تصنيف: التصنيف العام

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (83)

سنة النّشر 1987

ذهبت أهيّئ شراب الشّاي، فرغبت نادية في أثناء فترة غيابي عنها، في الاستماع إلى إسطوانة بحيرة البجع لتشايكوفسكي، وبلغت تلك الألحان الشّجيّة مسمعي، بينما كنت أحضّر ذلك الشّراب السّاخن في المطبخ، فأضرمت مشاعري تلك الأنغام الهادئة، وبدأت تتصاعد نحوي سحب البخار من الماء المغلي، فلفحت بحرّها جبهتي، وارتددت إلى الخلف، وكان قد تملّكني الشّرود، وأنا أتأمّل وسط تلك الأبخرة الحارّة.

رمقتها بينما كانت ترشف شراب الشّاي، وقد أشرق وجهها وزالت عن نفسها تلك الغموم، وأخذت أحدّثها عن أولئك الأشخاص الذين ألّفت المحبّة والمودّة بيني وبينهم من الأهل والخلّان، فأذكر لها ما تفيض به ذاكرتي من الأحاديث والخواطر، وكنت أرى تأمّلها المتعمّق في ملامح الأفراد الذين كنت أصفهم في حديثي، حتّى يخيّل لي أنّي أرى معالم كلّ وجه، طبعت صورته في ذهني، وحدّثتها عن أوصافه في مقالي، قد تشكّلت على وجهها، وتمثّلت في هيئتها، لشدّة إغراقها في الإصغاء الدّقيق إلى حديثي، ولإمعانها في التّفكير المتروّي في كلامي، فبتّ أتعرّف تارة أخرى بقسمات تلك الوجوه، من خلال تلك الصّور التي أشاهدها على وجه نادية، فأشعر بدنوّ هؤلاء الأشخاص إليّ، وأحسّ باقترابهم منّي، وأسترجع الذكريات المشتركة بيني وبينهم، حينما أنظر متأمّلاً إلى محاسن وجهها الأبلج، الذي تشرق في طلالته أساريرها الزّاهية.

يحرص الأطباء على أن يصفوا الدّواء المناسب لأولئك المرضى الذين يعالجونهم، ولا يتوانون في أن يقدّموا إليهم المشورة الصّحّيّة، التي يتوجّب أن يتّبعها أولئك المرضى، وبحسب المقدار الذي يصل إليه التزام المريض بتنفيذ تلك النّصائح الصّحّيّة، وتجاوبه مع العلاج الذي يحدّده الطّبيب، فإنّه يتيسّر للمريض أن يحصل على النّتيجة المرغوبة، وينعم بالشّفاء من مرضه، وإذا لم يتقيّد المريض بتطبيق توجيهات وإرشادات الطّبيب، فإنّه قد يؤخّر وصوله إلى إدراك الشّفاء، وكنت قد استفسرت والدي الطّبيب إحسان هلال، عن طرائق العلاج التي يتّبعها الأطباء في مداواة المرضى، فأخبرني أنّ الطّبيب يدأب في أن يصف الدّواء الملائم للمريض، بالإضافة إلى اعتماده مبدأ التّوعية الصّحّيّة، سواء كان يخصّ بها المرضى الذين يعالجهم، أو أولئك الأشخاص المعافين، الذين ينعمون بالصّحّة الوافرة، وقد ذكر لي أنّ نسبة المرضى الذين كانوا لا يلتزمون بتطبيق النّصائح الصّحّيّة، أصبحت على مرّ الأيّام، قليلة جدّاً، وإن وجد من لا يأخذ بتوجيهات الطّبيب، فغالباً ما يكون السّبب حينئذ، ناجماً عن فقدان المريض القدرة على التّحكّم في تصرّفاته، والسّيطرة على عاداته التي كان يتّبعها، فتعوزه في هذه الحالة العزيمة على اتّباع نصائح الطّبيب، وإن كانت تلك الحالات باتت نادرة الحدوث، حيث أصبحت غالبيّة المرضى تسعى في تنفيذ نصائح الأطباء، وذكر لي والدي أنّ بالإمكان مساعدة أولئك المرضى الذين لا يتقيّدون بتطبيق النصائح الصّحّيّة، إذ يتّبع في علاجهم طرائق التّوجية المناسبة، بعد معرفة طبيعة المشاكل التي يكابدها أولئك المرضى.

واصل والدي حديثه فقال لي أنّ نصائح الأطباء تكون استباقيّة في كثير من الأحيان، فيسدون نصائحهم إلى الأشخاص المعافين الذين لم يقعوا في براثن المرض، وتندرج مشورتهم آنئذ في مجال الوقاية، والتّوعية الصّحّيّة، وقد قيل إنّ درهم وقاية خير من قنطار علاج، وقد بلغ والدي في حديثه، المسألة العسيرة والصّعبة، وهي حالة الأشخاص المعافين الذين يمتنعون عن اتّباع النّصائح الصّحّيّة، فأخبرني بأنّ السّبب الهامّ في عدم اتّباع أولئك الأشخاص النّصائح الصّحّيّة، هو أنّ تبعات تصرفاتهم في إهمالهم المشورة الصّحّيّة، لا تظهر لهم على المدى المنظور، فيكون التّوقّع بأنّ النّتائج التي يؤدّي إليها سلوكهم الخاطئ، ستتحقّق في زمن بعيد، لا يكون ضمن مدى نظرهم، فيكون التزامهم في هذه الحالة، ضعيفاً باتّباع النّصائح الصّحيّة، وكلّما كان الضّرر النّاجم عن تصرفاتهم،  قريب الحدوث وسريع الوقوع، فإنّه يكون حينئذ التزامهم أفضل بتنفيذ التّوجيهات الصّحّيّة، وضرب لي مثلاً يوضّح الحالة، التي لم يكتب لحملات التّوعية الصّحّية تحقيق النّجاح المأمول في إدراك الأهداف الصّحّيّة المنشودة، وهذا المثال هو النّصائح الصّحّيّة التي تدعو إلى الإقلاع عن تدخين السّجائر والنّرجيلة، فذكر لي أسباباً عديدة قد تؤدّي إلى إحباط عمليّة التّوعية الصّحّيّة بضرورة ترك عادة التّدخين، وكان أحد أبرز تلك الأسباب، هو أنّه غالباً ما تتحقّق نتائج التّدخين الضّارّة، على مدى بعيد من اللّحظة التي يخاطب فيها الشّخص المدخّن، فالضّرر النّاجم عن التّدخين، لا يكون آنئذ منظوراً للمدّخن، وهذا الضّرر لا يحدث في لحظة آنيّة، عندما يدخّن السّيجارة، أو في فترة قريبة من ذلك الأوان الذي يتناول فيه لفافة التّبغ.

