مقتطفات من رواية أناشيد الألم (65)

سنة النّشر 1987

تشعّب مقالي معها في البدء إلى الكلام عن شواغل أيّامي الماضية، فحدّثتها عمّا تتصوّره من تلك العوائق التي حالت بيننا، ولم تكن في حقيقة الأمر إلّا تلك الشّؤون، التي سعيت في أن أدعم بها أسباب ابتعادي عنها فترة وجيزة من الزّمن، إلّا أنّها تداعت بغتة حاليّاً، لعدم تمكّني من الصّبر على استمرار ذلك التّنائي الذي فرّق بيننا.

أمعنت النّظر في ملامحها بعدما فرغت من حديثي، فألفيتها تنفث من فاهها زفرة حارّة، وظهرت في جبهتها معالم القلق، وما إن أدركتْ ذلك الجزع والحيرة اللذين انتاباني، وأنا أنصت لتلك الأنّات الشّاكية التي تنسلّ من لجّة خواطرها، حتّى سارعت إلى الحديث قائلة:

دهمني أمر طارئ فيما مضى من الأيّام، أثار في نفسي بواعث القلق، إذ ألمّت بوالدي أعراض المرض، فرأيت أفول نضرته، وذبول بشرته، وذهول نظرته، ودأبت في أن أخفّف عنه ذلك العناء الذي يكابده، فعكفت على تحقيق تلك المهامّ العاجلة، والتّصدّي لتلك الوقائع المستجدّة.

تلقّيت بأذن مصغية كلماتها التي أفصحت فيها عن تلك الهموم التي اعترتها، ولم تكد تنهي حديثها، حتّى بادرت إلى أن أقول لها:

آمل أن ينعم سريعاً بالإبلال من أوصاب المرض، ويهنأ بالفرجة من تلك الغموم.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (64)

سنة النّشر 1987

فتنتني لهجتها المنمّقة بعذوبة الألفاظ، ورقّة العتاب على امتداد ذلك الغياب الذي حال بيننا، وقد خمنّت سبب غيابي عنها بعض الوقت، بذلك الاعتقاد الخاطئ، وفي جليّة الأمر لم تبرح صورتها قط خيالي، ولم ينقطع اتّصالها بي مطلقاً، وقد سعيت إلى ملاقاتها الآن، لأتحرّر من قيد العواطف، وإسار اللّواعج، اللذين أوثقتني بهما، ولا أدري حقيقة تلك الجلادة التي تمدّني بنفحات منها، ولا أعلم كنه ذلك البأس الذي تهبه لي، حينما أغدو بالقرب منها، حتّى أنّي أصبح متحرّراً من سلطان نفوذها وقوّة تأثيرها في نفسي، وهذه الحالة التي أمسي فيها، لا أعلّلها بما تسكنّه رؤيتي لها من هيجان مشاعري، وما تهدّئه من حدّة انفعالي وفوران خواطري، وهي أشياء تنمو بدوام الهجر وتعظم بطول الغياب، فيجيء التقائي بها انشراحاً لنفسي، وانفراجاً لأحاسيسي من الاضطراب، إلّا أنّ كلّ تلك الأفكار، لا توضّح كنه علاقتي مع نادية، ولا تفسّرها تلك الآراء التي تذهب إلى أن ترجّح شأن البعاد على سائر الأسباب، في إذكاء أوار اللّواعج، فلا أقرّ تلك المعتقدات والأفكار، ولا أدين أو أذعن لها، وإن أشادت بها البراهين كافّة، ونوّهت بها الأدلّة كلّها، لأنّني كنت أستمدّ من نادية تلك القدرة على تشديد عزيمتي على أن أجاريها، فتهيّئ لي الوسائل التي أتذرّع بها إلى أن أسايرها في تلك العلاقة النّاشئة بيننا، فكانت تثبّت إرادتي بهباتها الجزيلة، وتمتّن مريرتي بعطيّاتها الجليلة، إذ  نفحتني بمدد من القوّة، التي أعزّز بها ثبات تلك الشّمائل التي أتخلّق بها، من دون أن تقتّر عليّ في نفحاتها، أو تمنّ عليّ بعطائها، فكان خير لها أن تراني إنساناً صحيح الفكر، قويم الجسم، يفصح عن إعجابه بها، ويصرّح بمودته لها، عوضاً من أن يهيم بها امرؤ مختلّ الفكر، معتلّ الحسّ، تفتك به تباريح ذلك الهوى الذي يضرم مشاعره، وتتيّمه غمرات ذلك العشق الذي يوقّد نيران الجوى في كيانه، فجعلتني إنساناً سويّاً يجهر بعاطفته نحوها، فترى الدّلائل على إعجابي بها مشعّة في بريق تلك العبرات التي تترقرق في عينيّ، وتتيقّن بحقيقة مشاعري، من ذلك الوجد الذي تسفر عنه أسارير وجهي، فآثرت أن تبصرني على تلك الهيئة من الأنفة والعزّة، بدلاً من أن تراني امرأ برحّت به أدواء العشق، فلا تمرّغ جبيني علل الغرام في غمار الهوان، ولا تقرّح أجفاني قطرات الدّمع المتحدّرة، فنفحت كياني تلك القوّة التي أمتّن بها إرادتي، لتمتّع نفسها، وتسرّ خاطرها، وتبهج فؤادها، برؤية مخايل مودّتي متجلّية في وجهي، ولا تفجع ذات يوم بغيابها ولا تمنى بضياعها.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (63)

