ظلّ الصّداقة

إنّ الصّداقة هي الخميلة الظّليلة، التي يتفيّأ بظلّها الإنسان متّقياً قيظ الحياة، التي يخوض مفاوزها الجرداء الخالية من الأنس والألفة.

مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (123)

سنة النّشر 2009

كم معركة فكريّة جرت في المجتمعات العربيّة، لا تكاد تحسم نتيجتها، حتّى تندلع نيرانها ويشتدّ وطيسها تارة أخرى، وتحدث معاودة خوض تلك المعارك التي يتكرّر حدوثها، في ميادين ثقافيّة وفكريّة متنوّعة وعديدة، فتتعرقل آنئذ مساعي النّاس إلى تحقيق التّطوّر والنّهوض الحضاريّ في الوطن العربيّ، علماً بأنّ المسائل التي حسم النّقاش فيها، لا تصّنف في فئة تلك القضايا الإشكاليّة التي يظلّ البحث في شأنها مستمرّاً ردحاً طويلاً، وخاصّة إنّ قضايا الفنّ الموسيقيّ التي بتّ الحكم فيها، هي تلك القضايا التي أفتى فيها البحث الفنّيّ الدّقيق، والدّراسات العلميّة الصّائبة، والتّفكير المنطقيّ، حيث أوجدت تلك الأبحاث كافّة حلولاً ناجزة لها، فيجب أن يحلّ الموسيقار صلحي الوادي، والموسيقار عزيز الشّوان، بمكانة الرّيادة في النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ الجادّ في الوطن العربي، حيث يجب أن يحفظ ذلك التّراث الفنّيّ والفكريّ الذي أبدعاه، ويحتّم أن تصان تلك الجهود العظيمة التي بذلاها، كي لا تذهب تلك الجهود سدى، وكي لا تكرّر الأجيال التي تعقبهما البحث في المسائل التي أناراها وحسما النّقاش فيها، فتوفّر لهم جهودهم التي يدّخرونها لإنجاز مهامّ أخرى، لا ريب في أنّها ستكون هامّة أيضاً، فيجب ألّا تنشغل تلك الأجيال بمعاودة خوض غمار تلك المعارك الفكريّة، كلّما امتدّ بها الزّمن، وقد ارتأيت أن أسجّل تلك السّير الفنّيّة رادّاً عنها غوائل النّسيان والإهمال، وكي تقطع دابر ارتكاب خطيئة تكرار التّجارب نفسها التي أنجزها السّلف الصّالح، وكي لا نعيد ونكرّر إيراد الحلول التي سبق أولئك الرّوّاد الأجلاء إلى أن أوجدوها، ولشدّ ما يستغلّ كثير من الأشخاص ضعف الذّاكرة عند بعض الأفراد في المجتمعات العربيّة، ليثيروا مسائل وقضايا فرغ من البحث فيها منذ زمن مديد، فتظلّ تلك المجتمعات تتلكّأ عن تحقيق تطوّرها، وتتعثّر في إنجاز نهضتها، حيث كان لها بالمرصاد أولئك الأشخاص، الذين كانوا يجذبونها ويردّونها إلى ظلمات ومشاكل ذلك الماضي السّحيق.

ابتكر المؤلّفون الموسيقيّون العرب الأعمال الموسيقيّة العديدة، التي يجب أن يتأتّى لتلك الجماهير الغفيرة في الوطن العربيّ أن تتلقّفها وتتذوّقها، ولا ريب في أنّ يتحتّم على الفرق الموسيقيّة في الوطن العربيّ، أن تدأب في عزف الأعمال الموسيقيّة التي يبتكرها أولئك المؤلّفون الموسيقيّون العرب، وقد عكفت الفرقة السّيمفونيّة الوطنيّة السّوريّة دائماً على تقديم نتاج أولئك الفنّانين العرب، ومن يتأمّل في الأعمال الموسيقيّة التي أبدعها الموسيقار صلحي الوادي، والموسيقار عزيز الشّوان، ويتبصّر في آرائهما، يلف سعيهما إلى أن ينهضا بالفنّ الموسيقيّ في الوطن العربيّ، فاهتمّا بوضع المؤلّفات الفنّيّة الموسيقيّة الجادّة، وأعربا عن رؤيتهما إلى طبيعة الفنّ الموسيقيّ الجادّ، إذ أنارت آراؤهما قضايا فنّيّة، ومسائل اجتماعيّة أيضاً، حيث بحثا في طبيعة تلك المجتمعات العربيّة التي يجري فيها ذلك النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ، ولا ريب في أنّ آراءهما السّديدة غدت ركائز راسخة في الأبحاث والدّراسات الفنّيّة، إذ دأبا في أن يحدّدا طبيعة ذلك الوسط، الذي يجب أن يعدّ لاحتضان النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ الجادّ، الذي ترتفع بينه وبين أفراد الجمهور العوائق التي تحول بينهما، حيث وجدت في البدء تلك المؤلّفات الموسيقيّة من أجل أن يغترف النّاس منها تلك المتع الجماليّة، التي تقوّي إدراكهم كنه تلك الحياة التي يعيشونها، وتتيح لهم الاطّلاع على نصاعة صورها العديدة، التي تجلّت في تلك الأعمال الفنّيّة الموسيقيّة الرّائعة.