لم ينته كلام والدي في هذا الموضوع عند هذه المسألة، التي وضّحها في كلامه، وقد بدأ النّاس في عدد كبير من دول العالم في الاهتمام بموضوع انتشار وباء فيروس كورونا الجديد، فيتوقّع أن تحالف عمليّة توعية النّاس النّجاح في اتّباعهم التّعليمات الصّحّيّة المناسبة للوقاية من ذلك الوباء، لأنّ الأضرار النّاجمة عن مخالفة التّعليمات الصّحّيّة، قد تكون سريعة الحدوث، فيرجّح أنّ أخطار التّعرّض للإصابة بذلك المرض، ستظهر في فترة قريبة ولن تحدث في زمن بعيد، وهذه الحالة الصّحّيّة، تختلف عن الوضع الصّحّيّ الذي ينجم عن الوقوع في الأمراض، التي تحدث من جرّاء تدخين السّجائر، حيث تحدث تلك العلل الصّحّيّة في زمن لا يقع ضمن المدى، الذي يصل إليه نظر المدخّن، بينما ستظهر في وقت قريب، تبعات قلّة الحيطة، في تنفيذ النّصائح الصّحّيّة للوقاية من فيروس كورونا الجديد، ولهذا السّبب فإنّ الآمال ستكبر في أن يكتب النّجاح لعمليّة التّوعية الصّحّيّة في تنبيه النّاس إلى اتّباع الطّرائق، التي يتجنّبون فيها الإصابة بمرض كورونا، وقد أشرت آنفاً إلى أنّ كلام والدي لم ينته في حديثه عن الأشخاص المعافين، الذين لا يتّبعون النّصائح الصّحّيّة، وسيكون تتمة هذا الحديث في وقت قادم.

نشرت مجلّة  "ذي إيكونوميست"، "The Economist"، رسماً هزليّاً "كاريكاتير" على غلاف العدد الذي صدر يوم أمس السّبت 21 آذار في العام الحاليّ 2020، واختارت المجلّة هذا الكاريكاتير في تعليقها على انتشار وباء فيروس كورونا الجديد في دول العالم، وهذه المجلّة الأسبوعيّة تصدر من مدينة لندن، وهي ناطقة باللّغة الانكليزيّة، وكانت بدأت في الظّهور والانتشار في شهر أيلول، في العام 1843، فمضى على تأسيس هذه المجلّة 177 عاماً، وهي تعرّف نفسها بأنّها جريدة، ولكنّ المظهر الذي تبدو فيه، يؤكّد أنّها مجلّة، ويتّضح في تفاصيل هذا الرّسم الهزليّ الذي تصدّر غلاف هذه المجلّة، لافتة إعلانية مسدلة على الكرة الأرضيّة، وقد كتبت عليها كلمة مغلق، وهذه اللّافتة توضع عادة على أبواب المتاجر والمحالّ التّجاريّة، والشّركات، والمباني العامّة، لتنبيه النّاس إلى أنّ تلك الأماكن هي مغلقة الأبواب، ولا يتاح لهم أن يدخلوا فيها، ويتّضح في هذا الكاريكاتير المعاني الواسعة التي تشتمل عليها هذه الكلمة المفردة الواحدة.

تطرّقت مجلّة "ذي إيكونوميست"، إلى تناول موضوع انتشار وباء كورونا الجديد، في أعدادها السّابقة، وقد أصبح هذا الوباء جائحة وصلت إلى العديد من دول العالم.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (82)

سنة النّشر 1987

أبصرت في وجهها بعدما فرغت من حديثي ابتسامة زاهية، دلّت بها إلى وداعة خلقها، وزادت في إشراقها تلك العبرات التي انهلّت على خدّيها، وتلك الجهشات المسفوحة على وجنتيها، فبانت كلآلئ منثورة تلمع فيها هواجسها النّيّرة وأحاسيسها الرّقيقة، ومددت يدي المرتعشة نحو تلك القطرات، لأكفكف تلك الدّموع الهوامع، إلّا أنّي أحجمت عن ملامستها، لخشيتي أن أدّنسها، وحسبي أنّي شهدت تألّقها الفتّان، واجتزأت بما اعتراني من التّأثّر المفعم بالشّعور الصّادق، وأنعمت النّظر في ملامحها، فلم أجد فيما خلا من الأيّام مثيلاً لذاك الوجه الجهير الذي يسلب اللّبّ بحسنه، ويخلب الفؤاد بقسامته، بقدر ما يدهش الفكر ويبهر الذّهن، وكنت أحسب أنّ وجود تلك الهيئة بما تتّسم به من النّضارة والملاحة، هو ضرب من المحال، ونمط من الخيال، وأمّا الآن، فإنّني ألمح تلك الصّورة بباصرتي وأكاد ألمسها بيدي، لولا مخافتي من أن أعبث بتلك الجبهة التي تشرف عليها بغضونها، وأفسد تلك الدّموع التي تزيّنها، وأشّوش انتظام تلك الأسارير التي تؤطّرها، ثمّ ما لبثت أن جرضت بريقها، وخاطبتني بلهجة هادئة، فقالت:

عذراً إن كدّرت صفو نفسك بتلك الغموم التي أثارت مشاعري، فلم أستطع أن أردّها عنّي، أو أخفيها في مكامن نفسي.

فقاطعت كلامها، خوفاً من أن تبلغ في كيانها حدّة التّأثّر غايتها القصوى في أثناء حديثها، فقلت لها:

يغمر نفسي الشّعور بالانشراح، لما شاهدته بعيني من معالم سموّ الإحساس ورفعته، فيجب ألّا نشيح بوجهنا عن مخايل الأشجان، وألّا ننكص على أعقابنا حينما نقترب منها، فمن الضّعة أن نجهر ببأسنا تجاه رقّة العواطف، وهي أوهى من تلك النّسمة الوانية، وأن نتحلّى بالصّلابة إزاءها، وهي أرقّ من أعطاف تلك الأزهار المنتشرة في الرّوض، فإنّي أستمدّ من تلك الدّموع التي رمعت بها عيناك، البواعث الثّابتة على تحقيق متانة عزيمتي وصفاء بالي، ومهما أظهرت لك من الدّلائل على شكراني لك، فإنّها تعجز عن إيفاء حقّ معروفك من المدح والثّناء؛ وينابيع العطاء التي تنبجس في كيانك، لا تلتفت إلى ما يردها من جداول الشّكر والإطراء، لأنّ معينها لا ينضب، وإن تعاقبت عليها العصور وتوالت الدّهور.

أصبح كلّ حرف كنت أتلفّظ به، نجوى تمرّ على رحاب فكري، وتلج في شعاب مشاعري، وتنفذ في لواعج عاطفتي، وتسري في عروق جسدي، فتتضمّخ في عبورها أغوار نفسي، بالعطر الأريج، ويعبق بها الطّيب الفوّاح الذي ينتشر من مكامن الخواطر التي ينثني عليها صدري، حتّى تغدو الكلمة كياناً مليئاً بالحسّ مفعماً بالشّعور.

أنصتت لي وقد جلّل الهدوء ملامحها من دون أن يختلج طرفها، فكأنّها تمرّست بسماع أنشودة الوله، وتعوّدت الإنصات لأغرودة الولع، إلاّ أنّها لم تصادف قط على مدار أيّامها الماضية مثيلاً لذلك الصّدق الصّريح، الذي اشتملت عليه عباراتي، وإن كانت تعوزني بعض الدّلائل، لأشير بها إلى وجود العواطف الجيّاشة في نفسي، فكنت ألتمس من الألفاظ ما رهف حدّها، وأتخيّر من النّظرات ما رقّت لمحتها، فترى في لهجة كلامي ذلك الصّدق الذي يمنح عبارتي روعة وملاحة، ويهبها عذوبة وفصاحة، وهيهات أن يدرك ذاك الشّعور أحد سواها، فيظلّ مستتراً عن نظرة الباصرة، ومحتجباً عن فكرة الخاطرة، لا يكاد يلحظ أحد وجوده، ويتيقّن من رسوخه في نفسي.

