لتلك الذّكريات التي تجول في خاطري، فكأنّي أرشف مرّ الشّراب من كأس مزخرفة الطّلاء، ومذهّبة الأرجاء وموشّاة الأنحاء، فلا آبه لما يقطّعه من حشاي ذلك الشّراب، فأعجب بذلك الإناء الذي حواه، فكان شأني على تلك الحالة التي لا أزايلها، عندما أستذكر تلك الأيّام الغابرة، فتفتنني تلك المشاعر التي كانت أثارتها في نفسي وقائع تلك الذّكريات، وكانت كلّ العبر النّيّرة التي أستخلصها من تلك الأحداث، التي جرت في أيّام الصّبا والشّباب، يخمد وميضها في نفسي، ويهمد بصيصها إلى أن يكاد يتلاشى في فكري، حتّى أنّي كنت كلّما تطرّقت إلى إنشاء علاقة جديدة، أسعى فيها إلى أن أعقد أواصر التّعارف والمودّة بيني وبين فتاة، كان يتّفق لي أن ألتقيها، يخيّل لي آنئذ، أنّي أخوض أوّل مرّة في غمار العاطفة.

أتترّف: أتنعّم.

بلّة شبابي، البلّة: نضارة الشّباب.

توالى ظهور المخترعات الحديثة في هذا الزّمن الحاليّ، فبدأت تتسارع وتيرة إنجاز المبتكرات التي أصبح العديد منها، ركائز أساسيّة يعتمد عليها النّاس في أعمالهم ونشاطهم الذي يزاولونه، وامتدّت آفاق الابتكارات حتّى شملت ميدان شبكة المعلومات ووسائل تكنولوجيا الاتّصالات، حيث "اتّسعت شبكة الإنترنت العالميّة التي أصبحت أكبر شبكة معلومات"، وقد شبّه هذا التّطوّر الحاصل في مجال وسائل الاتّصالات المنتشرة على شبكة الأنترنت، بأنّها "ثورة تكنولوجيّة"، وتنوّعت الغايات التي رمى الأفراد الذين يستخدمون أدوات الاتّصالات المتطوّرة، إلى أن يدركوها، فأثبتت دراسة أجريت عن شبكة الأنترنت، قبل عام 2001، "أنّ حوالي 90% من مستخدمي شبكة الويب يبحثون بصفة أساسيّة عن الأخبار والمعلومات"، واندفعت مؤسّسات الإعلام إلى تلبية تلك الحاجة التي أعرب عنها أولئك المستخدمون، فبدأت أعداد كبيرة من الجرائد والمجلّات والصّحف ومحطّات الإذاعة تنشئ مواقع لها على شبكة الويب، وغدت تلك المواقع، موطئ قدم لها، في ذلك الميدان الواسع في شبكة الأنترنت، التي وصفت بأنّها شبكة اتّصالات عالميّة، إذ "انتشر استخدامها بصورة مذهلة في السّنوات الأخيرة، بسبب طبيعتها الدّيناميكيّة التّفاعليّة"، وأفادت إحصاءات منشورة في مطلع هذا القرن الثّالث "أنّ أكثر من 2700 جريدة تنشر في معظم أنحاء العالم، سعت إلى تقديم خدماتها إلى القرّاء المستخدمين لشبكة الإنترنت عن طريق تحميل الجرائد ذاتها على الإنترنت. كما أنّ أكثر من 800 محطّة تلفزيون أصبح يتوفّر لها مواقع على شبكة الإنترنت"، ولا ريب في أنّ النّسبة في هذا الأوان الحاليّ، هي بالفعل آخذة في الازدياد.

تنوّعت تلك الخدمات الأساسيّة المتوفّرة على شبكة الإنترنت، وكان أبرز تلك الوسائل الخدميّة، هو "البريد الإلكترونيّ:E- mail، ويعتبر وسيلة تبادل الرّسائل الرّقميّة، التي يسّرت تحقيق التّواصل بين النّاس، من دون أن تبرز عوائق تباعد بينهم، سواء أكانت تتحدّد بالمسافات الطّويلة التي تفصل بين الأماكن التي يحلّون بها، أو كانت تلك الموانع تتعيّن في تلك المدد الزّمنيّة الطّويلة، التي كانت تستغرقها عمليّة تحقيق التّواصل فيما بينهم، فأسهم البريد الإلكترونيّ، أو البريد الشّبكيّ، في أن يجعل العالم قرية صغيرة، وقد شبّهت شبكة الويب بمكتبة كبيرة تشتمل على مصادر وثائق المؤلّفين، وكتاباتهم ومؤلّفاتهم التي ينشرونها.

استدعى ظهور وسائل التّواصل على الأنترنت، أن تجرى الأبحاث التي قورنت فيها تلك الوسائل الحديثة، بتلك الأدوات والأجهزة القديمة التي كانت منتشرة في الزّمن الماضي، وقد وجد في إحدى تلك الدّراسات المنشورة أنّ "النّمط الجديد من استخدام الإنترنت لا يعتمد على وجود ملكيّة خاصّة للفحوى المحمول على الشّبكة، وأصبحت الوظائف المؤدّاة بواسطة المشتركين في بيئة الإنترنت غير محدودة، كما في نماذج النّشر والبثّ الإذاعيّ التّقليديّ على سبيل المثال"، فباتت شبكة الإنترنت تتيح الوسائل التي "تمكّن أيّ شخص متواجد في أيّ مكان على الكرة الأرضيّة من أن ينشئ فحوى معيّناً ويوفّره على الإنترنت مباشرة"، ويسّر تحقيق ذلك الانتشار أنّه "لا يوجد كيان فرديّ يشرف على عمليّات الإنترنت أو الموادّ المتوافرة عليها"، فكانت خصائص شبكة الأنترنت تساعد "أيّ شخص في إمكانيّة الوصول إلى المضمون، والإضافة إليه وتوفيره للآخرين أينما يتواجدون وفي أيّ وقت"، وقد تميّزت تلك الشّبكة بهذه الخصائص، لأنّها قد توفّر لها "إمكانيّات وقدرات متعاظمة كأداة ووسيلة تفاعليّة بين الأفراد والمؤسّسات، وترتبط بزيادة رصيد البشريّة من المعلومات المتعدّدة والمتنوّعة ممّا يخلق بيئة خصبة لما يعبّر عنه البشر، بما ييسّر إتاحته لكلّ المستخدمين في كلّ أرجاء العالم"،وتلك المخترعات التّكنولوجيّة التي سهّلت تحقيق الأهداف التي كان يسعى إليها الأشخاص، الذين يستخدمون الخدمات الموجودة على شبكة الأنترنت، قد اتّضح أنّه لن تجابهها موانع أو حدود تحول دون أن تستمر في صدورها، ولن تقف حيالها العوائق في انتشارها، وبخاصّة أنّها ارتبطت بأعمق النّواحي الخاصّة في حياة الإنسان.

