توالى ظهور المخترعات الحديثة في هذا الزّمن الحاليّ، فبدأت تتسارع وتيرة إنجاز المبتكرات التي أصبح العديد منها، ركائز أساسيّة يعتمد عليها النّاس في أعمالهم ونشاطهم الذي يزاولونه، وامتدّت آفاق الابتكارات حتّى شملت ميدان شبكة المعلومات ووسائل تكنولوجيا الاتّصالات، حيث "اتّسعت شبكة الإنترنت العالميّة التي أصبحت أكبر شبكة معلومات"، وقد شبّه هذا التّطوّر الحاصل في مجال وسائل الاتّصالات المنتشرة على شبكة الأنترنت، بأنّها "ثورة تكنولوجيّة"، وتنوّعت الغايات التي رمى الأفراد الذين يستخدمون أدوات الاتّصالات المتطوّرة، إلى أن يدركوها، فأثبتت دراسة أجريت عن شبكة الأنترنت، قبل عام 2001، "أنّ حوالي 90% من مستخدمي شبكة الويب يبحثون بصفة أساسيّة عن الأخبار والمعلومات"، واندفعت مؤسّسات الإعلام إلى تلبية تلك الحاجة التي أعرب عنها أولئك المستخدمون، فبدأت أعداد كبيرة من الجرائد والمجلّات والصّحف ومحطّات الإذاعة تنشئ مواقع لها على شبكة الويب، وغدت تلك المواقع، موطئ قدم لها، في ذلك الميدان الواسع في شبكة الأنترنت، التي وصفت بأنّها شبكة اتّصالات عالميّة، إذ "انتشر استخدامها بصورة مذهلة في السّنوات الأخيرة، بسبب طبيعتها الدّيناميكيّة التّفاعليّة"، وأفادت إحصاءات منشورة في مطلع هذا القرن الثّالث "أنّ أكثر من 2700 جريدة تنشر في معظم أنحاء العالم، سعت إلى تقديم خدماتها إلى القرّاء المستخدمين لشبكة الإنترنت عن طريق تحميل الجرائد ذاتها على الإنترنت. كما أنّ أكثر من 800 محطّة تلفزيون أصبح يتوفّر لها مواقع على شبكة الإنترنت"، ولا ريب في أنّ النّسبة في هذا الأوان الحاليّ، هي بالفعل آخذة في الازدياد.

تنوّعت تلك الخدمات الأساسيّة المتوفّرة على شبكة الإنترنت، وكان أبرز تلك الوسائل الخدميّة، هو "البريد الإلكترونيّ:E- mail، ويعتبر وسيلة تبادل الرّسائل الرّقميّة، التي يسّرت تحقيق التّواصل بين النّاس، من دون أن تبرز عوائق تباعد بينهم، سواء أكانت تتحدّد بالمسافات الطّويلة التي تفصل بين الأماكن التي يحلّون بها، أو كانت تلك الموانع تتعيّن في تلك المدد الزّمنيّة الطّويلة، التي كانت تستغرقها عمليّة تحقيق التّواصل فيما بينهم، فأسهم البريد الإلكترونيّ، أو البريد الشّبكيّ، في أن يجعل العالم قرية صغيرة، وقد شبّهت شبكة الويب بمكتبة كبيرة تشتمل على مصادر وثائق المؤلّفين، وكتاباتهم ومؤلّفاتهم التي ينشرونها.

استدعى ظهور وسائل التّواصل على الأنترنت، أن تجرى الأبحاث التي قورنت فيها تلك الوسائل الحديثة، بتلك الأدوات والأجهزة القديمة التي كانت منتشرة في الزّمن الماضي، وقد وجد في إحدى تلك الدّراسات المنشورة أنّ "النّمط الجديد من استخدام الإنترنت لا يعتمد على وجود ملكيّة خاصّة للفحوى المحمول على الشّبكة، وأصبحت الوظائف المؤدّاة بواسطة المشتركين في بيئة الإنترنت غير محدودة، كما في نماذج النّشر والبثّ الإذاعيّ التّقليديّ على سبيل المثال"، فباتت شبكة الإنترنت تتيح الوسائل التي "تمكّن أيّ شخص متواجد في أيّ مكان على الكرة الأرضيّة من أن ينشئ فحوى معيّناً ويوفّره على الإنترنت مباشرة"، ويسّر تحقيق ذلك الانتشار أنّه "لا يوجد كيان فرديّ يشرف على عمليّات الإنترنت أو الموادّ المتوافرة عليها"، فكانت خصائص شبكة الأنترنت تساعد "أيّ شخص في إمكانيّة الوصول إلى المضمون، والإضافة إليه وتوفيره للآخرين أينما يتواجدون وفي أيّ وقت"، وقد تميّزت تلك الشّبكة بهذه الخصائص، لأنّها قد توفّر لها "إمكانيّات وقدرات متعاظمة كأداة ووسيلة تفاعليّة بين الأفراد والمؤسّسات، وترتبط بزيادة رصيد البشريّة من المعلومات المتعدّدة والمتنوّعة ممّا يخلق بيئة خصبة لما يعبّر عنه البشر، بما ييسّر إتاحته لكلّ المستخدمين في كلّ أرجاء العالم"،وتلك المخترعات التّكنولوجيّة التي سهّلت تحقيق الأهداف التي كان يسعى إليها الأشخاص، الذين يستخدمون الخدمات الموجودة على شبكة الأنترنت، قد اتّضح أنّه لن تجابهها موانع أو حدود تحول دون أن تستمر في صدورها، ولن تقف حيالها العوائق في انتشارها، وبخاصّة أنّها ارتبطت بأعمق النّواحي الخاصّة في حياة الإنسان.

باتت تلك التّطوّرات الحاصلة في وسائل الاتّصالات الحديثة، حقيقة راسخة في أنشطة الأفراد والمؤسّسات والأجهزة في أماكن شتّى في هذا العالم، فلا عجب في أن أدركت صحيفة يوميّة عالميّة عريقة، أهمّية بروز نشاط الأفراد الذين ينشرون كتاباتهم الشّخصيّة في المواقع المنتشرة في الأنترنت، وقد اختارت تلك الصّحيفة ذلك المواطن الصّحفيّ، ليكون أهمّ شخصيّة إعلاميّة في إحدى السّنوات الأولى من هذا القرن الوحد والعشرين، وقد كان الاسم الذي أطلقته على ذلك المواطن الصّحفيّ، هو "أنت"، وتذكّرنا هذه التّسمية باختيار إحدى الصّحف العالميّة لشخصيّة العام في السّنوات الماضية، والتي أطلقت عليه أيضاً اسم "أنت"، بيد أنّ الشّبه بين الشّخصيّتين اللتين اختارتهما هاتان المجلّتان العالميّتان، لا يقتصر على الاسم فقط، إذ كانت هاتان الشّخصيّتان متطابقتين، وإن كانت الجريدة الثّانية حدّدت سمة الإعلام كي تميّز شخصيّة العام الإعلاميّة، بينما كان الشّخص الذي أشارت إليه المجلّة الأولى، ينطبق على الأشخاص كافّة الذين ينشرون في مواقع الأنترنت كتاباتهم وصورهم.

إنّ المواطن الصّحفيّ الذي اختارته تلك الصّحيفة العالميّة، قد تقدّم على مجموعة من المتنافسين البارزين، في عمليّة ذلك الاختيار، الذي أجرته تلك الصّحيفة، وأمّا مجموعة المنافسين الذين تقدّم عليهم جميعهم ذلك المواطن الصّحفيّ، فهي ضمّت أساطين شبكة الأنترنت، وأصحاب الوسائل الإعلاميّة الكبيرة، التي توجد في الواقع التّقليديّ الذي كان النّاس اعتادوا العيش فيه طوال العهود الماضية، وقد ذكر أنّ اختيار الصّحيفة "المواطن الصّحفيّ"، في مقدّمة مائة أفضل إعلاميّ أظهر "قوّة الفرد في صناعة الرّأي عبر سلطة عصر الإنترنت"، ولم تقتصر مجموعة هؤلاء المائة شخص على الصّحفيّين والمذيعين التّلفزيونيّين، لأنّها شملت فئة المتنافسين في إحراز هذا اللّقب، شخصيّات مقدّمي برامج الطّبخ ومحكّمين في برامج اختيار الأصوات الغنائيّة.

كان اختيار تلك الصّحيفة تسمية "أنت" للشّخصيّة الإعلاميّة الأولى، قد أكّد أنّ "كلّ فرد في العصر الرّقميّ المتصاعد، يمكن أن يكون ناشراً ومذيعاً ومحرّراً صحفيّاً، عبر هاتفه النّقّال أو جهازه اللّوحيّ"، فأصبح بإمكان هذا المواطن الصّحفيّ، أن يحقّق السّبق الصّحفيّ في نشر المعلومات، متفوّقاً على كبريات وسائل الإعلام الشّهيرة، وقد تأكّد بروزه في مناسبات عدّة تألّق فيها ذلك المواطن الصّحفيّ، في نشر أخبار تلك الأحداث، وقد ذكرت تلك الجريدة أنّ "المواطن الصّحفيّ صار بمقدره اليوم أن يكون ناقداً موجّهاً لمسار تداعيات الأحداث، بعد أن أصبح صاحب السّبق في نشر الأخبار والأفلام عبر مواقع التّواصل الاجتماعيّ"، وقالت تلك الجريدة أيضاً "أنّ الصّحف الورقيّة باتت تتكيّف مع الصّحافة الرّقميّة، ومتطلّبات موقع البحث غوغل ومواقع التّواصل الاجتماعيّ"، فحلّ المواطن الصّحفيّ بتلك المكانة الرّفيعة التي أدركت أهمّيّتها تلك الجريدة العالميّة العريقة.