سنة النّشر 1987

اشتدّت قرّة الشّتاء، وجلّلت أرجاء السّماء سدم الضّباب، ثمّ ما لبثت أن انتشرت في أصقاعها السّحب الدّكناء، ففتنت بتلك المشاهد وهمت بتلك المناظر التي كنت أراها، وارتدّت خواطري إلى قرارة نفسي، لتسكن في أغوارها وتهدأ في ظلالها، إلّا أنّ سرعان ما ألفت ذلك القرّ المنتشر في أعماقي، حيث انطفأ في أغوار نفسي أوار تلك الرّوابط التي كانت تؤلّف بيني وبين سائر الأشخاص، فأصاب خواطري، ذلك البرد الذي حثّها على معاودة طوافها، فسعيت إلى أن أطرح فورتها نحو معالم الطّبيعة، وانطلقت هواجسي إلى رحاب هذا العالم، واستحالت مشاعري إلى دفقة رقراقة من مياه الجداول، وإلى رعشة خافقة من اهتزاز أعشاب المروج، فانعكست صور أحاسيسي عن مرآة الكون الفسيح، وكانت تحجب عن باصرتي تلك المشاهد التي تتدفّق من ظواهر الطّبيعة ولوائح الكون، رؤية تلك الأخيلة والهواجس الدّائرة في فكري، فأهنأ بهدأة البال ورواح النّفس، ولم تكن تحدّني تلك الأجواء الصّاخبة عن تجوالي في طرقات مدينة دمشق، وإن كنت أختصر أحياناً مدّة مسيري، حينما أسلك شوارعها الممتدّة، وأجوب أحياءها الفسيحة.

لم أجد معابة أو نقيصة في انشغالي عن تلك الأفكار التي تخطر في بالي، حينما أطمح ببصري إلى معالم الطّرقات حولي، فأعرض عن تلك الخواطر الجائلة في نفسي، وأنطلق نحو أمور طارئة وأحداث متغيّرة، وأحيد عن ذلك العالم الذي يحدق بي بشرائعه القائمة على مذاهب الفكر، فأتنقّل في هذا التّجوال في أحوال الشّعور المختلفة، وما إن أدرك ناحية من أرجاء المدينة حيث يلذّ لي المقام، ويطيب لي الاستقرار، حتّى سرعان ما آخذ في أن أشدّ رحالي وأواصل تجوالي، بحثاً عن المكان الذي يحيطني بأجوائه الهادئة، ومبانيه العامرة وأشجاره الزّاهرة، فلا أرى بدّاً من أن أتّجه إلى حديقة المزرعة، وأمرّ بالقرب من منزل نادية، فيصبح شأنيّ كحال أولئك العشاق الغرار، وهم يسعون في إتمام لوحة أطيافهم وصورة أحلامهم، بدنوّهم من تلك الأطلال التي تحتويها، فيقصدون مزارها، ليستمدّوا منها بلغة يسيرة من نفحات الأمل، من دون أن يدركوا أنّ مركب حياتهم يمخر بين لجج الضّياع وأمواج الضّلال.