ملاحظة: في هذه المقتطفات (123) التي نقدّمها الآن، ننجز نشر كتاب إنعام الأنغام كاملاً.

الطّبعة الأولى من هذا الكتاب صدرت في عام 2009.

مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (122)

سنة النّشر 2009

إنّ الإنسان الذي يطالع تلك الأقوال التي أدلى بها الموسيقار صلحي الوادي، والموسيقار عزيز الشّوان، يتبيّن رجاحة آرائهما الحاسمة، وسداد حججهما الصّائبة، واستقامة تفكير كلّ منهما، وقد أثبتا صحّة معتقداتهما برصانة تحليلهما قضايا الفنّ، وقد يخطر في بال من يقف على حججهما، بعد أن يلفي أنّهما ملكا مقاليد التّفوّق في تلك المحاججات النّظريّة التي خاضا غمارها، أن يسأل عن الأسباب التي أدّت إلى أن تعاكسهما الوقائع الحاصلة في مجتمعهما، حيث لم تجر حسبما يقتضي بروزهما في النّقاش، فلم يتمكّنا من أن يصوغا قوام الوقائع في بلديهما، وفق النّتائج التي خلصا إليها في مجادلاتهما النّظريّة، حيث لم يكونا يصرّفا تلك الأحداث الجارية وفق مشيئتهما، وتصدم وجاهة ذلك السّؤال الهامّ جدّاً، تلك الحقيقة التي تتمثّل في أنّهما ليست عندهما الرّخصة في أن يصرّفا الوقائع بحسب رغائبهما، ولم يفوّض إليهما تقويم الدّرء الحاصل في تلك المناشط التي تجري في مجتمعهما، فيظهر حينئذ ذلك التّعارض جليّاً بين واقع الحياة، وبين رجاحة آرائهما وسداد حججهما، على أنّ تبرز قضية هامّة أخرى تتجلّى في تلك المعارك العديدة التي اقتحما ميادينها، حيث حقّقا فيها نصراً مبيناً، فإذن يتوجّب أن يتمّ تثبيت ذلك التّفوّق الآن وأبد الآبدين أيضاً، من دون أن يعنّ بفكر أحد الأشخاص أن يعاود شنّ تلك الحملات الفكريّة والمعارك تارة أخرى، كي لا تضيع جهود النّاس سدى، ولا يخوضون غمار معارك بتّت نتيجتها منذ زمن بعيد، ولا يظلّ الإنسان في المجتمعات العربيّة يراوح بين رجليه في المكان ذاته، من دون أن يسير في نهج التّطوّر.

مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (121)

سنة النّشر 2009

أكّد الموسيقار صلحي الوادي دائماً أهمّيّة أن يتّسم الفنّان بالإقدام على ابتكار الأعمال البديعة الفريدة، من دون أن يتعمّد الخروج على القيم الجليلة التي تنتظم بها حيوات النّاس، وقد امتازت شخصيّة الموسيقار صلحي الوادي بسمة تلك الجرأة التي حضّ سائر الفنّانين على أن يتّصفوا بها، إذ كان جريئاً على إبداع الأعمال الفنّيّة الموسيقيّة، التي أحلّته في مكانة الرّيادة في ولوج عالم الفنّ الموسيقيّ الجادّ، وأردف بجرأته الفنّيّة، شجاعته في خوض غمار البحوث والمحاججات الفكريّة، حيث أفصح عن آرائه الفنّيّة الصّريحة، ونافح عن قيمه التي اعتقدها، وذاد عن مثله التي آمن بها، وقد أثمرت جرأته منافع جمّة، وفوائد كثيرة، من دون أن يأبه لذلك الضّرر الكبير الذي سبّبت تلك الجرأة بإلحاقه به، حيث شنّت عليه الحملات الشّديدة التي استهدفته، فضلاً عن سعيها إلى النّيل من ذلك النّتاج الفنّيّ الموسيقيّ الذي أبدعه، وتلك المشاقّ البالغة التي كابدها من جرّاء اتّسامه بتلك الجرأة، جلت عن متانة عزيمته، وصلابة مريرته على التّشبّث برسالته الفنّيّة السّامية، وقد أكّد دائماً دأبه في إعلاء قيمة تلك الجرأة الفنّيّة، حيث ذكر: "لا شكّ أنّ ممّا يثير الضّحك في بلادنا الفكرة السّائدة من أنّ الفنّان، وحتّى يكون فنّاناً بحقّ، يجب أن يكون خارجاً عن التّقاليد البيئيّة، ممّا شجّع البعض على أن يتلبّسوا نظرة الاستهتار بالقيم السّائدة، رغم أنّ الفنّان الجريء يكون جريئاً بمقدار جرأة فنّه لا بشكله الخارجيّ: شعره أشعث أو بفراغ  معدته....قد يكون الفنّان استثنائيّاً في مسيرة حياته كفان غوخ أو سيزان، لكنّه قد يكون أيضاً مثل ت. س. اليوت، الذي ظلّ بمظهره وسلوكه مخلصاً حتّى أواخر حياته لنشأته كمحاسب صارم، مع أنّه فتح بشعره بوابات على عوالم لم نكن قادرين على تخيّلها لولاه".

