إنّ مستوى التّطوّر الذي بلغه العديد من المجتمعات في العالم، أدّى إلى أن يتغيّر التّعريف الذي تعيّن فيه ظاهرة الأمّيّة، فلم يعد الإنسان غير الأمّيّ محدّداً في اكتسابه مهارات القراءة والكتابة والحساب، بل أصبحت تمتدّ حالة ذلك الإنسان، إلى فهمه النّصوص المقروءة، علاوة على سعيه إلى مواصلة التّعلّم مدى الحياة، إلّا أنّ ظاهرة الأمّيّة المتفشّية في المجتمعات العربيّة، ما زالت تعرّف بحسب المفهوم القديم الذي تخلّت عنه المجتمعات المتطوّرة، إذ ما برحت تبذل في البلاد العربيّة، الجهود في مكافحة الأمّيّة الأبجديّة، وهي تحدّد بعدم القدرة على القراءة والكتابة، حيث يعيّن مفهوم الأمّيّة في البلدان العربيّة، بأنّها تعني الإنسان الذي يبلغ الثّانية عشرة من عمره ولم يتعلّم مبادئ القراءة والكتابة والحساب بلغة ما، ويغاير هذا المفهوم، الرّأي والاعتقاد الذي أخذت به الدّول المتطوّرة في مفهومها لمحو الأمّيّة، حيث ينظر إلى الشّخص الأمّيّ بأنّه عندما يفتقد القدرة على التّعامل بكفاءة مع مهارات القراءة والكتابة والحساب واستعمال التّكنولوجيا الجديدة في العمل، فالشّخص الأمّيّ هو الذي تعوزه القدرة على استخدام القراءة والكتابة والمهارات الحسابيّة بطريقة ملائمة مع مظاهر التّطوّر الذي يصادفه في مجرى حياته، وقد كانت منظّمة الأمم المتّحدة للتّربية والعلم والثّقافة "اليونسكو"، عرّفت الأمّيّة تعريفاً جاء بسيطاً في عبارته الموجزة، حيث ذكرت أنّه" يعتبر أمّيّاً كلّ شخص لا يجيد القراءة والكتابة"، والعديد من البلدان، لا يزال يعتمد هذا التّعريف، الذي يعدّه معياراً رئيسيّاً في إحصاءاته الرّسميّة عن الأمّيّة، لكنّ الآراء السّائدة في الدّول المتقدّمة في تحديد صفة الأمّيّة، تذهب إلى رفضها أن ترفع صفة الأمّيّة عن ذلك الشّخص، الذي يجيد القراءة والكتابة، من دون أن يفهم ما يقرأ ويكتب، فتغيّر تعريف الأمّيّة إذ أضيفت إليه خاصّيّة الفهم، فجاء تعريف الأمّيّة كالآتي: الشّخص غير الأمّيّ هو الشّخص القادر على قراءة وكتابة وفهم نصّ بسيط وقصير، يدور حول الوقائع ذات العلاقة المباشرة بحياته اليوميّة.

واكبت منظّمة الأمم المتّحدة للتّربية والعلم والثّقافة "اليونسكو"، التّطوّر الحاصل في العالم، حيث ذكرت تعريفاً جديداً للأمّيّة، لتؤكّد أهمّيّة موضوع فهم النّصوص المقروءة، فذكرت تعريفها الجديد الذي أوردته آنفاً، وذهبت منظّمة اليونسكو في فترة لاحقة، إلى أن تعرّف الأمّيّة ذاكرة أنّه "يعتبر ليس أمّيّاً كلّ شخص اكتسب المعلومات والقدرات الضّروريّة لممارسة جميع النّشاطات، التي تكون فيها الألفبائيّة (Alphabettisation) ضروريّة كي يلعب دوره بفعّاليّة في جماعته، وحقّق في تعلّم القراءة والكتابة والحساب، نتائج تسمح له بمتابعة توظيف هذه القدرات في خدمة نموّه الشّخصيّ ونمو الجماعة، كما يسمح له بالمشاركة النّاشطة في حياة بلده"، وما برحت تستمرّ الدّول العربيّة على الحدّ من تفشّي ظاهرة الأمّيّة فيها، وقد ورد في إحصائيّة أعدّتها المنظّمة العربيّة للتّربية والثّقافة والعلوم (الألكسو)، أنّ نسبة الأمّيّة في الأقطار العربيّة في عام 2014، بلغت ما يقارب 19% من مجموع السّكّان، بينما بلغ عدد الأفراد الأمّيّين حوالي 96 مليون مواطن، وكانت النّسبة بلغت في سنة 2005 حوالي 35%، وبلغ عدد الأمّيّين 70 مليون مواطن، فكانت هذه النّسبة، ضعف المتوسّط العالميّ في الأمّيّة تقريباً، وما زالت اليونسكو تصنّف المنطقة العربيّة بصفتها "أضعف مناطق العالم في مكافحة الأمّيّة"، وقد كانت تلك البلاد العربيّة قد تدنّت في ذلك التّرتيب عن منطقة أفريقيا.

انخفضت نسبة الأمّيّة في البلاد العربيّة، ممّا يزيد عن 70% في سنة 1970، حتّى بلغت حوالي 35% في سنة 2005، وكانت النّسبة بعيدة عن المعدّلات العالميّة، وقد ازداد أعداد الأمّيّين في البلاد العربيّة من 50 مليوناً سنة 1970، إلى 70 مليوناً في سنة 2005، بينما كانت معدّلات العالميّة انخفضت من 37% سنة 1970، إلى 20% سنة 2000، ومعدّل الأمّيّة في الدّول العربيّة بلغ في العام 2018، 21%، بينما كان المعدّل العالميّ 13,6%، وقد ذكر في بيان أصدرته المنظّمة العربيّة للثّقافة والعلوم (ألكسو) أنّ "من ضمن كلّ خمسة مواطنين عرب هناك واحد لا يمكنه القراءة والكتابة"، وحدّدت أسباب انتشار ظاهرة الأمّيّة بعدم الالتحاق بمؤسّسات التّعليم، والانقطاع المبكّر عن الدّراسة، وقدّر عدد الأطفال الذين يتسرّبون من المدارس، بما يتراوح بين 7 إلى 20% من مجموع الطّلّاب الذين يتلقّون العلم في المدارس، فغدت ظاهرة التّسرّب المبكّر من التّعليم، تزيد من جموع الأمّيّين، واعتبر التّسرّب أهمّ رافد من الرّوافد التي تغذّي منابع الأمّيّة المنتشرة في الوطن العربيّ، وقد كان عدد الأمّيّين في المنطقة العربيّة في عام 2013 بلغ 97,2 مليون شخص من أصل حوالي 340 مليون نسمة، والنّسبة كانت 27,9 في المئة من مجموع السّكّان، وقد ظلّت أعداد الأمّيّين تتزايد بشكل مضطرد بسبب الزّيادة السّريعة في عدد السّكّان، فقد ارتفع عدد الأمّيّين من 50 مليوناً عام 1970 إلى 61 مليوناً عام 1990، ثمّ بلغ 75 مليوناً بحلول عام 2008.