جرضت بريقها: ابتلعته بالجهد على همّ وحزن.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (81)

سنة النّشر 1987

أصغيت إلى حديثها، فأكاد أتلقّف كلّ لفظة من كلامها، لتخلّف في نفسي رقشاً لا يمحى، وتخطّ في كياني نقشاً لا يفنى، فسلبت لبّي آراؤها الثّاقبة، وخلبت فكري كلماتها البليغة، وصمتت وهي تتهيّأ لسماع ما أهمّ بالتّحدّث به، وتردّدت في أن أشرع في مفاتحتها بحقيقة ما يجول في خاطري، وأنا أنتقي المستهلّ الأنسب لمقالي، ثمّ حسمت عنّي شأن تلك الحيرة، والتفتت إليها قائلاً:

إن تراءت لك مخايل تلك العاطفة التي تجلّل ملامح وجهي، وتخالط كلّ تصرّف من فعالي، وإن أصغيت إلى زفرات الوله، تمازج نبرة صوتي، فلا ترتابي من معالم ذلك الولع، ولا تنسبي دوافع ذلك الجوى، إلى مقابح الأخلاق، ولا تصفيها بالسّوء المنتشر والفساد المستشري، فإنّي إذا عمدت إلى كتمان ذلك الشّعور الذي انبعث في كياني مذ رأيتك، فكي لا تتجاذبك الظّنون في طبيعة مشاعري، وقد اتّبعت سبيل الرّشاد آخذاً بسنن الفضائل الرّفيعة، التي طالما تلّهفت إلى أن أتلقّى منها الهداية البالغة والنّصيحة السّديدة، وقد آليت على نفسي أن آخذ بتلك المواعظ الجليلة طيّعاً لأمرها ورضيّاً بهديها، وكان اتّقاد ذلك الشّعور في كياني يثير فكري، وينبّه ذهني، فلا تخدّرهما شهوة وضيعة أو يشغلهما هوى طائش، فإن حالت بين مشاعر النّفس وذلك الذّهن العوائق، فلا بدّ من أن ينطفئ لهيب تلك الأحاسيس، كوهج الصّيف عندما يتبدّد في مستهلّ الخريف، فمهما استعرّ لهب تلك العاطفة، فلا يغشى أوارها ذهني، ولا أتيه في مساربها مضلّل الفكر، وإن أظهرت لك الآن ما جال في فكري من الخواطر، فلأنّي توخّيت أن أبدّد ارتيابك من حقيقة دأبي في الإحاطة بأحوال الشّعور، التي مررت بها فيما خلا من الأيّام، وقد كنت أتبصّر برويّة الفكر، وتدبير الذّهن، في طبيعة تلك المشاعر التي كانت داخلتك.

 

أوارها: الدّخان. 

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (80)

سنة النّشر 1987

كانت نادية تخوض في غمرة المحاورة الدّائرة فيما بيننا، بهدوء المنطق الحصيف، وسكون الخاطر الواعي، وصفاء الذّهن المشرق، فتلج في هذا المجاز الشّاقّ من الأفكار والخواطر بيسر وسهولة، فلا تعيقها عقباته عن مواصلة سيرها فيه، أو توقفها حوائله، وكانت تؤيّد خواطرها في بعض الأحيان بقبس من شعلة عاطفتها المؤجّجة، فيضيء شعاع فكرها أذهان النّاس الذين يتلقّفونه، وهو يسحر الألباب ويفتن النّفوس بأنوار تلك الآراء التي تفصح عنها، وبدأت تتبدّد لظى تلك المحاورة، ويفترّ حرّها في مهبّ تلك الرّياح الصّوارد، التي يمتدّ نفحها نحونا عبر خصاص النّافذة التي انفتح مصراعاها منفرجين، فسعيت إلى أن أطبع على هذا الحوار، بعضاً من تلك الكلمات الحارّة، التي تقتبس جذوتها الملتهبة من ضرام مشاعري المتّقدة، وحاولت أن أضمّن كلامي، نبذاً يسيراً من تلك العبارات التي تتّقد بنيران العاطفة المتأجّجة، إلّا أنّني امتنعت عن الخوض في هذا الحديث، فمن الضّعة أن أنتهز تلك الحالة من التّأثّر والانفعال اللذين تبعثهما في نفسها مشاهد الطّبيعة، لأكاشفها بخواطر نفسي وحقيقة عاطفتي، وهي أولى بأن تظلّ في طيّ الكتمان، وأن يلسع حرّها أحناء ضلوعي، عوضاً من أن أوجّه لفحها الملتهب إلى نادية، ثمّ التفتت إليّ بعدما فرغت من تأمّلها في تلك المشاهد التي تلوح من خلال النّافذة، وقالت لي:

إنّه ليبهج نفسي إن اتّخذتني مؤانسة لك، ووجدت في هذه الصّحبة التي تؤلّف بيننا، سلوة لك في هذه العزلة التي تروق لك، ويسرّني أن أهيّئ لك أسباب تلك الغبطة التي تهنأ بها، إلّا أنّ تأثير متع هذه المسرّة التي تشعر بها آنئذ، يقتصر على نطاق الذّهن، وتنحصر لذّاتها في مجال الفكر في هذه العلاقة التي تجمع بيننا، فأخشى ألّا تمتدّ ظلال تلك السّعادة لتشمل مجامع قلبك، ولا تعمّ مسرّتها كيانك ، فأكدّر عندئذ صفو مشاعرك، وتخضع لرابطة تمنّي نفسك بزوالها عنك، وتذعن لعِشرة تغرض منها، وتضجر بها؛ وإن كانت تلك الأشجان التي أثارتها في نفسي وقائع المراحل العصيبة التي مررت بها في السّنين الماضية، لا تبرح تلازمني، إلّا أنّي أهاب أن تبعث تلك الغموم النّفور في نفسك من تلك الصّحبة التي تؤلّف بيننا في هذه الأيّام، وأتخوّف من أن يثير ذلك التّقلّب الذي يعتري مشاعري، بواعث الملل والشّكوى في نفسك، وإن كان ما يأصرك عليّ، هو رهافة حسّك ورقّة طبعك، وقد ظللتَ تتحلّى بالخصال الكريمة، وكنتُ أسعى دوماً في أن أظهر أمامك بتلك الهيئة التي شكّلتها لي في مخيّلتك، وصغتها في فكرك، وأجهد في أن أنقل تلك الصّورة المتكوّنة في خيالك، إلى ملامح وجهي ومعالم هيئتي، ليسرّ بها خاطرك، وترضى بها نفسك، ولا أنكر أنّك قد عثرت على ضالتك المنشودة، في جزء محدّد من تلك الصّورة التي ترنو إليها، إلّا أنّي أخشى أن تخفى عليك سائر أجزائها، وقد احتجب بعض أشكالها من دون أن يتّضح له أثر.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (79)

سنة النّشر 1987

وما لبثت أن نهضت عن تلك الأريكة، واتّجهت نحو النّافذة لتتأمّل من خلالها مناظر الطّبيعة، فانفسح طرفها في أديم السّماء وآفاقها البعيدة، ومشيتُ إلى ذلك المكان الذي كانت تقف فيه، وما إن أصبحتُ بالقرب منها، حتّى قلت لها:

_طالما كانت تمتدّ أنظار النّاس إلى أعنان السّماء، ليبحثوا عن أنوار تلك الأنجم التي تبزغ بين الغمام الدّاجي، وليطالعوا فيها تلك الصّورة النّضرة التي أودعتها أخيلتهم ذات مرّة بين فسحها المتّسعة، فيتتبّعون معالمها في أصقاع هذه السّماء حتّى يعثروا عليها، فيرنون إلى معالم تلك الصّورة، التي ما برحت تزيّنها أنوار الأنجم التي تلوح في أصقاع السّماء، فتدهشهم بجمالها وتفتنهم بروعتها.