كان الحدث البارز اللّافت للانتباه، في الآونة القريبة الماضية، في ميدان الإعلام، هو بروز "ظاهرة صحافة المواطن كشكل جديد من أشكال الممارسات الصّحافيّة، التي لا تندرج في مؤسّسات صحفيّة شائعة"، وقد عرّف المواطن الصّحفيّ بأنّه "مصطلح يرمز إلى أعضاء من العامّة يؤدّون دوراً نشيطاً في عمليّة جمع، ونقل وتحليل ونشر الأخبار والمعلومات، عبر استخدام صحافة الأنترنت ووسائلها المتنوّعة"، وقد كان تطلق مصطلحات عديدة على كلّ من هؤلاء الأشخاص، الذين أنشؤوا تلك الظّاهرة الإعلاميّة البارزة، فكانت صحافة المواطن تعرّف بأنّها الصّحافة العامّة والصّحافة التّشاركيّة (Participatoryjournalism)، وأطلق عليها مصطلح الصّحافة الشّعبيّة (Grassrootsjournalism والإعلام مفتوح المصادر (Open_source media)، وصحافة الشّارع (Street journalism)، والإعلام البديل (Alternative mediaوتوصف صحافة المواطن بأنّها إعلام المواطن أو الإعلام التّفاعليّ، أو الصّحافة المدنيّة، وقد لوحظ أنّه على الرّغم من وجود "اختلافات بسيطة بين هذه التّسميات، إلّا أنّها تصوّراتها تصبّ في نفس الاتّجاه"،وقد عرّفت صحافة المواطن أيضاً، بأنّها تتحقّق "حينما يوظّف عامّة النّاس المعروفين شكليّاً بالجمهور، الأدوات الصّحفيّة التي في حوزتهم لإخبار أناس آخرين عن حدث مهمّ"، فيؤدّي ذلك المواطن الصّحفيّ مهمّة الصّحفيّ الذي ينقل الأخبار من مواقع الأحداث "مستخدماً كافّة الوسائل التّكنولوجيّة المتاحة ليكون مراسلاً صحفيّاً، من خلال ما يجمعه من أخبار وما يلتقطه من صور، وتسجيلات صوتيّة لعرض الخبر بصورة واقعيّة"، حيث كان ذلك النّوع من الإعلام هو "أيّ نوع من المعلومات والمنشورات، التي تنشر من طرف أناس عير مكوّنين مهنيّاً في ميدان الصّحافة، ولم يسبق لهم أن اشتغلوا في مؤسّسات إعلاميّة"، وما برح يتعزّز على الدّوام وجود هذا المصطلح الحديث في عالم النّشر الإعلاميّ في الوقت الحاضر.

تعذّر على الباحثين والأفراد الذين يتابعون شؤون الأنترنت، أن يتّفقوا فيما بينهم على أن يحدّدوا بدقّة، زمن نشوء ظاهرة الصّحفيّ المواطن، وإن كان عدد من الدّارسين الذين تمرّسوا بمتابعة المواضيع المنشورة في المواقع الموجودة في الأنترنت، قد ذهب إلى تأكيد أنّ بداية ظهور المواطن الصّحفيّ، كان عقب أحداث أمواج التّسونامي العاتية، التي اندفعت على سواحل اليابسة المشرفة على المحيط الهندي في كانون الأوّل من العام 2004، حيث كانت "الموادّ التي تناقلتها وسائل الإعلام الجماهيرّية في شتّى أنحاء العالم، هي كلّها من التقاط وتصوير المواطنين العاديّين"، فكانت وسائل الإعلام العالميّة اعتمدت في ذلك الأوان على "شهود العيان المباشرين الذين عاشوا وسجّلوا اللّحظات الكارثيّة، التي شهدتها المنطقة التي اجتاحتها أمواج التّسونامي"، وكانت إحدى الصّحف ذكرت أنّ "قنوات التّلفزيون العالميّة كانت ترسل مراسليها ومعهم المصوّرون التّلفزيونيّون، ليس إلى مواقع الأحداث، بل إلى المطارات التي تواجد فيها مسافرون قادمون من تلك المناطق أو ذاهبون إليها، علّهم يجدون لقطات جديدة يقومون بتصويرها ويسجّلوا إفاداتهم وشهاداتهم على تلك الأحداث"، وعلى الرّغم من حداثة نشوء ظاهرة المواطن الصّحفيّ، إلّا أنّ الأفعال القيّمة الأثر والكبيرة الوقع، التي أتاها المواطن الصّحفيّ في فضاء النّشر الإعلاميّ، بزّت أنشطة العديد من وسائل الإعلام العالميّة، التي كانت تتولّى مهمّة النّشر الصّحفيّ طيلة أزمنة مديدة، في السّنوات الماضية.

سعى الباحثون إلى تحديد المعاني التي ينطوي عليها مصطلح صحافة المواطن، الذي دلّ على أنّه أصبح "بإمكان أيّ شخص أن يكون صحفيّاً ينقل رأيه ومشاهداته للعالم أجمع، دون الحاجة لأن يحمل شهادة في الإعلام، أو أن ينتمي لمؤسّسة إعلاميّة لإيصال صوته للعالم، ولم يكن مصطلح صحافة المواطن، لينشأ لولا وجود شبكة الأنترنت "كفضاء للنّشر والتّعبير عن الرّأي"، وتضمّن هذا المصطلح المعاني التي تؤكّد "حضور المواطن في قضايا الشّأن العامّ"، وقد ذهب رأي أحد الدّارسين إلى أن يعتبر "أنّ كلّ مواطن هو بالضّرورة صحفيّ صاعد، يتحكّم في زمن الأحداث ووقعها، فلا تستطيع أيّة وكالات أنباء أن تنشر صحفيّين في كلّ الشّوارع"، وقد فرضت ظاهرة صحافة المواطن وجودها بقوّة في عالم النّشر الإعلاميّ، وباتت عسيرة على التّجاهل، إن وجد حقّاً من يفكّر في أن يتجاهل أنشطة تلك الصّحافة الحديثة النّشأة، التي عرّفت أيضاً بأنّها "مواقع تبثّ مساهمات مواطنين ليس لهم علاقة بمؤسّسات إعلاميّة، ولكنّهم يقومون بأدوار مشابهة لأدوار المؤسّسات الإعلاميّة، وصحافة المواطن هي الصّحافة التي يصنعها أو يشترك في صنعها المواطن"، فأصبح كلّ مواطن هو باحث عن المعلومة، وكلّ شخص "بإمكانه أن يتحوّل إلى مصدر للأخبار والمعلومات"، وباتت فرص المشاركة في هذا النّمط من النّشر الإعلاميّ، متاحة للأفراد جميعهم، حيث ظهر مدى اتّساع هذه الظّاهرة، وانتشارها الممتدّ في الكثير من الأماكن، إن لم يكن قد شملت كلّ بقعة على سطح هذه الأرض.

امتدّت النّظرة المدقّقة في سبر ظاهرة المواطن الصّحفيّ، إلى المضامين العميقة التي يشتمل عليها ذلك المصطلح، فتبيّن أنّ "ظاهرة الصّحفيّ المواطن بمشاركته الشّخصيّة، تعتبر عملاً فرديّاً تطوّعيّاً غير خاضع لتوجّهات معيّنة، بل للقناعات الشّخصيّة للفرد نفسه، خلافاً للوسائل الاتّصاليّة التّقليديّة، فالمواطن المراسل هو ذاك الشّخص الذي يسعى إلى جمع الأخبار ونشرها على شبكة الأنترنت"، فكان الصّحفيّ المواطن أو المواطن المراسل، يندفع من تلقاء نفسه في أن ينشر الكتابات الشّخصيّة، التي قد تتّخذ طابع الحديث عن الأشياء التي يشاهدها، أو يعلّق على الوقائع التي يروج الكلام عنها، وهو يأخذ في نشر كتاباته الشّخصيّة على شبكة الأنترنت، متطوّعاً بأداء تلك المهامّ الإعلاميّة، من دون أن يقصّر في تنفيذها، أو يجبر على أدائها، ونفي السّمة الاحترافيّة، لا تبدّل ولا تنتقص من أهمّيّة النّشاط الذي يزاوله.

هيّأت شبكات التّواصل الاجتماعيّ، الفرص الملائمة لثبات ظاهرة صحافة المواطن في عالم النّشر الإعلاميّ، فتيسّر للمواطن الصّحفيّ أن ينشر فيها النّصوص المتنوّعة والمقالات، وأن يبثّ فيها أيضاً الصّور وأفلام الفيديو، ويعدّ موقعا فيسبوك وتويتر، أشهر المواقع الموجودة في شبكة الأنترنت، وظهر ميدان آخر، احتضن تلك الظّاهرة، إذ مهّد ذلك الموقع الآخر أيضاً، السّبيل للمواطن الصّحفيّ لأن يندفع قدماً في مجال النّشر، وذلك الموقع الإضافيّ، كان المدوّنات، وهي موقع شخصيّ، تعتبر وسيلة جدّيّة حديثة العهد وهامّة في مجال الاتّصال وتحرير الكلمة، وقد تميّزت بتعدّد المواضيع التي كانت تعرض فيها، حيث كان يتحدّث المدّون فيها عن مواضيع شتّى، ومسائل وقضايا عدّة، وكانت المدوّنات الإلكترونيّة (Weblog) في الأصل عبارة عن "مفكّرة تتناول الأحداث الجارية"، وكانت بداية ظهورها في ختام عام 1997، ومنذ ذلك الأوان كانت "على المستوى الكمّيّ والكيفيّ في نسق سريع ومثير"، وقد اختلف عدد الأفراد الذين ينجزون المدوّنة الواحدة، فإن وجد أحياناً أشخاص عديدون، يجتمعون على إقامة تلك المدوّنة، فإنّ في أغلب الأحايين، كان شخص واحد ينشئ تلك المدوّنة.

دأب المدوّن في أن ينشر في مدوّنته، الكتابات المتنوّعة التي توزّعت إلى النّصوص، التي تتضمّن المعلومات المتنوّعة والأخبار بالإضافة إلى التّعاليق، وكان يجري ذلك النّشر، على فترات زمنيّة متتالية، تراوحت بين النّشر اليوميّ أو الأسبوعيّ، أو أيّ مدّة محدّدة أخرى، وكان ينشر ذلك المدّون أيضاً الصّور وأفلام الفيديو المسجّلة، وأمّا مواضيع تلك الموادّ المنشورة، فإنّها تنوّعت بين قضايا الشّأن العامّ، والمسائل الشّخصيّة، وكانت النّصوص المنشورة "تكتب بشكل مطوّل أو مقتضب، وتكون متأثّرة بالزّاوية والأسلوب الذي اختاره صاحب المدوّنة كأن تكون تحليليّة أو وصفيّة أو إخباريّة"، وكان النّشر في هذه المدوّنات ينضوي إلى ميدان "النّشر الذّاتيّ أو النشر على الحساب الخاصّ"، حتّى صحّت التّسمية التي أطلقت على ذلك الحيّز الذي ظهرت فيه تلك المدوّنات، وهي اسم فضاء التّدوين (Blogosphere)، وكانت شبكة الإنترنت، تتيح للمدوّن أن ينشر "بشكل آنيّ وسريع"، وكانت مزيّة ذلك النشر الفوريّ والسّريع، تتيح أيضاً إمكانيّة "التّعليق والتّفاعل المباشر الذي يحقّقه متصفّحي شبكة الأنترنت"، فأصبحت المدوّنة وسيلة إعلام واتّصال بين النّاس في آن معاً.

اتّخذت المدوّنة منذ برزت في شبكة الأنترنت، طابع الصّحيفة التي "تتميّز بالذّاتيّة والتصاقها بالخصوصيّة (الحياة الخاصّة)" إلّا أنّ ما إن أتيح للمدوّنين استخدام الوسائط المتعدّدة "Multimedia" مثل الصّوت والرّسوم والصّورة المتحرّكة، والفيديو، والتّطبيقات التّفاعليّة، بدأ "يتحوّل اهتمام المدوّنة إلى نقل الوقائع، فبرز البعد الإعلاميّ الصّحفيّ في مخرجاتها وهو ما أدّى إلى ظهور المدوّنات الإخباريّة"، ووجد المدوّنون الفرص الملائمة التي كانوا يستخدمون فيها "أيّ جهاز كومبيوتر ومن أيّ بقعة في العالم، لينشروا أيّ مضمون"، وقد تحقّقت أيضاً أسباب التّفاعل مع المواد المنشورة، للأفراد الذين يتصفّحون مواقع الأنترنت، في أيّ مكان في هذه المعمورة.

