مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (99)

سنة النّشر 2009

كان الموسيقار عزيز الشّوان ألحّ في الدّعوة إلى تلافي التّهاون بالعمل في إنجاز الأغاني العربيّة، مبيّناً الأسباب التي أفضت إلى تفاهة تلك الموسيقا التي وضعت لها، حيث قال: "لقد أصبحت اللّغة الموسيقيّة في الأغاني الشّائعة متشابهة ومعروفة ودارجة، بحيث أصبح من العسير التّعرّف على أسلوب فلان أو علان من الملحّنين، فلا فرق بين أساليبهم ولم يعد أحد يبذل الجهد لكي يتميّز عن غيره. ومن جهة أخرى لقد أصبح إنتاج الموسيقا والأغاني مورداً للكسب السّريع دون عناء، وليس مجالاً لابتكار قيم جماليّة جديدة غير متوقّعة وغير مألوفة من قبل، نابعة من نفس الملحّن ومن أسلوبه هو وعالمه هو، دون التّأثّر بأحد أو تقليد الماضي. كلّها أعمال سطحيّة لا عمق فيها ولا رفعة ولا حضارة، إنّه نوع من العقم الفنّيّ انتشر وتفشّى بين العاملين في هذا الحقل. متى يأتي اليوم الذي ينتهي فيه عهد الملحّنين غير الدّارسين والمبتكرين بالسّليقة، إنّهم أسّ البلاء".

تنبّه الأدباء والمفكّرون العرب لوضاعة نتاج الأغاني والموسيقا العربيّة، وتيقّظوا لعوامل تدهورها، وكان الموسيقار عزيز الشّوان أورد رأي الأديب طه حسين في تلك الأعمال الغنائيّة والموسيقيّة العربيّة، فاستشهد بأقواله، حيث ذكر: "يقول أستاذنا الكبير طه حسين: إنّ لهو شعب ما في فترة من الفترات وانشغاله بالأغاني وشعر الغزل، وما شاكل ذلك من أمور تافهة، إنّما يرجع إلى أمور سياسيّة ترغم هذه الشّعوب على الانشغال بها، إنّ اللّهو والانشغال بالأمور التّافهة والإنتاج الفنّيّ الضّحل، والنّحيب والبكاء عند أقدام الحبيب أو التّوسّل والاستعطاف، هي أعراض أزمة حضاريّة يفقد فيها عصر من العصور الثّقة في ذاته فيلهو. إنّ قليلاً جدّاً من الأغاني ما يبقى ويخلد على مرّ الأيام، وكذلك قليلاً جدّاً من المؤلّفين يظفرون بإعجاب الجيل الذي يعيشون فيه والأجيال التي تليه، فإذا ظفر أحدهم بالإعجاب المتّصل فذلك لنبوغه وقدرته على التّعبير عن العواطف التي تهزّ القلوب، على تنوّع أجناس النّاس واختلاف العصور".



كنت أصطحب معي الكتب إلى مسبح فندق شيراتون دمشق، حيث كنت أمضي بعض الوقت، في قراءة تلك المؤلّفات التي توزّعت في أصناف الأدب والفكر المتنوّعة، وكنت تحدّثت عن ذكرياتي التي تدور حول تلك الكتب التي كنت أقرؤها في ذلك المسبح، إذ كنت أوردت جزءاً من تلك الذّكريات في مقالاتي المنشورة، التي عالجت فيها شؤون الكتاب، وقد كنت في تلك المقالات التي ألمحت إليها، تحدّثت عن بعض تلك اللقاءات، التي جمعتني مع الأشخاص الذين أعربوا عن اهتمامهم بتلك الكتب التي كنت أطالعها، وقد التقيت بهم في مسبح فندق شيراتون دمشق، بيد أنّي عندما نشرت تلك المقالات، لم أكن أذكر اسم ذلك المسبح، على الرّغم من أنّ  كلّ تلك اللّقاءات والأحداث التي ذكرتها آنفاً، كانت جديرة بأن تؤخذ بعين الاعتبار، ويظلّ الكتاب المنشور بين الجمهور، مثلما ذكرت في عناوين إحدى مقالاتي المنشورة، هو دعوة إلى الحوار وحافز على النّقاش.