مضت تلك الأيّام من دون أن أراها فيها، وانبعثت في نفسي نزية الشّوق، فحاولت عبثاً إخمادها، وتجلّدت بالصّبر وتعمّدت السّلوان عنها، من دون أن أفلح في مسعاي، فقصدت إلى ملاقاة نادية بعيد انتهائها من فروض عملها، فصادفتها في الطّريق التي كانت تسلكها في أثناء عودتها إلى منزلها، وما إن ألفتني مقبلاً نحوها، حتّى تهلّل وجهها فرحاً وبشّ محيّاها، فتبادلنا التّحيّة، وعرضت عليها أن أسايرها حتّى تصل إلى الحيّ الذي تقطن فيه، فرحبت باقتراحي قائلة:

_يخامرني الأنس بلقائي بك الآن، وأرغب في أن أطّلع منك على شواغل أيّامك، وبواعث أمورك التي صرفتك عنّي في الفترة الماضية.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (62)

سنة النّشر 1987

هبّت الرّيح البليلة نديّة النّفحات، وما برحت الشّمس تدنف متهيّأة للأفول، فتحزم أشعّة ضيائها، وتضمّ حبال سنائها، وأعود إلى منزلي بعد طوافي في طرقات المدينة الوادعة، عاكفاً على أن أشقّ دربي وأمهّد طريقي في ملس الظّلام، فأواصل مسيري في مهابّ ريح همزى، ولم أكد أقترب من مدخل البناء الذي أقطن فيه، حتّى انتهى إلى مسمعي جلبة تعالت ضوضاؤها في أرجائه، فألفيت جاري صالح يباغت بعض الشّبان اليفعة والفتيان النّاشئين، الذين ما فتئوا يجوسون بأقدامهم الأعشاب الرّطبة النّابتة في جوانب المدخل، ويعيثون في الزّرائع فساداً، ويتلفون أفنان الأشجار الممتدّة من فسحة منزله، ورأيته يتوعّدهم بشدّة العقاب، ويستنكر مغبّة طيشهم، ويحمّلهم تبعات فعالهم، وكانت تقف بالقرب منه ابنته ليلى، وقد لاحت على محيّاها معالم الوقار والرّزانة، فوارت بوادر غضبها وحميّا انفعالها خلف ستار من الدّلّ والهدوء، وبدت في بشائر وجهها دلائل السّكينة، وأدركت مقدار اهتمام جاري صالح بهذه الأعشاب المنتشرة في مدخل البناء، وبتلك الأشجار المزروعة في فناء منزله، وتبادلت معه التّحيّة، وأقبل إليّ وقد تساير الغضب عن وجهه، وسكن اضطراب جأشه، وخاطبني بلهجة هادئة، وهو يشير إلى الأعشاب والأشجار قائلاً:

_إنّها سلواي الوحيدة، وأبذل جهدي في رعايتها، بقدر ما تبهجنا بزهوها، وتسرّنا بنضارتها.

سرّتني عنايته بتلك النّباتات الزّاهرة، فقلت له:

_لا تكون عاقبة ذلك الجهد الذي تبذله، الخسران ولا النّدامة، إن ارتدّ إليك من شقائك في الكدّ وعنائك في الجدّ، ذاك النّتاج النّضير، والحسن الوفير.

وألفيت ليلي تمسك بيدها طاقة من النّباتات والورود البهيّة، وما لبث أن تلقّف والدها منها تلك الحزمة الزّاهية، ثمّ قدّمها إليّ قائلاً:

_احتفظ بتلك الطّاقة من الورود لديك، لتسترجع بتأمّلك في منظرها البهيّ، وبتنسّمك روائحها العطرة، ذكرى تلك الحادثة التي شهدتها الآن.

والتفت إلى ابنته وقال لها بلهجة غلب عليها المزاح والدّعابة:

_لن تتحسّري على ضياعها، وتتلهّفي على فقدانها، فسوف يوليها تمام الاهتمام.

فأجابته ابنته الشّابّة ليلى على الفور قائلة:

_إنّها جديرة بالبقاء في حوزة السّيّد باسم، فسيوفّر لها الرّعاية اللّائقة والعناية البالغة.

وما لبثت أن ودّعت جاري صالح وهو يدعوني بإلحاح إلى القدوم إليه في منزله، وفوّض إليّ أن أتخيّر الفرصة المناسبة للمجيء إليه، وقبل أن أنصرف عنه، خاطبني قائلاً:

_ابذل جهدك في حفظ تلك الغراس والورود، فهي خليقة بأن تدوم نضارتها، ويصان بهاؤها.