أتاحت المدوّنات للأفراد المساهمين في شبكة الأنترنت فرصة نشر آرائهم، وتقديم معلوماتهم بطريقة سريعة ومجّانيّة وناجحة، فكانت "السّهولة التّقنية هي التي مكّنت عامّة النّاس من تبنّي حركة التّدوين، فليس للمواطن حاجة لمعرفة معمّقة في البرمجيّات أو علم الحواسيب حتّى يمكنه نشر أفكاره"، فأصبح في وسع كلّ شخص أن يعبّر عن آرائه ويفصح عن معتقداته بيسر، من خلال ما يوفّره التّدوين من فضاء اتّصاليّ، ومن نموذج معدّ وجاهز بشكل مسبق تقنيّاً للاستعمال الجماهيريّ،.... فتوفّرت فرصة التّجاذب بين بعد فرديّ للموضوع وعمق جماعيّ لارتداداته"، واستفادت ظاهرة المواطن الصّحفيّ من انتشار مواقع بثّ الفيديو، التي كانت تتيح "إمكانيّة بثّ مقاطع فيديو مسموعة أو مرئية ويمكن حتّى تحميلها ومشاهدتها"، ويعدّ موقع يوتيوب أشهر تلك المواقع، وبرزت ظاهرة صحافة المواطن أيضاً في المواقع الأخباريّة التّشاركيّة، وهي مواقع شبيهة جدّاً بالصّحف الأخباريّة، لكنّ يساهم في إنتاج مواضيعها وإنشاء موادّها المنشورة "مواطنون عاديّون يكونون في الغالب متطوّعين وناشطين حقوقيّين، وهواة يقومون بالتّدقيق في موضوعيّة ومصداقيّة كلّ خبر"، وانتشرت تلك الظّاهرة في مواقع التّحرير الجماعيّ، وهي مواقع "تقوم على إنتاج ونشر الصّفحات على الأنترنت، وهذه التّقنية تتيح الفرصة لظهور مشروعات كبرى قائمة على المشاركة التّطوّعيّة من عدد كبير من الأفراد"، ويعتبر موقع موسوعة ويكيبيديا"، أشهر مواقع ذلك التّحرير الجماعيّ.

إنّ الأسس التي اعتمدها إعلام المواطن وفكرة الصّحافة المدنيّة، هي أنّ "ممارسات الصّحافة يجب ألّا تقتصر على نقل الأحداث والمشاكل فحسب، بل يجب مشاركة المواطنين في التّغطية الإعلاميّة للحياة الاجتماعيّة، واعتبارهم مشاركين فاعلين في نقل الأحداث ومناقشتها وتحليلها، أكثر من اعتبارهم مجرّد متلقّين سلبيّين لما تعرضه لهم الوسائل الإعلاميّة، من وقائع ورسائل أبطالها الإعلاميّون والخبراء"، فأحدث ذلك الإعلام البديل الجديد، الذي تجلّى في ظاهرة المواطن الصّحفيّ "ثورة نوعيّة في المحتوى الاتّصاليّ المتنوّع من نصوص إلى صور، وملفّات صوتيّة، ولقطات فيديو مصوّرة، وانتشرت المواقع التي تتيح للمستخدمين تحميل ملفّات فيديو شخصيّة وعامّة ليراها الجميع، حتّى تحوّل المستخدم إلى منتج إعلاميّ بفضل التّقنيات الاتّصاليّة الجديدة، ينتج ويبثّ ما يريد على الأنترنت"، وقد سهّلت الأدوات التّكنولوجيّة الحديثة، لذلك المواطن الصّحفيّ، أن ينجز مهامّه الشّخصيّة، بيسر وسلاسة، من دون أن تعترضه العوائق التي تحبط عمله، وتضيّع قدراته سدى، وتطيح بأمانيه أدراج الرّياح، ويندرج في عداد تلك الوسائل التّكنولوجيّة، كاميرات الفيديو والكاميرات الرّقميّة وأجهزة الهواتف النّقّالة، التي سمّيت "صحافة الفيديو"، وكان توفّر المواقع الإلكترونيّة، عبّد الطّريق لنشر مقاطع الفيديو على الأنترنت، وبات المواطن المراسل "هو الشّخص الذي يسعى إلى جمع الأخبار ونشرها على شبكة الإنترنت"، وقد تميّزت ظاهرة الإعلام الجديد "بالدّيناميكيّة والتّغيّر المستمرّ، وبقدر عال من التّفاعليّة"، وقد أصبح المواطن الصّحفيّ "يصنع الخبر قبل الصّحفيّ"، وقد تفوّقت ظاهرة صحافة المواطن على إمبراطوريّات وقلاع إعلاميّة عالميّة ضخمة.

إنّ التّغيّر الذي طرأ على عالم النّشر الإعلاميّ، بدّل مفاهيم عديدة كانت موجودة في الصّحافة التّقليديّة، فغيّرت صحافة المواطن عمليّة المرسل المتلقّي، لتعكسها في اتّجاه مضادّ، وقد أكّد عدد من الباحثين أنّ الأنترنت هو صحافة المستقبل، إذ كان الفضاء الرّقميّ والإلكترونيّ قد "غيّر طريقة تغطية الصّحفيّ للأخبار ونقلها"، وقد أصبح محرّرو الأخبار في المؤسّسات الإعلاميّة، يستمدّون مصادر الأنباء "من المواقع الاجتماعيّة على غرار فيسبوك وتويتر وغيرها، ليحصلوا على المعلومات من الجماهير"، وتعزّزت فكرة إعلام الأفراد، حيث‏ أصبح المتلقّي مرسلاً في صحافة المواطن.

 

يسّرت الأدوات والمخترعات الإلكترونيّة الجديدة، لأيّ فرد أن يكتب وينشر على شبكة الأنترنت، آراءه وصوره وأخباره التي جمعها واستقاها، وحصّلها من مصادره الخاصّة، فنشأت تلك الصّحافة البديلة، التي تحقّق ميلادها في فضاء تلك الكتابات التي نشرها ذلك الصّحفيّ المواطن، الذي كان مصدر الأخبار والمعلومات المنتشرة في مواقع شبكة الأنترنت، إذ أصبح "بإمكان كلّ مواطن جمع المعلومة والحصول عليها، وأن يتحوّل بالتّالي إلى مراسل قادر على تمييز، واقتراح المعلومة ذات القيمة المضافة بهدف نشرها"، وقد ذهب مؤسّسو أحد المواقع الضّخمة الشّهيرة على الأنترنت، إلى أن يعلنوا أنّ موقعهم أصبح وكالة أنباء للمواطن المرسل، بينما أعلن موقع آخر بصريح العبارة أنّه "يؤمن بأنّ كلّ مواطن بإمكانه أن يصبح صحفيّاً حقيقيّاً"، وبات حضور المتلقّي أشدّ رسوخاً وأوثق ثباتاً، في "المشهد الاتّصاليّ الرّقميّ الجديد، إذ انقلبت وظيفة المتلقّي ليتحوّل في نفس الوقت إلى باثّ ومرسل"، وأصبح العديد من المواقع الشّهيرة على الأنترنت، تسم طبيعة عملها، بخصائص ذلك الإعلام البديل الذي كانت القواعد التي استند إليها، تغاير ركائز المؤسّسات الإعلاميّة التّقليديّة الموجودة في عالم النّشر الصّحفيّ منذ زمن بعيد، وأكّدّت صحافة المواطن "مشروعيّة وجودها"، فإن تحقّق رسوخ ظاهرة المواطن الصّحفيّ، إلّا أنّ ما زالت الدّراسات الاجتماعيّة والأبحاث الفكريّة، في العديد من بلدان العالم، مقصّرة ومتأخّرة عن مواكبة التّطوّر الحاصل في عالم النّشر في ميدان ذلك الإعلام البديل.

زارت بعثات أثريّة عديدة خربة الأمباشي في هذا الزّمن الحديث، وتحديداً ابتداء من أواخر سنوات العشرينيّات من القرن العشرين، لتجري تلك البعثات التّنقيبات الأثريّة في تلك المنطقة، وقد ذكرت إحدى تلك البعثات "أنّ الموقع يتكوّن من قسمين شماليّ وجنوبيّ، ويضمّ مساحة كبيرة من التّجمّعات السّكّانيّة، وتتجاوز مساحته المائة هكتار".

تابع الأثريّون في تلك البعثة حديثهم عن تلك المنطقة فذكروا "أنّ القسم الشّماليّ يتكوّن من بيوت مبنية من البازلت أو الحجر الغشيم، وهي مستطيلة الشّكل غالباً، تتألّف من غرفة أو غرفتين أو ثلاث مستطيلة، ترتفع أسقفها بواسطة دعامات من الحجر الغشيم، وباحة سماويّة تخصّص غالباً لحجر المواشي"، وذكر أحد الباحثين "أنّ البيوت مبعثرة وبعيدة عن بعضها".

انتقل الأثريّون في كلامهم عن خربة الأمباشي، إلى الحديث عن مكان آخر في هذا الموقع الأثريّ، فقالوا أنّه "يقع القسم الجنوبيّ إلى الجنوب من المدينة الشّماليّة، وتتشابه بيوتها مع بيوت القسم الشّماليّ من حيث الإنشاء، فالبناء مثلها من الحجارة الغشيمة، وكذلك أسقفها المرفوعة بواسطة الدّعامات، إلّا أنّ بيوتها مربّعة أحياناً ودائريّة أحياناً أخرى، وتتكوّن من طابق واحد مع قبو، وهذه الأبنية التي تشكّل مدينة يحيط بها سور من الحجارة".

قدّمت في العبارات السّابقة حديث الأثريّين الذين ضمّتهم البعثات الأثريّة، التي زارت خربة الأمباشي، وكان ذكر حديثٌ في عام 2011، أنّه أجريت استعدادات لتكون خربة الأمباشي أوّل منتزه جيولوجيّ في سورية.

كان الكاتب جرجي زيدان، قد ذكر في روايته فتاة غسّان، عبارات ورد فيها الحديث عن تلك المنطقة من جنوب سورية، والتي تقع فيها خربة الأمباشي، والحديث المذكور في تلك الرّواية، هو سبق صدوره بزمن طويل، حديث الأثريّين، الذي أوردته سابقاً، وجرجي زيدان (بيروت، لبنان، 1861 _ القاهرة، مصر، 1914)، أديب وروائي ومؤرّخ وصحفيّ، وهو أصدر مجلّة الهلال العريقة، التي كان يقوم بتحريرها بنفسه، في العام 1892، وكانت وردت في رواية جرجي زيدان، العبارات الآتية:

فسار إليه فإذا هو على رابية ولكنّه عجب لنوع بنائه ولم يكد يصدّق أنّه بيت لأنّه عبارة عن خمسة أحجار ضخمة أربعة منها للجدران وواحد للسّقف، والباب حجر واحد مرتكز على مصراع ورأى النّاس يفتحونه ويغلقونه بكلّ سهولة فسأل رجلاً واقفاً إلى جانبه يظهر من هيئته ولباسه أنّه من أهل دمشق فقال له: "ما هذا البناء وكيف يصنعون الأبواب من الحجارة". فأجابه: "أنّ هذا النّمط من البناء كثير في بلاد حوران لأنّ أرضهم صخريّة والأخشاب فيها قليلة فيصنعون مصاريع أبوابهم ونوافذ بيوتهم من الحجر وقد يبنون منزلاً كثير الغرف وفيه النّوافذ والأبواب والأروقة والسّقوف ولا يدخلون في بنائه شيئاً من الخشب قط".