تسعى دول العالم إلى أن تسلك في مدارج التّنمية، وكانت اعتبرت الابتكارات والاختراعات التي تبدعها عقول الأفراد في المجتمعات، هي المؤشّر إلى تحديد مكانة الدّول في سلّم التّنمية، وكان عدد الطّلبات المقدّمة لتسجيل براءات الاختراع في الوطن العربيّ، بلغت رقماً متدنّياً مقارنة بسائر دول العالم، إذ بلغ العدد 8000 طلباً، وهذا الإحصاء يشمل الأشخاص المقيمين في الوطن العربيّ، بالإضافة إلى الأفراد الذي سافروا إلى خارج البلاد العربيّة، وقد بدأت تزداد الفجوة المعرفيّة التي تفصل بين العرب والدّول المتطوّرة، ولعلّ ما يخشى حدوثه، هو بروز الدّلائل على اتّساع تلك الفجوة، وبخاصّة بسبب تدنّي النّسبة المخصّصة من الأموال للإنفاق على تنفيذ البحوث العلميّة في الدّول العربيّة، حيث حلّ ذلك البحث العلميّ في أدنى مستويات قائمة مؤشّرات التّقدّم العلميّ والتّكنولوجيّ، بينما ظلّت تتوارد حكايا نجاح الأفراد العرب في تحقيق فتوحات علميّة، في الدّول الأجنبيّة، التي سافروا إليها،وتعرّف المنظّمة العالميّة للملكيّة الفكريّة براءة الاختراع بأنّها "حقّ استئثاريّ يمنح نظير اختراع، وبشكل عامّ، تكفل البراءة لمالكها حقّ البتّ في طريقة أو إمكانيّة استخدام الغير للاختراع، ومقابل ذلك الحقّ يتيح مالك البراءة للجمهور المعلومات التّقنية الخاصّة بالاختراع في وثيقة البراءة المنشورة"، فمن مجموع طلبات التّسجيل لبراءات الاختراع في الدّول العربيّة، يوجد ما يزيد بقليل عن الألفين طلباً، قدّمهما مخترعون ومبتكرون مقيمون في العالم العربيّ، وبقيّة البراءات كانت مقدّمة في خارج الدّول العربيّة، ويدلّ عدد طلبات تسجيل براءات الاختراع دلالة جليّة، على شؤون الابتكار والبحث العلميّ في الدّول العربيّة، التي تعاني غالبيّتها من تردّي مستوى التّعليم العالي وضعف الجامعات فيها.

تضمّن تقرير أصدرته المنظّمة العالميّة للملكيّة الفكريّة التّابعة للأمم المتّحدة، ملاحظة تدنّي وضعف الثّقافة الحافزة على الابتكار في البلدان العربيّة، وكان خبراء التّكنولوجيا والمعلومات، قد ردّوا ضعف الابتكارات والمخترعات، إلى ثلاثة عوامل أساسيّة، حيث كان أولها ضعف القدرات الماديّة المطلوبة لمباشرة المبتكرين جهودهم وأبحاثهم العلميّة، ثمّ كان ثاني تلك العوامل، غياب البنية القانونيّة والتّشريعيّة التي تسهّل تسجيل براءات الاختراع، وكان آخر تلك العوامل، افتقاد المبتكرين والشّباب في الدّول العربيّة، إلى دعم وتشجيع ومؤازرة مجتمعاتهم المدنيّة، وكانت تعدّدت التّصنيفات العالميّة التي تُعنى بتقييم الجامعات في بلدان العالم، ويعتبر تصنيف THE Times Higher" Education"، أحد أهمّ تلك التّصنيفات، حيث يحسب ترتيب الجامعة، اعتمادًا على مجموعة من المعايير العلمية الخاصّة، فيقوم فريق من خبراء البيانات بتقييم الجامعات المشاركة في التّصنيف حسب 13 مؤشر أداء، تشمل النّطاق الكامل لمجالات الأنشطة الأساسيّة للجامعات، والتي يمكن أن تُختزل في أربع نقاط أساسية هي: "التّعليم، والبحث، ونقل المعرفة، ثمّ المكانة التي تحتلّها الجامعة دوليّاً"، وقد احتلّت الجامعات العربيّة مراكز متأخّرة مقارنة بالدّول الأجنبيّة المتطوّرة، وقد كانت إحدى المؤسّسات التي تعنى بموضوع تقييم التّطوير المهنيّ والدّراسيّ، ذكرت أنّها استندت في تقييمها أوضاع الجامعات، إلى عدّة مؤشّرات، يندرج في ضمنها، السّمعة الأكاديميّة، وموضوع توظيف الطّلّاب بعد تخرّجهم في تلك الجامعة، ثمّ النّظر في مستوى التّدريس والبحث العلميّ في تلك الجامعات، بالإضافة إلى تقييم قدرتها على أن تجذب إليها الطّلّاب الأجانب، بينما ذكرت مؤسّسة أخرى أنّها تعمد ستة مؤشّرات في عمليّة تقييم الجامعات، وهي السّمعة الأكاديمية، وحقيقة صيت الجامعة عند أصحاب العمل، ونسبة أعضاء هيئة التدريس إلى الطّلّاب، وعدد الطّلّاب الأجانب فيها، بالإضافة إلى عدد الأبحاث المنشورة، ومقدار اقتباس الباحثين في دول العالم، من تلك الدّراسات العلمية التي تعدّ في تلك الجامعة.