صعدت في الدّرج وأنا أقلّب عباراته الأخيرة في ذهني من أوجهها المختلفة، وتأويلاتها المتعدّدة، فأبتسم لكلّ مغزى تلمّح إليه، حتّى اعتراني الخجل من جراء انطلاق أهوائي وراء تلك التّخيّلات الطّائشة.

تجري على رقعة الشّطرنج، وقائع التّنافس الرّياضيّ الذي يجمع بين اللّاعبين اللذين يتحفّز كلّ منهما، لأن يضع الخطط، التي ينظّم بها حركة القطع، فوق تلك الرّقعة التي تنقسم إلى مربّعات متتالية في ثمانية صفوف متجاورة، ويتناوب لون تلك المربّعات بين البياض والسّواد، وهي متساوية في المساحة، ومتطابقة في الشّكل، ويعمد كلّ من لاعبي رياضة الشّطرنج، إلى أن يحرّك قطعه وينقلها على تلك المربّعات، وفق تلك الخطّة التي كان اعتمدها في الأساس، فرياضة الشّطرنج "تلعب بالذّهن قبل الأصابع"، فعندما يتهيّأ لاعب هذه الرّياضة الذّهنيّة، لأن ينفّذ النّقلة، التي يحرّك فيها إحدى القطع، بعد أن يفتكر في الوضع الذي تتّخذه أحجار الشّطرنج، يمدّ يده ممسكاً تلك القطعة، بينما كان ذهن اللّاعب يوجّه تلك اليد في حركتها، وكان عالم الرّياضيات والفيزيائيّ والفيلسوف باسكال قد قال أنّ "الشّطرنج هو قاعة رياضيّة خاصّة للعقل"، فلا غرو من أن تعتبر رياضة الشّطرنج، هي المعيار الذي يقاس به معدّل الذّكاء بحسب اعتقاد الكاتب الألمانيّ غوته، وقد كان أحد أبطال العالم في هذه اللّعبة، اعتقد أنّ الشّطرنج هو "أكثر من لعبة"، حيث تجتمع في هذه اللّعبة "المعالم الفنّيّة الأكيدة والعناصر العلميّة الكثيرة"، ويستند اللّاعبون إلى الرّؤية النّافذة التي يمتلكونها، ليضعوا الخطط الملائمة لينفّذوها على الرّقعة، التي يتبيّن فيها أنّ "كلّ التّصوّرات ضمن لعبة الشّطرنج لها قواعد هندسيّة"، واعتبرت تلك اللّعبة هي "طريقة ملائمة لتمرين العقل"، فتسهم رياضة الشّطرنج في تنمية القدرات العقليّة، وإذا كانت قد تعدّدت تلك الفوائد الجليلة التي تحقّقها هذه الرّياضة، فإنّه يتحتّم الاستفادة من المنافع كلّها، التي تجلبها لعبة الشّطرنج إلى اللّاعبين الذين يمارسونها، وأن ينعم بتلك الفوائد النّاس كلّهم، طوال العمر الذي يتاح لهم فيه أن يزاولوا رياضة الشّطرنج.