باتت تلك التّطوّرات الحاصلة في وسائل الاتّصالات الحديثة، حقيقة راسخة في أنشطة الأفراد والمؤسّسات والأجهزة في أماكن شتّى في هذا العالم، فلا عجب في أن أدركت صحيفة يوميّة عالميّة عريقة، أهمّية بروز نشاط الأفراد الذين ينشرون كتاباتهم الشّخصيّة في المواقع المنتشرة في الأنترنت، وقد اختارت تلك الصّحيفة ذلك المواطن الصّحفيّ، ليكون أهمّ شخصيّة إعلاميّة في إحدى السّنوات الأولى من هذا القرن الوحد والعشرين، وقد كان الاسم الذي أطلقته على ذلك المواطن الصّحفيّ، هو "أنت"، وتذكّرنا هذه التّسمية باختيار إحدى الصّحف العالميّة لشخصيّة العام في السّنوات الماضية، والتي أطلقت عليه أيضاً اسم "أنت"، بيد أنّ الشّبه بين الشّخصيّتين اللتين اختارتهما هاتان المجلّتان العالميّتان، لا يقتصر على الاسم فقط، إذ كانت هاتان الشّخصيّتان متطابقتين، وإن كانت الجريدة الثّانية حدّدت سمة الإعلام كي تميّز شخصيّة العام الإعلاميّة، بينما كان الشّخص الذي أشارت إليه المجلّة الأولى، ينطبق على الأشخاص كافّة الذين ينشرون في مواقع الأنترنت كتاباتهم وصورهم.

إنّ المواطن الصّحفيّ الذي اختارته تلك الصّحيفة العالميّة، قد تقدّم على مجموعة من المتنافسين البارزين، في عمليّة ذلك الاختيار، الذي أجرته تلك الصّحيفة، وأمّا مجموعة المنافسين الذين تقدّم عليهم جميعهم ذلك المواطن الصّحفيّ، فهي ضمّت أساطين شبكة الأنترنت، وأصحاب الوسائل الإعلاميّة الكبيرة، التي توجد في الواقع التّقليديّ الذي كان النّاس اعتادوا العيش فيه طوال العهود الماضية، وقد ذكر أنّ اختيار الصّحيفة "المواطن الصّحفيّ"، في مقدّمة مائة أفضل إعلاميّ أظهر "قوّة الفرد في صناعة الرّأي عبر سلطة عصر الإنترنت"، ولم تقتصر مجموعة هؤلاء المائة شخص على الصّحفيّين والمذيعين التّلفزيونيّين، لأنّها شملت فئة المتنافسين في إحراز هذا اللّقب، شخصيّات مقدّمي برامج الطّبخ ومحكّمين في برامج اختيار الأصوات الغنائيّة.

كان اختيار تلك الصّحيفة تسمية "أنت" للشّخصيّة الإعلاميّة الأولى، قد أكّد أنّ "كلّ فرد في العصر الرّقميّ المتصاعد، يمكن أن يكون ناشراً ومذيعاً ومحرّراً صحفيّاً، عبر هاتفه النّقّال أو جهازه اللّوحيّ"، فأصبح بإمكان هذا المواطن الصّحفيّ، أن يحقّق السّبق الصّحفيّ في نشر المعلومات، متفوّقاً على كبريات وسائل الإعلام الشّهيرة، وقد تأكّد بروزه في مناسبات عدّة تألّق فيها ذلك المواطن الصّحفيّ، في نشر أخبار تلك الأحداث، وقد ذكرت تلك الجريدة أنّ "المواطن الصّحفيّ صار بمقدره اليوم أن يكون ناقداً موجّهاً لمسار تداعيات الأحداث، بعد أن أصبح صاحب السّبق في نشر الأخبار والأفلام عبر مواقع التّواصل الاجتماعيّ"، وقالت تلك الجريدة أيضاً "أنّ الصّحف الورقيّة باتت تتكيّف مع الصّحافة الرّقميّة، ومتطلّبات موقع البحث غوغل ومواقع التّواصل الاجتماعيّ"، فحلّ المواطن الصّحفيّ بتلك المكانة الرّفيعة التي أدركت أهمّيّتها تلك الجريدة العالميّة العريقة.

كان الحدث البارز اللّافت للانتباه، في الآونة القريبة الماضية، في ميدان الإعلام، هو بروز "ظاهرة صحافة المواطن كشكل جديد من أشكال الممارسات الصّحافيّة، التي لا تندرج في مؤسّسات صحفيّة شائعة"، وقد عرّف المواطن الصّحفيّ بأنّه "مصطلح يرمز إلى أعضاء من العامّة يؤدّون دوراً نشيطاً في عمليّة جمع، ونقل وتحليل ونشر الأخبار والمعلومات، عبر استخدام صحافة الأنترنت ووسائلها المتنوّعة"، وقد كان تطلق مصطلحات عديدة على كلّ من هؤلاء الأشخاص، الذين أنشؤوا تلك الظّاهرة الإعلاميّة البارزة، فكانت صحافة المواطن تعرّف بأنّها الصّحافة العامّة والصّحافة التّشاركيّة (Participatoryjournalism)، وأطلق عليها مصطلح الصّحافة الشّعبيّة (Grassrootsjournalism والإعلام مفتوح المصادر (Open_source media)، وصحافة الشّارع (Street journalism)، والإعلام البديل (Alternative mediaوتوصف صحافة المواطن بأنّها إعلام المواطن أو الإعلام التّفاعليّ، أو الصّحافة المدنيّة، وقد لوحظ أنّه على الرّغم من وجود "اختلافات بسيطة بين هذه التّسميات، إلّا أنّها تصوّراتها تصبّ في نفس الاتّجاه"،وقد عرّفت صحافة المواطن أيضاً، بأنّها تتحقّق "حينما يوظّف عامّة النّاس المعروفين شكليّاً بالجمهور، الأدوات الصّحفيّة التي في حوزتهم لإخبار أناس آخرين عن حدث مهمّ"، فيؤدّي ذلك المواطن الصّحفيّ مهمّة الصّحفيّ الذي ينقل الأخبار من مواقع الأحداث "مستخدماً كافّة الوسائل التّكنولوجيّة المتاحة ليكون مراسلاً صحفيّاً، من خلال ما يجمعه من أخبار وما يلتقطه من صور، وتسجيلات صوتيّة لعرض الخبر بصورة واقعيّة"، حيث كان ذلك النّوع من الإعلام هو "أيّ نوع من المعلومات والمنشورات، التي تنشر من طرف أناس عير مكوّنين مهنيّاً في ميدان الصّحافة، ولم يسبق لهم أن اشتغلوا في مؤسّسات إعلاميّة"، وما برح يتعزّز على الدّوام وجود هذا المصطلح الحديث في عالم النّشر الإعلاميّ في الوقت الحاضر.