لم تكن توجد في عام 2006، أيّ جامعة عربيّة ضمن قائمة أفضل "1200" جامعة في العالم، وفي عام 2008 لم تكن توجد أيّ جامعة عربية ضمن قائمة أفضل "500" جامعة في العالم، ثمّ في عام 2010، استطاعت إحدى الجامعات العربية أن تدخل في قائمة أفضل "500" جامعة في العالم، وعلى الرّغم من دخول عدد من الجامعات العربيّة في القوائم المتقدّمة التي تعدّ لتقييم مستويات الجامعات، إلّا أنّ تلك المراكز التي تحتلّها الجامعات العربيّة، لا تدل بدقّة على حقيقة مستوى التّعليم فيها، ولا تبيّن المستوى الذي بلغته في تدريس الطّلّاب العلوم المتنوّعة، والسّبب الذي يدفعنا إلى التّدقيق والتّفكير مليّاً في نتائج ذلك التّصنيف، هو خصائص تلك المؤشّرات التي تعتمدها مؤسّسات تصنيف الجامعات، وسنعود في وقت لاحق إلى مناقشة مؤشّرات التّصنيف المعتمدة في تحديد مستويات الجامعات في العالم.

تعدّدت تلك الأسباب التي أسهمت في أن تحدث في المجتمع ظاهرة الأمّيّة، التي باتت في حقيقتها ظاهرة مركّبة، تسهم عدّة عوامل في أن تنشئها، إلّا أنّنا تبيّنا في حديثنا عن ظاهرة الأمّيّة في البلاد العربيّة، أنّه علاوة على عوامل نشوء تلك الظّاهرة، وقد كنّا ذكرنا بعضها آنفاً، فإنّ أحوال المجتمع والظّروف التي يمرّ بها، تؤثّر تأثيراً مباشراً في معالجة مشكلة تفشّي آفة الأمّيّة، حتّى أصبحت حالة المجتمع ذاته، هي أحد الأسباب التي تسهم في إنشاء واستشراء ظاهرة الأمّيّة، فاتّضح لدينا تعدّد الأسباب، التي تؤدّي إلى استفحال انتشار الأمّيّة عند النّاس، وكثيراً ما كان يجمع بين تلك الأسباب ترابط جليّ، وتآلف متين، حتّى أصبحت معالجة انتشار ظاهرة الأمّيّة، تتطلّب وجود نظرة شاملة تحيط بكلّ تلك الأسباب الواسعة جدّاً، وتقتضي وجود الحلول التي تعالج بها، كلّ تلك الأسباب معاً، من دون أن يجتزأ بمعالجة النّزر اليسير من تلك الأسباب، كي لا يتخبّط النّاس في معالجة تلك الآفة الاجتماعيّة، التي تلحق بالمجتمعات أفدح الأضرار.



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (105)

سنة النّشر 2009

دأب بعض النّاس في البلاد العربيّة في أن يصنّفوا الأعمال الموسيقيّة التي يتلقّونها، ويفرّقوها في فئات ينعتونها بصفات تنمّ على حقيقة نظرتهم إلى تلك الأعمال الموسيقيّة، وكان الموسيقار صلحي الوادي تحدّث عن النّزعة عند غالبيّة الشّعب العربيّ، إلى إطلاق الأسماء على الفئة التي يضعون فيها الأعمال الموسيقيّة التي تتشابه سماتها متماثلة، حيث ذكر: "نحن العرب نعطي تسمية "موسيقا صامتة" أيّة موسيقا لا يوجد فيها غناء، من هنا تدرك أنّ العرب إجمالاً يعتبرون الموسيقا كلّها غناء، ربّما هم يتلهّون بالكلمات ومعانيها أو بصوت المغنّية، وأحياناً بشكلها كي تكتمل صفة الموسيقا كوسيلة تسلية وترفيه وليس كخبرة روحيّة تمسّ أعماق الذّات، ويجدر أن نذكر أنّ في بعض الحضارات تأخذ الموسيقا صفة الصّلاة، إذ يجلس المستمع صامتاً كما هو في الجامع أو الكنيسة، هذا _ مع الأسف _ لا نجده في الحضارة العربيّة، في الشّقّ الموسيقيّ منها، أعود إلى حين كانت الموسيقا مرتبطة بقصور الخلفاء، فالمستمعون هناك كانوا يتحدّثون في ما بينهم أثناء العزف والغناء، ويبتعدون عن الإنصات الفعليّ للموسيقا، وهذا مثال آخر من هذه الأيّام، قبل فترة قصيرة أقيم في معرض دمشق الدّوليّ مهرجان قيل أنّه لرفع مستوى الأغنية العربيّة، كان بائعو الشّراب البارد يفتحون الزّجاجات لأطفال كانوا يلعبون في الرّدهات، وكانت مكبّرات ومضخّمات الصّوت التي لا تستعمل في الموسيقا الجادّة، تبثّ موسيقا المغنّي بأعلى طبقة صوتيّة، وكان الحاضرون يتحدّثون أثناء الغناء، هذا النّوع من المستمع لا يرى في الموسيقا شيئاً جادّاً، إذ أنّه يكتفي باستذكار أنّ المغنّي الفلانيّ غنّى أغنية أعجبته، وهذا في رأيي نوع من الاستهتار الكلّيّ بالموسيقا".

أنعم مفكّرون عديدون أنظارهم في أحوال الفنّ الموسيقيّ في البلدان العربيّة، وقد عكفوا على أن يحدّدوا الشّروط التي تتمّ بتحقّقها، عمليّة النّهوض بالفنّ الموسيقيّ الجادّ في البلاد العربيّة، وقد رأى المفكّر فؤاد زكريّا أنّ "ليس لدينا في الشّرق فنّ موسيقيّ بالمعنى الصّحيح"، وقد تنبّأ ببصيرته الثّاقبة، بأن تشنّ الحملات المغرضة عليه، ردّاً على ذلك الرّأي الحصيف المنصف الذي ذكره، فآثر المفكّر فؤاد زكريّا أن يتّبع الطّريقة المثلى في إيراد آرائه، حيث سلك نهج المحاججة التي تعتمد سنن التّفكير السّديد، إذ قال: "آثرت أن أقدّم لرأيي هذا أسباباً وحججاً عقليّة خالصة، تقف بجانب العنصر الذّوقيّ وتؤيّده، ورأيت أن ألجأ إلى طريقة التّحليل المنطقيّ الهادئ، حتّى تظلّ مناقشة هذا الموضوع الهامّ منحصرة في المجال العلميّ وحده....فالفارق بين الموسيقا الشّرقيّة والغربيّة ليس فارقاً في النّوع، وإنّما فارق في الدّرجة فحسب. أعني أنّ المقارنة بين نظامي الموسيقا ممكنة بوصفها مقارنة بين نظام قطع شوطاً بعيداً في طريق التّقدّم. ونظام آخر لا يزال يسير في أولى مراحل الطّريق. وكلّ ما يبدو من هوّة شاسعة بينهما، إنّما يرجع إلى عمق تجربة الغربيّين في هذا المضمار، واكتسابهم خبرات تحتاج إلى جهود هائلة ووقت طويل لتحصيلها، أمّا إقحام موضوع "القوميّة" في هذا المجال، فهو دعوى باطلة، سوف نفنّدها خلال بحثنا في هذا القسم".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (104)

