تصنيف: التصنيف العام



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (114)

سنة النّشر 2009

عمد المفكّر فؤاد زكريّا إلى أن يشرح الأفكار التي يتضمّنها ذلك الفنّ الشّعبيّ، الذي لم يكن يقصد مطلقاً أن ينتقصه، أو ينال منه، وقد دعا إلى التّريّث والتّدقيق جيّداً في قابليّة الأعمال الموسيقيّة الشّعبيّة، لأن تمدّ بمددها تلك الأعمال الفنّيّة الموسيقيّة التي يؤلّفها الموسيقيّون في الوقت الحاليّ، حيث ذكر: "ولست أرمي من ذلك إلى نقد فنّنا الشّعبيّ في ذاته، إذ أنّ هذا الفنّ كان أميناً في تصويره للأحوال التي مرّ بها شعبنا خلال تاريخه الطّويل. ولكنّي فقط أرمي إلى أن تكون نظرتنا إلى الفنّ الشّعبيّ _في مجال الموسيقا_ نظرة نقديّة فاحصة. فإلى هؤلاء الذين يعتقدون بأنّ الخلاص من ضيق الأفق الذي تعانيه الموسيقا المصريّة في وقتنا الحاليّ لا يكون إلّا بالرّجوع إلى الأنغام الشّعبيّة، إلى هؤلاء أتوجّه بأسئلتي هذه، آملاً أن يجيبوا عنها إجابة صريحة أمينة: أليس الفنّ الشّعبيّ _دائماً_ سجلّاً لمختلف الأحداث التي مرّ بها الشّعب؟ وهل كانت الأحداث التي مرّ بها شعبنا إلّا سلسلة متّصلة من الاضطهادات، يمارسها الطّغاة من المحتلّين الأجانب، أو المستبدين من الإقطاعيّين والمستغلّين؟ إذن فقد كان من الضّروريّ أن تنعكس هذه الظّروف على فنّنا الشّعبيّ عامّة، وعلى موسيقانا الشّعبيّة بوجه خاصّ، فأصبحت أنغام هذه الموسيقا نواحاً وبكاء، حتّى حينما لا يستدعي الحال مثل هذا الحزن".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (113)

سنة النّشر 2009

اهتمّ المؤلّفون الموسيقيّون الجادّون، والباحثون والمفكّرون العرب بمعالجة موضوع الاقتباس من التّراث الموسيقيّ، والاستفادة منه، وقد ناقش المفكّر فؤاد زكريّا أولئك الذين يتشبّثون بالأعمال الموسيقيّة الشّعبيّة، والذين ميّزهم عن أولئك الأشخاص الذين يروّجون دعاوة الأخذ بالتّراث الموسيقيّ القديم، رافعين شعار الحفاظ على القوميّة في ممارسة النّشاط الموسيقيّ الإبداعيّ، حيث ذكر: "وأمّا الرّأي الآخر، الذي يبدو متعارضاً مع دعوتنا إلى اقتباس الأساليب الغربيّة، فيتقدّم به مفكّرون تقدّميّون، ينادون بدعوة مشابهة في ظاهرها للدّعوة السّابقة، ولكنّها في مرماها وجوهرها مناقضة لها_ تلك هي دعوة الرّجوع إلى الفنّ الشّعبيّ. ونقول إنّ هذه الدّعوة مشابهة في ظاهرها لما يدعو إليه المحافظون من تمسّك بالقالب الشّرقيّ القديم بوصفه هو القالب "القوميّ" فالفنّ الشّعبيّ بدوره فنّ مصطبغ بالصّبغة المحلّيّة، نابع من ظروف مجتمع بعينه. ولكنّ جوهر الدّعوة إلى التّمسّك بالفنّ الشّعبيّ تناقض فكرة القوميّة، إذ أنّها لا تبنى على اعتقاد راسخ بأنّ إنتاج شعب معيّن لا يفهم إلّا في الدّائرة التي نتج خلالها، بل إنّها تنطوي على إيمان بأنّ أيّ فنّ شعبيّ، مهما كانت صبغته محلّيّة، يمكن أن ينقل ويفهم ويقدّر على نطاق أوسع كثيراً من نطاقه المحلّيّ، فالفنون، مع كونها شعبيّة، هي في حقيقة الأمر عالميّة، أو إنسانيّة: فالفنّ الذي يخلقه شعب معيّن، ويصبغه بصبغته، قادر على التّأثير في كلّ الشّعوب الأخرى. ولا جدال في أنّ هذه النّظرة إلى الفنون الشّعبيّة أصدق من نظرة المحافظين، الذين يبالغون في تقدير أهمّيّة "الطّابع القوميّ".