يتّسع مدى ذلك الزّمن، الذي يستطيع فيه النّاس، اكتساب تلك الفوائد التي تنفحها إليهم رياضة الشّطرنج، إذ يتاح لهم التّنعّم خلال فترة طويلة، بتلك المنافع العديدة التي يحصلون عليها حينما يمارسون تلك اللّعبة الرّياضيّة، ولا عجب في أن تطرأ على البال الفكرة التي يتصوّر فيها، بداية الزّمن الذي تزاول فيه تلك الرّياضة في حياة الإنسان، إذ يحدّد ذلك الوقت في مرحلة الصّغر، وتحديداً عند سنّ الطّفولة، فينشأ الأطفال الصّغار منذ تلك السّنّ المبكرة، مستفيدين من منافع شتّى تنجم عن مزاولتهم لعبة الشّطرنج، وقد تبيّن أنّ "لعب الشّطرنج منذ سنّ مبكرة يحفز الإبداع عند الأطفال"، ولا يعسر على أحد من الأشخاص، مهما كان بلغ من العمر، حتّى إنّ كان طفلاً غضّ الإهاب، أن يلمّ بقواعد هذه اللّعبة وأسرارها، ويتمكّن من أن يزاولها، فالأطفال وإن كانوا في سنّ الرّابعة من العمر، فإنّهم "يمتلكون ما يكفي من المهارات المعرفيّة لتعلّم تحريك القطع على رقعة الشّطرنج"، وقد ثبت أنّ هذه اللّعبة الذّهنيّة تجلب الفائدة إلى الأطفال "على المستويين المعرفيّ والذّهنيّ"، فلعبة الشّطرنج لها "تأثير إيجابيّ على تنمية القدرات الفكريّة خاصّة في مجال الرّياضيات"، فتنشّط لعبة الشّطرنج عمليّة التّفكير، ولا تنحصر فوائد الشّطرنج في تنمية القدرات العقليّة، إذ أنّها تؤكّد أيضاً "تعزيز وتنمية المهارات الاجتماعيّة، وبخاصة عند الأطفال الذين يواجهون صعوبة في التّفاعل والتّعامل مع الآخرين"، فتحقّق عند الأطفال صغار السّنّ التّنمية الاجتماعيّة العاطفيّة، التي تهيّئهم لبناء العلاقات الاجتماعيّة، وإنشاء روابط الصّداقة التي تجمعهم مع أقرانهم الأطفال الصّغار.

يمتلك الأطفال الذين يمارسون لعبة الشّطرنج بانتظام، القدرة على "التّركيز في المسائل الفكريّة"، إذ كان هؤلاء الأطفال قد تمرّسوا في أثناء اللّعب "بتحليل الخيارات الممكنة أمامهم، وهو ما يجعلهم منفصلين تماماً عن كلّ ما يحيط بهم"، فيحشدون طاقتهم في التّمعّن بعمق في أوضاع تلك القطع المنتشرة على الرّقعة، التي يقوم عليها ذلك التّباري بين لاعبي رياضة الشّطرنج، وتتسبّب تلك اللّعبة الذّهنيّة بأن تنشّط عند اللّاعبين "نصف الكرة المخّيّة، ممّا يحسّن أداء الدّماغ ويعزّز العلاقة بين الخلايا العصبيّة، ومجمل ذلك التّأثير يسهم في تحسين الحسّ الإبداعيّ، حيث أنّ لعب الشّطرنج منذ سنّ مبكرة يحفز الإبداع عند الأطفال"، وكانت تلك النّتائج المستخلصة من تجارب علميّة واختبارات عديدة، تثبت تلك الحقائق التي تبيّن تأثير رياضة الشّطرنج، في أعضاء جسد الإنسان، وفي أحواله النّفسيّة، حيث تبيّن "أنّ درجة اختبار الإبداع قد زادت بمعدّل محدّد، بالنّسبة للطّلّاب الذين لعبوا رياضة الشّطرنج، مقارنة بالنّسبة لأولئك الذين لم يراهنوا على هذا التّدريب"، فرياضة الشّطرنج تنمّي مهارات الطّلّاب الحسابيّة واللّفظيّة، بالإضافة إلى أنّ تلك الرّياضة "تتسبّب بالوقاية من الإصابة ببعض الأمراض النّفسيّة والعصبيّة"، وقد كان العديد من مؤهّلات الطّلّاب، تنمو وتتعزّز عندهم، بعد أن يخوضوا في مزاولة رياضة الشّطرنج، التي كانت "تحسّن المهارة الفكريّة وتطوّرها، وهي أمور مكتسبة وليست موهبة"، وقد تميّزت رياضة الشّطرنج، بقدرتها على تعزيز قدرة دماغ الأطفال، علاوة على أنّها تتسبّب أيضاً بازدياد معدّلات الذّكاء عندهم.