سنة النّشر 2009

كان الموسيقار عزيز الشّوان، بعد أن تبصّر في شؤون الموسيقا العربيّة، على يقين تامّ من أنّ "الموسيقا والغناء في مصر تحتاجان إلى /ثورة تصحيح/ تهدف إلى: القضاء على كلّ من يستغلّ سذاجة الشّعب، فيقدّم له فنّاً هابطاً لأنّه تماماً كالذي يقدّم له غذاء فاسداً"، وتابع الموسيقار عزيز الشّوان ذكر تلك الأهداف، التي يجب أن تدركها عمليّة تصحيح شؤون الموسيقا والغناء، فدعا إلى أن يتمّ "تثقيف القاعدة الشّعبيّة ورفع مستوى تذوّقها وحساسيّتها، حتّى تصبح هي الرّقيب والنّاقد فترفض الفنّ الهابط عن وعي وإدراك.... وذلك من خلال قصور الثّقافة ووسائل الإعلام المختلفة وفي مقدّمتها الإذاعة والتّلفزيون"، ثمّ واصل إيراد تلك الأغراض، التي ترمي إلى بلوغها عمليّة النّهوض بالموسيقا والغناء في مصر، فأوضح أنّ يجب "إتاحة تكافؤ الفرص أمام الدّارسين من المؤلّفين فهم القادرون على تصحيح المسار"، وحثّ في حديثه عن تلك الغايات الفنّيّة التي حتّم إدراكها، على أن يتحقّق "تطهير أرشيف الإذاعة والتّلفزيون من كلّ التّسجيلات والأشرطة التي تحمل فنّاً هابطاً أو تافهاً"، وخلص في ختام كلامه الوجيز عن إصلاح أحوال الموسيقا والغناء، إلى أن أوجب أن يتأكّد "تشجيع كبار الأدباء والفنّانين على العودة للتّعامل مع أجهزة الإعلام، بعد أن هجروها لازدحامها الشّديد بالمتطفّلين والأدعياء".

رغب الموسيقار عزيز الشّوان صراحة في إعلاء شأن النّشاط الموسيقيّ في مصر، فجهر بأمانيه في أن يتطوّر الفنّ الموسيقيّ، وحقّق مصداق تلك الآمال التي أعرب عنها، بسنّه الطّريقة التي تحقّق بها أمانيه، حيث أورد مطالب عدّة، رأى وجوب أن تلبّى ليتيسّر تحقيق تلك الآمال التي تفعم بها نفوس الأشخاص الطّامحين إلى أن ينهضوا بالفنّ الموسيقيّ، وقد كان أجمل كلامه الذي أفصح فيه عن رغائبه حيث قال: "إنّي أستطيع أن أملأ صفحات عديدة بالمطالب العادلة التي تعالج مشاكل وقضايا الموسيقا والغناء، وهي في تقديري تحتاج إلى أكثر من المطالبة، إنّها تحتاج إلى ثورة تصحيح تصنع دستوراً للفنون عامّة، وتحدّد مواصفات فنّيّة دقيقة للإنتاج الفنّيّ الذي يليق بدولة العلم. فما أكثر ما طالبنا منذ عام 1958، بعد إلغاء قانون النّقابات الفنّيّة، بالقانون الجديد حتّى نستطيع أن نحدّد من هو الموسيقيّ؟ ومن هو الممثّل، ونحمي الفنون من المتطفّلين....نريد من المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب أن يراجع كشوف أعضاء لجانه المختلفة، لكي يطعّمها بدماء جديدة حتّى يغيّر موقفه السّلبيّ تجاه المشاكل التي تواجه الفنّانين، ويقوم بالدّور الذي أنشئ من أجله وهو الرّعاية، فيصبح جهازاً قياديّاً يشعر بدوره الفعّال الفنّانون والشّعب على السّواء....نريد لفنّ الرّقص في بلادنا شيئاً آخر غير هزّ البطن وتعرية السّيقان بما يتناسب مع كرامة المرأة المصريّة، فقد آن الأوان لنتخلّص من رواسب عهد الحريم والتّركيّ. والرّقص الفرديّ المنتشر في بلادنا هو مرادف للأغنية الفرديّة، لم تمتد إليهما يد التّهذيب والتّطوير الواعية فتصل بهما إلى مستوى الأوبرا والباليه، لا مقلّدين بل مبتكرين".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (103)