أثبت المفكّر فؤاد زكريّا أحقّيّة الفنّان في تناول الفنون الشّعبيّة، ومعالجتها بأسلوب فنّيّ يعتمد أسس العلوم الموسيقيّة، ولكنّه حذّر من تلك المعاني الثّاوية في أعطاف تلك الفنون، إذ قد تناقض وتخالف تلك الأفكار، التي يقصد الفنّان أن يعبّر عنها في عمله الموسيقيّ الذي يؤلّفه، وقد صرّح برأيه في طبيعة الفنّ الشّعبيّ، إذ قال: "والحقّ أنّ التّعارض بين ما ندعو إليه من دراسة للأساليب الغربيّة، وبين الدّاعين إلى الرّجوع إلى الفنّ الشّعبيّ، ليس تعارضاً شديداً، بل إنّ ما نرمي إليه هو في حقيقة الأمر محاولة لتصحيح معنى الرّجوع إلى الفنّ الشّعبيّ في مجال الموسيقا، ذلك لأنّ دعاة فكرة الفنّ الشّعبيّ يبلغ بهم التّحمّس حدّاً يجعلهم في بعض الأحيان يخطئون فهم الفكرة ذاتها. فالفنّ الشّعبيّ تنعكس عليه دائماً مختلف الأحداث التي مرّ بها الشّعب، فيكون سجلّاً صادقاً يصوّر تاريخ الشّعب في تطوّراته وتقلّباته. والذي لا شكّ فيه أنّ تاريخنا الشّعبيّ الطّويل كان في معظم فتراته تاريخ الظّلم والاضطهاد اللذين ظلّ شعبنا يعانيهما حتّى الأمس القريب. حقّاً إنّ الكفاح ضدّ هذا الاضطهاد لم ينقطع، غير أنّ تعاقب مظاهر الاستبداد واحداً بعد الآخر لم يترك للشّعب فرصة في ممارسة تجربة الحرّيّة والتّغنّي بها في فنونه. وانعكس ذلك على أوضح صورة ممكنة في موسيقانا الشّعبيّة، فأصبحت زاخرة بمعاني الذّلّ والخضوع، وانعكست المعاني على الألحان فإذا بها حزينة باكية، لا تقبل على الحياة بقدر ما تندب حظّها فيها".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (112)

سنة النّشر 2009

اشتدّت عزائم المؤلّفين الموسيقيّين العرب على تخطّيهم العوائق التي تحول دون أن يواصلوا عملهم الفنّيّ الإبداعيّ، وكانت غالبيّة تلك العوائق أقحمت في نشاطهم الفنّيّ الإبداعيّ، الذي لم يكن يفرزها تلقائيّاً، حيث لم تكن تعبّر قط عن خواصّ تلك الممارسة الفنّيّة التي جاءها أولئك الفنّانون الموسيقيّون، الذين ألفوا أنفسهم منهمكين في معالجة قضايا لم يتمخّض بها العمل الفنّيّ الصّرف، وقد أورد الموسيقار عزيز الشّوان بعضاً من تلك الأشاغيل، التي تعرقل مزاولة الفنّان الموسيقيّ نشاطه الفنّيّ، حيث ذكر: "ولقد باءت بالفشل كلّ محاولة لجمع الشّمل أو توحيد الكلمة أو التّعاون في إنشاء اتّحاد لمؤلّفي الموسيقا... بهدف رفع شأن الموسيقا، ومدّ يد العون للنّاشئين وإبداء المشورة الصّادقة للأجهزة والهيئات الحكوميّة، التي تحتاج للموسيقا في نشاطاتها، أو إعادة النّظر في تعليم الموسيقا للصّغار، أو الوقوف ضدّ توكيل شؤون هذا الفنّ إلى ذوي النّفوذ أو متسلّقي المراكز، أو الذين آلت إليهم السّلطة بحكم الأقدميّة. فكلّ اهتمام هؤلاء ينحصر في جعل كلّ ما يقدّم من أعمال مجالاً لزهوهم وأبّهتهم. إنّهم مراكز قوّة يهتدون بأقوال غيرهم لعدم معرفتهم أو خبرتهم، فيخطئون أو يقولون ولا يفعلون، جهادهم ضجيج وطنين وإصلاحهم شعارات وإعلان".