إنّ ممارسة الأطفال هذه الرّياضة الذّهنيّة في فترة مبكرة من حياتهم، يؤدّي إلى أن يتعزّز عندهم "التّفكير النّقديّ والتّحليليّ ومهارات التّصوّر، بالإضافة إلى ازدياد  قدراتهم المعرفيّة"، وأثبتت دراسات عديدة في دول شتّى، تأثير هذه الرّياضة الذّهنيّة في "المهارات اللّفظيّة للطّلّاب، على الرّغم من عدم احتواء اللّعبة على أيّة مهارات لفظيّة، وسبب ذلك أنّ اللّعبة تشحذ العقل كلّيّاً"، ويحسّن الشّطرنج أيضاً مستوى الذّكاء العاطفيّ، بالإضافة إلى "مهارات التّواصل الاجتماعيّة وقراءة لغة الجسد، نظراً لأنّ هذه اللّعبة تحتاج هذه المهارات لتوقّع ردود أفعال الخصم"، وتشمل الفوائد التي تنتج عن مزاولة لعبة الشّطرنج، كبار السّنّ أيضاً، إذ تسهم في الحفاظ على قدراتهم العقليّة، وتدرأ عنهم "المشاكل العصبيّة الانتكاسيّة كالخرف ومرض الزّهايمر"، فتتحقّق فوائد الشّطرنج في كلّ مراحل العمر، وهي لعبة "ليست معقّدة في الأساس"، حيث يستطيع النّاس عموماً "أن يفهموا القواعد الأساسيّة للعبة، والتّدرّج في مستوى التّطوّر المستمرّ"، وتنمو القدرات العقليّة عند من يزاولون رياضة الشّطرنج، بعد أن يتمرّسوا "بالمران الدّائم، ولعب مباريات كثيرة، بغضّ النّظر عن نتيجتها"، وتعتبر رياضة الشّطرنج هي "لعبة إستراتيجيّة رائعة"، تسهم في شحذ العقل، وتساعد على التّفكير "بطريقة أكثر فعّاليّة ومنطقيّة، وتتسبّب في تحسين الذّاكرة، وتطوير مهارات القراءة الخاصّة"، ويستخدم الأطباء الإخصائيّون في الطّبّ النّفسيّ، لعبة الشّطرنج في علاج مرضى الاضطراب النّفسيّ، إذ شاعت "طرق العلاج النّفسيّ الإبداعيّ، ومعالجة الاضطرابات العصبيّة والسّلوكيّة، وحقّق ذلك العلاج النّجاح في التّعامل مع الأطفال الذين يعانون الاضطرابات العصبيّة والسّلوكيّة"، وقد كان الطّبيب والكيميائيّ والفيلسوف أبو بكر الرّزاي "854_ 925"، استخدم في بغداد "إستراتيجيّات وتكتيكات الشّطرنج في مساعدة المرضى على التّفكير بوضوح"، فتظلّ الفوائد التي يحصل عليها من يزاول لعبة الشّطرنج، تزداد باطّراد، حتّى باتت تتنوّع أوجه تلك المنفعة، التي ينعم بها الشّخص الذي يمارس هذه اللّعبة الذّهنيّة.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (61)

سنة النّشر 1987

إنّ لعلائق الغرام سبلاً شتّى، ولروابط الولع طرائق عدّة، تتّبعها كي تصل إلى نفوس النّاس، فإن أغلقت دون تلك الصّلات، المنافذ التي تفضي بها إلى فؤادي، وصدفت عن بهجة الحبّ ومسرّته، تفِد حينئذ أنسامه إليّ، من خلال معابر الفكر والذّهن، فيكون رسوخ تلك العاطفة آنئذ في شغاف القلب أمتن، وأحار في أمري، كيف غفلت عن تلك الحقائق، أوتنتهي بي الحال التي أمسيت فيها، إلى تمنعّي عن الإقرار بالبديهيّات إلّا بعد أن أرى عياناً تحقّقها وثباتها، وعلى الرّغم ممّا توصّلت إليه من هذا الاعتقاد، فإنّي لا أبرح أروغ عن تلك الحقيقة الجليّة، وأكاد أزعم أنّ لا رجيّة لي في تحقيق ائتلافي مع الأشخاص الآخرين، فأغدو منفرداً بنفسي في عزلة دائمة، فليتني ملكت قياد عواطفي، لسهل عليّ التّحرّر من حبائلها، ولتسنّى لي الخلاص من مصائدها، وتهيّأ لي النّجاة من مكائدها، أمّا الآن فهيهات أن أبلغ هذه الحالة المرغوبة إلّا إذا أصبحت مأفون العقل، ومأفوك الرأي، تلوح في فكري مظاهر البلاهة، وتظهر في ذهني معالم العتاهة، فحينما أتنكّر لحقيقة تولّعي بنادية، وتعلّقي بطيفها الذي يراود خيالي، أطفئ حينئذ اتّقاد ذهني، وأمحو جذوة إدراكي، فما إن يتلاشى كلّ أثر لتلك العاطفة، وتهمد شعلة نيرانها في نفسي، حتّى سرعان ما تغيب عن تفكيري أسباب الوعي والفهم، وأجرّد من الفطنة، وتتبدّد في خاطري النّباهة.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (60)