حفلت سيرة الموسيقار صلحي الوادي بالمآثر العديدة، والعبر الغفيرة، التي تآلفت مع تلك العظات التي رشحت بها وقائع حياة الموسيقار عزيز الشّوان في عالم الفنّ الموسيقيّ الجادّ، وكانت سيرتا هذين المؤلّفين الموسيقيّين، يعضد بعضهما البعض، إذ واجهتهما الصّعاب المتشابهة، ودهمتهما المشاكل المتماثلة، ولا ريب في أنّ ضمّ حصيلة هاتين السّيرتين، يزيد مآثرهما ضحة، ويقوّي بنيانهما صلابة، فتآلف أحداث هاتين السّيرتين المفعمتين بالمناشط الفنّيّة، يقوّي متانة وقائع كلّ منهما، ويظهر ثبات هذين الفنّانين على إعلاء شأن الفنّ الموسيقيّ الجادّ، إذ لم تهن إرادتهما في المنافحة عن مبادئهما، وأمّا مبلغ تلك المعاناة التي كابداها، فقد تكلّما عنها بنفسيهما، وذكرا الأحاديث التي بيّنا فيها شدّة معاناتهما تلك المصاعب التي تعرّضا لها، ولا ريب في أنّ أحداث حياتهما ستلهم تلك الأجيال اللّاحقة الخير العميم، التي تقتدي بتلك الفعال التي جاءها هذان المؤلّفان الموسيقيّان، وتأتسي بدأبهما في النّهوض بالفنّ الموسيقيّ الجادّ في الوطن العربيّ، وقد أغنيا بآرائهما الدّراسات والأبحاث الفكريّة والفنّيّة، حيث كانت أقوالهما ذخراً فنّيّاً جليل النّفع، وإن لم أتوسّع في الإحاطة بآراء كافّة المؤلّفين الموسيقيّين الجادّين في الوطن العربيّ، حيث اقتصرت على إيراد سيرتي الموسيقار صلحي الوادي، والموسيقار عزيز الشّوان، فإنّي على يقين من أنّ آراءهما وأقوالهما تنير قضايا ذلك الفنّ الموسيقيّ الجادّ إنارة تامّة، من دون أنّ أنتقص أهمّيّة سير سائر الفنّانين الذين لم أتطرّق إلى البحث في وقائع نشاطهم الفنّيّ الموسيقيّ.

مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (120)

سنة النّشر 2009

إنّ النّهج العلميّ القويم الذي سلكه الموسيقار صلحي الوادي في تناول الآلات الموسيقيّة العربيّة، يدلّ على حرصه على إعلاء مكانة تلك الآلات العربيّة، التي رأى وجوب استثمارها بأسلوب قويم، إذ قال: "يجب ألّا يقتصر الإتقان على آلات البيانو.. والكمان.. أو أيّة آلة أخرى.. بل يجب أن تنتقل هذه التّقنيّات إلى الموسيقا العربيّة حيث نجد خمولاً وكسلاً في الآلات العربيّة، وهذه الحالة لا تساعد في إظهار إمكانيّات الآلة أو العازف....اعتمدنا كخطّة درسيّة للآلات العربيّة الدّراسات ذاتها المطلوبة من عازف.. كمان.. فيولونسيل.. بيانو.. تشيلو.. إلخ.. وبالتّالي أصبح عازفو العود والقانون قادرين على تنفيذ موسيقا موزارت أو باخ.  أو بيتهوفن.. ولم يكن هذا الإجراء يتّجه لجعل بيتهوفن محبوباً من العرب وإنّما لاكتساب الخبرة التي تتطلّبها الموسيقا".