رأى الموسيقار عزيز الشّوان أنّ مكافحة مظاهر التّخلّف في قوام العمل الموسيقيّ، الذي تحدّث عنه، سيطول أمدها إن استمرّ وجود تلك العوائق التي تحول دون أن يتحقّق النّهوض بالفنّ الموسيقيّ، إذ بيّن "أنّ المواطن المصريّ يشعر بأنّ مكانته عالية بين شعوب العالم، بما له من تاريخ وحضارة في ماضيه، ولكنّ هذا الشّعور بالانتماء إلى ماض خالد يجب أن يتحوّل، فالماضي قد فات وانقضى، وأن يكون هذا التّحوّل انتقاليّ إلى الحاضر والمستقبل، بما فيهما من الأساليب العلميّة الحديثة، أمّا في الموسيقا وإلى يومنا هذا، ما زال العاملون في هذا الحقل متمسّكون بالقديم والتّخت، رافضين العلوم الموسيقيّة كالهارمونيّة والبوليفونيّة بحجّة أنّها آتية من الغرب، متجاهلين أنّه بدونها لن تصل موسيقانا إلى البلاغة في التّعبير أو المستوى الحضاريّ".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (111)

سنة النّشر 2009

إنّ تلك الحفلة التي أدّيت فيها أعمال الموسيقار صلحي الوادي، لقيت إقبالاً كبيراً عليها من أفراد الجمهور، وقد أكّد الموسيقار عزيز الشّوان أنّ المثقّفين والأشخاص المستنيرين في الوطن العربيّ، يهتمّون بتذوّق المؤلّفات الموسيقيّة الجادّة التي يؤلّفها الفنّانون الموسيقيّون العرب، وإن كان بحسب اعتقاد الموسيقار عزيز الشّوان، توجد فئة من النّاس، لا ترغب في أن تبذل الجهد الذي يهيّئها لتذوّق تلك الأعمال الموسيقيّة الجادّة تذوّقاً أمثل، حيث قال: "والمثقّفون الواعون لا ينكرون مجهودات المؤلّفين الدّارسين في عصرنا هذا... فهناك هوّة شاسعة بين الفنّ الشّائع أو الدّارج أو القديم وبين فنّ المجدّدين، ولا يرجع السّبب في وجود هذه الهوّة إلّا لتكرار القديم المملّ، والإصرار على زرعه في عقول ووجدان الفئة المتعلّمة من المجتمع (وهم بالتّأكيد لم يبلغوا مرتبة المثقّفين). ومن ناحية أخرى فلم يعد تقدير الصّفوة للمؤلّفات الموسيقيّة الجديدة القائمة على أسس علميّة، تؤثّر في رأي الغالبيّة العظمى من فئات الطّبقات الصّاعدة، التي تبحث عن المتعة السّهلة التي لا تتطلّب التّركيز والإصغاء أو التّفكير. ومثل هؤلاء لا يفكّرون قطعاً في تثقيف أنفسهم".

كثيراً ما نسبت أعمال موسيقيّة تافهة سخيفة إلى جملة روائع الأعمال الفنّيّة الموسيقيّة، التي أقحمت في عدادها تلك الأعمال السّاقطة، وحدّد الباحثون والمؤلّفون الموسيقيّون أنفسهم، تلك الشّروط التي يتوجّب تحقّقها ضمن العمل الموسيقيّ كي يوسم بأمارة الفنّ، وقد أدلى الموسيقار عزيز الشّوان برأيه في موضوع تعيين الوسيلة المثلى إلى تمييز العمل الموسيقيّ الفنّيّ، من تلك الأعمال الموسيقيّة التي لا تنضوي إلى نطاق الفنّ الموسيقيّ، إذ ذكر: "وهل هناك شروط أو مواصفات إذا توفّرت أصبح الشّيء فنّاً؟. وللإجابة على هذا السّؤال علينا أن نفرّق بين ما هو فنّ وما هو ليس بفنّ، أو ما كان على هامش الفنّ. ولزيادة التّأكيد نكرّر إنّ ما يدخل في مجال الفنّ هو العمل الموسيقيّ الذي له قالب واضح المعالم، وله تصميم إنشائيّ بحيث تكون له بداية ووسط ونهاية، كما في الحركة الأولى من قالب الصّوناتا، وبالتّالي السّيمفونيّة والكونشيرتو أي به عرض ونماء وتلخيص، وبحيث لا يسبق أحد هذه الأقسام قسم آخر، إنّه النّظام المنطقيّ لسرد أيّ موضوع، كما وأنّ ارتباط الأقسام ببعضها وارتباطها جميعاً بالموضوع أمر مهمّ للغاية".