سنة النّشر 1987

دأبت في أن أوطّدجهدي، وأشدّد عزمي فيما خلا من الأعوام على أن أوسّع رقعة معرفتي، وبساط فكري، كي أتّقي رياح الغرام الملتهبة، فآمن من هبوبها وأنجو من حرّها اللّافح، بيد أنّي خلت أنّ الشقّة الممتدّة من سعة تفكيري، قد تحول بيني وبين الأشخاص الآخرين، فسعيت إلى أنّ أسدّ تلك الفرجة الفاصلة، وأردم تلك الهوّة التي تحجز بيننا، بما أظهره من طويّتي، وأفصح عنه من سريرتي، وإن كنت أقبل على تلك المكاشفة متردّداً في أمري، كي لا أرغم على أن أعقد عهود الألفة، وإبرام مواثيق المودّة مع من يجهد في أن يتبصّر متأمّلاً في أفكاري، ويكدّ في الإحاطة بها علماً، تقديراً منّي لجهده، واعترافاً بصنيعه الذي أسداه إليّ، فأظنّ عندئذ أنّ ارتباطي به لن يحدث فيه الانفصام، وأنّ عشرتي معه لن يصيبها التّصدّع، إلّا أنّ في الأيّام الغابرة، لم تكن تتحقّق بيني وبين الأفراد الآخرين تلك الرّابطة، التي كنت أفتكر فيها، حتّى صادفت نادية، ففوجئت بتبوّئها تلك السّدّة الرّفيعة، التي لم يكن في وسع أحد، أن يقيم بذراها، على مرّ السّنوات الماضية، بعد أن تمّكنت من أن تدرك أفكاري، وتتفهّم مشاعري، فكأنّ الفكر والعاطفة يقيمان في الموضع ذاته في علاقتي مع نادية، حتّى حسبت أنّهما كوّنا صورة واحدة لهيأتين مختلفتي الأحوال، فلم أميّز إحداهما عن الأخرى، أو أفصل بينهما، ولم تتحقّق تلك الرّابطة النّاشئة بين هاتين الحالتين اللتين تآلفتا معاً، لو لم تكن نادية، تتّسم برهافة الحسّ ونباهة الخاطر وحدّة التّفكير.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (59)

سنة النّشر 1987

وقع في ظنّي أنّ لتلك العاطفة مسلكاً فريداً ومعبراً وحيداً، تمرّ فيه أنسامها، من خلال فوران المشاعر المضطرمة في أتون ملتهب، وإذا ما رادت حولي رياحها العليلة اللّيّنة، عندما كنت في عنفوان الشّباب، أعمد إلى أن أجثو خاشعاً آنئذ في رحاب العاطفة، فأتنزّه عن مثالب الأهواء، وأتخلّص من معايبها، فلا يطرأ على بالي أو يجول في خاطري إلّا أن أتضرّع إلى صورة تلك الفتاة، التي كانت تمكّنت من أن تثير مكامن الشّعور في نفسي، وأتودّد إلى هيئتها التي ملأت خيالي، إلّا أنّي أجد نفسي الآن، خليّاً من تلك الأحاسيس، فلا يثيرني طرب، أو يبعثني وجد، فيظلّ فكري على هموده، ويستمرّ ذهني في شروده، وإن كنت أحاول عبثاً أن أشغلهما بأشياء عديدة في بعض الأحيان.