سنة النّشر 2009

واصل الموسيقار عزيز الشّوان إيراد كلام الكاتب الصّحفيّ أحمد بهاء الدّين، الذي جلا في حديثه عن شدّة تأثير الإعلام في تحديد طبيعة تلك الأنشطة التي تجري في المجتمع، إذ ذكر: "وحيث أنّ احتكار الدّولة لوسائل الإعلام وهي الأعلى صوتاً والأقوى تأثيراً، كان من الممكن أن يكون لها شأناً غير شأنها الحاليّ، فهي لا تربّي ولا تثقّف ولا تهذّب إحساساً، إنّها تغرق الملايين في أمور بسيطة، وكأنّها حدّدت دورها بالتّسلية أو بتسطيح القضايا الفكريّة والفنّيّة. ولا يحظى رجال الفكر والفنّ الحقيقيّين على خرائط الإرسال، إلّا بالفرص النّادرة سواء للتّحدّث للجماهير أو عرض إنتاجهم وأفكارهم، فلا يشعر المثقّفون بوجودهم ولا الغالبيّة العظمى من المستمعين والمشاهدين، وهي أغلبيّة غير مؤهّلة ذهنيّاً. إنّ اهتمام المسؤولين في وسائل الإعلام ينحصر في كلّ ما له بريق سطحيّ أو لمعان النّجوم، بعيدين عن كلّ ما اتّصف بالعمق أو ما يتطلّب منهم مجهوداً ذهنيّاً. لقد امتصّت أجهزة الإعلام السّالفة الذّكر قارئ الكتاب والمجلّة المتخصّصة، ولم يعد هناك مجال لما هو جادّ من فكر وفنّ، فسادت الغوغاء وصار الجدل الفكريّ يعالج بأسلوب الحملات الصّحفيّة، وغاب النّقد الموضوعيّ تحت أقدام الأفيال، وأصبحت لغة الاتّهام في الجدل هي السّائدة: هذا شيوعيّ وذلك رجعيّ والثّالث عميل والرّابع رأسماليّ مستغلّ. إنّ مجرّد استعمال هذه اللّغة معناه عدم الاعتراف بحرّيّة الفكر أساساً، التي تفترض في ظلّ الدّيمقراطيّة واختلاف المدارس الفكريّة، وإذا كان هناك من يرفض احترام التّعارض الفكريّ فأين حرّيّة الرّأي إذن؟ فإذا قلت رأياً لا تجد من يناقشك، وإذا أنتجت عملاً فنّيّاً لا تجد من ينقدك نقداً شريفاً، بل تجد من يسدّ عليك الطّريق ويهاجم شخصك ويحاول اغتيالك. إنّنا نحتاج إلى ثورة فنّيّة، وكفانا ما نابنا حضاريّاً من ظروف التّسلّط والصّخب الأجوف، وتسليط الأضواء على ما لا يستحقّ حتّى ضوء شمعة".

خاطب الموسيقار عزيز الشّوان قارئ ذلك الحديث، الذي سرده عن تلك العوائق التي تحول دون تحقيق النّهوض بالفنّ الموسيقيّ، فطلب إليه أن يترافدا معاً في النّظر في معالجة أوضاع النّشاط الموسيقيّ في مصر، حيث قال: "فإنّي أطالب القارئ، إذا اقتنع بما أقول، أن يضمّ صوته لصوتي فتحدث أصواتنا ضجيج الثّورات لتتحسّن الأوضاع أو تتغيّر. إنّ ما أطالب به هو واجب قوميّ إن لم نقم به أنت وأنا وكلّ قارئ فمن يقوم به إذاً؟ ومن جهة أخرى أطالب القارئ أن يردّ عليّ بما يرى أو بما يستطيع الإسهام به، لكي تتحوّل أصواتنا إلى مشاريع لا تبقى حبراً على ورق بل ترى النّور".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (102)

سنة النّشر 2009

تطرّق المؤلّفون الموسيقيّون العرب في حديثهم عن وقائع نشاطهم الفنّيّ الذي يزاولونه، إلى تبيين الشّروط التي يجب أن يراعي تحقّقها المؤلّف الموسيقيّ في امتهانه العمل الفنّيّ الموسيقيّ، وقد أجمع المؤلّفون جميعهم على نبذ التّفكير في تسخير مؤلّفاتهم الموسيقيّة لجلب المنافع المادّيّة، وقد حذّر الموسيقار صلحي الوادي مرّات عدّة، من الوقوع في مزلّة مقايضة النّشاط الإبداعيّ بتلك العوائد الماليّة، التي قد ترجع على الفنّان الذي يمارس ذلك النّشاط الفنّيّ، وقد دعا الموسيقار عزيز الشّوان أيضاً المؤلّفين الموسيقيّين، إلى أن يتجنّبوا في مزاولتهم عملهم الإبداعيّ، اتّباع نهج تلك المقايضة الماليّة التي تطيح القيم الفنّيّة في تلك الأعمال التي ينتجونها، إذ قال: "إنّ أعظم الفنّانين هم الذين لا يستهدفون المنفعة من إنتاجهم، كأن يجمع ثروة أو يحقّق مجداً أو شهرة أو يحصل على جوائز ومراتب شرفيّة. إنّ الفنّان الأصيل ينتج بدافع التزامه تجاه نفسه وفنّه. إنّه يتكبّد العناء ويتحمّل التّضحيات بهدف إبداع أعمال فنّيّة وجماليّة ذات قيمة، ويؤكّد الموسيقار عزيز الشّوان مناعة الفنّان الأصيل من التّأثّر بإغراءات الشّهرة الضّارّة، التي تتمثّل في سعي الفنّان إلى استرضاء الجمهور الكبير، وهو يعرض في الآن ذاته عن الأخذ بسنن وشرائع الفنّ القويم، فقد قال: "وليست المسألة أن يحقّق الفنّان الشّعبيّة التي ينشدها، لأنّ الفنّان الحقيقيّ يأبى التّملّق ليزداد عدد المعجبين به، فهو يقدّس كرامته وحرّيّته في الإبداع حتّى ولو فقد بعضاً من جمهوره أو المهلّلين".