تعذّر على الباحثين والأفراد الذين يتابعون شؤون الأنترنت، أن يتّفقوا فيما بينهم على أن يحدّدوا بدقّة، زمن نشوء ظاهرة الصّحفيّ المواطن، وإن كان عدد من الدّارسين الذين تمرّسوا بمتابعة المواضيع المنشورة في المواقع الموجودة في الأنترنت، قد ذهب إلى تأكيد أنّ بداية ظهور المواطن الصّحفيّ، كان عقب أحداث أمواج التّسونامي العاتية، التي اندفعت على سواحل اليابسة المشرفة على المحيط الهندي في كانون الأوّل من العام 2004، حيث كانت "الموادّ التي تناقلتها وسائل الإعلام الجماهيرّية في شتّى أنحاء العالم، هي كلّها من التقاط وتصوير المواطنين العاديّين"، فكانت وسائل الإعلام العالميّة اعتمدت في ذلك الأوان على "شهود العيان المباشرين الذين عاشوا وسجّلوا اللّحظات الكارثيّة، التي شهدتها المنطقة التي اجتاحتها أمواج التّسونامي"، وكانت إحدى الصّحف ذكرت أنّ "قنوات التّلفزيون العالميّة كانت ترسل مراسليها ومعهم المصوّرون التّلفزيونيّون، ليس إلى مواقع الأحداث، بل إلى المطارات التي تواجد فيها مسافرون قادمون من تلك المناطق أو ذاهبون إليها، علّهم يجدون لقطات جديدة يقومون بتصويرها ويسجّلوا إفاداتهم وشهاداتهم على تلك الأحداث"، وعلى الرّغم من حداثة نشوء ظاهرة المواطن الصّحفيّ، إلّا أنّ الأفعال القيّمة الأثر والكبيرة الوقع، التي أتاها المواطن الصّحفيّ في فضاء النّشر الإعلاميّ، بزّت أنشطة العديد من وسائل الإعلام العالميّة، التي كانت تتولّى مهمّة النّشر الصّحفيّ طيلة أزمنة مديدة، في السّنوات الماضية.

سعى الباحثون إلى تحديد المعاني التي ينطوي عليها مصطلح صحافة المواطن، الذي دلّ على أنّه أصبح "بإمكان أيّ شخص أن يكون صحفيّاً ينقل رأيه ومشاهداته للعالم أجمع، دون الحاجة لأن يحمل شهادة في الإعلام، أو أن ينتمي لمؤسّسة إعلاميّة لإيصال صوته للعالم، ولم يكن مصطلح صحافة المواطن، لينشأ لولا وجود شبكة الأنترنت "كفضاء للنّشر والتّعبير عن الرّأي"، وتضمّن هذا المصطلح المعاني التي تؤكّد "حضور المواطن في قضايا الشّأن العامّ"، وقد ذهب رأي أحد الدّارسين إلى أن يعتبر "أنّ كلّ مواطن هو بالضّرورة صحفيّ صاعد، يتحكّم في زمن الأحداث ووقعها، فلا تستطيع أيّة وكالات أنباء أن تنشر صحفيّين في كلّ الشّوارع"، وقد فرضت ظاهرة صحافة المواطن وجودها بقوّة في عالم النّشر الإعلاميّ، وباتت عسيرة على التّجاهل، إن وجد حقّاً من يفكّر في أن يتجاهل أنشطة تلك الصّحافة الحديثة النّشأة، التي عرّفت أيضاً بأنّها "مواقع تبثّ مساهمات مواطنين ليس لهم علاقة بمؤسّسات إعلاميّة، ولكنّهم يقومون بأدوار مشابهة لأدوار المؤسّسات الإعلاميّة، وصحافة المواطن هي الصّحافة التي يصنعها أو يشترك في صنعها المواطن"، فأصبح كلّ مواطن هو باحث عن المعلومة، وكلّ شخص "بإمكانه أن يتحوّل إلى مصدر للأخبار والمعلومات"، وباتت فرص المشاركة في هذا النّمط من النّشر الإعلاميّ، متاحة للأفراد جميعهم، حيث ظهر مدى اتّساع هذه الظّاهرة، وانتشارها الممتدّ في الكثير من الأماكن، إن لم يكن قد شملت كلّ بقعة على سطح هذه الأرض.

امتدّت النّظرة المدقّقة في سبر ظاهرة المواطن الصّحفيّ، إلى المضامين العميقة التي يشتمل عليها ذلك المصطلح، فتبيّن أنّ "ظاهرة الصّحفيّ المواطن بمشاركته الشّخصيّة، تعتبر عملاً فرديّاً تطوّعيّاً غير خاضع لتوجّهات معيّنة، بل للقناعات الشّخصيّة للفرد نفسه، خلافاً للوسائل الاتّصاليّة التّقليديّة، فالمواطن المراسل هو ذاك الشّخص الذي يسعى إلى جمع الأخبار ونشرها على شبكة الأنترنت"، فكان الصّحفيّ المواطن أو المواطن المراسل، يندفع من تلقاء نفسه في أن ينشر الكتابات الشّخصيّة، التي قد تتّخذ طابع الحديث عن الأشياء التي يشاهدها، أو يعلّق على الوقائع التي يروج الكلام عنها، وهو يأخذ في نشر كتاباته الشّخصيّة على شبكة الأنترنت، متطوّعاً بأداء تلك المهامّ الإعلاميّة، من دون أن يقصّر في تنفيذها، أو يجبر على أدائها، ونفي السّمة الاحترافيّة، لا تبدّل ولا تنتقص من أهمّيّة النّشاط الذي يزاوله.

هيّأت شبكات التّواصل الاجتماعيّ، الفرص الملائمة لثبات ظاهرة صحافة المواطن في عالم النّشر الإعلاميّ، فتيسّر للمواطن الصّحفيّ أن ينشر فيها النّصوص المتنوّعة والمقالات، وأن يبثّ فيها أيضاً الصّور وأفلام الفيديو، ويعدّ موقعا فيسبوك وتويتر، أشهر المواقع الموجودة في شبكة الأنترنت، وظهر ميدان آخر، احتضن تلك الظّاهرة، إذ مهّد ذلك الموقع الآخر أيضاً، السّبيل للمواطن الصّحفيّ لأن يندفع قدماً في مجال النّشر، وذلك الموقع الإضافيّ، كان المدوّنات، وهي موقع شخصيّ، تعتبر وسيلة جدّيّة حديثة العهد وهامّة في مجال الاتّصال وتحرير الكلمة، وقد تميّزت بتعدّد المواضيع التي كانت تعرض فيها، حيث كان يتحدّث المدّون فيها عن مواضيع شتّى، ومسائل وقضايا عدّة، وكانت المدوّنات الإلكترونيّة (Weblog) في الأصل عبارة عن "مفكّرة تتناول الأحداث الجارية"، وكانت بداية ظهورها في ختام عام 1997، ومنذ ذلك الأوان كانت "على المستوى الكمّيّ والكيفيّ في نسق سريع ومثير"، وقد اختلف عدد الأفراد الذين ينجزون المدوّنة الواحدة، فإن وجد أحياناً أشخاص عديدون، يجتمعون على إقامة تلك المدوّنة، فإنّ في أغلب الأحايين، كان شخص واحد ينشئ تلك المدوّنة.