لم يخامر اليأس والقنوط نفوس المؤلّفين الموسيقيّين الجادّين في الوطن العربيّ، حيث واصلوا دأبهم في تنفيذ مهامّهم الفنّيّة الجليلة، التي تواكب مساعي سائر أبناء الأمّة العربيّة في تحقيق تطوّر كافة أوجه الحياة في الأقطار العربيّة، وقد أكّد الموسيقار عزيز الشّوان وجوب اعتماد الفنّانين الموسيقيّين الجادّين العرب، أن يرتقوا بالذّائقة الفنّيّة عند كلّ من أفراد الشّعب العربيّ، إذ قال: "وإذا كانت تحدث في مجتمعنا في هذه المرحلة إصلاحات اقتصاديّة واجتماعيّة، أفلا يجب أن يحدث مثلها في الفنّ؟ أليس مطلوباً من الأديب والفنّان أن يغيّرا مفاهيم الشّعب ليرتقى بذوقه وإدراكه؟ إنّه من واجبهما أن يناضلا في سبيل إقناع من لا يريد أن يقتنع بما أهو أفضل وأجدى في سبيل فتح النّوافذ والأبواب المغلقة، ليدخل النّور إلى عقول النّاس فيرتقي الوعي ويتقدّم المجتمع. إنّ عظمة الشّخصيّة الفنّيّة تنحصر في قدرتها على تغيير مفاهيم المتلقّي وتوسيع أفق مداركه الفنّيّة. كما وأنّ ارتقاء الفنّ هو أقصى اختبار يدلّ على حيويّة كلّ حقبة من تاريخ شعب ما".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (110)

سنة النّشر 2009

كان النّتاج الفنّيّ الموسيقيّ أيضاً ردّاً بليغاً حصيفاً، أجاب به المؤلّفون الموسيقيّون الجادّون في الوطن العربيّ، على ذاك الجدال الذي ثار بين النّاس في شؤون الموسيقا العربيّة، من دون أنّ يقلّل ذلك الرّدّ الذي جاء في صورة المؤلّفات الموسيقيّة الجادّة، أهمّيّة الشّرح النّظريّ والتّحليل الفكريّ الرّفيع، اللذين خاض غمارهما المؤلّفون الموسيقيّون، والمفكّرون والبحّاثة العرب، حيث تضافرت تلك الجهود التي بذلوها جميعهم، في تبصّرهم في شؤون أحوال النّشاط الموسيقيّ في الوطن العربيّ، وقد طرح على الموسيقار صلحي الوادي مسألة ممارسة الفنّان الموسيقيّ عمليّة التّأليف الموسيقيّ، وقد ارتأى أن يستبدل بإجابته النّظريّة على ذلك الموضوع الفنّيّ، بتقديم جواب عمليّ موسيقيّ إبداعيّ، يبيّن فيه رؤيته في الطّريقة التي يتوجّب أن تمضي فيها عمليّة ذلك التّأليف الموسيقيّ، وقد كان هذا الجواب العمليّ على سؤال نظريّ طرحه عليه أحد الصّحفيّين، وقد مهّد لتقديم تلك الأعمال الموسيقيّة في حفل موسيقيّ، بكلمة قال فيها: "سؤال طرحه عليّ صحفيّ شابّ مؤخّراً، كان بإمكاني الإجابة عليه بمحاضرات مطوّلة حول ربع الصّوت، والمقامات وافتقار ما سمّاه هو "بالموسيقا السّائدة" إلى عناصر هامّة في التّركيب الموسيقيّ، لا أقلّها انعدام وجود الانسجامات الصّوتيّة (HARMONY) والتّشابكات اللّحنيّة (COUNTERPOINT) والتّوزيع الأوركستراليّ (ORCHESTRATION) والهندسة الشّكليّة (FORM)، كلّ هذه مواصفات موسيقيّة إن فقدت في أيّ موسيقا، فإنّ هذه الموسيقا تبقى ناقصة ومشوّهة ولا يمكن أخذها مأخذ الجدّ. فكّرت بسؤال هذا الشّابّ وقرّرت أن أقدّم حفلاً لأعمال لحّنتها مبنية على مفهومي الشّخصيّ لما يجب أن تكون عليه موسيقانا عربيّة، قوميّة، علميّة وإنسانيّة، وتتحدّث لهجة العصر. لا أدّعي أنّني وفي هذه الموسيقا قد حقّقت مفهومي هذا، أو أيّ جزء منه، لكنّني أقدّم هذه الموسيقا كتجربة ذاتيّة وشخصيّة، فإن لقيت الرّفض فرجائي أن يكون هذا الرّفض آتياً من آذان مدركة وصاغية وناقدة. أمّا إن لقيت بعض الاستحسان فالشّكر يعود إلى الأساتذة كونستانتين بزرودنوف ورسيم عبد الله يف وسنثيا الوادي، الذين بذلوا جهداً جبّاراً لترويض فوضويّة الصّفحات الموسيقيّة التي وضعتها أمامهم".