فوقف هناك ينظر إلى ذلك البناء الغريب ولم يكد يعرف الباب لو لم يرَ النّاس يخرجون منه فصعد إلى الصّومعة حتّى وقف عند بابها فإذا هي غرفة مظلمة أشبه شيء بالمغارة لخلوّها من النّوافذ إلّا نافذة ضيّقة في بعض جوانبها فدخل فرأى أرض الغرفة حجراً واحداً أيضاً.

وفي مكان آخر من هذه الرّواية أورد الكاتب جرجي زيدان العبارات التّالية:

وفي صباح اليوم التّالي ساروا إلى الصّومعة باكراً فرؤوها مضيئة بالشّموع وهي كما تعلم عبارة عن غرفة كلّ من جدرانها الأربعة حجر واحد والسّقف حجر والأرض حجر وبابها حجر واحد يفتح ويغلق وهذا هو شأن أبنية حوران حتّى الآن نظراً لكثرة صخورها وقلّة خشبها فيبنون البيوت من الحجر ويجعلون درف نوافذها وأبوابها وسقوفها من الحجر أيضاً.

بعد أن أوردت تلك النّصوص التي قسّمتها إلى قسمين اثنين، تتضّح لنا دقّة الوصف المذكور في الحديث، الذي أورده جرجي زيدان في روايته فتاة غسّان، وأمّا مسألة ترجيح أحد تلك النّصوص على الآخر، إن جاز لنا أن نجري المقارنة بين تلك النّصوص المذكورة آنفاً، فسيكون لهذا الأمر حديث قادم في الأيّام الآتية.

خربة الأمباشي، هي خربة أثريّة في محافظة السّويداء، على مسافة 36 كيلومتراً شرق مدينة شهبا، وهي تعود إلى العصر الحجريّ الحديث والعصر البرونزيّ القديم والوسيط.

خربة تعني أطلال.

حجر غشيم: حجر غير منحوت.

عمد الأفراد الذين تمرّسوا بمزاولة لعبة الشّطرنج، إلى أن يشبّهوا وقائع المباريات القائمة على رقعة الشّطرنج، بتلك الأحداث التي تجري في الحياة، وجهدوا في أن يبيّنوا التّطابق بين النّهج الذي يتّبع في تناول الأحداث الجارية في الحياة، وتلك الطّرائق التي تعالج فيها المواقف التي تتّخذها قطع الشّطرنج في المباريات، وتوصف مجريات الحياة، بالتّغيّر والتّبدّل، ومبدأ التّغيير هو المبدأ الثّابت الوحيد في الحياة، ومن شأن الأوضاع التي تكون عليها مباراة الشّطرنج، أن تتبدّل وتتغيّر في كلّ نقلة يؤدّيها اللّاعب، الذي تتطلّب مزاولته تلك الرّياضة الذّهنيّة، أن يكدّ فكره، ويبذل جهده في خوض غمار المنافسة مع اللّاعبين الذين يتبارى معهم، ويوصف انتشار القطع على الرّقعة في أثناء المباريات التي تدور بين المتنافسين، بترتيب الأفكار التي تنشأ في الذّهن، فإذا كان يجب على لاعب الشّطرنج أن يضع القطعة المناسبة في المكان المناسب، فإنّ الأفكار في الذّهن، يجب أن تنسّق بطريقة منتظمة، كي تمنح الآراء التي تقوم عليها، الرّجاحة والرّزانة، ولا يختلف شأن هذه القاعدة، إذا طبّقت على الأنشطة التي يزاولها النّاس، حيث يتأتّى للإنسان النّجاح في أداء أعماله، إذا رتّب قدراته، ونظّم طاقاته، التي يحلّها في منازلها الملائمة لاستخدامها بطريقة فضلى، ويتطلّب التّفوّق في مزاولة لعبة الشّطرنج، أن تجتمع عند اللّاعب، بواعث المغامرة والجرأة، مع وسائل الحيطة والحذر اللذين يجب عليه أن يراعي تحقّقهما في أثناء سير المباراة، وأن يؤلف أيضاً بين أسباب الاندفاع، ودوافع التّريّث والتّأنّي في أداء النّقلات في المباراة، وينسّق بين وسائل الدّفاع، وسبل الهجوم في ذلك التّباري، الذي يجمعه مع منافسه حول رقعة الشّطرنج، ويكتسب اللّاعب مهارة التّنسيق بين تلك السّمات المختلفة، بالتّمارين التي يؤدّيها، وبممارسته الدّائمة هذه الرّياضيّة الذّهنيّة.

أطلقت على رياضة الشّطرنج، اسم لعبة الملوك، نظراً إلى انتشار تلك اللّعبة وشهرتها عند أولئك الملوك، وقد اعتاد علية القوم أن تمارس لعبة الشّطرنج، التي وصفت أيضاً بأنّها لعبة الفلاسفة، وقد قيل أنّ الشّطرنج هو أكثر من لعبة، فهو محكّ حقيقيّ في اختبار إرادة الإنسان، وإن كان قد تحقّق لتلك اللّعبة هذا المقام الرّفيع، ولكنّ مزاولة رياضة الشّطرنج، لم تقتصر على أولئك الملوك والفلاسفة، لأنّها في الأساس تلغي الفوارق بين كلّ النّاس عندما يجتمعون، كي يتنافسوا في مباراة الشّطرنج، حيث يتاح لكلّ من يمتلك القدرات الذّهنيّة والجسديّة الملائمة أن يمارس رياضة الشّطرنج، وكان الشّاعر العربيّ قد وضّح المعاني والخصائص التي تتميّز بها هذه اللّعبة، إذ قال: "هاك ميدان التّباري... بالعقول النّيّرات"، "إنّه الشّطرنج لعب... قائم بالبيّنات"، "لعب وعزم وحساب... صبر والتفات"، "لعب حرب في سلام... بالجيوش الزّاحفات"، وإن ارتكب لاعب الشّطرنج خطأ مهما كان بسيطاً، أو وقع في هفوة يسيرة، فإنّهما قد يفضيان به إلى خسارته في المباراة التي يؤدّيها، إذ يجب أن تقدّر بدقّة كلّ حركة تنقل فيها قطعة الشّطرنج، الذي هو رياضة تجعل الإنسان أكثر حكمة، وتساعده على حلّ الألغاز، وقد قيل "أنّ الألغاز الموجودة في عشر جرائم أقلّ من تلك الموجودة في مباراة شطرنج"، وإذا قبلنا تجاوزاً هذا التّشبيه نظراً لانتشاره وجريانه في سياق الحديث عن مسائل الشّطرنج، التي تعتبر ألغاز هذه اللّعبة الذّهنيّة، فإنّ اللّاعب يتّبع في اختيار النّقلات الملائمة في تحريك أحجاره، طريقة التّفكير التي تطابق محاكمة عقليّة دقيقة.

ذكر في تعريف اللّغز، أنّه سؤال غامض غالباً ما يصعب الإجابة عليه، وفي اللّغة يقال لغز اليربوع حجرته ألغزها، يعني حفرها ملتوية مشكلة على داخلها، ولغز في حفره وألغزه، وحفرة اليربوع ذات ألغاز، والواحد لغزٌ، ويشترط في اللّغز ألّا يكون "مجرّد مسألة رياضيّة بل يكون نوعاً من المسائل التي تحلّ بتفكير رياضيّ خارج الطّرق المألوفة"، ويتطلّب حلّ بعض أنواع الألغاز، أن تتوفّر معلومات عامّة حول مواضيع هذه الألغاز، التي تسمّى آنئذ ألغازاً فكريّة، كالألغاز البوليسيّة على سبيل المثال، حيث "يحتاج طالب الحلّ، إلى قدر كبير من المعلومات يجمعها المحقّق، ويجب أن تكون عنده معلومات كاملة عن مكان الجريمة والمجنى عليه وغيرها"، فاللّغز هو ما يعمّى به من الكلام، ويتطلّب حلّه، إيجاد الإجابة التي توضّح خبايا ذلك الموضوع الذي ينطوي عليه اللّغز.

ينفّذ اللّاعب الذي يؤدّي مباراة الشّطرنج، الخطّة التي يفضي به تحقيقها، إلى أن يدرك هدفه المطلوب، بعد أن يمضي على اتّباع ذلك النّهج المناسب لتحقيق مبتغاه، والشّطرنج ينمّي ملكة الخيال، ويتضّح فيه قواعد فنّ التّحليل، الذي يعنى بتقسيم الكلّ إلى أجزائه، وردّ الشّيء إلى عناصره، إذ يجب أن يمتلك اللّاعب العقل التّحليليّ، الذي "يفطن لأجزاء الشّيء خلافاً للعقل التّركيبيّ الذي يفطن لمجموع الشّيء دون أجزائه"، والتّحليل والتّركيب "Analysis & Synthesis"، هما عمليّتان عقليّتان تقوم عليهما معظم المناهج الفكريّة، وهما يعنيان أيضاً "التّفكيك العقليّ لكلّ شيء إلى أجزائه المكوّنة أو أسبابه وشروطه، وإعادة  تكوين الكلّ إلى أجزائه، فالتّحليل عكس التّركيب، ولهما أثر مهمّ في عمليّة المعرفة"، فكلّ منهما هو منهج للتّفكير، وهما يستخدمان التّصوّرات المجرّدة، ويرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالعمليّات الذّهنيّة الأخرى، مثل التّجريد والتّعميم، و"كلّ تحليل يفترض مقدّماً تركيباً، لأنّه إذا لم يكن أمام الذّهن  شيء مترابط فإنّه لا يستطيع أن يحلّ أو يفكّ"، ويتقدّم الذّهن في منهج التّحليل من المركّب إلى البسيط، ومن العرضيّ إلى الجوهريّ، ومن التّنوّع إلى الوحدة، إذ يتحدّد "غرضه من ذلك في إدراك الأجزاء لهذا الكلّ وإقامة الرّوابط بينها، ويفضي التّحليل إلى عزل خصائص لم ترتبط بالأشكال المتعيّنة لمظاهرها، وأمّا منهج التّركيب فيقوم بتوحيد الأجزاء والخصائص والعلاقات التي يفصّلها التّحليل، وفي كلّ واحد، انتقالاً من المتوحّد والجوهريّ إلى المختلف والمتنوّع"، ويتبيّن من المعاني التي يتضمّنها هذان المفهومان، أنّ التّركيب يكمّل التّحليل وتضمّها معاً رابطة لا يمكن أن تتصدّع.