دأب المدوّن في أن ينشر في مدوّنته، الكتابات المتنوّعة التي توزّعت إلى النّصوص، التي تتضمّن المعلومات المتنوّعة والأخبار بالإضافة إلى التّعاليق، وكان يجري ذلك النّشر، على فترات زمنيّة متتالية، تراوحت بين النّشر اليوميّ أو الأسبوعيّ، أو أيّ مدّة محدّدة أخرى، وكان ينشر ذلك المدّون أيضاً الصّور وأفلام الفيديو المسجّلة، وأمّا مواضيع تلك الموادّ المنشورة، فإنّها تنوّعت بين قضايا الشّأن العامّ، والمسائل الشّخصيّة، وكانت النّصوص المنشورة "تكتب بشكل مطوّل أو مقتضب، وتكون متأثّرة بالزّاوية والأسلوب الذي اختاره صاحب المدوّنة كأن تكون تحليليّة أو وصفيّة أو إخباريّة"، وكان النّشر في هذه المدوّنات ينضوي إلى ميدان "النّشر الذّاتيّ أو النشر على الحساب الخاصّ"، حتّى صحّت التّسمية التي أطلقت على ذلك الحيّز الذي ظهرت فيه تلك المدوّنات، وهي اسم فضاء التّدوين (Blogosphere)، وكانت شبكة الإنترنت، تتيح للمدوّن أن ينشر "بشكل آنيّ وسريع"، وكانت مزيّة ذلك النشر الفوريّ والسّريع، تتيح أيضاً إمكانيّة "التّعليق والتّفاعل المباشر الذي يحقّقه متصفّحي شبكة الأنترنت"، فأصبحت المدوّنة وسيلة إعلام واتّصال بين النّاس في آن معاً.

اتّخذت المدوّنة منذ برزت في شبكة الأنترنت، طابع الصّحيفة التي "تتميّز بالذّاتيّة والتصاقها بالخصوصيّة (الحياة الخاصّة)" إلّا أنّ ما إن أتيح للمدوّنين استخدام الوسائط المتعدّدة "Multimedia" مثل الصّوت والرّسوم والصّورة المتحرّكة، والفيديو، والتّطبيقات التّفاعليّة، بدأ "يتحوّل اهتمام المدوّنة إلى نقل الوقائع، فبرز البعد الإعلاميّ الصّحفيّ في مخرجاتها وهو ما أدّى إلى ظهور المدوّنات الإخباريّة"، ووجد المدوّنون الفرص الملائمة التي كانوا يستخدمون فيها "أيّ جهاز كومبيوتر ومن أيّ بقعة في العالم، لينشروا أيّ مضمون"، وقد تحقّقت أيضاً أسباب التّفاعل مع المواد المنشورة، للأفراد الذين يتصفّحون مواقع الأنترنت، في أيّ مكان في هذه المعمورة.

أتاحت المدوّنات للأفراد المساهمين في شبكة الأنترنت فرصة نشر آرائهم، وتقديم معلوماتهم بطريقة سريعة ومجّانيّة وناجحة، فكانت "السّهولة التّقنية هي التي مكّنت عامّة النّاس من تبنّي حركة التّدوين، فليس للمواطن حاجة لمعرفة معمّقة في البرمجيّات أو علم الحواسيب حتّى يمكنه نشر أفكاره"، فأصبح في وسع كلّ شخص أن يعبّر عن آرائه ويفصح عن معتقداته بيسر، من خلال ما يوفّره التّدوين من فضاء اتّصاليّ، ومن نموذج معدّ وجاهز بشكل مسبق تقنيّاً للاستعمال الجماهيريّ،.... فتوفّرت فرصة التّجاذب بين بعد فرديّ للموضوع وعمق جماعيّ لارتداداته"، واستفادت ظاهرة المواطن الصّحفيّ من انتشار مواقع بثّ الفيديو، التي كانت تتيح "إمكانيّة بثّ مقاطع فيديو مسموعة أو مرئية ويمكن حتّى تحميلها ومشاهدتها"، ويعدّ موقع يوتيوب أشهر تلك المواقع، وبرزت ظاهرة صحافة المواطن أيضاً في المواقع الأخباريّة التّشاركيّة، وهي مواقع شبيهة جدّاً بالصّحف الأخباريّة، لكنّ يساهم في إنتاج مواضيعها وإنشاء موادّها المنشورة "مواطنون عاديّون يكونون في الغالب متطوّعين وناشطين حقوقيّين، وهواة يقومون بالتّدقيق في موضوعيّة ومصداقيّة كلّ خبر"، وانتشرت تلك الظّاهرة في مواقع التّحرير الجماعيّ، وهي مواقع "تقوم على إنتاج ونشر الصّفحات على الأنترنت، وهذه التّقنية تتيح الفرصة لظهور مشروعات كبرى قائمة على المشاركة التّطوّعيّة من عدد كبير من الأفراد"، ويعتبر موقع موسوعة ويكيبيديا"، أشهر مواقع ذلك التّحرير الجماعيّ.

إنّ الأسس التي اعتمدها إعلام المواطن وفكرة الصّحافة المدنيّة، هي أنّ "ممارسات الصّحافة يجب ألّا تقتصر على نقل الأحداث والمشاكل فحسب، بل يجب مشاركة المواطنين في التّغطية الإعلاميّة للحياة الاجتماعيّة، واعتبارهم مشاركين فاعلين في نقل الأحداث ومناقشتها وتحليلها، أكثر من اعتبارهم مجرّد متلقّين سلبيّين لما تعرضه لهم الوسائل الإعلاميّة، من وقائع ورسائل أبطالها الإعلاميّون والخبراء"، فأحدث ذلك الإعلام البديل الجديد، الذي تجلّى في ظاهرة المواطن الصّحفيّ "ثورة نوعيّة في المحتوى الاتّصاليّ المتنوّع من نصوص إلى صور، وملفّات صوتيّة، ولقطات فيديو مصوّرة، وانتشرت المواقع التي تتيح للمستخدمين تحميل ملفّات فيديو شخصيّة وعامّة ليراها الجميع، حتّى تحوّل المستخدم إلى منتج إعلاميّ بفضل التّقنيات الاتّصاليّة الجديدة، ينتج ويبثّ ما يريد على الأنترنت"، وقد سهّلت الأدوات التّكنولوجيّة الحديثة، لذلك المواطن الصّحفيّ، أن ينجز مهامّه الشّخصيّة، بيسر وسلاسة، من دون أن تعترضه العوائق التي تحبط عمله، وتضيّع قدراته سدى، وتطيح بأمانيه أدراج الرّياح، ويندرج في عداد تلك الوسائل التّكنولوجيّة، كاميرات الفيديو والكاميرات الرّقميّة وأجهزة الهواتف النّقّالة، التي سمّيت "صحافة الفيديو"، وكان توفّر المواقع الإلكترونيّة، عبّد الطّريق لنشر مقاطع الفيديو على الأنترنت، وبات المواطن المراسل "هو الشّخص الذي يسعى إلى جمع الأخبار ونشرها على شبكة الإنترنت"، وقد تميّزت ظاهرة الإعلام الجديد "بالدّيناميكيّة والتّغيّر المستمرّ، وبقدر عال من التّفاعليّة"، وقد أصبح المواطن الصّحفيّ "يصنع الخبر قبل الصّحفيّ"، وقد تفوّقت ظاهرة صحافة المواطن على إمبراطوريّات وقلاع إعلاميّة عالميّة ضخمة.