إنّ هذه الكلمة التي قدّم بها الموسيقار صلحي الوادي تلك الحفلة التي عزفت فيها مؤلّفاته الموسيقيّة، تبيّن رؤيته الفنّيّة النّافذة إلى ذلك الأسلوب الذي يجب أن يتّبعه الفنّانون الموسيقيّون العرب، في تأليف الأعمال الموسيقيّة الجادّة، وقد تحدّثت عن هذه الحفلة في مقالة نشرتها في جريدة تشرين، وقد ضممتها إلى كتابي الذي نشرته العام الفائت، وهو كتاب قطاف المعازف، وكان ذلك الجواب العمليّ الذي قدّمه الموسيقار صلحي الوادي، بليغاً وفصيحاً في تبيين السّبيل التي يتوجّب أن ينتهجها الفنّ الموسيقيّ في البلاد العربيّة.



بنى جدّي الحاجّ محمود رحمة أوائل الأبنية في حيّ المزرعة في مطلع سنوات الخمسينيّات، وهو كان بنى عمائر كثيرة في دمشق وبيروت أيضاً، وما زال العنوان البريديّ لأبنية عديدة في حيّ المزرعة، حتّى هذا الأوان الحاليّ في عام 2019، يتضمّن اسم عائلة جدّي، وهو رحمة، وقد سكنت عائلتي في البناء الذي كان أشاده جدّي في حيّ المزرعة، في منتصف عقد الخمسينيّات من القرن العشرين،وما زلنا نقطن حتّى الآن في ذلك البناء، الذي اتّخذه أهلي مسكناً لهم، في إثر انتهاء جدّي من تشييده، فبلغت المدّة التي استمررنا على أن نقطن فيه، أربعة وستين عاماً، وكان واصل جدّي نشاطه في مضمار بناء وبيع الأبنية السّكنيّة في مدينة دمشق، حتّى حوالي منتصف سنوات السّتينيّات، وقد كان رجلاً عصاميّاً، ومحبّاً لأن يأتي أفعال الخير كثيراً.

تظهر والدتي في هذه الصّورة، ترتدي طقماً أنيقاً، وهي تضع يدها برفق على سور الشّرفة، وكانت تبتسم ابتسامة رقيقة، وكان صفّفت شعرها المتناسق، بترتيب فائق، وكانت والدتي تمسك بيدها اليمنى، حقيبة لاءمت ذلك الطّقم الذي كانت ترتديه، ويظهر بوضوح في هذه الصّورة، الفضاء الخلاء، الذي كان يميّز منطقة المزرعة في ذلك الأوان من سنوات الخمسينيّات، حيث كان البناء الذي نسكن فيه، يرتفع في مكان يجاور حديقة المزرعة، التي كان يطلّ عليها منزلنا، ويبدو في عمق هذه الصّورة المكان الذي ظهرت فيه حاليّاً ساحة جامع الإيمان، وهي فارغة تماماً من الأبنية.



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (109)

سنة النّشر 2009

نفى المفكّر فؤاد زكريّا أن يكون متحاملاً على الإنسان العربيّ، الذي لم يخصّ ذلك الإنسان وحدَه، بإنحاء تلك اللّوائم على الذين يتسبّبون بإحداث ذاك التّقصير في تنمية الذّائقة الفنّيّة عند الإنسان العربيّ، حيث ذكر المفكّر فؤاد زكريّا: "ولست أرمي من ذلك إلى أن ألوم جمهور المستمعين وحدهم، ففي الحقّ أنّ طبيعة الألحان التي تقدّم إليهم مسؤولة إلى حدّ بعيد عن طريقة استماعهم إليها، والقالب الذي تتّخذه تلك الألحان بما فيه من سعي إلى إرضاء المستمع إرضاء رخيصاً، هيّناً، سريعاً، هو الذي أدّى إلى ضياع القدرة على الاستماع الهادئ العميق لدى الجمهور المتذوّق للموسيقا الشّرقيّة. وهكذا يبين لنا، من العرض السّابق، أنّ عناصر اللّغة الموسيقيّة الأربعة تتّخذ في الموسيقا الشّرقيّة صورة هزيلة فيها كثير من العيوب، بل إنّ من هذه العناصر ما لا يتمثّل في تلك الموسيقا على الإطلاق، وقد يرى القارئ في هذا النّقد شيئاً من القسوة، غير أنّ القسوة تظلّ دائماً مستحبّة طالما أنّ فنّاً أساسيّاً كالموسيقا يظلّ على هذه الحال من التّخلّف، بل من البدائيّة. أمّا من يرى فيه شيئاً من التّجنّي فلا أدعوه إلّا إلى أن يفكّر في هذه التّحليلات بطريقة علميّة موضوعيّة، وأن يدع جانباً كلّ العوامل الانفعاليّة الذّاتيّة، وعندئذ فمن المحتمل إلى حدّ بعيد أنّه سيلمس هذه النّقائص بنفسه، ويساهم بدوره في بذل الجهود لتلافيها".