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (98)

سنة النّشر 2009

اشتدّ الجدال في أوساط الأنشطة الموسيقيّة، في موضوع معالجة التّراث الموسيقيّ، حيث اشتدّت حدّة النّقاش بين المتحاورين في استنساب الطّريقة المثلى في تناول شؤون ذلك التّراث، الذي كان الموسيقار عزيز الشّوان تطرّق إلى إظهار تلك اللّبسة التي تعتري عمليّة تحديد هويّتة، إذ قال: "ولعلّي لا أخطئ كثيراً إذا علّلت سبب انقسام المستمع المصريّ إلى فئات متعدّدة، أو إلى عزوفه عن الأغنية المصريّة والتجائه إلى الأغنية الأوروبيّة أو الأمريكيّة بما يأتي: إنّ ما تصبّه أجهزة الإعلام اليوم في آذان المستمع هو خليط كبير من آثار عهود غابرة، آخرها العهد التّركيّ بما فيه من "يلاللي أمان" وخلافه، مخلوط مع ما رسّبته تلك العهود من ذلّ وهوان في نفس المتعصّبين للقديم وأتباعهم المسيطرين على السّوق الموسيقيّة. إنّ ما تقدّمه بعض الفرق الموسيقيّة الغنائيّة على أنّه تراث مصريّ، ما هو في الحقيقة إلّا ما تبقّى لنا من عهد التّركيّ أو المتأثّرين به، ومن شاء أن يتأكّد فليرجع إلى كتاب مؤتمر الموسيقا العربيّة المنعقد في القاهرة عام 1932، ليرى من أين جاء هذا التّراث من السّماعيّات والبشارف، فكلّها تحمل أسماء مؤلّفيها مثل عاصم بك وسالم باشا تأكيداً لفخامة السّادة الحاكمين آنذاك، علاوة على أنّها وضعت جميعاً لإحياء سهرات الحظّ ومجالات الأنس في قصور هؤلاء المراهقين الأكابر. لماذا تفرض هذه الفرق التّابعة للدّولة على شباب اليوم أن يعيشوا محاطين في أكفان الماضي؟ ولماذا نفرض عليهم هذا اللّون الذي يبعث على الارتخاء المليء بالتّأوّهات والآهات، بينما نطالبهم بالجدّ والعمل والإنتاج، إنّ الحياة قد تطوّرت وتبدّلت أساليبها في الخمسين سنة الماضية، ولم يعد المستمع المتنوّر يستسيغ هذا الغناء التّركيّ باللّغة العربيّة".

كان الفنّانون الموسيقيّون الجادّون العرب على يقين من قدرة الإنسان العربيّ على تطوير مجتمعه العربيّ، فدفعهم اعتزّازهم بكرامتهم الوطنيّة إلى أن يقدموا على إعلاء شأن الفنّ الموسيقيّ في البلاد العربيّة، من دون أن يقصدوا مطلقاً أن يحقّقوا التّبعيّة للدّول الأجنبيّة، بل ليخوضوا في غمار التّنافس الحضاريّ مع مواطني تلك الدّول، وكنت عرّبت عن جليّة افتخار هؤلاء الفنّانين الموسيقيّين العرب بانتسابهم إلى أمّتهم العربيّة، في مواقع عديدة سبق ورودها في هذا الكتاب، وقد كان الموسيقار عزيز الشّوان بيّن حقيقة تلك الدّوافع الوطنيّة، التي حدته على أن يطوّر الفنّ الموسيقيّ الجادّ في مجتمعه العربيّ، حيث قال: "نريد أن نمحو من قواميسنا اصطلاح "الجمهور عايز كده" لأنّ الفنّان الصّادق مع نفسه وبلده، قائد يحمل شعلة مقدّسة تنير للشّعب طريق التّقدّم والارتقاء, وكفانا ما نابنا من تسليم أذواق الشّعب إلى فنّانين بالفطرة والسّليقة. نريد أن نعبر إلى الجهة الأخرى من البحر الأبيض المتوسّط بإنتاج موسيقيّ وغنائيّ، غير هذا النّوع الشّائع المهلهل، فنقول للعالم إنّ الشّعب الذي صنع انتصارات 6 أكتوبر المجيدة، قادر على إبهاره بفنون سمعيّة وبصريّة تنطق بعظمة قوميّتنا وعراقتها، وتحمل في ثناياها ليس فقط سحر الشّرق وعطره، وإنّما معالم مجتمعنا الجديد، وكفانا حزناً وعويلاً وشكوى من الهجر وعدم الوصال".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (97)