نبّه الموسيقار صلحي الوادي على الضّرر الذي يسبّبه لخرّيج المعهد العالي للموسيقا بدمشق، ذلك التّباين بين مبادئ العلوم الموسيقيّة التي حصّلها في سنوات دراسته، وبين تلك البيئة التي يعيش فيها، حيث تفتقر إلى الأسس التي ينهض عليها النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ الجادّ، الذي ينوي أن يزاوله ذلك الخرّيج، الذي يشعر بالغربة عن المجتمع الذي يحيى فيه، وحالة ذلك التّباين الذي يصدم ذلك الخرّيج، تشابه شأن الاختلاف بين اللّغة الفصحى واللّغة العامّيّة، حيث يبهظ ذلك التّعارض اللّغويّ الكاتبَ الذي ينهج أسلوب الكتابة الرّفيعة، فلا يجد خرّيج المعهد العالي للموسيقا بدّاً من أن يبحث عن موئل يركن إليه، وعندئذ قد تحدث غربة أخرى، تتمثّل في احتضان سائر البلدان ذاك الخرّيج، الذي يغادر بلده قاصداً الدّول الأجنبيّة، والإنسان الذي يقف على تلك المصاعب التي يتعرّض لها أولئك الخرّيجون، الذين يحزّ في صدره المصير الذي آلت إليه أحوالهم، فإنّه لحريّ به أن يبحث عن الوسيلة التي يستأصل بها شأفة تلك المشاكل، التي تدهم أولئك الخرّيجين، وإذا كان الفنّان المبدع يدأب دائماً في إعلاء رسالة الفنّ الجادّ، فيتوجّب آنئذ على المجتمع الذي يعيش فيه ذلك الفنّان، أن يتيح لتلك الرّسالة أن تنشأ في الأساس، من دون أن يناهضها أو يسعى إلى أن يقضي عليها، وقد كان رأي الموسيقار صلحي الوادي ثاقباً في تحديد تلك المشاكل، التي تدهم خرّيجي المعهد العالي للموسيقا بدمشق، فأكّد تلك الازدواجيّة في واقع النّشاط الموسيقيّ الذي يصدم أولئك الخرّيحين، حيث ذكر: "نعم، نحن في المعهد نتعلّم تقنيّات العلوم الموسيقيّة التي هي أساس الموسيقا العالميّة والإنسانيّة، والتي بفضلها وصلت إلى ما وصلت إليه الموسيقا.. ولكنّ الطّالب يتخرّج ليواجه ما تبثّه الإذاعات العربيّة كلّها، وما تبثّه خارج عن دائرة ما تعلّمه، فيقع في تناقض مربك، والطّالب كي يستمرّ ويرفد ثقافته بشكل دائم يجب أن يعيش المناخ المناسب، وهذا ما نلمسه في بلدان تهتمّ بالموسيقا.. بلدان حين يوفد إليها الطّالب المتخصّص مثلاً.. ممّا يخلصه من ازدواجيّة متعبة، وبالتّالي يجني فائدة كبيرة.. وهنا قد يخطر في البال سؤال: ما الوطن؟ ما الانتماء؟ والإجابة هي: المكان الذي أجد فيه نفسي، المكان الذي أنسجم فيه فكريّاً أجد فيه إنساناً أفهمه ويفهمني، وبالتّالي قد يكون الوطن صوفيا أو موسكو أو لندن أو دمشق.. أو أيّ مكان في العالم..".

مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (119)

سنة النّشر 2009

كان يُتّهم الموسيقار صلحي الوادي زوراً وبطلان، بمحاولة التّقليل من شأن الموسيقا العربيّة، ولا ريب في أنّ من يطّلع على آرائه وأحاديثه التي أوردتها في هذا الكتاب، سيدرك سقوط تلك التّهم عنه، فأولئك الأشخاص الذين يلقون عليه تلك التّهم الباطلة، لم يكونوا على دراية بالأساليب المثلى التي تتّبع للنّهوض بتلك الموسيقا العربيّة، حيث عدّوا الأعمال الموسيقيّة الهابطة تندرج في عداد الأعمال الموسيقيّة الجادّة، وقد أدلى الموسيقار صلحي الوادي برأيه في شأن تلك التّهم التي وجّهت إليه، حيث ذكر: "أظنّ أنّ من حمل هذا الرّأي كان يفهم وجهة نظري بشكل خاطئ، إنّني غير مقتنع بأنّ على الموسيقا العربيّة أن تبقى بغير علوم، إنّني غير مقتنع بآراء بعضهم بأنّ هناك تناقضاً بين العلوم وبين الموسيقا العربيّة"، وقد تجلّت عنايته بتطوير الموسيقا العربيّة، في تضمينه إيّاها المنهاج الدراسيّ الذي يتّبع في المعهد العالي للموسيقا بدمشق، وقد كان قال مؤكّداً: "من هنا يمكن اعتبار أنّ محاولاتنا مع القسم الذي افتتحناه للموسيقا العربيّة في المعهد العالي هي محاولات جادّة جدّاً، ومن خلال الحفل الذي ستحييه أوركسترا المعهد سنقدّم عازف عود يعزف أفراديّاً مع الأوركسترا وهذا عمل صعب جدّاً، وهي محاولة لتطوير تقنيّات العزف على الآلات العربيّة، ومن ثمّ المحاولة الأخرى لتوزيع إحدى المقطوعات الموسيقيّة للفنّان محمّد عبد الوهاب، وهي محاولة لإبعاد الموسيقا عن الطّرب الذي أبعدها عن إمكانات تطوّرها".