إنّ التّغيّر الذي طرأ على عالم النّشر الإعلاميّ، بدّل مفاهيم عديدة كانت موجودة في الصّحافة التّقليديّة، فغيّرت صحافة المواطن عمليّة المرسل المتلقّي، لتعكسها في اتّجاه مضادّ، وقد أكّد عدد من الباحثين أنّ الأنترنت هو صحافة المستقبل، إذ كان الفضاء الرّقميّ والإلكترونيّ قد "غيّر طريقة تغطية الصّحفيّ للأخبار ونقلها"، وقد أصبح محرّرو الأخبار في المؤسّسات الإعلاميّة، يستمدّون مصادر الأنباء "من المواقع الاجتماعيّة على غرار فيسبوك وتويتر وغيرها، ليحصلوا على المعلومات من الجماهير"، وتعزّزت فكرة إعلام الأفراد، حيث‏ أصبح المتلقّي مرسلاً في صحافة المواطن.

 

يسّرت الأدوات والمخترعات الإلكترونيّة الجديدة، لأيّ فرد أن يكتب وينشر على شبكة الأنترنت، آراءه وصوره وأخباره التي جمعها واستقاها، وحصّلها من مصادره الخاصّة، فنشأت تلك الصّحافة البديلة، التي تحقّق ميلادها في فضاء تلك الكتابات التي نشرها ذلك الصّحفيّ المواطن، الذي كان مصدر الأخبار والمعلومات المنتشرة في مواقع شبكة الأنترنت، إذ أصبح "بإمكان كلّ مواطن جمع المعلومة والحصول عليها، وأن يتحوّل بالتّالي إلى مراسل قادر على تمييز، واقتراح المعلومة ذات القيمة المضافة بهدف نشرها"، وقد ذهب مؤسّسو أحد المواقع الضّخمة الشّهيرة على الأنترنت، إلى أن يعلنوا أنّ موقعهم أصبح وكالة أنباء للمواطن المرسل، بينما أعلن موقع آخر بصريح العبارة أنّه "يؤمن بأنّ كلّ مواطن بإمكانه أن يصبح صحفيّاً حقيقيّاً"، وبات حضور المتلقّي أشدّ رسوخاً وأوثق ثباتاً، في "المشهد الاتّصاليّ الرّقميّ الجديد، إذ انقلبت وظيفة المتلقّي ليتحوّل في نفس الوقت إلى باثّ ومرسل"، وأصبح العديد من المواقع الشّهيرة على الأنترنت، تسم طبيعة عملها، بخصائص ذلك الإعلام البديل الذي كانت القواعد التي استند إليها، تغاير ركائز المؤسّسات الإعلاميّة التّقليديّة الموجودة في عالم النّشر الصّحفيّ منذ زمن بعيد، وأكّدّت صحافة المواطن "مشروعيّة وجودها"، فإن تحقّق رسوخ ظاهرة المواطن الصّحفيّ، إلّا أنّ ما زالت الدّراسات الاجتماعيّة والأبحاث الفكريّة، في العديد من بلدان العالم، مقصّرة ومتأخّرة عن مواكبة التّطوّر الحاصل في عالم النّشر في ميدان ذلك الإعلام البديل.

زارت بعثات أثريّة عديدة خربة الأمباشي في هذا الزّمن الحديث، وتحديداً ابتداء من أواخر سنوات العشرينيّات من القرن العشرين، لتجري تلك البعثات التّنقيبات الأثريّة في تلك المنطقة، وقد ذكرت إحدى تلك البعثات "أنّ الموقع يتكوّن من قسمين شماليّ وجنوبيّ، ويضمّ مساحة كبيرة من التّجمّعات السّكّانيّة، وتتجاوز مساحته المائة هكتار".

تابع الأثريّون في تلك البعثة حديثهم عن تلك المنطقة فذكروا "أنّ القسم الشّماليّ يتكوّن من بيوت مبنية من البازلت أو الحجر الغشيم، وهي مستطيلة الشّكل غالباً، تتألّف من غرفة أو غرفتين أو ثلاث مستطيلة، ترتفع أسقفها بواسطة دعامات من الحجر الغشيم، وباحة سماويّة تخصّص غالباً لحجر المواشي"، وذكر أحد الباحثين "أنّ البيوت مبعثرة وبعيدة عن بعضها".

انتقل الأثريّون في كلامهم عن خربة الأمباشي، إلى الحديث عن مكان آخر في هذا الموقع الأثريّ، فقالوا أنّه "يقع القسم الجنوبيّ إلى الجنوب من المدينة الشّماليّة، وتتشابه بيوتها مع بيوت القسم الشّماليّ من حيث الإنشاء، فالبناء مثلها من الحجارة الغشيمة، وكذلك أسقفها المرفوعة بواسطة الدّعامات، إلّا أنّ بيوتها مربّعة أحياناً ودائريّة أحياناً أخرى، وتتكوّن من طابق واحد مع قبو، وهذه الأبنية التي تشكّل مدينة يحيط بها سور من الحجارة".

قدّمت في العبارات السّابقة حديث الأثريّين الذين ضمّتهم البعثات الأثريّة، التي زارت خربة الأمباشي، وكان ذكر حديثٌ في عام 2011، أنّه أجريت استعدادات لتكون خربة الأمباشي أوّل منتزه جيولوجيّ في سورية.