سنة النّشر 2009

كان الموسيقار صلحي الوادي جلا تلك الأزمات التي تحدثها الوسائل الإعلاميّة، التي تلحق العطب بالذّائقة الفنّيّة عند كلّ من أفراد الجماهير، التي تتواصل مع تلك المؤسّسات الإعلاميّة، التي تحدّث عنها الفنّان صلحي الوادي قائلاً: "وكلّما ازداد الجمهور وانتشر تتقلّص متطلّباته الفنّيّة، فجمهور التّلفزيون له متطلّبات متوسّطة والسّينما أعلى قليلاً.. والمسرح أعلى أكثر، ولهذا فالتّلفزيون يقدّم أقلّ ما يمكن من الأعمال الفنّيّة الرّاقية لتأمين الفقرات المتنوّعة الكثيرة لجمهوره الواسع، وهذا من شأنه أن يخلق السّلعة الاستهلاكيّة، وفي التّلفزيون مجال واسع لمثل هذه الأعمال... ولو كنت مسؤولاً هناك لقدّمت ما يطلبه الجمهور، ولما أريده أنا، أي لأحدثت توافقاً بين ما هو مقدّم وما يجب أن يقدّم من أغان رفيعة وموسيقا جميلة لجمهور مثقّف، ولا يمكننا أن نستهين بنسبته".

لم يكلّ الفنّانون الموسيقيّون الجادّون في الوطن العربيّ، عن إظهار نقائص الأغنية العربيّة، كي ينبّهوا سائر النّاس على ذلك الخلل الذي يضعضع قوام تلك الأغنية، التي كان الموسيقار عزيز الشّوان كشف عن تلك المعايب التي تشوبها، حيث ذكر: "أمّا من النّاحية الفنّيّة، فهناك سببان أساسيّان يجعلان الأغنية المعاصرة في معظمها، لا تتعدّى حاسة السّمع لتصل إلى المشاعر، فتبقى شيئاً مسموعاً ينتهي أثره بانتهاء أدائه، وهما: إنّ التّلحين هو ليس فقط تنغيم الكلام فحسب، وإنّما هو رسم لوحة صوتيّة بها عدّة ألوان وخطوط متداخلة في نسيج جميل، وعدّة أصوات تسمع في آن واحد، لتهيّئ المناخ المناسب لموضوع الأغنية وتعمّق المعاني الدّفينة في الكلمات، وما الصّوت البشريّ الذي يؤدّي الأغنية إلّا أحد تلك الخطوط التي تكتمل بها اللّوحة الصّوتيّة وتجلو معانيها. أمّا أغانينا فتتكوّن من خطّ لحنيّ واحد لا تعدّد أصوات فيه، ولا أثر لأيّ نسيج من حوله. والسّبب الثّاني هو المصاحبة، أي الفرقة الموسيقيّة التي تصاحب الغناء هي في الأغنية المصريّة تؤدّي نفس الخطّ اللّحنيّ الذي يؤدّيه المغنّي، أي أنّ كلّ الفرقة على اختلاف نوعيّات آلاتها وألوانها وشخصيّاتها، كلّها تؤدّي نفس الخطّ اللّحنيّ الذي يؤدّيه المغنّي وفي نفس الوقت".

فصّل الموسيقار عزيز الشّوان أقواله عن ركاكة قوام الأغنية العربيّة، التي تفتقد التّنسيق في تشكيل الآلات الموسيقيّة التي تعزف عليها ألحان تلك الأغنية، حيث قال: "والغريب أنّ نفس الفرقة وبنفس الطّريقة قد تصاحب أغنية عاطفيّة، أو وطنيّة أو منولوجاً فكاهيّاً أو راقصة، لا فرق في التّكوين ولا التّلوين بين هذا وذاك، علماً بأنّ كلّاً من هذه الأنواع يتطلّب تكويناً مختلفاً للفرقة، فمثلاً الأغنية الوطنيّة أو النّشيد يتطلّبان عدداً من الآلات النّحاسيّة لا تتوفّر في التّخت، بينما الأغنية العاطفيّة تستلزم المزيد من الآلات الوتريّة، وعلى كلّ حال فليس من المعقول أن يعزف الكونترباص وهو يصدر أغلظ الأصوات، ما يعزفه النّاي رقيق الصّوت فلكلّ منهما شخصيّة ودور مختلف".