فالتفتت إليّ وقالت:

_ما أبهى المخيّلة حينما تؤلّف بين مشاهد الطّبيعة الخلّابة وتلك الخواطر التي تكمن في النّفس، ونكاد نعجز عن إدراك تلك الأشياء التي تحيط بنا، ونشاهدها حولنا، وإن أظهرنا غوامضها بالشّرح الدّقيق، وبيّنا أحوالها بالتّفسير السّديد، إذا نظرنا إليها بالمشاهدة المجرّدة من التّأمّل، وبالملاحظة المفتقرة إلى الخيال، فهذا الوصف الذي تفيض به المخيّلة يبهر اللّبّ ويفتن النّفس، ويسمو بمداركنا العقليّة إلى المراتب العالية، التي لا نكاد أن نبلغها، حتّى تظهر لنا خوافي الأشياء المحيطة بنا، وتتكشّف أمامنا أسرارها كافّة، فتهيّئنا تلك المخيّلة إلى أن ندرك ذلك العالم الممتدّ الأطراف، فنلج في نواحيه، ونوغل في أرجائه على بيّنة وهدى.

فقلّت لها مؤكّداً آراءها، ومنوّهاً بالبراهين الجليّة التي أفصحت عنها في كلامها:

_إنّ صور تلك المخيّلة لا تموّه حقائق الأشياء ولا تلبّسها علينا، وإن استحضر الخيال مشاهد الطّبيعة الفاتنة، فكي يدفع بشعورنا إلى أن يألف تلك المناظر الزّاهية، التي ترهف أحاسيسنا، وتبهج نفوسنا.

عرّجنا على بعض المتاجر ونحن نتّجه في مسيرنا إلى ساحة عرنوس، فابتاعت نادية فيها حاجياتها، وما لبثت أن أخذت تنظر في تلك الأكياس التي حوت السّلع التي اشترتها، وهي تقدّر في ذهنها مدى استطاعتها أن تحملها خلال تلك المسافة التي يجب علينا أن نقطعها، فمددت يدي إلى تلك الأكياس لأساهم في تحمّل أعبائها، فأبت أن أتكلّف مشقّة ذلك العون الذي أقدّمه إليها، وقد أسقطت في تقديرها أثر ذلك الحديث الذي سنتداوله، حينما يرفّه عنّا ذلك الكلام الذي سنتبادله، ويزيل عن جسدينا المجهدين التّعب، فألححت في طلبي، وقلت لها:

لا تقتضي مشاركتي في حمل هذه الأكياس، أن أبذل جهداً كبيراً مثلما تتوهّمين تلك الكلفة التي قد أتجشّمها، ولا ريب في أنّ خضوع النّفس لوطأة العواطف الجيّاشة فيها، أفدح من عناء الجسد وأشقّ من تعب الأوصال.

فأجابتني قائلة:

هذا النّصب الذي يوني الجسد، لن يكون عوضاً عن سعادة مسلوبة وراحة منهوبة.

لم تكد تلوح من بعيد مشارف منزلي، حتّى أشرت عليها أن نغتنم فترة من الرّاحة في مسكني، فأومأت برأسها مبيّنة موافقتها على اقتراحي، وبتّ في هذه اللّحظة أرغب في سماع نغية صوتها ورقّة همسها، وسعيت في أستكشف في عينيها السّاجيتين، ونظراتها الحالمة، نجوى خواطرها من دون أن أتمكّن من أن أتبيّن أفكاراً جليّة وهواجس واضحة.

بلغنا البناء الذي أقطن فيه، وارتقينا في الدّرج مسرعين في الصّعود، وما إن ولجنا داخل المنزل، حتّى بادرت نادية إلى الجلوس على الأريكة بجانب المدفأة، وشرعت أضرم النّيران في الموقد، فحدّقت نادية إلى ألسنة اللّهب التي بدأت تتأجّج، فارتدّت أشعّة النّيران المتلألئة البرّاقة عن جبينها الأبلج ومضاً لامعاً، وانتشر سنا ذلك الضّياء نحو صدغيها وأشرفت الأنوار على وجنتيها، وأورفت ظلال ممتدّة إلى خدّها الأسيل وثغرها الرّفّاف، وارتعشت أهداب عينيها خفّاقة، فتقطّعت من خلال الرّموش أشعّة ذلك الضّياء المنعكس عن عينيها الدّعجاوين، فيرتدّ قسم منها إلى قرارة نفسها لينير فيها الخواطر والأفكار المحتجبة، وينفذ البعض الآخر بين تلك الأهداب، فيصيبني وهجه المتّقد ونوره السّاطع.

الرّفّاف: البرّاق.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (77)

سنة النّشر 1987

كنت كلّما أقطع في مسيري بعض تلك المسافة التي تفصلني عن المكان الذي ألتقي فيه نادية، تغيب عن ذهني العبارات والأفكار التي أعددتها لهذا اللّقاء، حتّى يتلاشى كلّ أثر لها عندما أدرك ذلك الموضع الذي نتلاقى فيه.

رأيتها تقبل نحوي، فهدأت مشاعري المضطرمة، وسكنت خواطري المضطربة، فشاهدتني على هذه الهيئة، فكأنّه لم تضرم أحاسيسي لوعة الهوى، أو تؤجّج عواطفي تباريح الشّوق، وسعيت في أن أوقد أوار لواعجي، وألهب شعلة صبابتي، لتلفح بحرّها ملامح وجهي، فيظهر في أساريري وميض لامع من اتّقاد عاطفتي، إلّا أنّني لم أفلح في مسعاي، فلم يظهر أثر لتلك العاطفة، وكنت أظنّ أنّ بصيرة نادية لن تغفل عن معالم ذاك الهوى، أو تسهو نظراتها النّافذة عن مظاهر ذلك الجوى الذي ينبعث في نفسي، فنعمت في هذا الاعتقاد بطمأنينة النّفس وراحة البال.

بادرت فوراً بعدما تبادلنا التّحيّة، إلى استفسارها عن أحوال والدها، فأجابتني قائلة:

أحمد الله بارئ الكون، الذي أنعم على والدي بالشّفاء من مرضه والإبلال من سقمه.

وصمتت، كأنّها تستكمل في نفسها دعاء الحمد والشّكر لله، ثمّ التفت إليّ وقالت:

عسى أن يكون قد انطرح عنك عناء العمل وغمّاء الملل، في تلك الأيّام الماضية التي حالت دون أن نلتقي.

وأجبتها متحدّثاً بلهجة شابت نبرتها دلائل الدّعابة:

أقبلت الدّنيا عليّ بالغبطة والمسرّة في تلك الأيّام الغابرة، حتّى وددت أن يشاركني في الابتهاج بنعمها الخيّرة، خلصائي جميعهم.