تهيّئ لعبة الشّطرنج، للمتنافسين في هذه الرّياضة الذّهنيّة، أن تزداد عندهم رسوخ الحكمة، التي تعرّف بأنّها "معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم"، والحكمة البالغة هي عبارة تتضمّن رأياً حكيماً يوافق الحقّ والصّواب، ويحدّد مفهوم الحكمة، بأنّها "حالة أو صفة يتمّ من خلالها التّمييز بين المقبول أو غير المقبول، مقترناً بحكم عادل وبصيرة، كما تعبّر الحكمة عن القدرة على المعرفة التي يكتسبها الفرد بسبب التّجارب والخبرات التي مرّ بها"، وقد جرى التّمييز بين الذّكاء والحكمة، حيث كان الذّكاء يعبّر عن معرفة الشّيء، ولكنّ الحكمة كانت "تعبّر عن القدرة على الحكم ما إذا كان الشّيء مقبولاً القيام به أم لا"، ويمتاز الشّخص الحكيم بقدرته على حلّ المشاكل التي تواجهه، وهو يتّصف بالهدوء والاتّزان، وخاصّة في الحالة التي يجب عليه أن يتّخذ القرارات الهامّة، والحكمة تعني أيضاً اكتساب العلم، سواء أكان قد حصّل باتّباع سبيل التّعلّم، أم سلوك نهج التّجارب العمليّة.

يتّبع لاعب الشّطرنج في خوضه غمار المنافسة التي تجمعه مع سائر المتبارين، سبيل التّخطيط الذي يتبيّن فيه الأبعاد القصيّة، التي تفضي إليه سبيل تلك الخطّط التي ينفّذها، فتؤدّي مزاولته هذه اللّعبة، إلى أن يصبح ثاقب النّظر ونشط الفهم، ويصبح نظر لاعب الشّطرنج أكثر حدّة، بعد أن يتمرّس بمزاولة هذه اللّعبة، فيتمكّن من أن ينفذ بنظره إلى بواطن الأشياء التي يعالجها، وبهذه الرّؤية النّافذة التي يحوزها اللّاعب، يحقّق التّخطيط البعيد المدى، الذي يراعي فيه، نشوء العلائق التي تربط بين القطع التي يحرّكها، وتتيح له هذه الرّؤية الثّاقبة، أن يقف على طبيعة مسار التّنافس الذي يخوضه، فيصبح في مكنة اللّاعب آنئذ، أن يطلق المبادرة الملائمة إلى إدراك تلك الأهداف التي يتطلّع إليها، ويجري ذلك اللّاعب تحليل الوضع الرّاهن الذي تتوزّع فيه القطع على الرّقعة، كي يتأتّى له تنفيذ خططه المرسومة، وتمهّد هذه الرّؤية لذلك اللّاعب أن يتّبع المنهج الذي يؤدّي به إلى تبيان المواقف القادمة، التي تنشأ على الرّقعة، فتهيّئ للاعب رؤيته النّافذة، تحقيق التّخطيط في أدائه مباراته، بعد أن يجمع المعلومات، ويعمل فكره في الإحاطة بتلك الأوضاع التي يحتمل أن تنشأ، فيقترح الحلول الملائمة لها، بعد أن يتبصّر في كلّ تلك المواقف التي تتّخذها قطع الشّطرنج.

يمضي لاعب الشّطرنج على اتّباع تلك الخطّة التي كان وضعها، محقّقاً محاكمة دقيقة في اختيار النّقلات التي ينفّذها، وتتجلّى تلك المحاكمة العقليّة في عمليّات الاستنتاج والاستقراء، والمماثلة التي هي "عمليّة تنتقل من جزئيّ إلى جزئيّ"، وتنمّي لعبة الشّطرنج ملكة الخيال عند اللّاعبين الممارسين هذه الرّياضة، ويحدّد الخيال، "بكلّ شيء لا يقرّ بعقل الإنسان في الرّؤيا، والتي لا تكون في تصوّر عقله من عمق معرفته لشيء لا معالم له"، ويتيح الخيال للشّخص "أن يختلق أفكاراً وصوراً من خلال عقله ولكنّ بدون اشتراك حواسه في هذا الشّيء" والخيال وثيق الصّلة بأسباب تحقّق عمليّة الإبداع، وقد عرّف الخيال بأنّه "عمليّة اتّحاد الذّكريات والخبرات السّابقة والصّور، التي تمّ تكوينها مسبقاً وتوظيفها داخل بنية جديدة"، فيمدّ الخيال العقل بالمعلومات التي تزداد ثراء، ويمنحه الأفكار والصّور المتخيّلة، ووصف الخيال بأنّه "توقّعات الحاضر، ومراجعة الماضي، وابتكار المستقبل"، فالمخيّلة هي القوّة التي تخيّل الأشياء وتصوّرها، وهي مرآة العقل، الذي تنشط وظائفه المختلفة.

تتّضح في تلك المباراة التي تجري فيها لعبة الشّطرنج، معالم تلك القدرات العقليّة والملكات الفكريّة، التي يمتلكها الأشخاص الذين يزاولون رياضة الشّطرنج، التي ذكر أنّها تعبّر في ذاتها عن علم المنطق، الذي هو "علم أو دراسة كيفيّة تقييم الحجج والأدلّة المنطقيّة"، ويتّسم علم المنطق بأهمّيّته المعتبرة، إذ يمهّد السّبيل للنّاس إلى أن يميّزوا بين الأفكار المنطقيّة القويّة والضّعيفة، حتّى "يتمّ الوصول بشكل صحيح إلى المنطق، الذي لا يتمكّن أيّ شخص من دونه، من التّعرّف والوصول إلى الحقائق أو المعتقدات الصّحيحة"، فالمنطق هو النّتاج الذي يسفر عنه "تفكير الإنسان وتقديمه الحجج"، ويسهم المنطق أيضاً في "تحسين منتجات عمليّة تفكير الإنسان وهي استنتاجاته ومعتقداته وأفكاره"، وقد عرّف علم المنطق بأنّه آلة قانونيّة تعصم مراعاتها الذّهن عن الخطأ، فالمنطق هو العلم الذي يدرس فيه القواعد والقوانين العامّة، التي تحدّد التّفكير الإنسانيّ القويم.

يسعى الإنسان في أغلب الأحايين، إلى التّفكير في خبايا تلك الأشياء التي يعاينها، فيهتدي بقواعد راسخة، ليتحقّق له سلوك جادّة الصّواب في توغّله في سبل ذلك التّفكير، فالإنسان "حينما يفكّر قد يهتدي إلى نتائج صحيحة ومقبولة وقد ينتهي إلى نتائج خاطئة وغير مقبولة، فالتّفكير الإنسانيّ إذاً معرّض بطبيعته للخطأ والصّواب"، وكي يدرك الإنسان الدّقة والسّداد في تفكيره، الذي يفضي به إلى أن يدرك النّتائج الصّحيحة، يجب أن يلتزم بتلك القواعد الثّابتة، التي تتيح له أن يسلك طرائق التّفكير الصّحيح، فتمهّد له قواعد المنطق سبيل الهداية في سلوكه طرائق التّفكير، وتلك القواعد تنشئ عنده أيضاً الفكر النّقديّ الذي يمحّص به المعتقدات والنّظريّات العلميّة، التي يتناولها بالنّظر والتّحليل، كي يتأتّى له القيام بالتّعليل الصّائب، إذ يتيح له علم المنطق، أن يستند إلى مبادئ الاستنتاج الصّحيح، فيعتبر التّفكير المنطقيّ "وسيلة لمعرفة الحقيقة، والمعتقدات الصّحيحة اعتماداً على مجموعة من المعايير التي يجب استخدامها لذلك"، وقد سمّي علم المنطق أيضاً بعلم الميزان لأنّ به يتمّ وزن الحجج والبراهين، وهو معيار العلوم، لأنّه "يعتبر حاكماً على جميع العلوم وأعظمها نفعاً"، وقد سمّاه أبو نصر الفارابيّ برئيس العلوم، لأنّه يعتبر آلة في تحصيل العلوم المختلفة، فتطلق لعبة الشّطرنج تلك القدرات الفكريّة، التي يستخدمها الإنسان حينما يزاول هذه اللّعبة الرّياضيّة، التي تنمّي عنده أيضاً ملكاته العقليّة، التي تصبح سنداً داعماً ودائماً، يعتمد عليه ذلك الإنسان في إنجازه أفعال شتّى، في أنشطته المتنوّعة التي يمارسها.

أدرك علماء اللّغة العرب القدامى أهمّيّة تلك الثّروة اللّغويّة التي تميّزت بها اللّغة العربيّة، التي تعدّ أوسع لغات العالم، فهي تحوي 12302912 كلمة، من دون أن تكرّر أيّ مفردة من هذا العدد الكبير من الكلمات، التي تبلغ بالمقارنة مع كلمات اللّغة الإنجليزيّة، 25 ضعفاً من عدد كلمات تلك اللّغة التي تبلغ 600000 كلمة، وقد دأب اللّغويون العرب في أن يحافظوا على تلك اللّغة العربيّة، حيث أكّدوا بفطنتهم ونباهتهم، وعيهم ضرورة تحقيق العناية الوافرة بلغتهم، التي تمتاز بغزارة مفرداتها، وكان ابن خلدون ذكر أنّه "احتيج إلى حفظ الموضوعات اللّغويّة بالكتابة والتّدوين خشية الدّروس"، وقد انكبّ علماء العرب على وضع الكتب التي أطلقوا عليها اسم المعاجم اللّغويّة، التي جمعوا فيها محافظين على مفردات اللّغة، التي توخّوا أن يضمّوها إلى تلك المعاجم التي أصبحت مجامع لتلك الكلمات، وقد كان تحقّق أوّل معجم لغويّ عربيّ، في كتاب العين الذي وضعه في النّصف الثّاني من القرن الثّاني الخليل بن أحمد الفراهيديّ.

أطلقت كلمة المعجم على الكتاب الذي يتضمّن الألفاظ اللّغويّة ومعانيها، التي رتّبت بحسب حروفها،وكلمة المعجم في اللّغة جاءت من مادّة "ع،ج،م" حيث ذكر معجم العين أنّ "العجم ضدّ العرب، ورجل أعجميّ ليس عربيّ وامرأة عجماء، والعجمة، والعجماء، وكلّ دابّة أو بهيمة، والعجماء كلّ صلاة لا يقرأ فيها، والأعجم كلام ليس بلغة عربية، والمعجم حروف الهجاء المقطّعة لأنّها أعجميّة وتعجيم الكتاب تنقيطه كي تستقيم عجمته ويصحّ"، وورد في لسان العرب أنّ "الأعجم الذي لا يفصح ولا يبين كلامه وإن كان عربيّ النّسب، وأعجمت الكتاب ذهبت به إلى العجمة، وقالوا حروف المعجم فأضافوا الحروف إلى المعجم، وكتاب معجم إذا أعجمه: كتابته بالنّقط"، وقد اختلف في تحديد الفترة التي أطلقت فيها كلمة المعجم على ذلك النّوع من كتب اللّغة، التي تجمع كلمات اللّغة وفق ترتيب محدّد، وقد ذكر أنّ الإمام البخاريّ، أبو عبد الله محمّد بن إسماعيل المولود 194ه، أوّل من أطلقه على واحد من مؤلّفاته المرتّبة على الحروف.