سافر والديّ إلى مدينة إسطنبول في منتصف سنوات الخمسينيّات، حيث ساحا في أرجاء تلك المدينة، التي زارا فيها مبانيها التّاريخيّة، وصروحها الشّهيرة، التي غدت وجهة السّيّاح الذين يتوافدون على تلك المدينة، وكان والديّ قد قصدا ميدان تقسيم، الذي هو مركز هذه المدينة، وقد التقط والدي صورة لوالدتي، بينما كانا يتجوّلان في هذا الميدان، وقد ظهرت والدتي في هذه الصّورة وهي تقف في وسط تلك السّاحة، التي هي مركز مدينة إسطنبول، وكانت والدتي رفيعة الذّوق في انتقاء الملابس التي تتزيّا بها، وهي ظهرت في هذه الصّورة، ترتدي ثياباً أنيقة، وقد لبست وشاحاً وضعته على رقبتها، وكان ذلك الوشاح ينسجم بدقّة مع الطّقم الذي ترتديه، إذ كان يبدو مظهره يطابق هيئة ذلك القماش الذي حبكت به السّترة، وصفّفت والدتي شعرها بطريقة متناسقة، وكانت ابتسامة لطيفة تعلو ملامح وجهها.

يعود ظهور أوّل وشاح في التّاريخ إلى ما يزيد عن الألفي عام، وفي مطلع القرن التّاسع عشر بدأ النّاس في أن يرتدوا الأوشحة، بينما حدّدت الفترة التي كانت قبيل منتصف ذلك القرن، بالوقت الذي بدأ يروج فيه الوشاح "الشّال، الفولار" بين النّاس، وبدأت دور الأزياء بإنتاج الأوشحة في سنوات الثّلاثينيّات، وبدأ الوشاح يعاود الانتشار في سنوات الخمسينيّات بعد أن وضعت الحرب العالميّة الثّانية أوزارها، وفي سنوات ذلك العقد السّادس، كانت والدتي قد ارتدت ذلك الوشاح، حيث كانت سبّاقة إلى مواكبة ذلك التّطوّر الحاصل في عالم الأزياء.



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (96)

سنة النّشر 2009

وقف الموسيقار عزيز الشّوان على الحالة السّيّئة التي صارت إليها الأغنية العربيّة، ولم تخف على بصيرته عوامل تردّي أوضاع تلك الأغنية، إذ قال: "كثيرون من العاملين في ميدان الموسيقا والغناء لم يوفّق في حداثته في تحصيل العلم أو تعلّم مهنة، فاتّجه نحو هذا الفنّ وادّعى الموهبة ثمّ أخذ الضّرب على العود بالسّمع، واكتفى بذلك لأنّه وجد من سبقوه وما زالوا حوله حصلوا على الشّهرة والثّروة من نفس الطّريق، وهم طبعاً غير واعين أو غير مبالين بما جنوا على النّاس من إفساد الذّوق بما أنتجوا من فنّ هابط. إنّهم لم يجدوا من يقول لهم: قف من أنت وماذا تعلّمت؟ ولكنّك تجدهم دائماً عند أبواب مجالات النّشر المختلفة، من إذاعة أو تلفزيون أو شركات الإسطوانات والأفلام.. والغريب أنّ المسؤولين في هذه المرافق يعلمون جيّداً أنّ الموسيقا ليست مجالاً للارتجال والادّعاء، وإنّما هي فنّ له مناهج دراسيّة ولغة لها قواعدها وصنعة لها أصولها، وهي أيضاً أدب نغميّ له عدّة تيّارات ونزعات من الكلاسيكيّة والرّومانتيكيّة، وأحدثها التّيّار القوميّ الذي صدّرته روسيا للعالم منذ حوالي قرن مضى.. كلّ هذا ومصر مع الأسف بعيدة عن هذه التّطوّرات لأنّها نكبت بالمؤمنين بالفطرة، والسّليقة والمتعصّبين للقديم الذين ما زالوا يناقشون السّيكا الزّائدة، أو النّاقصة عند فلان أو علان من الملحّنين الفطريّين، أو يبحثون في نظريّات الرّبع تون وتقسيماته التي لفظها العالم المتحضّر، لأنّها معوقات تقف في طريق التّقدّم والارتقاء".