فقالت لي:

هل أمنّي نفسي بأن ألتمس تلك السّعادة منك، فأقاسمك بهجتها، وأشاطرك فرحها.

أومأت برأسي مشيراً إلى موافقتي على طلبها الذي أفصحت عنه، وقد رأيت في كلامي الذي أخبرتها فيه عن شؤوني التي استوضحتني عنها، نمطاً من طرائق التّضليل والمخادعة في إظهار حقيقة أحوالي وطبيعة أموري، فقرّرت أن أحجم عن هذه المداعبة، وعزمت على ألّا أتطرّق إلى ذلك المزاح أبداً في الأيّام القادمة.

رسخت في نفوس النّساء العربيّات منذ الزّمن القديم، صفات الأنفة والإباء، إذ ما برح يشتدّ اعتزازهنّ بسجاياهنّ الرّفيعة التي كنّ يتحلّيْنَ بها، فكانت أولئك النّسوة العربيّات، منذ الوقت الذي سبق ظهور الدّين الإسلاميّ الحنيف، شديدات الشّكيمة، وأبيّات الضّيم، لا يخضعن إلى هوان، ولا يرضين بالخسف والذّلّ، فتأكّد بزوغ تلك الصّفات الخلقيّة عند المرأة العربيّة، في تلك الفترة التي سمّيت بالعصر الجاهليّ، حيث تميّزت في ذلك الأوان الموغل في القدم، تلك المرأة بالخصائص الخلقيّة الحميدة، التي توارت خلف ركام من النّصوص والأخبار، التي شوّهت حقيقة شخصيّة تلك المرأة العربيّة، حتّى بات التّنقيب عن الصّورة الأصليّة التي تظهر فيها صفاتها الخلقيّة، هو أشبه بالبحث عن الجوهرة الثّمينة الدّرّيّة وسط ركام من حطام المعادن الرّخيصة، وكُسارها الخسيس، إلّا أنّ هذه الصّورة المشرقة التي أظهرت حقيقة المرأة العربيّة، لم تغب عن أذهان المؤرّخين والباحثين، وكان يلاحظ قلّة عدد الكتب الصّادرة التي تواكب المسيرة المميّزة، التي حقّقتها المرأة العربيّة في مراحل التّاريخ المتعاقبة، وكانت المستشرقة الألمانيّة زيغريد هونكه، قد اهتمّت بالبحث في موضوع خصائص النّساء العربيّات، بعد أن رأت رفعة الخصال التي تتّصف بها المرأة العربيّة، وهي تناولت هذا الموضوع في كتابها شمس العرب تسطع على الغرب، والذي تحدّثت فيه عن مقدار تأثير الحضارة العربيّة الكبير في الدّول الأوروبيّة، وقد ذكرت أنّها صمّمت على كتابة هذا الكتاب لأنّها أرادت "أن تكرّم العبقريّة العربيّة"، وأن تقدّم للعرب "الشّكر على فضلهم"، وهي أملت مخلصة أن يحتلّ كتابها مكانه في الوطن العربيّ "كسجلّ لماضي العرب العظيم وأثرهم المثمر على أوروبة والعالم قاطبة"، وقد تناولت تلك المستشرقة في هذا الكتاب تاريخ العرب، وتحدّثت فيه أيضاً عن العلماء العرب واختراعاتهم الكثيرة التي أنجزوها.

استهلّت المستشرقة زيغريد هونكه، حديثها عن النّساء العربيّات بأن بيّنت أنّ أساس الخصائص الشّخصيّة التي اتّصفت بها نساء الطّبقة الرّاقية في أوروبا، هو متأصّل عند النّساء العربيّات، وقد أطلقت تلك المستشرقة على فصلها الذي كرّسته للحديث عن المرأة العربيّة العنوان التّالي: "أصل سيّدات الطّبقة الرّاقية"، وقد تناولت في مطلعه، موضوع خصائص المعاملة الرّاقية التي دأب أفراد المجتمع العربيّ، أن يتبعوها في تقدير مكانة المرأة، فبيّنت تلك المستشرقة "إنّ الحلي التي يقدّمها الأوروبيّ لحبيبته أو لزوجة صديقه أو رئيسه، سواء أكانت ماساً أصليّاً أو زجاجاً مصقولاً، هي عادة استوردت من الشّرق، ويمارسها النّاس كلّ يوم ولا يعرفون لها مصدراً. وتمرّ السّنون، والحلى ما زالت تتنوّع وتتغيّر ولكنّها لم تفقد قوّتها السّحريّة في جذب قلوب النّساء، حتّى ولو كنّا نعيش في القرن العشرين"، وقد أوردت المستشرقة تلك الملاحظة الدّقيقة، التي دلّت على المستوى الذي بلغته المعاملة الراّقية التي كانت تتلقّاها النّساء العربيّات، ثمّ خاطبت المستشرقة الرّجال في بلدها، فقالت: "ولو كتبت أنت للسّيّدة الفاضلة خطاباً وأنهيته: "بالمخلص فلان" أو "بخادمك المطيع" فأنت تعترف بسيادة العرب، لأنّك أخذت عنهم هذه الكلمات ولم يكن أجدادك في الغرب يعرفون شيئاً منها. وأنت كلّما انحنيت على سيّدة لتقبّلها، لا تنسَ، في تلك اللّحظة، أنّك تمارس عادة عربيّة. وفي كلّ مكان تركع فيه أمام محبوبتك لتعبّر عن فيض مشاعرك تذكّر أنّك تقتفي، دون أن تدري، أثر عشّاق العرب"، ولا ريب في أنّ تأثّر الشّعوب الأوروبيّة بالثّقافة العربيّة، ظهر في مناح عديدة من سلوكهم، وفي أحوال المعيشة الرّاقية، وقد كان تأثير العرب واسعاً، فلم يقتصر على العادات الاجتماعيّة، بل امتدّ إلى مواضيع فنون الكتابة الأدبيّة، وقد كانت تلك المستشرقة بيّنت في كتابها تلك النّواحي الكثيرة التي امتدّ إليها تأثير الحضارة العربيّة في أفراد شعوب العالم.