يدرك الفنّان المبدع إنّه يحتّم على من يتلقّى أعماله الفنّيّة التي يبتكرها، أن يبذل جهداً في تذوّق تلك المبتكرات الفنّيّة، يليق برفعة ذلك الابتكار الذي أتاه ذلك الفنّان، وقد أكّد الموسيقار عزيز الشّوان وثوق الفنّان بقدرة الجمهور الذّوّاق على أن يقيّم ذلك العمل الفنّيّ، الذي يقدّمه ذاك الفنّان، تقييماً صائباً، وقد استشهد بأقوال الكاتب الصّحفيّ أحمد بهاء الدّين، حيث وضّح مبلغ ذلك النّفوذ الذي تمتلكه وسائل الإعلام في التّأثير في أذواق النّاس، فقال الموسيقار عزيز الشّوان: "والجمهور بهذا التّكوين المتباين يتأثّر بالإيحاء ويقاد وراء النّشر الإعلاميّ، والدّعاية البارعة والانتشار المفتعل، ويصدر على الأعمال الفنّيّة أحكاماً عشوائيّة لها بالغ الأثر على مشاعر الفنّان وغزارة إنتاجه، وبالتّالي على حالته الاقتصاديّة والنّفسيّة. غير أنّ الفنّان الذي يكتب الأعمال الكبيرة لا يجهل هذه الحقائق، ويعلم أنّ التّقدير الحقيقيّ إنّما يصدر عن طائفة من ذوي الإحساس المرهف والشّعور الحيّ، هؤلاء هم الذين يستطيعون إدراك ما في العمل الفنّيّ من قيم فنّيّة وجماليّة.... وليست العبرة بما تصل إليه الفنون الهابطة من جذب الشّعب، وكسب أكبر عدد من هؤلاء بما فيها من تطبيل وممالقة للغرائز، وإنّما العبرة بما تستطيع هذه الفنون من استخراج طاقات الشّعب وشحذ هممه للعمل والإنتاج. يقول المفكّر والصّحفيّ الكبير الأستاذ أحمد بهاء الدّين: تمتلك الدّولة وسائل فعّالة في محو دور الفكر وإضعافه، وهي أجهزة الأعلام الضّخمة من صحافة وإذاعة وتلفزيون، بما يجعلها قادرة على إيجاد المناخ النّفسيّ والعقليّ الذي يؤدّي إلى ذلك، حتّى صار صوت الفنّان الجادّ والفكر المستنير في حجم النّملة، وصار غيرها في حجم الفيل. صار صوت الفنّان الجادّ كصوت من يغنّي في سرادق، في مقابل صوت الدّعاية الصّادر من الإذاعة والتّلفزيون، الأوّل تسمعه مئات والثّاني تسمعه عشرات الملايين. إنّها ملايين في العدد ولكنّها ليست مؤهّلة بعد ثقافيّاً وفنّيّاً واجتماعيّاً لاستيعاب القضايا الفكريّة الأساسيّة، أو الأعمال الفنّيّة الرّفيعة".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (101)

سنة النّشر 2009

بيّن الموسيقار عزيز الشّوان الأسلوب الأمثل الذي يجب أن يمضي فيه تعاطي شؤون الموسيقا العربيّة، حيث قال: "إنّ موطن الضّعف في موسيقانا ليس في جوهرها ولكنّ في الصّنعة، ومعظم الأسماء المشهورة والمسيطرة على سوق الأغنية في مصر، إمّا أنصاف متعلّمين، وإمّا احترفوا التّلحين بالفطرة. فكيف تسلّمهم أجهزة الإعلام وهي المسؤولة عن ثقافة الشّعب، زمام أخطر وسائل التّأثير التي تدخل كلّ مكان وكلّ بيت؟ توجد في هيئة السّينما والمسرح وهي مصدر من مصادر إنتاج الأغاني والموسيقا، لجان لفحص النّصوص الأدبيّة تقوم على مراجعتها وفحصها وتنقيتها من لفظ طائش في الأغنية، أو معنى غير لائق في عبارة أو موقف تمثيليّ يستوجب الحذف، ولا وجود لمثل هذه اللّجان بالنّسبة للموسيقا أو الأغاني، وكأنّ الملحّن لا يخضع للنّقد أو التّوجيه. أمّا في أجهزة الإعلام فتوجد لجان تسمّى "لجان الاستماع" إلّا أنّه على الرّغم من وجودها، وصل المستمع إلى درجة النّفور من الأغنية المصريّة، وكثر الكلام والكتابة في الجرائد والمجلّات، بل وفي بعض برامج الإذاعة والتّليفزيون عمّا وصلت إليه من تدهور".

إنّ أوضاع الأنشطة الفنّيّة الجارية في الأقطار العربيّة، يشابه بعضها البعض، حتّى إذا التبس على الإنسان كنه أحد معالم تلك الأنشطة في بلد محدّد من الوطن العربيّ، فإنّ النّشاط الفنّيّ الحاصل في سائر الأقطار العربيّة، كفيل برفع ذلك اللّبس الذي يحيّر ذلك الإنسان، فإن داخل الغموض شؤون ذلك النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ الذي يحدث في أحد بلدان الوطن العربيّ، فإنّ أحوال الأنشطة الفنّيّة الموسيقيّة التي تمارس في سائر الأقطار العربيّة، تفسّر شؤون تلك الوقائع الفنّيّة الغامضة التي تجري في ذاك البلد العربيّ، الذي تداعت سائر تلك البلدان العربيّة إلى توضيح أسرار الأنشطة الفنّيّة الواقعة فيه، وكان الموسيقار عزيز الشّوان تحدّث عن أحوال أولئك الأشخاص الذين يمارسون في مصر النّشاط الموسيقيّ، حيث ذكر: "وينقسم المشتغلون بإنتاج الأعمال الموسيقيّة في مصر إلى فئتين: الكثرة الذين ينتجون الفنّ المألوف أو الشّائع كالأغاني والرّقصات، وهم كثرة ينالون الشّهرة والمال، وعلى عكس ذلك فمن النّادر، النّادر جدّاً، أن تجد مؤلّفاً يكتب الموسيقا السّيمفونيّة يعيش من عائد مؤلّفاته. وقد يحصل هذا على التّقدير الأدبيّ كالاعتراف الأكاديميّ، أو الحصول على جائزة أو وسام، وهذا في نظره أغلى وأسمى من الكسب المادّيّ، ولكنّ للحياة مطالب، ولوازم لا ينفع التّقدير الأدبيّ في توفيرها. والجمهور المصريّ ضحية لتضليل فنّيّ مادّته كلّ ما هو شائع مألوف، بل وسخيف وأنصاره غير الدّارسين والمتعصّبين للقديم، ومن يوصفون بفراغ الفكر، ولا ينقذ الجمهور المصريّ من هذا التّضليل إلّا إذا أخذ المستنيرون والجادّون والنّقّاد، إن وجدوا، على عاتقهم مهمّة توعية هذا الجمهور بشتّى الوسائل، إنّها مسؤوليّة إنسانيّة وواجب قوميّ. فالموسيقا مظهر من مظاهر الثّقافة والحضارة".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (100)