صدرت في العصر الحديث عدّة معاجم، حيث نجد أحدها، وهو المعجم الوسيط، قد ساهم في إيراد تعريف للمعجم، فذكر أنّه "ديوان لمفردات اللّغة مرتّبة على حروف المعجم"، وقد اتّفق علماء اللّغة على تعريف المعجم بأنّه "كتاب يضمّ بين دفّتيه مفردات لغة ما، ومعانيها واستعمالاتها في التّراكيب المختلفة وكيفيّة نطقها، وكتابتها مع ترتيب هذه المفردات بصورة التّرتيب، التي غالباً ما تكون مع التّرتيب الهجائيّ"، ويذكر أيضاً في تقديم كلّ كلمة في المعجم أحوال استخدامها واشتقاقها، وذكر المرادفات لها والمعاني العديدة التي تشير إليها، فيعتبر المعجم مرجعاً يحتوي على كلمات تكون "مصحوبة بمعلومات عن بنيتها وطرق نطقها، ووظائفها، ومعانيها، وموقعها، واستعمالاتها الاصطلاحيّة"، فيصبح المعجم محتوياً كلمات اللّغة، أو مصطلحات علم معيّن، حيث تعرض موادّ المعجم بحسب ترتيب محدّد.

تعدّدت أنواع المعاجم في اللّغة العربيّة، فاتّجه بعضها إلى الاهتمام بالمعاني، وكانت لهذا الصّنف من المعاجم، الأسبقيّة في الوجود بالنّسبة إلى المعاجم المرتّبة بحسب الألفاظ، وقد عرفت المعاجم اللّغويّة بالقواميس، ومفرد هذه الكلمة هي قاموس ومعناه: البحر أو أبعد موضع فيه غوراً وقيل وسطه ومعظمه. وقد أطلقه الفيروزأباديّ على معجمه، فسمّاه (القاموس المحيط): وهو يعني البحر الأعظم كما ذكر ذلك المؤلّف بذاته، و"لمّا كثر تداوله اكتفى من اسمه بالقاموس، ثمّ انتقل هذا اللّفظ لينطبق على الكتب التي شابهته سواء أكان صدرت قبل، أو بعد ظهور كتاب الفيروزأبادي"، وقد اصطلح على تعريف المعجم بأنّه "مؤلّف ضمّ بين دفّتيه كلمات لغة قوم مقرونة بشرحها وتأصيلها" فالمعجم هو "كتاب يحوي على كلمات منتقاة، ترتّب عادة ترتيباً هجائيّاً، مع شرح لمعانيها ومعلومات أخرى ذات علاقة بها"، وإذا كانت توفّرت اللّغة العربيّة أعداداً متنوّعة من أصناف المعاجم منذ بداية التّأليف المعجميّ، فإنّ اللّغويّين العرب قد أولو اهتمامهم في البداية مفردات القرآن الكريم، ويعدّ غريب القرآن أوّل مؤلّف اهتمّ بمعاني كلمات القرآن الكريم، ثمّ بدأت تنتشر المعاجم المتنوّعة التي توزّعت إلى أصناف عديدة، مثل معاجم المعانيّ، ومعاجم الألفاظ ومعاجم المفردات،ومعاجم الأمثال، ومعاجم المصطلحات المتخصّصة في العلوم أو الفنون أو الطّبّ.

ظهر التّأليف المعجميّ بارزاً بين المواضيع  الكثيرة، التي تناولها اللّغويّون العرب، في كتبهم التي وضعوها، وقد اعتبرت المساعي التي أتاها أولئك اللّغويون في مزاولة ذلك التّأليف المعجميّ، أحد "أهمّ الجهود التي لا يمكن الاستهانة بها، نظراً لما يؤدّيه من دور في إفهام معاني ودلالات الكلمات" وقد حافظت المعاجم على اللّغة العربيّة، حيث تنوّعت الطّرائق التي اتّبعت في ترتيب موادّ تلك المعاجم الوفيرة و"إذا تفاخرت اللّغات كلّ بمعجمها، فالفخر كلّ الفخر لأمّها الضّاد، إذ لم يعرف العالم أمّة كالعرب فاقت سائر الأمم عناية بلغتهم، وسعياً في جمعها وتدوينها، وبحثاً في مفرداتها، وتعقّباً لدلالة الحرف الواحد من حروفها بحسب موقعه من اللّفظ الواحد"، وكانت برزت بالإضافة إلى أصناف تلك المعاجم التي ذكرتها آنفاً، معاجم أساس البلاغة للزّمخشريّ، والمخصّص لابن سيّدة، والصّحاح للجوهريّ، وتاج العروس للزّبيديّ، ومحيط المحيط للفيروزأبادي، وفي العصر الحديث ظهرت أيضاً معاجم متنوّعة مثل المنجد في اللّغة، والمعجم الوسيط، ويعدّ لسان العرب لابن منظور، أشهر معاجم اللّغة العربيّة، حيث ما برحت تستند إليه الأجيال المتعاقبة على مدى سبعة قرون، وتنوّع المعاجم يؤكّد أنّه "مهما كان صنفها تبقى في النّهاية وسيلة تلبّي حاجيات من يطلبها، وهؤلاء هم أهل اللّغة برمّتهم وليسوا من أهل الاختصاصات اللّغويّة فحسب"، فيحتاج النّاس جميعهم إلى استخدام تلك المعاجم.

إنّ ميزة تلك الغزارة في عدد مفردات اللّغة العربيّة، أكّدت قدرة تلك اللّغة على التّعبير عن المعاني الكثيرة، واستطاعتها وصف الوقائع العديدة التي يحيط بها فكر الإنسان، وقد كانت أعداد كلمات اللّغة العربيّة، مطّردة الزّيادة إذ هي "واسعة الثّراء بما منحها التّاريخ العربيّ المجيد من مفردات هي قابلة لزيادة هذه الثّروة بما وهبتها طبيعتها العبقريّة في الصّياغة من إمكان الاشتقاق والارتجال والتّعريب، وتغليب الصّيغ"(1)، واللّغة العربيّة هي أقدم اللّغات التي ما زالت مستمرّة ويزداد أعداد النّاطقين بها، الذي ينتشرون في بلدان عديدة، حتّى صحّت الملاحظة الدّقيقة التي تؤكّد أنّنا إذا رأينا هذا الامتداد الزّمنيّ البعيد، الذي تتميّز به اللّغة العربيّة، فإنّها لغة ممتدّة جغرافيّاً أيضاً و"لا نجد لغة أخرى في العالم اليوم، تستجيب لحالتي الامتداد الزّمنيّ والجغرافيّ معاً"(2)، واللّغة هي كائن حيّ، وهي بسبب هذه الخاصّيّة، تتعرّض للتّطوّر، حيث تكون "الكلمة التي هي في كثير من اللّغات مادّة حيّة يعمل فيها الزّمن ويؤثّر فيها، وتجدّ فيها الحياة، فتتطوّر وتتبدّل وربّما اكتسبت خصوصيّات معنويّة أبعدها الاستعمال عن أصلها قليلاً أو كثيراً"(3)، وهذا المظهر الحيويّ الذي تتّصف به اللّغة، ييسّر لها أن تساير مواكبة تلك الأشياء والحاجات، التي تستحدث وتنشأ في حياة النّاس، واللّغة هي مرآة الفكر، وتظهر أيضاً أحوال المجتمع الذي تنتشر فيه، فاللّغة "تتطوّر وفق تطوّر هذا المجتمع، فترقى برقيّه وتنحطّ بانحطاطه"،فلا تنبتّ الصّلة بين شأن اللّغة وأحوال أولئك النّاس الذين يستخدمونها، فهي تظهر حقيقة تلك المراتب التي أدركوها، في معارج الفكر، وفي مدارج التّطوّر التي يسلكونها.

إنّ هذا التّطوّر الذي يطرأ على اللّغة، يمتدّ ليصل أيضاً إلى تراكيب الجمل، التي لا تختلف في شأن تطوّرها عن الكلمة التي يهيّأ لها أن "تولد أوّلاً، ثمّ تشتهر بين أهلها، أو قد تكون خاملة، أو يعتريها الهزال، فيقلّ استعمالها بين النّاس، وقد تبقى مدفونة بين طيّات الكتب والمعجمات إلى أن تكتب لها أسباب البعث"(4)، وإذا كانت الكلمة، تمضي على تلك الحالة، التي بيّنتها آنفاً، فلا غرو من أن يهتمّ علماء اللّغة التّاريخيّين بموضوع التّطوّر اللّغويّ، وتسير اللّغة العربيّة على سنن ذلك التّطوّر الذي تمرّ به سائر اللّغات، إذ تضاف إلى تلك اللّغة العربيّة ألفاظ كثيرة و"هي إمّا تستحدث مفردات جديدة، أو تستوردها من لغات أخرى، وحتّى المفردات القديمة تتطوّر ويتغيّر معناها وبالتّالي لا تحمل بالضّرورة في العصر الحاليّ نفس الدّلالة التي حملتها في العصر الذي ظهرت فيه"، والحديث عن التّطوّر الذي يحدث في اللّغة يستدعي التّفكير في ضرورة تأليف المعجم التّاريخيّ الذي "لا يكتفي بإعطاء دلالة محدّدة للكلمة، بل يذهب أبعد من ذلك حين يعيد كتابة قصّة دلالات الكلمة وعبورها في الزّمن"، وقد اعتبر ذلك الصّنف من المعاجم هو "الجوهرة الأساسيّة" في تاج تأليف المعاجم، حيث يكون معجماً تاريخيّاً يعيد تركيب سيرة الكلمة و"صورتها في أذهان مستعمليها ودارسيها"، وقد تميّز المعجم التّاريخيّ "بالحفر البعيد في الذّاكرة اللّغويّة"، حيث يستحضر الطّرائق التي مضى فيها تطوّر كلمات تلك اللّغة.