دأب أولئك الرّجال الأوروبيّون في أن يحتذوا حذو الرّجال العرب، الذين صدرت منهم تلك التّصرّفات التي بادروا فيها إلى تقدير المكانة العالية التي حلّت بها المرأة العربيّة، حتّى أصبحت تلك التّصرّفات هي عادات راسخة في نفوس النّاس في أوروبا، وقد قالت المستشرقة زيغريد هونكه: "ويتكرّر هذا كلّ يوم، وتصبح هذه اللّغة وتلك الحركات وذلك الخضوع للمرأة طبيعة ثانية فينا كغربيّين نكفّر به عمّا تعوّدنا من خضوع المرأة للرّجل لتكفّر عمّا ارتكبته حواء من إثم"، وقد أصابت المستشرقة شاكلة الصّواب، في حديثها، حيث ذكرت أنّ "تزلّف الرّجل للمرأة وخطبه لودّها وتقديسها، سواء أكان هذا من باب الأدب في المجتمعات، أو كان عن حبّ صادق، فإنّه لا يتّفق مع أصول الحبّ في المجتمع الجرمانيّ، الذي كان يرنو إلى مساواة تامّة بين الرّجل والمرأة مع اعتداد كلّ منهما بنفسه وشخصيّته المستقلّة، ومساواة في الحقوق والواجبات"، وهذه الملاحظة التي ذكرتها في حديثها عن مجتمعها الجرمانيّ، قد عمّمتها حتّى شملت كلّ الدّول الأوروبيّة المطلّة على البحر الأبيض المتوسّط، وهي الدّول التي كانت أبرز البلدان الأوروبيّة في ذلك الأوان القديم، حيث قالت "وقد تعارض هذا الاتّجاه العربيّ، في تقديس المرأة أيضاً، مع ما كان سائداً في دول البحر الأبيض التي كانت لا ترضى بتزلّف الجنس لآخر، وتطلب من الجنسين على السّواء بذل الجهد لحوز رضاء الجنس الآخر"، فكان الرّجل العربيّ يقدّر رفعة مكانة تلك المرأة العربيّة، إذ ذكرت تلك المستشرقة: "وعلى الرّغم من كلّ هذا، فقد قاوم العرب كلّ التّيّارات المعادية واستطاعوا القضاء على هذا العداء للمرأة والطّبيعة، وجعلوا منهجهم مثالاً احتذاه الغرب ولا يملك الآن منه فكاكاً. وأصبح الاستمتاع بالجمال والغزل جزءاً من حياة الأوروبيّين شاؤوا أم أبوا"، فامتدّ تأثير تلك العلاقات الاجتماعيّة عند العرب، حتّى وصلت إلى صياغة شخصيّة وعقلية الإنسان الأوروبيّ ذاته.

أدركت المستشرقة زيغريد هونكه، بعد أن أفصحت عن آرائها في تلك المكانة الرّفيعة التي حلّت بها المرأة العربيّة، أنّها ستواجه أفكاراً مغلوطة ومعتقدات مشوّهة، رسخت في أذهان العديد من النّاس، وقد وعت تلك المستشرقة مقدار وجهات النّظر التي تختلف عن آرائها التي أفصحت عنها، وقد تحدّثت عن ذلك الخلاف الذي أدركته، فقالت: "ولكنّ، أليس في هذا نوعاً من المبالغة؟ وهل يعقل هذا الكلام؟ ثمّ ألم تعش نساء العرب منذ زمن بعيد مقيّدات مظلومات لا يتمتّعن بحقوقهنّ؟ ألم نسمع بنساء بالحريم كالسّجن يملك فيه عدداً كبيراً منهنّ ويقيم عليهنّ الحرّاس؟ ألم نسمع بنساء يزوّجن دون أن يستشرن؟ وتكفي بضع كلمات يتفوّه بها الرّجل وقتما شاء، لتصبح المرأة طالقاً تعود إلى عائلتها دون أيّ ذنب، والدّين لا يمنع هذا؟. ألم نسمع بالمرأة تحمل الأمتعة وقد تقوّس ظهرها في طريقها إلى السّوق وزوجها الهمّام يركب حماره منتفخ الأوداج بجوارها لا يعيرها أيّ التفات؟ ألم يبدأ حديثاً فقط، ترك النّساء للحريم وخلعهنّ الحجاب ومطالبتهنّ بالتّخلّص من ذلّ دام قروناً؟"، وبعد أن أوردت ذلك المقدار من الأفكار التي تغاير تلك المعاني التي كانت رمت إلى تأكيدها، ختمت تلك المعتقدات التي ذكرتها، بطرح سؤال جاء في سياق تسلسل تلك الأفكار المختلفة التي أوردتها، إذ تابعت كلامها قائلة: "أين هي الحقيقة في كلّ هذا؟ وما هو مركز المرأة في المجتمع؟"، وهي ألقت هذا السّؤال، كي تساير حالة الحيرة التي نشأت عند من لا يعلم الحقيقة، ولكنّها كانت تدرك بكلّ تأكيد كنه تلك المسائل التي تحدّثت عنها، لأنّها تابعت كلامها قائلة: "بقي النّاس في البلاط الأمويّ يتمتّعون بسماع قصص الجاهليّة ودور المرأة العربيّة في المجتمع، وما أحاط بها من بطولات، وسار الرّكب وشاهد النّاس سيّدات يدرسن القانون والشّرع ويلقين المحاضرات في المساجد ويفسّرن أحكام الدّين. فكانت السّيّدة تنهي دراستها على يد كبار العلماء ثمّ تنال منهم تصريحاً لتدرّس هي بنفسها ما تعلّمته، فتصبح الأستاذة الشّيخة. كما لمعت بينهنّ أديبات وشاعرات، والنّاس لا ترى في ذلك غضاضة أو خروجاً على التّقاليد"، والشّواهد على صحّة كلام المستشرقة هي كثيرة جدّاً، حيث نبغ الكثير من النّساء العربيّات في أوجه الأنشطة العديدة، وفي ميادين الفكر المتنوّعة.

أكدّت النّساء العربيّات في الزّمن القديم، سعيهنّ في ممارسة الأعمال العديدة، التي أكدّن فيها ثبات عزيمتهنّ على تحقيق رغائبهنّ، حيث رأت المستشرقة "أنّ النّساء في صدر الإسلام لم يكنّ مظلومات أو مقيّدات"، وبعد أن بيّنت حقيقة الأوضاع التي كانت عليها تلك النّساء، ختمت عبارتها السّابقة بالاستدراك التي صاغته في صيغة التّساؤل التّالي: "ولكنّ هل دام هذا طويلاً؟"، وهنا وصلت إلى تبيان حقيقة التّغيير الذي طرأ على أحوال النّساء العربيّات، إذ قالت تلك المستشرقة: "لقد هبّت على قصور العبّاسيّين رياح جديدة قدمت من الشّمال فغيّرت الأوضاع، وقدم الحريم والحجاب مع الجاريات الفارسيّات واليونانيّات اللّاتي كنّ محظيات للخلفاء وأمّهات لأولادهم. وكان أن حرمت المرأة العربيّة من مكانتها الرّفيعة في المجتمع وقيّدت حرّيّاتها، والإسلام بريء من كلّ ما حدث، والرّسول لم يأمر قط بحجب النّساء عن المجتمع"، ثمّ بيّنت المستشرقة الأثر الذي خلّفته العادات الغريبة عن المجتمع العربيّ فقالت: "وشرعت القصور تعزل النّساء في الحريم"، وهي ذكرت أيضاً أنّه قد "بدأ استيراد الخصيان لخدمتهنّ، كما كانت عليه الحال في بيزنطة قديماً. وأصبح حجب النّساء عن المجتمع وعدم مغادرتهنّ لبيوتهنّ مظهراً من مظاهر الأبّهة والثّراء. وهكذا كتب على النّساء أن يبقين سجينات منازلهنّ باسم الدّين"، وتلك العادات الطّارئة على المجتمع العربيّ استشرت في نطاق محدود، ولكنّه كان حيّزاً بحسب اعتقادي بارزاً في التّاريخ، لأنّ المؤرّخين كانوا يقصرون عنايتهم عليه، من دون أن يهتمّوا بسائر الأخبار التي لا تمّت بصلة إلى ذلك النّطاق الضّيّق، وقد والت المستشرقة كلامها قائلة: "ولكنّ هذه الأمراض الاجتماعيّة لم تنتشر إلّا بين الطّبقات العليا الملوّثة التي جذبت إليها الأنظار بفجورها، واهتمّ بها الأوروبيّون يلوكون اليوم سيرتها ويحسبون أنّها هي المجتمع العربيّ. وكلّما تعمّقنا في طبقات الشّعب العربيّ وضحت الصّورة الأصليّة"، وقد رأت تلك المستشرقة "أن البدويّة لم تعرف الحجاب قط، ولم تطأ قدمها أرض الحريم، ولم تكن ظروف المعيشة في البداوة، حتّى بين العامّة في الحضر، لتسمح بمثل ذلك"، وتراكمت تلك الأقاويل التي ذكرت للنّيل من شخصيّة المرأة العربيّة، وطبيعة المجتمعات التي تعيش فيها، وكانت ذُكِرَتَ تلك الأحاديث المغرضة، بغية تشويه المظهر الحقيقيّ التي كانت تبدو فيه النّساء العربيّات، اللواتي كنّ بمنأى عن تأثير العادات الغريبة التي طرأت على المجتمع العربيّ.