كان الكاتب جرجي زيدان، قد ذكر في روايته فتاة غسّان، عبارات ورد فيها الحديث عن تلك المنطقة من جنوب سورية، والتي تقع فيها خربة الأمباشي، والحديث المذكور في تلك الرّواية، هو سبق صدوره بزمن طويل، حديث الأثريّين، الذي أوردته سابقاً، وجرجي زيدان (بيروت، لبنان، 1861 _ القاهرة، مصر، 1914)، أديب وروائي ومؤرّخ وصحفيّ، وهو أصدر مجلّة الهلال العريقة، التي كان يقوم بتحريرها بنفسه، في العام 1892، وكانت وردت في رواية جرجي زيدان، العبارات الآتية:

فسار إليه فإذا هو على رابية ولكنّه عجب لنوع بنائه ولم يكد يصدّق أنّه بيت لأنّه عبارة عن خمسة أحجار ضخمة أربعة منها للجدران وواحد للسّقف، والباب حجر واحد مرتكز على مصراع ورأى النّاس يفتحونه ويغلقونه بكلّ سهولة فسأل رجلاً واقفاً إلى جانبه يظهر من هيئته ولباسه أنّه من أهل دمشق فقال له: "ما هذا البناء وكيف يصنعون الأبواب من الحجارة". فأجابه: "أنّ هذا النّمط من البناء كثير في بلاد حوران لأنّ أرضهم صخريّة والأخشاب فيها قليلة فيصنعون مصاريع أبوابهم ونوافذ بيوتهم من الحجر وقد يبنون منزلاً كثير الغرف وفيه النّوافذ والأبواب والأروقة والسّقوف ولا يدخلون في بنائه شيئاً من الخشب قط".

فوقف هناك ينظر إلى ذلك البناء الغريب ولم يكد يعرف الباب لو لم يرَ النّاس يخرجون منه فصعد إلى الصّومعة حتّى وقف عند بابها فإذا هي غرفة مظلمة أشبه شيء بالمغارة لخلوّها من النّوافذ إلّا نافذة ضيّقة في بعض جوانبها فدخل فرأى أرض الغرفة حجراً واحداً أيضاً.

وفي مكان آخر من هذه الرّواية أورد الكاتب جرجي زيدان العبارات التّالية:

وفي صباح اليوم التّالي ساروا إلى الصّومعة باكراً فرؤوها مضيئة بالشّموع وهي كما تعلم عبارة عن غرفة كلّ من جدرانها الأربعة حجر واحد والسّقف حجر والأرض حجر وبابها حجر واحد يفتح ويغلق وهذا هو شأن أبنية حوران حتّى الآن نظراً لكثرة صخورها وقلّة خشبها فيبنون البيوت من الحجر ويجعلون درف نوافذها وأبوابها وسقوفها من الحجر أيضاً.

بعد أن أوردت تلك النّصوص التي قسّمتها إلى قسمين اثنين، تتضّح لنا دقّة الوصف المذكور في الحديث، الذي أورده جرجي زيدان في روايته فتاة غسّان، وأمّا مسألة ترجيح أحد تلك النّصوص على الآخر، إن جاز لنا أن نجري المقارنة بين تلك النّصوص المذكورة آنفاً، فسيكون لهذا الأمر حديث قادم في الأيّام الآتية.

خربة الأمباشي، هي خربة أثريّة في محافظة السّويداء، على مسافة 36 كيلومتراً شرق مدينة شهبا، وهي تعود إلى العصر الحجريّ الحديث والعصر البرونزيّ القديم والوسيط.

خربة تعني أطلال.

حجر غشيم: حجر غير منحوت.

عمد الأفراد الذين تمرّسوا بمزاولة لعبة الشّطرنج، إلى أن يشبّهوا وقائع المباريات القائمة على رقعة الشّطرنج، بتلك الأحداث التي تجري في الحياة، وجهدوا في أن يبيّنوا التّطابق بين النّهج الذي يتّبع في تناول الأحداث الجارية في الحياة، وتلك الطّرائق التي تعالج فيها المواقف التي تتّخذها قطع الشّطرنج في المباريات، وتوصف مجريات الحياة، بالتّغيّر والتّبدّل، ومبدأ التّغيير هو المبدأ الثّابت الوحيد في الحياة، ومن شأن الأوضاع التي تكون عليها مباراة الشّطرنج، أن تتبدّل وتتغيّر في كلّ نقلة يؤدّيها اللّاعب، الذي تتطلّب مزاولته تلك الرّياضة الذّهنيّة، أن يكدّ فكره، ويبذل جهده في خوض غمار المنافسة مع اللّاعبين الذين يتبارى معهم، ويوصف انتشار القطع على الرّقعة في أثناء المباريات التي تدور بين المتنافسين، بترتيب الأفكار التي تنشأ في الذّهن، فإذا كان يجب على لاعب الشّطرنج أن يضع القطعة المناسبة في المكان المناسب، فإنّ الأفكار في الذّهن، يجب أن تنسّق بطريقة منتظمة، كي تمنح الآراء التي تقوم عليها، الرّجاحة والرّزانة، ولا يختلف شأن هذه القاعدة، إذا طبّقت على الأنشطة التي يزاولها النّاس، حيث يتأتّى للإنسان النّجاح في أداء أعماله، إذا رتّب قدراته، ونظّم طاقاته، التي يحلّها في منازلها الملائمة لاستخدامها بطريقة فضلى، ويتطلّب التّفوّق في مزاولة لعبة الشّطرنج، أن تجتمع عند اللّاعب، بواعث المغامرة والجرأة، مع وسائل الحيطة والحذر اللذين يجب عليه أن يراعي تحقّقهما في أثناء سير المباراة، وأن يؤلف أيضاً بين أسباب الاندفاع، ودوافع التّريّث والتّأنّي في أداء النّقلات في المباراة، وينسّق بين وسائل الدّفاع، وسبل الهجوم في ذلك التّباري، الذي يجمعه مع منافسه حول رقعة الشّطرنج، ويكتسب اللّاعب مهارة التّنسيق بين تلك السّمات المختلفة، بالتّمارين التي يؤدّيها، وبممارسته الدّائمة هذه الرّياضيّة الذّهنيّة.