تؤّكد حاجة النّاس إلى استخدام المفردات اللّغويّة، أنّ اللّغة "ليست كما يظنّ حبيسة المعاجم والقواميس، إنّما هي أداة عمل وكائن حيّ شديد التّأثّر والتّأثير"، ولا تقتصر المعجمات التّاريخيّة على تقديم الكلمات التي وجدت في زمن ومكان محدّدين، بل إنّها "تقوم بتتبّع تطوّر معاني الكلمات، وترصد حركيّة اللّغة عبر مراحل حياتها المختلفة، حتّى تكون نظرتها بذلك نظرة شموليّة تبدأ من أقدم العصور إلى غاية العصر الذي يتمّ فيه وضع المعجم، خاصّة من ناحية الاستعمال، حتّى ينتهي في الأخير إلى ترتيب تطوّر استعمال المفردات سواء كان في المبنى أو المعنى"، وتعرض في تلك المعاجم أيضاً الشّواهد اللّغويّة، التي توضّح "معاني ومباني الكلمات، وفي جميع مراحل حياة اللّغة"، ويهتمّ المعجم التّاريخيّ بسرد المسيرة التّاريخيّة التي اتّبعتها اللّغة "منذ نشأتها بل ولادتها إلى نهايتها"، وقد وضّح معنى كلمة النّهاية، بأنّها لا يقصد بها الموت والفناء و"إن يكن هذا من الأمور الخاصّة في جمهرة من الألفاظ التي عفا عليها الزّمن، أو قل قد انتفت الحاجة إليها"، واللّغة العربيّة هي أيضاً مهيّأة للتّطوّر لأنّ "لها خصوصيّاتها الدّاخليّة التي تمنحها التّفرّد والاستمراريّة، كيف لا وهي أوسع اللّغات مدى، وأغزرهنّ مادّة، وأوفاهنّ بالحاجة الحقيقيّة من معنى اللّغة، ككثرة أبنيتها وتعدّد صيغها، ومرونتها على الاشتقاق، وانفساحها من ذلك إلى ما يستغرق اللّغة بجملتها"، فيهتمّ المعجم التاريخيّ بالكلمات وتطوّرها "من حيث المبنى أو المعنى أو طريقة الكتابة، مع تسجيل أصولها الاشتقاقيّة بداية دخولها اللّغة وصيرورتها، بعد فترات من التّطوّر"، ولم تغب فكرة غياب ذلك المعجم عن أذهان اللّغويّين وعلماء اللّغة العرب في الوقت الرّاهن، إذ عنوا باستدراك وجود هذا النّقص في ذلك الصّنف من المعاجم، حيث يحظى ذلك المعجم التّاريخيّ بمكانة بارزة بين سائر أصناف المعاجم المتعدّدة.

ظلّت مجموعات المجلّات والجرائد منتشرة بكثرة في المنزل،وبدأت تلك المطبوعات المنشورة تستلفت نظري إليها منذ سنوات طفولتي الباكرة، وكانت الصّور البهيّة الألوان، التي تضمّها تلك المنشورات الدّوريّة، تشدّ إليها انتباهي، فآخذ في أن أتفرّج على تقاطيع تلك الصّور الزّاهية، التي طالما كانت تستميلني إليها، فاتّضحت منذ حداثة سنّي، الدّلائل على اهتمامي بتلك المجلّات والجرائد، التي كان أهلي يواظبون على أن يقتنوها ويطالعوها، ونشأت تلك الصّلة بيني وبين تلك المطبوعات الدّوريّة، حتّى قبل أن أتعلّم القراءة، وأبدأ في تهجّي الحروف المطبوعة، فكانت تلك الصّور التي تندرج في ثنايا تلك المجلّات والجرائد، هي الدّافع الذي كثيراً ما حفزني إلى أن أعكف في سنوات الطّفولة، على أن أقلّب صفحات تلك المطبوعات، التي كنت أبحث فيها مفتشاً عن تلك الصّور المشرقة بألوانها العديدة الزّاهرة.

اشتدّ حرص والدي ووالدتي على ترتيب أعداد تلك المجلّات في المكتبة، وكنت أرى أيضاً في أحد زوايا الغرفة التي كنّا غالباً ما نجلس ونجتمع فيها، مجموعة من تلك المنشورات الدّوريّة، موضوعة في تنسيق دقيق، وقد لحظت طريقة التّنظيم المحكم، الذي كان والديّ يرتّبان به، أعداد تلك المجلّات في الأماكن المتفرّقة التي كانت تشغلها في منزلنا، وكنت أدرك مقدار المسؤوليّة الجسيمة، التي تلقى على عاتقي، حينما أستلّ أحد أعداد تلك المجلّات المرتّبة على أرفف المكتبة، إذ كنت أجهد في ألّا أفسد تنسيق تلك الصّفوف المنتظمة، التي رتّبت فيها المجلّات، ودأبت في المحافظة على مراعاة طريقة ذلك التّرتيب، الذي وضعت به في المكتبة، تلك المطبوعات الدّوريّة، التي كنت أرى أفراد عائلتي في أحيان كثيرة، يقرؤونها بجدّيّة واهتمام بالغين، فأستدلّ على مقدار أهمّيّة تلك المجلّات، من إقبال أهلي المتواصل على قراءتها، وعندما أفرغ من تقليب صفحات المجلّة، التي أكون قد اطّلعت فيها على محتوياتها المتنوّعة، أحرص على أن أعيد تلك المجلّة إلى مكانها ذاته، الذي كانت موضوعة فيه بين المجموعة الكبيرة من نسخ المجلّات المتراصفة.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (57)

سنة النّشر 1987

ما إن فرغنا من ارتشاف الشّاي، حتّى التفتت إليّ قائلة:

مضى الوقت سريعاً، فآن لي أن أعود إلى منزلي، وإنّي أجزل لك الشّكر لما أظهرته لي من كرم الضّيافة.

أشرق في وجهها ذلك البهاء الذي يجهر في مخايل السّرور، ويظهر في أشكال الحبور، إلّا أنّ من الضّعة أن أنسب أسباب غبطتها إلى ما أبديته نحوها من طيب التّصرّف، فمن السّفاهة أن أفرض نفسي قيّماً على أحوال تلك الأحاسيس التي تطرأ على نادية، فأقصر على ذاتي القدرة على تحقيق بهجتها، وإسعاد مهجتها، وربّما امتدّ نفوذ تأثيري إلى ذهنها وفكرها، إلّا أنّه لا يتاح لي أن أثير مكامن الشّعور في كيانها، وإن كان يجمع بين ذهنها ونفسها مسالك عديدة، فتسري فيها تيّارات السّعادة والغبطة متدافعة، وتتوارد في جريانها إلى نفسها وفكرها.

استأنفت حديثها بعد أن تهيّأت للانطلاق نحو وجهتها المقصودة، وخاطبتني بلهجة رقيقة الهمسات، عذبة الكلمات، فقالت:

أثار اهتمامي ما أفضت به من آرائك وما عرضته عليّ من معتقداتك، وسأتبصّر في هذه الأفكار حتّى نجتمع معاً في لقاء قادم.

توادعنا وقد بدأت تتردّد في فكري عباراتها، التي تفوّهت بها في ختام حديثها، وقد صرّحت فيها ببواعث اهتمامها، وأفصحت عن دواعي رضاها، فرسخت في ذهني تلك الخواطر التي لاحت في بالي منذ برهة يسيرة.

يدأب الإنسان في أن يستجلي حقائق الظّواهر التي يشاهدها، فيستغلّ طاقة المعرفة التي يمتلكها، في سعيه إلى استكشاف معالم الأشياء التي تتبدّى له، وكان العقل هو مرتكز تلك المعرفة و"حاملها في مستوى الذّات الإنسانيّة"، ويمتلك العقل القدرة على التّجريد والتّفكير وإطلاق الأحكام، وهو أيضاً "ملكة متعالية شكّلت التّفوّق النّوعيّ للإنسان بوصفه كائناً فكريّاً Homo Sapiens وكان تاريخ تطوّر المعرفة "مشروطاً بتاريخ تطوّر العقل المرتبط شرطيّاً أيضاً بتاريخ التّطوّر التّقنيّ _ الإيديولوجيّ _ الاجتماعيّ للمجتمعات"، وقد أصبحت المعرفة "نتاج تجريديّ لدماغ الإنسان بوصفه عقلاً. كما أنّ المعرفة تعيد إنتاج العقل"، فالإنسان هو كائن عاقل "يملك قابليّة التّعقّل والتّمييز بين سلبيّات الأشياء وإيجابيّاتها... ويولد الإنسان وهو يحمل قوّة الإدراك بالفطرة والوراثة أو الغريزة، (العقل الفطريّ، والعقل الغريزيّ)". وقد كان ابن خلدون قد ذكر أنّ "العقل صفة الإنسان من هو ذو فكر"، وكان العالم العربيّ جابر بن حيّان بيّن لامحدوديّة العقل التّنويريّة بقوله: "العلم نور، وكلّ علم عقل، إذن كلّ عقل نور"، فأصبح العقل هو "القوّة على اكتساب العلم" وبتلك الصّفة أضيفت وظيفة أخرى إلى العقل وهي "تحويل الإدراك الحسّيّ إلى إدراك عقليّ مجرّد"، وكان الجبائيّ قد ذكر أنّ العقل هو العلم، وفي اللّغة "إنّما العقل سمّي عقلاً لأنّ الإنسان يمنع نفسه به عمّا لا يمنع المجنون نفسه، وأنّ ذلك مأخوذ من عقال البعير"، وقد وصف الإنسان بأنّه عقلٌ وهوى، وقد كان العقل "يمكّنه من أن يكتشف ما في الأشياء والسّلوك من صلاح أو فساد، فيوجب العمل بما هو صالح، وينهي عمّا هو فاسد"، حتّى صحّ الاعتقاد في أنّ الحسن ما حسّنه العقل، والقبيح ما قبّحه العقل.

تأكّدت أهمّيّة استرشاد الإنسان بنور العقل وهدايته، ليمضي في دربه في هذه الحياة، في مأمن من مزالق العثار، وفي منجاة من بواعث المضارّ، وقد كان الفقيه والعالم ابن القيّم ذكر "أنّ نور العقل يضيء في ليل الهوى، فتلوح جادّة الصّواب، فيتلمّح البصير في ذلك عواقب الأمور"،وقد برز عقل الإنسان في عمليّة تحقيق المعرفة، لأنّه "بوسعه تخطّي حدود ما يعطى له مباشرة في التّجربة الحسّيّة"، فيتمكّن الإنسان من أنّ يتّبع طريقة في التّفكير، تستند إلى العقل، حيث يطلق مفهوم العقلانيّة على قدرة الإنسان في نشاطه الذي يمارسه في مجرى الحياة، على أن ينجز المحاكمة الواعية، التي تجري "بعيداً قدر الإمكان، عن تسلّط المشاعر والعواطف، وعلى وزن كافّة الاعتبارات "لصالح" أو "ضدّ" الاختيار المعني، وعلى السّعي لتعليل أقواله وتصرّفاته"، وكلمة العقلانيّة في اللّغة الانكليزيّة rationalism، تحدّرت من اللّاتينيّةratio، وهي تعني عقل، وبصيرة، وتصبح العقلانيّة "تعني حرفيّاً: أسلوب في التّفكير أو التّفلسف، يقوم على العقل"، فالعقلانيّة لا تعترف بأيّة "قوّة أخرى غير قوّة العقل"، وتعتمد العقلانيّة على عدّة عوامل، يندرج في عدادها على سبيل المثال "تربية التّفكير المنطقيّ المبني على المعطيات العلميّة، والموضوعيّة البعيدة عن الاستنتاجات المبهمة والعامّة"، وتلك العقلانيّة تهيّئ الإنسان لأن يتجنّب "الفوضى التي تؤدّي إلى إهدار الطّاقات، وضياع الوقت وإلى التّسيّب"، وهي تمكّنه من "تفادي الأخطاء قبل وقوعها"، فيصبح العقل "ملكة الاستدلال الصّحيح والاستنتاج، وعرض المرء أفكاره بطريقة منطقيّة"، حيث اعتبر العقل أيضاً، مصدر كلّ الأفكار، فتحدّد مفهوما المعرفة والأخلاق "على ما يقرّه العقل"، وأمّا الفكر فإنّه يقصد به "القدرة على كشف أسباب وجواهر الظّواهر، وبحثها بطريقة شاملة"، وقد أدّى تحلّي الإنسان بالتّفكير العقلانيّ، إلى زيادة قدرته على أن ينجز مهامّه بإتقان.