ظلّ الموسيقار صلحي الوادي يؤكّد دائماً الاهتمام ببناء الأساس التّدريسيّ القويم في تناول شؤون الموسيقا العربيّة، ووضّح الضّرورة إلى تهيئة النّاس لتقبّل ذاك النّوع من الأسلوب الرّفيع الذي تقدّم فيه تلك الموسيقا العربيّة، إذ قال: والخطّة الموضوعة في المعهد العالي الموسيقيّ حيث مدّة الدّراسة خمس سنوات، استندت إلى إقامة مركز بحوث حول الموسيقا العربيّة، وهذا أهمّ ما يمكن أن تقدّمه.. وهذا تخصّص كسائر الاختصاصات، يتخصّص به بعض الطّلبة الذين أعربوا عن هذه الرّغبة. والمهمّ أيضاً المساهمة في خلق بيئة جادّة تستطيع استقبال العمل الفنّيّ الجادّ..".

شمل المنهاج العلميّ الدّراسيّ للموسيقا العربيّة أيضاً، بناء الأسس الصّحيحة التي ينهض عليها تدريس العزف على الآلات الموسيقيّة العربيّة، التي حرص الموسيقار صلحي الوادي على الارتقاء بمكانة العزف عليها، حيث ذكر: "دمج الآلات العربيّة له علاقة بالخطّة الدّرسيّة التي وضعت لتدريس الآلات العربيّة. لتجاوز الخطأ الماضي.. إذ يجب أن ننتقل بالموسيقا العربيّة إلى حال أكثر رقيّاً.. ونحوّلها إلى فنّ أصيل يبتعد عن الطّرب بما تعنيه هذه الكلمة من غموض شامل حولها. عملنا على أن تحمل الآلات العربيّة التّقنيّات ذاتها التي تحملها الآلات العالميّة والأوروبيّة، بكلّ ما تتطلّبه تلك التّقنيّات من تدريبات متواصلة لنصل إلى المرونة المطلوبة باستخدامها.. كي نصل بها إلى مرحلة إبهار المستمع".

مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (118)

سنة النّشر 2009

رغب الموسيقار صلحي الوادي في أن يتاح للعازفين أن يلقوا المهاودة في اقتنائهم الآلات الموسيقيّة، ليتيسّر لهم أن يواظبوا على التّمرّس بالعزف على تلك الآلات، كي لا يحول ارتفاع أسعارها دون أن يحصلوا عليها، إذ أعرب عن أمنيته قائلاً: "ضمن حدود الواقع، يقدّم لنا كلّ ما هو ممكن، فلدينا الآلات الموسيقيّة الجيّدة، وإن كنّا نأمل في أن تخفّض الضّرائب على الآلات الموسيقيّة، وألّا تعتبر كموادّ كماليّة، فآلة مثل الفيولونسيل أو البيانو هي مرتفعة الثّمن، فلو تيسّر الحصول عليها بأسعار مخفّضة، لتمكّن عدد كبير من الطّلبة من التّدرّب على تلك الآلات في ظروف جيّدة، وملائمة لدراستهم الموسيقيّة".

اهتمّ الموسيقار صلحي الوادي، بأن يعدّ متلقّي المؤلّفات الموسيقيّة الجادّة، إعداداً لائقاً لتذوّق تلك الأعمال الموسيقيّة، وخاصّة عند ذاك الجيل النّاشئ من أبناء الأمّة العربيّة، إذ قال: "وهنا أعتقد أيضاً أنّ مدارسنا مقصّرة تماماً في تقديم العلوم الموسيقيّة لأطفالنا.. أذكر لك مثلاً إنّ مكتبي يقع قرب مدرسة ثانويّة، أسمع غالباً مذياعها منذ الصّبّاح، يبدؤون بتقديم أناشيد وطنيّة، وهذه الأناشيد مسجّلة في الإذاعة، وغالباً ما تكون سيّئة التّنظيم، والكلمات والموسيقا، ومع هذا كنّا قبلنا بالأمر لو اقتصر عليها، لكنّ ما إن يكاد النّشيد الوطنيّ ينتهي، إلّا ونسمع من مذياع المدرسة نفسها أغان لعبد الحليم حافظ، وفريد الأطرش وطبعاً لا يخفى على أحد أثرها السّيّئ على أطفالنا، وعلى أذواقهم.. وللأسف أشعر أحياناً أنّ مكتبي يقع قرب "كاباريه" وليس قرب مدرسة ثانويّة!! أتّجه إلى المؤسّسات والمنظّمات الأخرى في قطرنا، كالشّبيبة مثلاً.. كان لنا اجتماع قبل فترة قليلة مع بعض الأصدقاء في المنظّمات الشّعبيّة لدراسة هذا الموضوع بالذّات، ولتقديم ما يمكن تقديمه لهم من رؤى حول ما يمكن فعله لتحسين وضع الموسيقا، والتّعليم الموسيقيّ، ورفع الأذواق الموسيقيّة وأعتقد أنّهم جادّون في أن يفعلوا شيئاً، ولكنّ رغم ذلك، فإنّ قيمة ما يصرفونه مقابل ما ينتج في هذا المضمار ما زال غير متناسب، وأعتقد أنّه لو كانت لدينا في معاهدنا الموسيقيّة، سواء في دمشق أو حلب، المادّة التي توضع تحت تصرّف هذه الجهات لكانت النّتائج غير النّتائج، ولقدّمنا أشياء تخدم تطوّرنا الموسيقيّ بشكل أفضل".