أطلقت على رياضة الشّطرنج، اسم لعبة الملوك، نظراً إلى انتشار تلك اللّعبة وشهرتها عند أولئك الملوك، وقد اعتاد علية القوم أن تمارس لعبة الشّطرنج، التي وصفت أيضاً بأنّها لعبة الفلاسفة، وقد قيل أنّ الشّطرنج هو أكثر من لعبة، فهو محكّ حقيقيّ في اختبار إرادة الإنسان، وإن كان قد تحقّق لتلك اللّعبة هذا المقام الرّفيع، ولكنّ مزاولة رياضة الشّطرنج، لم تقتصر على أولئك الملوك والفلاسفة، لأنّها في الأساس تلغي الفوارق بين كلّ النّاس عندما يجتمعون، كي يتنافسوا في مباراة الشّطرنج، حيث يتاح لكلّ من يمتلك القدرات الذّهنيّة والجسديّة الملائمة أن يمارس رياضة الشّطرنج، وكان الشّاعر العربيّ قد وضّح المعاني والخصائص التي تتميّز بها هذه اللّعبة، إذ قال: "هاك ميدان التّباري... بالعقول النّيّرات"، "إنّه الشّطرنج لعب... قائم بالبيّنات"، "لعب وعزم وحساب... صبر والتفات"، "لعب حرب في سلام... بالجيوش الزّاحفات"، وإن ارتكب لاعب الشّطرنج خطأ مهما كان بسيطاً، أو وقع في هفوة يسيرة، فإنّهما قد يفضيان به إلى خسارته في المباراة التي يؤدّيها، إذ يجب أن تقدّر بدقّة كلّ حركة تنقل فيها قطعة الشّطرنج، الذي هو رياضة تجعل الإنسان أكثر حكمة، وتساعده على حلّ الألغاز، وقد قيل "أنّ الألغاز الموجودة في عشر جرائم أقلّ من تلك الموجودة في مباراة شطرنج"، وإذا قبلنا تجاوزاً هذا التّشبيه نظراً لانتشاره وجريانه في سياق الحديث عن مسائل الشّطرنج، التي تعتبر ألغاز هذه اللّعبة الذّهنيّة، فإنّ اللّاعب يتّبع في اختيار النّقلات الملائمة في تحريك أحجاره، طريقة التّفكير التي تطابق محاكمة عقليّة دقيقة.

ذكر في تعريف اللّغز، أنّه سؤال غامض غالباً ما يصعب الإجابة عليه، وفي اللّغة يقال لغز اليربوع حجرته ألغزها، يعني حفرها ملتوية مشكلة على داخلها، ولغز في حفره وألغزه، وحفرة اليربوع ذات ألغاز، والواحد لغزٌ، ويشترط في اللّغز ألّا يكون "مجرّد مسألة رياضيّة بل يكون نوعاً من المسائل التي تحلّ بتفكير رياضيّ خارج الطّرق المألوفة"، ويتطلّب حلّ بعض أنواع الألغاز، أن تتوفّر معلومات عامّة حول مواضيع هذه الألغاز، التي تسمّى آنئذ ألغازاً فكريّة، كالألغاز البوليسيّة على سبيل المثال، حيث "يحتاج طالب الحلّ، إلى قدر كبير من المعلومات يجمعها المحقّق، ويجب أن تكون عنده معلومات كاملة عن مكان الجريمة والمجنى عليه وغيرها"، فاللّغز هو ما يعمّى به من الكلام، ويتطلّب حلّه، إيجاد الإجابة التي توضّح خبايا ذلك الموضوع الذي ينطوي عليه اللّغز.

ينفّذ اللّاعب الذي يؤدّي مباراة الشّطرنج، الخطّة التي يفضي به تحقيقها، إلى أن يدرك هدفه المطلوب، بعد أن يمضي على اتّباع ذلك النّهج المناسب لتحقيق مبتغاه، والشّطرنج ينمّي ملكة الخيال، ويتضّح فيه قواعد فنّ التّحليل، الذي يعنى بتقسيم الكلّ إلى أجزائه، وردّ الشّيء إلى عناصره، إذ يجب أن يمتلك اللّاعب العقل التّحليليّ، الذي "يفطن لأجزاء الشّيء خلافاً للعقل التّركيبيّ الذي يفطن لمجموع الشّيء دون أجزائه"، والتّحليل والتّركيب "Analysis & Synthesis"، هما عمليّتان عقليّتان تقوم عليهما معظم المناهج الفكريّة، وهما يعنيان أيضاً "التّفكيك العقليّ لكلّ شيء إلى أجزائه المكوّنة أو أسبابه وشروطه، وإعادة  تكوين الكلّ إلى أجزائه، فالتّحليل عكس التّركيب، ولهما أثر مهمّ في عمليّة المعرفة"، فكلّ منهما هو منهج للتّفكير، وهما يستخدمان التّصوّرات المجرّدة، ويرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالعمليّات الذّهنيّة الأخرى، مثل التّجريد والتّعميم، و"كلّ تحليل يفترض مقدّماً تركيباً، لأنّه إذا لم يكن أمام الذّهن  شيء مترابط فإنّه لا يستطيع أن يحلّ أو يفكّ"، ويتقدّم الذّهن في منهج التّحليل من المركّب إلى البسيط، ومن العرضيّ إلى الجوهريّ، ومن التّنوّع إلى الوحدة، إذ يتحدّد "غرضه من ذلك في إدراك الأجزاء لهذا الكلّ وإقامة الرّوابط بينها، ويفضي التّحليل إلى عزل خصائص لم ترتبط بالأشكال المتعيّنة لمظاهرها، وأمّا منهج التّركيب فيقوم بتوحيد الأجزاء والخصائص والعلاقات التي يفصّلها التّحليل، وفي كلّ واحد، انتقالاً من المتوحّد والجوهريّ إلى المختلف والمتنوّع"، ويتبيّن من المعاني التي يتضمّنها هذان المفهومان، أنّ التّركيب يكمّل التّحليل وتضمّها معاً رابطة لا يمكن أن تتصدّع.

تهيّئ لعبة الشّطرنج، للمتنافسين في هذه الرّياضة الذّهنيّة، أن تزداد عندهم رسوخ الحكمة، التي تعرّف بأنّها "معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم"، والحكمة البالغة هي عبارة تتضمّن رأياً حكيماً يوافق الحقّ والصّواب، ويحدّد مفهوم الحكمة، بأنّها "حالة أو صفة يتمّ من خلالها التّمييز بين المقبول أو غير المقبول، مقترناً بحكم عادل وبصيرة، كما تعبّر الحكمة عن القدرة على المعرفة التي يكتسبها الفرد بسبب التّجارب والخبرات التي مرّ بها"، وقد جرى التّمييز بين الذّكاء والحكمة، حيث كان الذّكاء يعبّر عن معرفة الشّيء، ولكنّ الحكمة كانت "تعبّر عن القدرة على الحكم ما إذا كان الشّيء مقبولاً القيام به أم لا"، ويمتاز الشّخص الحكيم بقدرته على حلّ المشاكل التي تواجهه، وهو يتّصف بالهدوء والاتّزان، وخاصّة في الحالة التي يجب عليه أن يتّخذ القرارات الهامّة، والحكمة تعني أيضاً اكتساب العلم، سواء أكان قد حصّل باتّباع سبيل التّعلّم، أم سلوك نهج التّجارب العمليّة.