إنّ القدرة العقليّة التي يمتلكها الإنسان، هي "أحد الأمور الهامّة والمؤثّرة بل الأساسيّة في عمليّة التّفكير البشريّ" وقد عرّفت تلك القدرة العقليّة بأنّها "مجموعة من الأساليب الخاصّة بالأداء المعرفيّ"، حيث اعتبرت تلك الأساليب "مجموعة من الملكات الخاصّة بالشّخص، والمنفصلة عن بعضها البعض"، فأصبحت في نظر عدد من المفكّرين، القدرة العقليّة هي "تلك القدرة العقليّة الفكريّة أو الشّعوريّة أو الإراديّة، حيث أنّ كلّها تعتمد على تفسير تلك المظاهر العقليّة المختلفة والتي تعبّر عن الأداء العقليّ"، فأصبحت القدرة العقليّة "جوانب النّشاط العقليّ كملكة التّذكّر وملكة الانتباه وملكة التّخيّل، وملكة الابتكار"، فتمكّن تلك القدرات العقليّة الإنسان من أن يمتلك ناصية الفهم، في تأمّله في تلك المعالم التي يسبر أغوارها، ساعياً إلى الإحاطة بحقيقتها.

إنّ تأكيد بروز عمليّة التّفكير، التي تمهّد السّبيل إلى استجلاء معالم الظّواهر التي تتبدّى في مجرى حياة النّاس، قد أوقع على الإنسان مسؤوليّة تنشيط عقله،وتنمية قدراته العقليّة، حيث قد تأتّى له "العمل على تنمية ومضاعفة وتطوير القدرات العقليّة الخاصّة به"، وتعرّف القدرة العقليّة بأنّها "قدرة الفرد على اتّخاذ القرارات الخاصّة به، واكتساب المهارات المعرفيّة، واستقبال المعلومات وحتّى الحساب، بالإضافة إلى القدرة على إنجاز عدّة أمور"، وقد أكّدت نتائج الأبحاث التي عولجت فيها شؤون تلك القدرات العقليّة، أنّ القاعدة الرّئيسيّة في تنمية تلك القدرات تتحدّد في التّعليم "بمفهومه تلك العمليّة الخاصّة باكتساب المهارات والمعارف، والقيام بناء على ذلك بتطوير السّلوك، وذلك بعد اكتساب الخبرات والمهارات اللّازمة للتّطوير، حيث أنّه من المفروض ألّا يتمّ التّعليم إلّا عن طريق عامل التّحفيز والإدراك"، وقد أكّدت بعض التّجارب الطّبّيّة الحديثة أنّه "من أفضل الأساليب والطّرق التي يمكن اتّباعها لتنمية القدرات العقليّة وتطويرها هي القيام بالتّمارين العقليّة، لأنّها تعمل على تحفيز الخلايا الخاصّة بالمخّ، وتعمل أيضاً على تفعيل قدرات الذّكاء حتّى وإن كانت عن طريق بعض التّمارين البسيطة مثل الألعاب المنطقيّة، أو الدّخول في عمليّات النّقاش الفكريّة مع الأصدقاء، أو حتّى لعب الألعاب التي تحتاج إلى ذكاء وتفكير مثل لعبة الشّطرنج"، والإنسان الذي ينعم بتلك الملكات الذّهنيّة، يتوجّب عليه أن ينمّي ويصقل تلك القدرات التي يحوزها.

أضيف إلى وسائل تنمية القدرات العقليّة المذكورة آنفاً، "اكتشاف موهبة جديدة لدى الفرد ممّا سيساهم في تنمية ذكاءه وقدراته العقليّة من جديد"، وقد نوّهت أيضاً بأهمّيّة عمليّة التّساؤل الدّائمة، حيث "إنّ تلك الطّريقة هي من إحدى الوسائل شديدة النّجاح والفاعليّة في تنمية القدرات العقليّة، حيث يجب على الشّخص أن يكون دائم السّؤال عن كلّ شيء من حوله يجهله أو أنّه ملتبساً عليه، أو كونه أمراً غامضاً، حيث سيساعد ذلك على تحسين وظائف المخّ وجعله أكثر حيويّة"، وأضيفت إلى تلك الوسائل أيضاً "القراءة، وخاصّة قبل النّوم، لأنّ القراءة تساعد على تحفيز التّحليل الإبداعيّ، وتطوير المفردات اللّغويّة، وتطوير أنماط التّفكير، كما ينصح البحث عن المفاهيم الجديدة، من أجل زيادة معجم المفردات، والمشاركة في النّقاشات والنّدوات، فعند محاولة العقل إثبات وجهة نظر معيّنة، سيساعده ذلك على النّمو والانفتاح"، ويستدلّ على امتلاك الفرد القدرة العقليّة، باستطاعته "فهم المعلومات الخاصّة بقرار ما، والاحتفاظ بالمعلومات لموعد اتّخاذ قرار ما، والتّفكير مليّاً بالمعلومات"، ولا غنى للإنسان أيضاً عن ممارسة الرّياضة، كي يحقّق تنمية قدراته العقليّة، لأنّ الرّياضة "تساعد على تحفيز الدّماغ وزيادة التّحمّل العقليّ، بسبب انتقال الأكسجين والموادّ المغذّية له"، فتتحقّق عندئذ في مزاولة الألعاب الرّياضيّة، سداد مقولة العقل السّليم في الجسم السّليم.

احتوت الوسائل التي تسهم في تنمية القدرات العقليّة عند الإنسان، وسيلة اعتبرت أيضاً أداة ترويح للنّاس، وهي تحديداً لعبة الشّطرنج، التي هي إحدى الألعاب التي "تتطلّب من يمارسها اتبّاع طرائق التّفكير والتّحليل العقليّ"، ولعبة الشّطرنج هي لعبة ذهنيّة تحلّ في مرتبة رفيعة جدّاً بين سائر الألعاب والأنشطة الذّهنيّة، وتتحقّق ممارسة هذه اللّعبة، بتطبيق قواعد ثابتة، وهي تعتبر تسلية ذهنيّة، فضلاً عن أنّها لعبة عريقة في قدمها، وتطغى شهرتها على شهرة سائر الألعاب الذّهنيّة، وفي ممارستها تتّضح كثير من القدرات العقليّة العالية، التي تصقل وتنمّى، حتّى أنّ بعض تلك القدرات يكتسبها الإنسان من جرّاء مزاولته تلك اللّعبة، لتغدو متأصّلة في ذهنه وراسخة في نفسه، فالشّطرنج يجلب إلى الإنسان بحقّ، أجلّ وأرفع المتع التي يتمّكن من أن يحصل عليها، وتلك الفكرة تخالف الفكرة الشّائعة عند النّاس، في الميل إلى تجنّب إعمال الذّهن وتنشيط العقل في مزاولة أعمال شتّى، وعندما يقال أن الشّطرنج لعبة ذهنيّة، لأنّ كلّ العوامل الأخرى تسقط في حسابات هذه اللّعبة مثل الصّدف، التي تبتعد عن قوانين العقل المترابطة.

اشترط على لاعب الشّطرنج كي يتقن ممارسة هذه اللّعبة، أن يدأب في ممارسة لعبة الشّطرنج، التي لا يختلف شأنها عن أحوال سائر الألعاب الرّياضيّة، التي يتوجّب المواظبة على ممارستها، كي يحافظ الرّياضيّون على لياقتهم الجسديّة واستعدادهم العالي لمزاولة تلك الألعاب الرّياضيّة المتنوّعة، وقد ذهب أحد أبطال هذه اللّعبة إلى أن يذكر "أنّ الشّطرنج مثل رياضة بناء الجسام، إذا تدرّبت كلّ يوم سوف تبقى بشكل مثاليّ، والأمر نفسه بالنّسبة للدّماغ، فالشّطرنج هو مسألة تدريب يوميّ"، حيث يصبح التّدريب المتواصل واليوميّ هو شرط جوهريّ في ممارسة تلك اللّعبة الذّهنيّة، فإنّ توقّف لاعب الشّطرنج وتقاعس عن مواصلة اللّعب، فإنّه ستتقهقر استعداداته لمزاولة هذه اللّعبة بطريقة متقنة، ويحصل لاعب الشّطرنج في أدائه هذه اللّعبة، على المتعة الكاملة الوافية، إذ اعتبرت لعبة الشّطرنج هي ممتعة في حدّ ذاتها، من دون أن تحتاج إلى أيّ دافع أو "محفّز مادّيّ لمزاولتها"، وقد كان يستخلص من تاريخ مباريات هذه اللّعبة، أنّ الشّطرنج "لم يتمّ لعبه أبداً من أجل المال"، ولعبة الشّطرنج "تلعب بالذّهن قبل الأصابع"، فالشّطرنج يجمع بين العلم والرّياضة والفنّ، وكانت دقّة التّشبيه بالغة، في وصف الشّطرنج بأنّه الحياة، لأنّه يتضمّن كلّ الأنشطة التي تظهر في مجرى الحياة، مثل الصّراع والمنافسة، بالإضافة إلى الأحداث المختلفة، وإن كانت تلك اللّعبة الذّهنيّة هي ميدان خاصّ للعقل، فإنّ لعبة الشّطرنج هي أيضاً مرآة للعقل والنّفس معاً، وقد أثبتت التّجارب العمليّة أنّ الشّطرنج يحسّن المهارة الفكريّة ويطوّرها، حيث اعتبرت تلك الخاصّيّة الفرديّة، في عداد الصّفات المكتسبة، ولا تمتّ بصلة بأحوال المواهب الرّاسخة في النّفس، فتعتبر لعبة الشّطرنج نشاطاً رياضيّاً، يتحقّق فيه تمرين العقل وتنشيط الذّهن، حتّى أنّ كلّ "التّصوّرات في الشّطرنج لها قواعد هندسيّة، مثل الهندسة الفراغيّة"، فلعبة الشّطرنج تشحذ فهم اللّاعب الذي يمارس هذه اللّعبة، وتنمّي قدراته العقليّة، وتحقّق في نفسه المتعة في أثناء مزاولته هذه اللّعبة الذّهنيّة.