إنّ تلك الحال الوضيعة التي آل إليه مصير الموسيقا العربيّة، لفتت انتباه المفكّر فؤاد زكريّا الذي بيّن مكامن الوهن فيها، وعلى قدر اتّسام نقده وتحليله الفنّيّين بالدّقّة والصّراحة، فلا بدّ من أن يكون حديثه الذي جلا فيه عن أسباب تردّي تلك الموسيقا، مؤلماً وموجعاً، حيث كان باعث ذاك الإيلام تمثّل في صدق محبّته، ومضاء عزيمته على تحقيق النّهوض بأحوال الموسيقا العربيّة، وقد حضّ النّاس دائماً على اتّباع نهج التّفكير المنطقيّ الصّائب في معالجة شؤون الفنّ الموسيقيّ في الأقطار العربيّة.



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (108)

سنة النّشر 2009

بلغ المفكّر فؤاد زكريّا في سرد أقواله عن شؤون الموسيقا في بلاد المشرق، إلى إدراك ضالته المنشودة التي تمثّلت في تحديده العنصر الرّابع المفقود في قوام الموسيقا الشّرقيّة، التي اكتملت بغياب ذاك العنصر الأخير أسباب افتقادها إلى أسس الفنّ الموسيقيّ القويم، فذكر قائلاً: "والعنصر الأخير، وهو القالب أو الصّورة، يكاد يكون مفقوداً بدوره"، ثمّ ما لبث أن وضّح تأثير غياب ذاك القالب الموسيقيّ في اعتلال الذّائقة الفنّيّة عند الإنسان الشّرقيّ، إذ ذكر: "فالمستمع الشّرقيّ يبحث دائماً عن النّشوة العاجلة، وهو الطّرب المستمرّ في الألحان. إنّه لا يبذل جهداً في الفهم أو التّعمّق: فكلّ ما يسمعه بسيط، سطحيّ، وكلّ ما يقدّم إليه سهل الهضم، بل إنّ الفنّان الذي يطربه يقدّم إليه في كلّ لحظة ما يبعث الاكتفاء في نفسه. فهو لا يطالبه بالمثابرة على تتّبع لحن طويل إلى نهايته، بل يقدّم إليه اللّحن على أجزاء صغيرة، كلّ منها مكتف بذاته، وكلّ منها وحدة كاملة لها نهايتها الخاصّة، وما على المستمع إلّا أن يترقّب هذه النّهاية التي سرعان ما تأتي إليه فيتمّ رضاؤه، ولكنّ على حساب التّمتّع الفنّيّ الصّحيح".

ارتقى حديث المفكّر فؤاد زكريّا عن تلك المآخذ التي شابت الموسيقا الشّرقيّة، إلى رتبة النّقد الفنّيّ الرّصين، وقد أخذ يحدّد خصائص ذلك التّلقّي الذي يتلقّف فيه الإنسان العربيّ الأغنيات والموسيقا العربيّة، حيث يفتقد أسلوبه في استماعه تلك الأعمال الموسيقيّة العربيّة، إلى آليّة التّذوّق الفنّيّ الصّحيح والقويم، فهو يتقبّلها حتّى من دون أن يعمل فكره فيها، فإن غابت أدنى مراحل ذلك التّفكير عند الإنسان الشّرقيّ في تلقّيه تلك الأعمال الموسيقيّة، فليس في وسع أحد أن يعزو طريقة تلقّي الإنسان العربيّ تلك الأعمال، إلى ذلك الخيار الذي يقع فيه ذوق ذلك الإنسان، وقد وصف المفكّر فؤاد زكريّا ذلك المتلقّي العربيّ، حيث ذكر: "ومن هنا كان ذلك الطّابع الخاصّ الذي ينفرد به المستمع الشّرقيّ: فهو لا يملك القدرة على الاستماع المنتبه الدّقيق، وليست به حاجة إليه، بل إنّه يبدي إعجابه بلا تحفّظ، كيفما شاء، وحينما يشاء، ويستطيع أن يهتف أو يصرخ كما يروق له، فهو ليس بالمستمع الهادئ الرّزين، الذي يحترم الموسيقا ويتابعها بكلّ حواسه إلى أن تنتهي، وعندئذ يبدي إعجابه كما يشاء، وإنّما هو مستمع صاخب، يدأب على التّعليق والمقاطعة، ولا يعرف الاتّزان إليه سبيلاً، وأوضح أمثلة على ذلك، تلك الحفلات الغنائيّة الطّويلة، التي يظلّ المستمعون خلالها في صراخ وهتاف دائمين، ويظهرون رضاءهم في أيّ وقت، وبأيّة كيفيّة، تحلو لهم. ومثل هذا الجوّ التّشنّجيّ الصّاخب هو في الحقّ سبة في وجه الفنّ الصّحيح، وهو إذا كان يصلح لحلقات الذّكر أو حفلات "الزّار"، فإنّه أبعد ما يكون عن مجال الموسيقا، ذلك الفنّ الرّفيع، الذي يبعث في النّفس الهدوء والسّكينة، والذي يفسده أيّ صخب وتشوّهه أقلّ ضوضاء".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (107)