ظلّت المرأة العربيّة على توالي العصور في الأزمنة القديمة، تتميّز بالخصائص الرّفيعة، وتشغل المكانة السّامية في المجتمع و"هكذا بقيت المرأة العربيّة كما كانت في الجاهليّة وصدر الإسلام معتدّة بنفسها وكرامتها طالما هي بعيدة عن تيّارات المدينة. وبقيت البدويّة في القرون الإسلاميّة الأولى أكثر حرّيّة وكرامة من سيّدات الطّبقة الرّاقية في قصور دمشق. ولا عجب أن تكره البدويّة حياة المدينة وتحنّ إلى حياة البادية"، وذهبت المستشرقة زيغريد هونكه إلى أن تورد مثالاً تؤكّد به رأيها، فآثرت أن تورد حادثة جرت بين الخليفة الأمويّ معاوية بن أبي سفيان، وزوجته ميسون بن بحدل، حيث تذكر المستشرقة أنّه "قد سمع معاوية ذات يوم صوتاً حزيناً ينبعث من مخدع زوجته ميسون يردّد الأبيات الآتية: "ولبسُ عباءةٍ وتقرُّ عيني... أحبّ إليّ من لبس الشّفوفِ"، "وأكلُ كسّيرة في حجر بيتي... أحبُ إليّ من أكل الرّغيفِ"، "وخرق من بني عمّي ضعيف... أحبّ إليّ من علجٍ عنيفِ"، "وبيتٌ تخفقُ الأرواحُ فيهِ... أحبُّ إليّ من قصرٍ منيفِ"، فما كان من معاوية إلّا أن أخلى سبيلها. وأعطت ابنة الصّحراء للبريق والحرير ظهرها غير نادمة، وأسرعت لموطنها حيث للمرأة مكانتها واحترامها. مكانة عالية، واحترام زائد لم تعرفه المرأة الشرقيّة فيما بعد والذي لم يكن له نظير إلّا في الأندلس العربيّة. بل لقد فاقت مكانة المرأة في الأندلس كلّ هذا"، واكتفت المستشرقة بذكر تلك الأبيات الأربع من شعر ميسون بنت بحدل، وقد ذكر في كتاب حياة الحيوان الكبرى للدّميريّ أنّه "لمّا دخل معاوية، عرّفته الوصيفة بما قالت، وقبل إنّه سمعها وهي تنشد ذلك، فقال:.... هي طالق، مُروها فلتأخذ جميع ما في القصر فهو لها ثمّ سيّرها إلى أهلها بنجد، وكانت حاملاً بيزيد فولدته بالبادية وأرضعته سنتين، ثمّ أخذه معاوية منها بعد ذلك"، وميسون بنت بحدل بن أنيف الكلبيّة، هي زوجة الخليفة الأمويّ الأوّل ومؤسّس الخلافة الأمويّة معاوية بن أبي سفيان، ووالدة الخليفة الأمويّ الثّاني يزيد بن معاوية، و"كان لها دور كبير في الحياة السّياسيّة في الخلافة الأمويّة"، وهي "ذات جمال باهر وحسن عامر" وهي كانت تتزيّا بأبهى الثّياب الزّاهيّة.

اتّخذت المستشرقة زيعريد هونكه، تلك الحادثة التي ذكرتها في كتابها، مثالاً يوضّح الخصائص الشّخصيّة التي تتحلّى بها المرأة العربيّة، ولم يكن هذا الشّاهد البارز استثنائيّاً في حدوثه، بل أنه جاء بعد تاريخ طويل كثرت فيه الأدلّة على أنفة وعزّة المرأة العربيّة، ونحن إذ نضيف شاهداً آخر حاليّاً، فلأنّه ينشئ صورة عامّة تبيّن شؤون المرأة العربيّة منذ زمن يسبق أوان تلك الحادثة التي روتها كتب التّاريخ، فقد أورد الطّبريّ في تاريخه، وأبو الفرج الأصفهانيّ في كتاب الأغاني، أنّه كانت لملوك الأعاجم صفة من النّساء مكتوبة عندهم، فكانوا يبعثون في تلك الأرضين بتلك الصّفة، فإذا وجدت حملت إلى الملك غير أنّهم لم يكونوا يطلبونها في أرض العرب بشيء من ذلك، ولا يريدونه، فبدأ الملك في طلب النّساء فكتب بتلك الصّفة، وأمر فكتب بها إلى النّواحي، وكان أساس نشوء تلك الصّفة، أنّ المنذر الأكبر أهدى إلى أنوشروان جارية، كان أصابها إذ أغار على الحارث الأكبر الغسّانيّ بن أبي شمر، فكتب إلى أنوشروان يصفها له، وقال: إنّي قد وجهت إلى الملك جارية وتابع ذكر وصف تلك الجارية، فقبلها كسرى، وأمر بإثبات هذه الصّفة في دواوينه، فلم يزالوا يتوارثونها حتى أفضى ذلك إلى كسرى بن هرمز، الذي دخل عليه زيد بن عديّ، وقد ذكر أنّه كان يكثر الدّخول عليه، وهو في ذلك القول، فخاطبه فيما دخل إليه فيه، ثمّ قال زيد: إنّي رأيت الملك كتب في نسوة يطلبن له، فقرأت الصّفة، وقد كنت بآل المنذر عالماً، وعند عبدك النّعمان من بناته وبنات عمّه وأهله أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة، فقال له كسرى: "فتكتب فيهنّ"، فأجابه زيد بن عديّ قائلاً: أيّها الملك، إنّ شرّ شيء في العرب وفي النّعمان خاصّه أنّهم يتكرّمون _ زعموا في أنفسهم_ عن العجم، فأنا أكره أن يغيبّهن، عمّن تبعث إليه، أو يعرض عليه غيرهنّ، وإن قدمت أنا عليه لم يقدر أن يغيّبهن، فابعثني وابعث معي رجلاً من حرسك يفقه العربيّة، حتّى أبلغ ما تحبّه.