إذا استذكر قارئ هذا الكتاب الشّعورَ باليأس من الجيل الحاليّ، عند المفكّر فؤاد زكريّا، والموسيقار عزيز الشّوان، وجعل يقابل حديثهما عن ذلك الجيل الحاليّ الميؤوس منه، مع أقوال الموسيقار صلحي الوادي عن طلّاب المدارس الذين يستمعون إلى تلك الموسيقا الهابطة، فإنّه سيتيقّن من خسارة جيل آخر، ولكنّي أعتقد أنّ لا ريب في أن تأتي أكلها تلك الدّعوات الصّريحة والمخلصة، إلى التّنبّه للمخاطر والمساوئ التي يتسبّب بحدوثها هذا الوضع الزّريّ للنّشاط الموسيقيّ، فستنبّه تلك الدّعوات خواطر النّاس، وتعلي هممهم بمعالجة تلك الأحوال السّيّئة، فلا يعقل أن يسمع الإنسان تلك التّحذيرات من الأخطار الدّاهمة، ثمّ لا يلبث أن يضرب عنها صفحاً.

مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (117)

سنة النّشر 2009

يسترعي انتباه قارئ الكلمات السّابقة التي ذكرها المفكّر فؤاد زكريّا، وصفه الجيل الحاليّ بأنّه "جيل ميؤوس منه تماماً"، وفكرته في حقيقة هذا الجيل، هي الفكرة ذاتها التي صرّح بها الموسيقار عزيز الشّوان، الذي أوردت رأيه في "المتعصّبين للقديم" في الصّفحات السّابقة، وأعتقد أنّ ما ذكرته عن فكرة اليأس، حيث ناقشتها في تعليقي على أقوال الموسيقار عزيز الشّوان، الذي صرّح بتلك الفكرة في حديثه، يصلح أن أذكره حاليّاً في هذا الموضع حيث أورد أقوال المفكّر فؤاد زكريّا، الذي أؤكّد أنّه محقّ في دعوته إلى الاستعانة بالخبراء الأجانب ليدرّسوا الطّلّاب في المعاهد الموسيقيّة، وقد أشرت مراراً كثيرة سابقاً إلى تشابه أحوال أقطار الوطن العربيّ، فإنّ دعوته إلى استقدام الخبراء الأجانب، كان يؤكّد فحواها دائماً الموسيقار صلحي الوادي، الذي كان يشيد باستمرار بذلك العون الذي أسداه أولئك الأساتذة الأجانب إلى طلّاب المعاهد الموسيقيّة في سورية، وقد كانت تشنّ على الموسيقار صلحي الوادي حملات شديدة العنف، تدعو إلى الاستغناء عن هؤلاء الخبراء الأجانب، ونظراً لأنّ الموادّ المنشورة من أقاويل تلك الحملات على صفحات الجرائد هي قليلة، بالنّسبة إلى الكلام الذي تمّ تداوله شفاهيّاً عن موضوع هؤلاء الخبراء، الذين كان الموسيقار صلحي الوادي قد أطلعني على رأيه في ضرورة استمرار الاستفادة من خبراتهم، ونظراً لأنّي اقتصرت في هذا الكتاب الحاليّ على إظهار وعرض الوثائق المكتوبة، حيث آثرت ألّا أورد الأحاديث الشّفهيّة التي لا ريب في أنّها تعتبر أيضاً وثائق ثابتة الدّقّة، وبيّنة الصّحّة وهامّة، بيد أنّ الطّريقة التي يتناول بها تلك الأحاديث، تختلف عن الطّريقة التي تتّبع في عرض تلك الوثائق المكتوبة والمنشورة في متون النّصوص الكتابيّة المطبوعة.