سنة النّشر 2009

اعترى الأغنية العربيّة والموسيقا العربيّة خلل بيّن، أفاض المفكّر فؤاد زكريّا في الحديث عنه، حيث أوضح سريان الضّعف في قوام تلك الموسيقا العربيّة، فقال: "وحسبنا أن نشير هنا إلى ما يمكن أن يلاحظه أيّ ذهن مدقّق على معاني هذه الأغنيات من رومانتيكيّة ساذجة، واهتمام مفرط بمشكلة الحبّ يعبّر عن التّعقيدات الجنسيّة التي تعانيها أجيالنا الحاليّة في الشّرق أوضح تعبير، بل يزيد هذه التّعقيدات بالتّنبيه إليها والإلحاح عليها_ كلّ هذا في قالب يغلب عليه الحزن واليأس، ويعكس ما ظلّت شعوبنا الشّرقيّة تعانيه طويلاً من حرمان، وما خدعت به من تزييف لأهداف الحياة، حتّى أصبح محترفو الموسيقا عندنا يتبارون في التّأوّه والتّباكي، وتقاس مكانة كلّ منهم تبعاً لمقدار ما يستطيع استدراره من دموع! فعالمنا الموسيقيّ إذن ينحصر في نطاق ضيّق للغاية، هو نطاق الأغنية، وحتّى في هذا النّطاق الضّيّق لا تؤدّي الموسيقا وظيفتها الصّحيحة على الإطلاق....والخلاصة إذن، أنّنا إذا اختبرنا الموسيقا الشّرقيّة في ضوء العنصر الأوّل من عناصر اللّغة الموسيقيّة، وهو اللّحن، وجدنا أنّها على الرّغم من كونها لحنيّة في أساسها، فإنّها تلجأ في ألحانها إلى أساليب تفقد العمل الفنّيّ جدّته وطرافته المستمرّة، وتضفي عليه طابعاً يبعث في الأذن الخبيرة قدراً غير قليل من الملل. وليس رأينا هذا حكماً ذوقيّاً صرفاً، بل إنّنا دعمناه بتحليل موضوعيّ صرف لطبيعة اللّحن في هذه الموسيقا، تكشف من خلاله عيوبه الأساسيّة".

تابع المفكّر فؤاد زكريّا تحليله الرّصين لأحوال الموسيقا في البلاد العربيّة، مؤكّداً افتقارها إلى العناصر الأساسيّة التي تشكّل قوام الفنّ الموسيقيّ الرّفيع، وقد أثبت أنّ "في عنصر الإيقاع بدوره تظهر الموسيقا الشّرقيّة تخلّفاً واضحاً"، ووالى حديثه عن غياب تلك العناصر الرّئيسيّة، فقال: "أمّا العنصر الثّالث من عناصر اللّغة الموسيقيّة، وهو التّوافق الصّوتيّ، فهو غريب تماماً عن الموسيقا الشّرقيّة"، ثمّ توصّل في بحثه في شؤون تلك الموسيقا الشّرقيّة إلى أن يظهر أنّ "هذه الموسيقا (الشّرقيّة) تسير في تيّار لحني متّصل، يتّصف بالسّطحيّة ضرورة. ذلك لأنّ التّوافق الصّوتيّ هو مصدر عمق الموسيقا الغربيّة: فبفضله تتّخذ الموسيقا عند السّامع ألواناً متجدّدة على الدّوام، ويستطيع المرء أن يكشف فيها_ كلّما أعاد الاستماع إليها_ معاني جديدة، بل إنّه يزداد فهماً لها كلّما ازدادت مرّات استماعه إليها، إذ يتمكّن من تتبّع التّيّارات الخفيّة التي تكمن خلف التّيّار الظّاهر، ويلمس مدى براعة المؤلّف في الجمع بين كلّ هذه التّيّارات في وحدة متكاملة. أمّا الموسيقا الشّرقيّة، فلمّا كانت ذات تيّار واحد_ هو في ذاته ساذج إلى حدّ بعيد_ فإنّ تكرار الاستماع إليها لا يؤدّي إلاّ إلى الملل....لهذا السّبب لم تكن لدينا "كلاسيكيّات" شرقيّة، أعني قطعاً تظلّ قيمتها محفوظة على مرّ الزّمان، كما هو الحال في موسيقا باخ وموتسارت التي مرّ عليها قرنان من الزّمان أو يزيد، ولا زالت تحتفظ بمكانتها إلى اليوم_ بل إنّ من المؤرّخين الموسيقيّين من يؤكّد أنّ تقدير النّاس لها يزداد باطّراد! فموسيقانا الشّرقيّة هي موسيقا "موسميّة"، والأغلبيّة العظمى من مقطوعاتها لا تعيش أكثر من موسم، ثمّ تختفي غير مأسوف عليها، فقد استنفدت أغراضها، وعاشت بقدر ما بذل فيها من جهد!".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (106)