أجاب كسرى طلب زيد بن عدي بإرسال رجل يرافقه في ذهابه إلى عند النّعمان، إذ قرّر أن يبعث (كسرى) معه رجلاً جليداً، فخرج به زيد، فجعل يكرم ذلك الرّجل ويلطفه حتّى بلغ الحيرة. فلمّا دخل عليه (النّعمان) أعظم الملك، وقال: إنّه قد احتاج إلى نساء لأهله وولده، وأراد كرامتك بصهره، فبعث إليك فقال (النّعمان): وما هؤلاء النّسوة؟ فقال (زيد بن عدي): هذه صفتهنّ قد جئنا بها فقرأ عليه زيد هذه الصّفة، فشقّ عليه، فقال لزيد _ والرّسول يسمع: أما في عين السّواد ما تبلغون حاجتكم! فقال الرّسول لزيد: ما العين؟ قال: البقر، فقال زيد للنّعمان: إنّما أراد كرامتك، ولو علم أن هذا يشقّ عليك لم يكتب إليك به. فأنزلهما يومين، ثمّ كتب إلى كسرى: إنّ الذي طلب الملك ليس عندي، وقال لزيد: اعذرني عنده، فلمّا رجع إلى كسرى، قال زيد للرّسول الذى جاء معه: اصدق الملك الذي سمعت منه، فإنّي سأحدثه بحديثك ولا أخالفك فيه فلمّا دخلا على كسرى، قال زيد: هذا كتابه، فقرأه عليه، فقال له كسرى: فأين الذي كنت خبّرتني به؟ قال (زيد): قد كنت أخبرتك بضنّهم بنسائهم على غيرهم، وأنّ ذلك من شقائهم واختيارهم الجوع والعري على الشّبع والرّياش، واختيارهم السّموم والرّياح على طيب أرضك هذه، حتّى إنّهم ليسمّونها السّجن، فسل هذا الرّسول الذي كان معي عن الذي قال، فإنّي أكرم الملك عن مشافهته بما قال وأجاب به، فقال للرّسول: وما قال؟ قال: أيّها الملك، ما يكفيه حتّى يطلب ما عندنا! فعرف الغضب في وجهه، ووقع في قلبه منه ما وقع"، وتبيّن هذه الحادثة المدى الذي تصل إليه اعتزاز المرأة العربيّة، حتّى أصبح سمعتها منتشرة تعطّر شخصيّتها بمعانيها الرّفيعة، وباتت كتب التّاريخ تذكرها، ودواوين الملوك تثبتها، وذاكرة النّاس تعيها، وألسنة القوم تتناقلها.

تضمّن وقائع التاريخ العربيّ الأخبار العديدة التي تبيّن الصّفات الشّخصيّة الرّفيعة التي كانت تتميّز بها المرأة العربيّة، وقد رأينا تنوّع مجريات تلك الأحداث التي تروى عن خصائص شخصيّات النّساء العربيّات، فعلاوة على أخبار الأحداث التّاريخيّة، والقصائد الشّعريّة، والمراسلات الجارية في ذلك الزّمن القديم، فإنّه كانت لسير النّساء العربيّات، حصّة بارزة في ميدان الأمثال التي حفلت بها كتب التّاريخ والتّراث العربيّين، إذ كانت الأجيال المتعاقبة في المجتمعات العربيّة، تتناقل فيما بينها، عبارة كانت أصبحت منذ زمن موغل في القدم مثلاً يجري على ألسنة النّاس، وهذا المثل يدلّ على كرامة وشموخ وأنفة المرأة العربيّة في كلّ الأوقات، حيث أصبحت تلك الصّفات التي تميّزت بها النّساء العربيّات ثابتة وراسخة في نفوسهنّ، والمثل هو "تجوع الحرّة ولا تأكل بثدييها"،وهذه العبارة قد أصبحت مثلاً، لأنّها كانت مرآة أظهرت طبيعة الأفكار، التي صوّرت بعض وقائع الحياة التي يعيشها الأفراد العرب في الزّمن القديم، وتنتقل الأمثال فيما بين النّاس، لأنّها تعبّر عن معتقداتهم وأفكارهم، وطبيعة العلاقات الاجتماعيّة النّاشئة فيما بينهم، وأحوال الحياة التي كانوا يعيشونها، والأمثال هي حصيلة التّجارب التي يمرّ بها النّاس، والأنشطة التي يمارسها الأفراد، وهي تظهر حقيقة آراءهم في العديد من المواقف الاجتماعيّة التي يتّخذونها، وتكشف عن طبيعة المآرب التي يرمي الأشخاص إلى أن يحقّقوها، وكثيراً ما كانت الأمثال تسهم في صياغة معتقدات وأفكار النّاس في مدى زمنيّ ممتدّ، من دون أن تقف فاعليّة تأثيرها عند ذلك الحين الذي ظهرت فيه عبارات تلك الأمثال، التي كانت توضّح أيضاً العديد من القضايا التي يتصدّى النّاس لمعالجتها، وتفسّر المسائل التي توائم المضامين التي انطوت عليها، تلك المغازي التي اشتملت عليها تلك الأمثال.

كان يضرب هذا المثل، وهو تجوع الحرّة ولا تأكل بثدييها، لإظهار أنفة المرأة العربيّة واعتزازها بنفسها، إذ كانت تحجم عن أن تقايض كرامتها وعزّتها بكلّ المنافع البالغة والثّروات الكبيرة التي تقدّم إليها، فكانت النّساء العربيّات يعزفن عن قبول مظاهر الجاه التي تعرض عليهنّ، وعبارة هذا المثل، تضمّنت خلاصة تجربة إنسانيّة، وحادثة اجتماعيّة بارزة، والمعاني التي حوتها عبارة هذا المثل، تنطبق على كلّ أفراد المجتمع، سواء أكانوا رجالاً أم نسوة، وقد كانت المغازي التي تضمّنتها ماجريات الواقعة التي أفضت إلى إطلاق هذا المثل، تطابق المعاني التي اشتملت عليها الحادثتان، التي أوردتهما قبل الكلام عن عبارة المثل تجوع الحرّة ولا تأكل بثدييها، ولم تكن الأجيال المتعاقبة في المجتمعات العربيّة، تتناقل فيما بينها ذلك المثل، لو لم يدلّ على خصائص ثابتة، تتّسم بها شخصيّات النّساء العربيّات.

ملاحظة (1): سنذكر لاحقاً المراجع المتعلّقة بهذه المقالة.

ملاحظة (2): اكتفت المستشرقة زيغريد هونكه بأن تذكر هذا المقدار من أبيات الشّعر، وأمّا الأبيات كلّها، التي أنشدتها ميسون بنت بحدل، فقد كانت تزيد على هذا المقدار الذي أوردته في الكتاب تلك المستشرقة، وقد كانت زوجة الخليفة الأمويّ معاوية بن أبي سفيان، قد أنشدت أبيات الشّعر التّالية، بحسب ما هو مذكور في العديد من المؤلّفات وكتب التّاريخ:

"لبيت تخفق الأرواح فيه... أحبّ إليّ من قصر منيف"

"ولبس عباءة وتقرّ عيني... أحبّ إليّ من لبس الشّفوف"

"وأكل كسيرة في كسر بيتي... أحبّ إليّ من أكل الرّغيف"

"وأصوات الرّياح بكلّ فجّ... أحبّ إليّ من نقر الدّفوف"

"وكلب ينبح الطّراق دوني... أحبّ إليّ من قطّ أليف"

"وبكر يتبع الأظعان صعب... أحبّ إليّ من بعل زفوف"

"وخرق من بني عمّي نحيف... أحبّ إليّ من علج علوف"

"خشونة عيشتي في البدو أشهى... إلى نفسي من العيش الطّريف"

"فما أبغى سوى وطني بديلاً... وما أبهاه من وطن شريف"