كنت أخوض في الحديث مع نادية، عن مشاغل الحياة المختلفة، ومجريات الوقائع المتنوّعة، من دون أن نتطرّق في كلامنا إلى شؤون العاطفة، إلّا أنّي أدركت أنّ كلّ مشهد من الصّور العديدة التي تتبدّى فيها أحوال الحياة، يغلّف ذلك الشّعور المحتجب، ويواري تلك العاطفة المستترة، التي لا ألمح معالمها ولا أتبيّن مظاهرها، إلّا بعد أن تضع أغلالها في يديّ، فأخضع لها، وأذعن لأحكامها، ولم أكن أصدع بتلك الحقائق، التي تتبيّن فيها طبيعة ذلك الشّعور الذي ثار في نفسي، ولم أجهر بالقول الذي يفصح عن تلك الحالة التي أمسيت فيها، وبتّ أنسب لواعج العاطفة وأشجانها التي تعتريني، إلى تلك الأطياف التي تلوح في مخيّلتي، وأشير إلى انشراحي باحتباس تلك الغموم في صدري، وأدلّ إلى سكون الخواطر في نفسي، بنزوان مشاعري واضطرابها، وهذا شأن الإنسان، فإنّه يصوّر حقيقة أحواله أحياناً، بما يلائم أفكاره المشوّشة، وما يوافق خواطره الملتبسة، وكثيراً ما يظنّ أنّ الضّرر الذي يداهمه، هو وهم مخادع، فإن واجهه بحراب الأذيّة وأسنّتها المرهفة، يدرك آنئذ أنّه أمر محتّم لا طائل له على ردّه، ولا طاقة فيه على دفعه عنه.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (58)

سنة النّشر 1987

ما برحت تعتلج في نفسي فورة العشق، الذي يعلن زفير توقّده في أنّاتي الهامسة، واحترست في علاقتي مع نادية، من أن أدرك تلك الحالة من هيجان العواطف وتأجّجها المستعر، وكنت أجد في أيّامي الغابرة عبرة ممضّة وعظة أليمة، فأذكر تلك الأيّام التي شببت فيها، وأنا أتترّف بمسارّ الهوى وأتنعّم بلذّات الحبّ، وكنت أصون عواطفي في حرز العفاف والنّزاهة، فلا أقترف إثماً ولا تدنّس خلقي معابة، إلّا أنّني لم أجنِ من ثمار هذه العاطفة إلّا غموم الكلافة وأشجان اللّهفة، وكنت أتعمّد في أحاديثي مع نادية ألّا أعرض هذا الجانب من حياتي، الذي أسرّ بسرد مقالي عنه، وأزهو حينما أشير إليه، وهو النّاحية التي يتدفّق منها سيل عواطفي النّاشئة في شرخ شبابي، والمتحدّرة من آكام ذكرياتي، فأهنأ ملتذّاً باستحضار تلك الذّكريات بصورها الأليمة ومشاهدها الموجعة، فأزيل عنها الوقائع التي تراكمت عليها، والأحداث التي تكدّست فوقها، وأرفع عنها غشاية النّسيان، فتصبح واضحة الصّور جليّة الأشكال، كيوم حدوثها بل كساعة نشوئها، ولم أثر تلك الذّكريات في مضاجعها، وأبعثها من رقادها، وأستنهضها للمثول في ذهني، كي أبعث تارة أخرى ألمها الممضّ، بل لأنّها نشأت في ذاك الأوان الذي تألّقت فيه بلّة شبابي، وانطلقت في ذلك الحين الذي زها فيه رونق صباي، فأفتن بالهموم والأشجان التي كانت انبعثت في تلك الأوقات المنصرمة، فعلى قدر ما كانت يفضي بي ذلك الأسى، إلى اليأس والقنوط في ذلك الأوان من سنين حياتي، فإنّه الآن تنتشي نفسي ويطرب حسّي لتلك الذّكريات التي تجول في خاطري، فكأنّي أرشف مرّ الشّراب من كأس مزخرفة الطّلاء، ومذهّبة الأرجاء وموشّاة الأنحاء، فلا آبه لما يقطّعه من حشاي ذلك الشّراب، فأعجب بذلك الإناء الذي حواه، فكان شأني على تلك الحالة التي لا أزايلها، عندما أستذكر تلك الأيّام الغابرة، فتفتنني تلك المشاعر التي كانت أثارتها في نفسي وقائع تلك الذّكريات، وكانت كلّ العبر النّيّرة التي أستخلصها من تلك الأحداث، التي جرت في أيّام الصّبا والشّباب، يخمد وميضها في نفسي، ويهمد بصيصها إلى أن يكاد يتلاشى في فكري، حتّى أنّي كنت كلّما تطرّقت إلى إنشاء علاقة جديدة، أسعى فيها إلى أن أعقد أواصر التّعارف والمودّة بيني وبين فتاة، كان يتّفق لي أن ألتقيها، يخيّل لي آنئذ، أنّي أخوض أوّل مرّة في غمار العاطفة.

أتترّف: أتنعّم.

بلّة شبابي، البلّة: نضارة الشّباب.