سنة النّشر 2009

أخذ المفكّر فؤاد زكريّا في إيراد آرائه، بتحديد ذاك الأسلوب الذي سيمضي فيه في معالجة شؤون النّشاط الموسيقيّ، داعياً إلى أن تشحذ أذهان النّاس، وتتنبّه عقولهم في تبصّر أحوال تلك الأنشطة الموسيقيّة التي تجري في بلاد المشرق، فقال: "من الواضح أنّ هذه الموسيقا (الشّرقيّة) تقف عاجزة تماماً عن التّعبير عن أيّ معنى أو أيّة عاطفة. فالموسيقا الشّرقيّة لا تملك بذاتها أيّ قدرة تعبيريّة، وإنّما تكاد تجربتنا الموسيقيّة كلّها تنحصر في الأغاني وحدها. فإذا بحثت عن موسيقا خالصة، فلن تجد إلّا محاولات بدائيّة قصيرة خفيفة، لا تعبّر عن شيء، وليس لها شأن يذكر بجانب الأغاني، ولا تؤثّر على الجمهور أدنى تأثير، رغم سهولة فهمه لها، إذ أنّها بدون كلمات الأغنية عاجزة تماماً. بل لقد كنّا، حتّى الأمس القريب، نطلق على الموسيقا الخالصة اسماً ذا دلالة عميقة، هو اسم "الموسيقا الصّامتة"! كأنّ الموسيقا بطبيعتها يجب أن تكون كلاميّة لتكون "ناطقة" وكأنّ الموسيقا وحدها فنّ أخرس، وأصواتها المتعدّدة بأسرها "صامتة" إن لم تصاحبها كلمات الأغنية!! ولا جدال في أنّ في اعتماد الموسيقا على الأغنية وحدها هو أوضح مظاهر تأخّرها، إذ أنّ الأغنية بطبيعتها محدودة المجال تكفي الكلمات فيها _في كثير من الأحيان_ للتّأثير على السّامعين، مهما كانت سذاجة الموسيقا التي صيغت فيها. والحقّ أنّ لدينا من الأغنيات ما لا يشيع إلّا بفضل إعجاب السّامعين بألفاظها، أو تقديسها لمعانيها، في الوقت الذي تصل فيه أنغامها إلى أقصى درجات السّذاجة والإملال....فحين نتحدّث إذن عن فنّ الموسيقا الشّرقيّة، ينبغي أن نذكر دائماً أنّ هذا الفنّ لم يصل بعد إلى درجة الاكتفاء الذّاتيّ، وأنّه لا زال فنّاً للأغاني، كما كان الحال في الموسيقا الغربيّة منذ ما يقرب من أربعمائة عام! فنحن نستعين بالألفاظ دائماً في تذوّق الموسيقا، وفي إضفاء معنى عليها، ما دامت موسيقانا الخالصة، إن وجدت، خالية من كلّ معنى، بل إنّ وحدة الهدف بين الموسيقا والكلمات في الأغنية الواحدة تكاد تكون مفقودة، إذ أنّ تلحين الأغنية يصلح لأيّة أغنية إذا اتّفقت معها في الوزن الشّعريّ، ومن الممكن أنّ تحلّ موسيقا أغنية حزينة محلّ موسيقا أغنية مرحة، دون الشّعور بأيّ تنافر بين الكلمات والألحان".