تابع المفكّر فؤاد زكريّا تعيين تلك الشّروط التي يتوجّب أن تطبّق كي يتحقّق تطوّر ذلك الفنّ الموسيقيّ في البلاد العربيّة، حيث أكّد أهمّيّة بناء شخصيّة الإنسان المتلقّي لذاك الفنّ، وتهيئته لتذوّق تلك الأعمال الفنّيّة الموسيقيّة، إذ قال: "لا يكفي أن نعمل على إعداد المؤلّفين الموسيقيّين، والعازفين أو المغنّين، إعداداً علميّاً صحيحاً، بل ينبغي أن نعدّ المستمع لكي يتقبّل هذا الفنّ الصّحيح، ويعمل على تشجيعه. ولهذا وسائل عدّة: فينبغي أن تدخل الموسيقا كلّ بيت، عن طريق الإذاعة، وعن طريق توفير التّسجيلات للجميع. أمّا الإذاعة فلا أتردّد في القول إنّها قصّرت في هذا المجال، ولم تعمل على ترقية أذواق المستمعين، وتعلّلت في ذلك تارة بترديد فكرة الطّابع القوميّ _وهي فكرة أوضحنا بطلانها من قبل_ وتارة بالقول إنّ المستوى الثّقافيّ لأغلبيّة السّامعين يمنعهم من تذوّق هذه الموسيقا، وكأنّه ليس من صميم مهمّتها، وأساس رسالتها، أن تعمل على رفع هذا المستوى باتّباع مناهج دقيقة مدروسة! وأمّا مسألة توفير التّسجيلات للجميع، فمن المؤسف أنّ ما يفرض عليها من الرّسوم _الجمركيّة_ يجعل الحصول عليها أمراً لا يقدر عليه إلّا المترفون وحدهم، إذ تعدّ هذه التّسجيلات من أدوات "التّرف"، مع أنّها في الحقّ من صميم الثّقافة التي ينبغي أن نحرص على انتشارها بين أفراد الشّعب تماماً كما نحرص على انتشار الكتب. وليس أضرّ بقضية الموسيقا من تلك العقليّة التي تعد تكوين المكتبات الموسيقيّة ترفاً ينبغي أن يقتصر على الأغنياء. فإذا أمكن إزالة هذه الحواجز التي تحول دون تذوّق فئات الشّعب على اختلافها لهذا الفنّ الرّفيع، فعندئذ سيفتح أمامنا عالم جديد، ونمارس تجربة فنّيّة لم نعرفها من قبل على الإطلاق، ونستمتع بمشاعر وأفكار لم يثرها فينا من قبل أيّ فنّ آخر".

كان جدّي الحاجّ محمود رحمة، يبيع بأسعار متهاودة، منازل الأبنية التي أشادها، وكان النّاس الذين يشترون المساكن من تلك العمائر التي بناها، يؤدّون أسعارها بالتّقسيط، إذ يسدّدون أثمان المنزل، بدفعات نقديّة يسيرة هيّنة، وكان يحدث في بعض الأحيان، أن يشتدّ العسر على الأشخاص والعائلات الذين كانوا يشترون المنازل، فتعضّهم الفاقة، وتحول ضيق ذات يدهم من أن يؤدّوا الدّفعات الماليّة التي تقسّط إليها أثمان المنازل، وكان جدّي يبادر آنئذ إلى أن يعفي أولئك الأشخاص وأفراد تلك العائلات المعسرين، من أن يدفعوا بقيّة الدّفعات الماليّة، التي قسّمت إليها أسعار المنازل، فيتنازل عن قبض المبالغ المستحقّة، فلا تؤدّي تلك الفاقة التي أصابت أولئك الأشخاص، إلى حرمانهم من الحصول على المنازل التي سعوا إلى أن يسكنوا فيها، وقد تمتّع جدّي الحاجّ محمود رحمة دائماً بتلك الأريحيّة في مزاولته أعماله التّجاريّة، وكان أحد مبادئه في تلك الأنشطة التي مارسها، هو السّماح في تحصيل المباح من الاستحقاقات الماليّة، واعتماد اليسر في معاملة النّاس، الذين توجب أيضاً مراعاة أحوالهم، وكانت معالم تلك المعاملة الطّيّبة، تظهر بأشكال متنوّعة بحسب الأنشطة، التي كان يمارسها في ذلك الأوان من الزّمان.

تظهر والدتي في هذه الصّورة رشيقة القدّ، وهيفاء القوام، وتؤكّد هيئتها التي لاحت فيها، لطافة خلقها، وثبات ثقتها بنفسها، ووثوقها الأكيد بقدراتها الذّاتيّة، وكانت معالم الوقار الذي اتّصفت به، تبين اعتزازها بشمائلها، وقد بدت رزانة الاتّزان في مظاهر الشّموخ الذي تميّزت به شخصيّتها، فهي ترعرعت في منبت العزّ، ونشأت في كنف عائلة، تربّى البنات والأبناء فيها، على الخلق القويم، والخصال الحميدة.

مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (116)

سنة النّشر 2009

لم يدع المفكّر فؤاد زكريّا الفنّان الموسيقيّ إلى أن يقاطع الفنّ الشّعبيّ، الذي استدرك كلامه الذي تحدّث فيه عن ذاك الفنّ، بإيضاح فكرته في اختيار الأسلوب الأمثل في تناول الأعمال الفنّيّة الشّعبيّة، فقطع دابر التّشكيك في صفاء نيّته في الدّعوة إلى بناء شخصيّة الإنسان العربيّ على الأسس القويمة الصّحيحة، التي يسهم الفنّ الجادّ في تكوينها وتدعيمها، إذ ذكر: "ولكن، ليس معنى ذلك أن نقطع الصّلة بماضينا، وأن نشيد فنّاً لا جذور له. وكلّ ما في الأمر أنّ الطّابع الشّعبيّ الأصيل سوف يظهر في الفنّان من تلقاء ذاته، طالما كان فنّاناً صادقاً. فذلك الذي توافرت له دراسة وخبرة عميقة بالأساليب الموسيقيّة الصّحيحة، لن يردّد ألحان الغرب، بل سيتأثّر حتماً بالطّابع المحلّيّ الذي يحيط به، ويصوغ ألحانه في قالب يفهمه الجميع، ويتذوّقونه بعمق. وللفنّان، إذا شاء، أن يقوم بدراسة شاملة للألحان الشّعبيّة، فإنّ دراسة كهذه تفيده كثيراً، على شرط أن يكون حذراً _كما قلنا_ في تقبّله للمادّة التي تقدّمها إليه هذه الألحان، وأن يدرك طبيعة الظّروف التي خلقت فيها، ويدرسها بمنهج نقديّ فاحص"، وحدّد المفكّر فؤاد زكريّا رؤيته إلى الفنّ الموسيقيّ الجادّ، الذي ينبغي أن يعتمد على مبادئ العلوم الموسيقيّة، التي تحصّل باتّباع مناهج دراسيّة علميّة دقيقة، إذ أكّد أنّ "ينبغي أن ننظر إلى الموسيقا على أنّها فنّ يبنى على أسس علميّة تقتضي دراسة طويلة شاقّة. وعلى الرّغم من أنّ الوقت الذي كان الفنّ يعدّ فيه خلقاً تلقائيّاً، أو ارتجاليّاً، قد انقضى منذ عهد بعيد، فإنّنا لم نعترف حتّى اليوم بهذه الحقيقة في مجال الموسيقا، ولا زال أمر هذا الفنّ في أيدي أشخاص ذوي خبرة موسيقيّة ارتجاليّة إلى حدّ بعيد".

وضع المفكّر فؤاد زكريّا المبادئ التي يجب أن تنهض عليها أسس تحصيل العلوم الموسيقيّة، التي وضّح النّهج القويم الذي يفضي إلى دراستها بدقّة وإحكام، حيث ذكر: "إذا اعترفنا بالمبدأ العامّ السّابق (النّظر إلى الموسيقا على أنّها فنّ يبنى على أسس علميّة)، وجب علينا أن نضع الأسس التي تكفل تحقيق شرط العلم والدّراسة، ولنبدأ يجب أن نتّجه إلى تكوين جيل جديد، يبنى فيه على أسس بأن نقول إنّ الجيل الموسيقيّ الحاليّ ميؤوس منه تماماً، وأنّ العناية علميّة صحيحة، ويعتمد على المران الشّاقّ، والدّراسة المثابرة لا على الارتجال أو الاجتهاد الشّخصيّ وحده. ومن أجل تكوين جيل كهذا، ينبغي أن تنشأ معاهد موسيقيّة راقية، تستقبل النّاشئين منذ المراحل الأولى من عمرهم، وتتدرّج بهم حتّى يكمل إعدادهم، ولا بدّ أن نستقدم للتّدريس في المعاهد أساتذة من الأجانب، إذ ليس في بلادنا حتّى الآن مواطنون يصلحون لإعداد موسيقيّين في المستوى العالميّ، سواء أكان ذلك في ميدان التّأليف أم في ميدان الأداء. وليست الاستعانة بخبرة الغير، والاعتراف بأسبقيّتهم في هذا الميدان بالأمر المخجل: فنحن نستقدم الخبراء الأجانب في ميدان الذّرّة أو نبعث بمواطنينا إلى الخارج لتعلّم أسرارها _وتخلّفنا في ميدان الموسيقا يفوق بكثير تخلّفنا في ميدان العلوم الذّرّيّة، وليس لنا أن نخشى من أن تفقد موسيقانا طابعها المحلّيّ أو القوميّ إذا استعنّا بغير مواطنينا، إذ أنّ هؤلاء لن يلقّنونا سوى الموادّ والأدوات التي نستعين بها في التّأليف، واللّغة التي نستطيع أن نصوغ بها ما شئنا من الأفكار. ولا جدال في أنّ مجرّد انتماء الفنّان إلى بيئة معيّنة، ترتبط بها مشاعره وأفراحه وآلامه، سيصبغ إنتاجه الفنّيّ بصبغتها حتماً".