يتّبع لاعب الشّطرنج في خوضه غمار المنافسة التي تجمعه مع سائر المتبارين، سبيل التّخطيط الذي يتبيّن فيه الأبعاد القصيّة، التي تفضي إليه سبيل تلك الخطّط التي ينفّذها، فتؤدّي مزاولته هذه اللّعبة، إلى أن يصبح ثاقب النّظر ونشط الفهم، ويصبح نظر لاعب الشّطرنج أكثر حدّة، بعد أن يتمرّس بمزاولة هذه اللّعبة، فيتمكّن من أن ينفذ بنظره إلى بواطن الأشياء التي يعالجها، وبهذه الرّؤية النّافذة التي يحوزها اللّاعب، يحقّق التّخطيط البعيد المدى، الذي يراعي فيه، نشوء العلائق التي تربط بين القطع التي يحرّكها، وتتيح له هذه الرّؤية الثّاقبة، أن يقف على طبيعة مسار التّنافس الذي يخوضه، فيصبح في مكنة اللّاعب آنئذ، أن يطلق المبادرة الملائمة إلى إدراك تلك الأهداف التي يتطلّع إليها، ويجري ذلك اللّاعب تحليل الوضع الرّاهن الذي تتوزّع فيه القطع على الرّقعة، كي يتأتّى له تنفيذ خططه المرسومة، وتمهّد هذه الرّؤية لذلك اللّاعب أن يتّبع المنهج الذي يؤدّي به إلى تبيان المواقف القادمة، التي تنشأ على الرّقعة، فتهيّئ للاعب رؤيته النّافذة، تحقيق التّخطيط في أدائه مباراته، بعد أن يجمع المعلومات، ويعمل فكره في الإحاطة بتلك الأوضاع التي يحتمل أن تنشأ، فيقترح الحلول الملائمة لها، بعد أن يتبصّر في كلّ تلك المواقف التي تتّخذها قطع الشّطرنج.

يمضي لاعب الشّطرنج على اتّباع تلك الخطّة التي كان وضعها، محقّقاً محاكمة دقيقة في اختيار النّقلات التي ينفّذها، وتتجلّى تلك المحاكمة العقليّة في عمليّات الاستنتاج والاستقراء، والمماثلة التي هي "عمليّة تنتقل من جزئيّ إلى جزئيّ"، وتنمّي لعبة الشّطرنج ملكة الخيال عند اللّاعبين الممارسين هذه الرّياضة، ويحدّد الخيال، "بكلّ شيء لا يقرّ بعقل الإنسان في الرّؤيا، والتي لا تكون في تصوّر عقله من عمق معرفته لشيء لا معالم له"، ويتيح الخيال للشّخص "أن يختلق أفكاراً وصوراً من خلال عقله ولكنّ بدون اشتراك حواسه في هذا الشّيء" والخيال وثيق الصّلة بأسباب تحقّق عمليّة الإبداع، وقد عرّف الخيال بأنّه "عمليّة اتّحاد الذّكريات والخبرات السّابقة والصّور، التي تمّ تكوينها مسبقاً وتوظيفها داخل بنية جديدة"، فيمدّ الخيال العقل بالمعلومات التي تزداد ثراء، ويمنحه الأفكار والصّور المتخيّلة، ووصف الخيال بأنّه "توقّعات الحاضر، ومراجعة الماضي، وابتكار المستقبل"، فالمخيّلة هي القوّة التي تخيّل الأشياء وتصوّرها، وهي مرآة العقل، الذي تنشط وظائفه المختلفة.

تتّضح في تلك المباراة التي تجري فيها لعبة الشّطرنج، معالم تلك القدرات العقليّة والملكات الفكريّة، التي يمتلكها الأشخاص الذين يزاولون رياضة الشّطرنج، التي ذكر أنّها تعبّر في ذاتها عن علم المنطق، الذي هو "علم أو دراسة كيفيّة تقييم الحجج والأدلّة المنطقيّة"، ويتّسم علم المنطق بأهمّيّته المعتبرة، إذ يمهّد السّبيل للنّاس إلى أن يميّزوا بين الأفكار المنطقيّة القويّة والضّعيفة، حتّى "يتمّ الوصول بشكل صحيح إلى المنطق، الذي لا يتمكّن أيّ شخص من دونه، من التّعرّف والوصول إلى الحقائق أو المعتقدات الصّحيحة"، فالمنطق هو النّتاج الذي يسفر عنه "تفكير الإنسان وتقديمه الحجج"، ويسهم المنطق أيضاً في "تحسين منتجات عمليّة تفكير الإنسان وهي استنتاجاته ومعتقداته وأفكاره"، وقد عرّف علم المنطق بأنّه آلة قانونيّة تعصم مراعاتها الذّهن عن الخطأ، فالمنطق هو العلم الذي يدرس فيه القواعد والقوانين العامّة، التي تحدّد التّفكير الإنسانيّ القويم.

يسعى الإنسان في أغلب الأحايين، إلى التّفكير في خبايا تلك الأشياء التي يعاينها، فيهتدي بقواعد راسخة، ليتحقّق له سلوك جادّة الصّواب في توغّله في سبل ذلك التّفكير، فالإنسان "حينما يفكّر قد يهتدي إلى نتائج صحيحة ومقبولة وقد ينتهي إلى نتائج خاطئة وغير مقبولة، فالتّفكير الإنسانيّ إذاً معرّض بطبيعته للخطأ والصّواب"، وكي يدرك الإنسان الدّقة والسّداد في تفكيره، الذي يفضي به إلى أن يدرك النّتائج الصّحيحة، يجب أن يلتزم بتلك القواعد الثّابتة، التي تتيح له أن يسلك طرائق التّفكير الصّحيح، فتمهّد له قواعد المنطق سبيل الهداية في سلوكه طرائق التّفكير، وتلك القواعد تنشئ عنده أيضاً الفكر النّقديّ الذي يمحّص به المعتقدات والنّظريّات العلميّة، التي يتناولها بالنّظر والتّحليل، كي يتأتّى له القيام بالتّعليل الصّائب، إذ يتيح له علم المنطق، أن يستند إلى مبادئ الاستنتاج الصّحيح، فيعتبر التّفكير المنطقيّ "وسيلة لمعرفة الحقيقة، والمعتقدات الصّحيحة اعتماداً على مجموعة من المعايير التي يجب استخدامها لذلك"، وقد سمّي علم المنطق أيضاً بعلم الميزان لأنّ به يتمّ وزن الحجج والبراهين، وهو معيار العلوم، لأنّه "يعتبر حاكماً على جميع العلوم وأعظمها نفعاً"، وقد سمّاه أبو نصر الفارابيّ برئيس العلوم، لأنّه يعتبر آلة في تحصيل العلوم المختلفة، فتطلق لعبة الشّطرنج تلك القدرات الفكريّة، التي يستخدمها الإنسان حينما يزاول هذه اللّعبة الرّياضيّة، التي تنمّي عنده أيضاً ملكاته العقليّة، التي تصبح سنداً داعماً ودائماً، يعتمد عليه ذلك الإنسان في إنجازه أفعال شتّى، في أنشطته المتنوّعة التي يمارسها.