سنة النّشر 2009

سلك الموسيقار صلحي الوادي سبل متعدّدة من طرائق الأنشطة الإبداعيّة الفنّيّة الموسيقيّة الجادّة، حيث توزّعت الأعمال الفنّيّة الموسيقيّة التي ابتكرها في أصناف متنوّعة من ضروب الأنشطة الفنّيّة، فأبدع مؤلّفات موسيقيّة تصويريّة للعديد من الأعمال السّينمائيّة والمسرحيّة، وابتكر أيضاً أعمالاً موسيقيّة استقى موادّ بنائها من الألحان العربيّة، وكان الموسيقار صلحي الوادي تحدّث عن نشاطه الإبداعيّ في تأليف تلك الأعمال الموسيقيّة، إذ ذكر: "في العمل المسرحيّ اخترت ألحاناً ممّا كان يغنّى أثناء الثّورة، جمعتها من شخص من عائلة فوق العادة يسكن في دمر، كان هو يغنّي وأنا أكتب النّوطات. وهذه الأغنيات هي (يا بو عيون اللّويزة) (شدّ الهجن) (الله الله يا مفرّج المصايب) (باني باب أربع بواب) (زيّنوا المرجة) جمعتهم معاً ووضعتهم في عمل موسيقيّ واحد، قدّمه كورال كبير. وكان المرحوم عدنان منيني مدرّب الرّقص في ذلك الوقت، وعزف ضمن الأوركسترا مطيع المصريّ وعبد الفتّاح سكر وتيسير عقيل وغيرهم. سجّلت الكثير من المقطوعات للإذاعة معظمها مبنية على ألحان عربيّة. ويؤسفني أنّها مسحت عن الأشرطة لأنّ البعض رأى أن يستخدم الأشرطة لأغراض أخرى فمسحوها. وليست أعمالي فقط كانت ضحية مثل هذا التّصرّف. فالأمير يحيى الشّهابيّ مدير الإذاعة سابقاً جمع مجموعة رائعة جدّاً من ألحان شعبيّة، من كافّة مناطق سورية بجبالها ووديانها من أقاصيها وأدانيها، بما فيها من تنوّع اجتماعيّ، وأسمعني الأمير يحيى هذه الألحان الجميلة عام 1960، وبالفعل تأثّرت بهذه المجموعة وعانى الكثير كي يجمع هذه الأعمال. وللأسف كان هناك من لا يعرف قيمة هذه الأعمال من مسؤولي الأرشيف في الإذاعة، فمسحوا هذه التّسجيلات جميعها. قرأت شكوى الأمير يحيى الشّهابيّ في صحيفتكم "الثّورة" معترضاً على هذا التّصرّف، وأنا أضمّ صوتي لصوته، وأقول يجب أن يكون هناك لجنة مسؤولة عمّا يمكن إتلافه، وما يمكن أن يكون تراثاً، وهناك أيضاً تسجيلات تلفزيونيّة لمحاولاتنا الموسيقيّة الأولى ولكنّها كلّها أتلفت".

كان مصير تلك المبادرة الفنّيّة الجليلة التي جاءها الموسيقار صلحي الوادي، هو وقوعها في مهالك الضّياع والفقدان، ويمضّ نفس الإنسان ذلك الحيف الذي نزل بالفنّان صلحي الوادي، الذي كان رائداً في صنع مثال بديع قويم في معالجة ذلك التّراث الموسيقيّ العربيّ، الذي بنى من موادّه أعمالاً موسيقيّة فنّيّة جادّة،  وكان حريّ بالأشخاص الآخرين أن يقتدوا به في تحقيقه ذلك الصّنيع العميم، وعلى الرّغم من تلك الخسارة الفنّيّة الفادحة، التي تمثّلت في فقدان ذلك النّتاج الفنّيّ الموسيقيّ الإبداعيّ الذي أنجزه الموسيقار صلحي الوادي، فإنّ الحملات الشّرسة التي تعرّض لها، كان تستند على التّهم الباطلة، التي تمثّل إحداها في الادّعاء بأنّه كان يهمل ويزدري التّراث الموسيقيّ العربيّ، بينما كان الموسيقار صلحي الوادي عندما أنجز المثال الصّحيح القويم، الذي بيّن فيه الطّريقة المثلى التي يجب أن تتناول بها ذلك التّراث الموسيقيّ، كان جزاء عمله الجليل هو النّتيجة التي ذكرها الموسيقار صلحي الوادي، الذي كان ذلك التّصرّف السّديد الذي أتاه في معالجته ذاك التّراث الموسيقيّ، كفيلاً حقّاً بأن يردّ عنه تلك التّهم الباطلة التي أوقعت عليه.



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (99)

سنة النّشر 2009

كان الموسيقار عزيز الشّوان ألحّ في الدّعوة إلى تلافي التّهاون بالعمل في إنجاز الأغاني العربيّة، مبيّناً الأسباب التي أفضت إلى تفاهة تلك الموسيقا التي وضعت لها، حيث قال: "لقد أصبحت اللّغة الموسيقيّة في الأغاني الشّائعة متشابهة ومعروفة ودارجة، بحيث أصبح من العسير التّعرّف على أسلوب فلان أو علان من الملحّنين، فلا فرق بين أساليبهم ولم يعد أحد يبذل الجهد لكي يتميّز عن غيره. ومن جهة أخرى لقد أصبح إنتاج الموسيقا والأغاني مورداً للكسب السّريع دون عناء، وليس مجالاً لابتكار قيم جماليّة جديدة غير متوقّعة وغير مألوفة من قبل، نابعة من نفس الملحّن ومن أسلوبه هو وعالمه هو، دون التّأثّر بأحد أو تقليد الماضي. كلّها أعمال سطحيّة لا عمق فيها ولا رفعة ولا حضارة، إنّه نوع من العقم الفنّيّ انتشر وتفشّى بين العاملين في هذا الحقل. متى يأتي اليوم الذي ينتهي فيه عهد الملحّنين غير الدّارسين والمبتكرين بالسّليقة، إنّهم أسّ البلاء".

تنبّه الأدباء والمفكّرون العرب لوضاعة نتاج الأغاني والموسيقا العربيّة، وتيقّظوا لعوامل تدهورها، وكان الموسيقار عزيز الشّوان أورد رأي الأديب طه حسين في تلك الأعمال الغنائيّة والموسيقيّة العربيّة، فاستشهد بأقواله، حيث ذكر: "يقول أستاذنا الكبير طه حسين: إنّ لهو شعب ما في فترة من الفترات وانشغاله بالأغاني وشعر الغزل، وما شاكل ذلك من أمور تافهة، إنّما يرجع إلى أمور سياسيّة ترغم هذه الشّعوب على الانشغال بها، إنّ اللّهو والانشغال بالأمور التّافهة والإنتاج الفنّيّ الضّحل، والنّحيب والبكاء عند أقدام الحبيب أو التّوسّل والاستعطاف، هي أعراض أزمة حضاريّة يفقد فيها عصر من العصور الثّقة في ذاته فيلهو. إنّ قليلاً جدّاً من الأغاني ما يبقى ويخلد على مرّ الأيام، وكذلك قليلاً جدّاً من المؤلّفين يظفرون بإعجاب الجيل الذي يعيشون فيه والأجيال التي تليه، فإذا ظفر أحدهم بالإعجاب المتّصل فذلك لنبوغه وقدرته على التّعبير عن العواطف التي تهزّ القلوب، على تنوّع أجناس النّاس واختلاف العصور".



كنت أصطحب معي الكتب إلى مسبح فندق شيراتون دمشق، حيث كنت أمضي بعض الوقت، في قراءة تلك المؤلّفات التي توزّعت في أصناف الأدب والفكر المتنوّعة، وكنت تحدّثت عن ذكرياتي التي تدور حول تلك الكتب التي كنت أقرؤها في ذلك المسبح، إذ كنت أوردت جزءاً من تلك الذّكريات في مقالاتي المنشورة، التي عالجت فيها شؤون الكتاب، وقد كنت في تلك المقالات التي ألمحت إليها، تحدّثت عن بعض تلك اللقاءات، التي جمعتني مع الأشخاص الذين أعربوا عن اهتمامهم بتلك الكتب التي كنت أطالعها، وقد التقيت بهم في مسبح فندق شيراتون دمشق، بيد أنّي عندما نشرت تلك المقالات، لم أكن أذكر اسم ذلك المسبح، على الرّغم من أنّ  كلّ تلك اللّقاءات والأحداث التي ذكرتها آنفاً، كانت جديرة بأن تؤخذ بعين الاعتبار، ويظلّ الكتاب المنشور بين الجمهور، مثلما ذكرت في عناوين إحدى مقالاتي المنشورة، هو دعوة إلى الحوار وحافز على النّقاش.



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (98)

سنة النّشر 2009

اشتدّ الجدال في أوساط الأنشطة الموسيقيّة، في موضوع معالجة التّراث الموسيقيّ، حيث اشتدّت حدّة النّقاش بين المتحاورين في استنساب الطّريقة المثلى في تناول شؤون ذلك التّراث، الذي كان الموسيقار عزيز الشّوان تطرّق إلى إظهار تلك اللّبسة التي تعتري عمليّة تحديد هويّتة، إذ قال: "ولعلّي لا أخطئ كثيراً إذا علّلت سبب انقسام المستمع المصريّ إلى فئات متعدّدة، أو إلى عزوفه عن الأغنية المصريّة والتجائه إلى الأغنية الأوروبيّة أو الأمريكيّة بما يأتي: إنّ ما تصبّه أجهزة الإعلام اليوم في آذان المستمع هو خليط كبير من آثار عهود غابرة، آخرها العهد التّركيّ بما فيه من "يلاللي أمان" وخلافه، مخلوط مع ما رسّبته تلك العهود من ذلّ وهوان في نفس المتعصّبين للقديم وأتباعهم المسيطرين على السّوق الموسيقيّة. إنّ ما تقدّمه بعض الفرق الموسيقيّة الغنائيّة على أنّه تراث مصريّ، ما هو في الحقيقة إلّا ما تبقّى لنا من عهد التّركيّ أو المتأثّرين به، ومن شاء أن يتأكّد فليرجع إلى كتاب مؤتمر الموسيقا العربيّة المنعقد في القاهرة عام 1932، ليرى من أين جاء هذا التّراث من السّماعيّات والبشارف، فكلّها تحمل أسماء مؤلّفيها مثل عاصم بك وسالم باشا تأكيداً لفخامة السّادة الحاكمين آنذاك، علاوة على أنّها وضعت جميعاً لإحياء سهرات الحظّ ومجالات الأنس في قصور هؤلاء المراهقين الأكابر. لماذا تفرض هذه الفرق التّابعة للدّولة على شباب اليوم أن يعيشوا محاطين في أكفان الماضي؟ ولماذا نفرض عليهم هذا اللّون الذي يبعث على الارتخاء المليء بالتّأوّهات والآهات، بينما نطالبهم بالجدّ والعمل والإنتاج، إنّ الحياة قد تطوّرت وتبدّلت أساليبها في الخمسين سنة الماضية، ولم يعد المستمع المتنوّر يستسيغ هذا الغناء التّركيّ باللّغة العربيّة".

كان الفنّانون الموسيقيّون الجادّون العرب على يقين من قدرة الإنسان العربيّ على تطوير مجتمعه العربيّ، فدفعهم اعتزّازهم بكرامتهم الوطنيّة إلى أن يقدموا على إعلاء شأن الفنّ الموسيقيّ في البلاد العربيّة، من دون أن يقصدوا مطلقاً أن يحقّقوا التّبعيّة للدّول الأجنبيّة، بل ليخوضوا في غمار التّنافس الحضاريّ مع مواطني تلك الدّول، وكنت عرّبت عن جليّة افتخار هؤلاء الفنّانين الموسيقيّين العرب بانتسابهم إلى أمّتهم العربيّة، في مواقع عديدة سبق ورودها في هذا الكتاب، وقد كان الموسيقار عزيز الشّوان بيّن حقيقة تلك الدّوافع الوطنيّة، التي حدته على أن يطوّر الفنّ الموسيقيّ الجادّ في مجتمعه العربيّ، حيث قال: "نريد أن نمحو من قواميسنا اصطلاح "الجمهور عايز كده" لأنّ الفنّان الصّادق مع نفسه وبلده، قائد يحمل شعلة مقدّسة تنير للشّعب طريق التّقدّم والارتقاء, وكفانا ما نابنا من تسليم أذواق الشّعب إلى فنّانين بالفطرة والسّليقة. نريد أن نعبر إلى الجهة الأخرى من البحر الأبيض المتوسّط بإنتاج موسيقيّ وغنائيّ، غير هذا النّوع الشّائع المهلهل، فنقول للعالم إنّ الشّعب الذي صنع انتصارات 6 أكتوبر المجيدة، قادر على إبهاره بفنون سمعيّة وبصريّة تنطق بعظمة قوميّتنا وعراقتها، وتحمل في ثناياها ليس فقط سحر الشّرق وعطره، وإنّما معالم مجتمعنا الجديد، وكفانا حزناً وعويلاً وشكوى من الهجر وعدم الوصال".