خاطب الموسيقار عزيز الشّوان المؤلّف الموسيقيّ في شؤون تطوير حال الموسيقا العربيّة، فبصّره بحقيقة سريان الخلل فيها، حيث ذكر: "وضعْ في ذهنك أنّ المجدّدين لا يفسدون الموسيقا العربيّة، فما من أحد يستطيع أن ينكر أنّ الموسيقا العالميّة قد بلغت الذّروة، وإنّ الموسيقا العربيّة في وضعها الحالي لا تجاريها في أيّ مضمار، وإنّ ما تحدثه من طرب في آذان الشّرقيّين ليس سوى مجرّد تعوّد على سماع نغمات معيّنة، وفي كلّ موسيقا ما يطرب ذويها حتّى موسيقا القبائل الإفريقيّة المنعزلة عن الحضارة"، ووضّح الموسيقار عزيز الشّوان طبيعة تلك الأغاني التي يقبل النّاس في مصر على الاستماع إليها، فقال: "المستمع المصريّ اليوم منقسم إلى فئات متباينة تضمّ المتعصّبين للقديم والمناصرين للموسيقا السّيمفونيّة العالميّة، وهواة الأغاني الخفيفة أو الرّاقصة أو البوب الأمريكيّ، ولكلّ من هذه الفئات منطق يستند إليه لا مجال لمناقشته هنا.  وعلى الرّغم من اختلاف ميولهم وبيئاتهم وثقافتهم، فهم يجمعون الرّأي على أنّ الأغنية المصريّة المتداولة اليوم، هزيلة ركيكة التّكوين ضعيفة الأسلوب بالنّسبة لما تتداوله بلاد العالم المتحضّر، وأنّ ألحان تلك الأغنيات متكرّرة، ولهم الحقّ. هذا علاوة على أنّ مواضيع تلك الأغاني وبنسبة 99%، لا تتناول إلّا الحبّ المريض الذي تعبّر عنه بالذّلّ والهوان والنّحيب والاستجداء.... وإذا كان المستمع المصريّ قد بلغ مرحلة الوعي وإجماع الرّأي على أنّ الأغنية المصريّة بوضعها الحالي تافهة وهزيلة، فإنّي أطالبه بالخطوة التّالية في طريق حرّيّة إبداء الرّأي، فيعلن عن "ما يرفضه المستمعون" أسوة "بما يطلبه المستمعون"، وهو غالباً ما يطلبه المذيعون أو المسؤولون عن خريطة البرامج الإذاعيّة المتعدّدة".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (95)

سنة النّشر 2009

كان المؤلّفون الموسيقيّون الجادّون في الوطن العربيّ، يسعون إلى أن يبنوا النّهضة الحضاريّة في الوطن العربيّ، ودأبوا في أن يعلوا مكانة أمّتهم العربيّة، وكم ظلموا واتّهموا بتبعيّتهم للدّول الأجنبيّة، بينما هدفوا حقّاً إلى أن يهيّؤوا لبلدانهم العربيّة التّبريز على سائر الدّول الأخرى، فمن يتأمّل في تلك التّهم التي توجّه إليهم، يدرك ضخامة مقدار تلك المفارقة الأليمة، التي تتمخّض بها تلك الظّنون التي توقع عليهم، وعلى الرّغم من أنّي تمرّست بالاطّلاع على تلك التّهم لكثرة تردّد توجيهها إلى أولئك الموسيقيّين، وأنّي دأبت في استمراري على أن أذود عن أولئك النّوابغ الموسيقيّين الأفذاذ، إلّا أنّي كلّما أسترجع في ذهني تلك التّهم الجائرة، أتوجّع لأولئك الموسيقيّين النّابهين، ويحزّ في قلبي ذلك الظّلم الواقع عليهم، وقد كان الموسيقار عزيز الشّوان أكّد أحقّيّة البلاد العربيّة بإدراك مراتب الحضارة العليا، حيث قال: "إنّ التّقدّم والحضارة ليست وقفاً على شعب دون آخر، فالأمم تتقدّم بما ينقل بعضها عن البعض الآخر من المنجزات، سواء كانت علميّة أم ثقافيّة، والتّأثّر المتبادل بين الشّعوب أمر معروف منذ أقدم العصور حتّى بين الغالب والمغلوب، وعلى هذا الأساس فإنّ ما تحتاجه موسيقانا هي المناهج الدّراسيّة للموسيقا العالميّة، وأساليب بلاغتها وعظمتها، على شرط أن لا ننقلها نقلاً، بل نعمل على تطويعها لخدمة التّعبير الموسيقيّ المصريّ النّابع من صميم بيئاتنا الشّعبيّة المختلفة".

والى الموسيقار عزيز الشّوان حديثه عن الأسباب الباعثة على تثبيط تحقّق النّهضة في مصر، فدعا إلى تجنّب "الألحان المعاصرة التي تموّع شخصيّتنا وتؤخّر في نهضتنا الحقيقيّة، وتحجب عن الجماهير المؤلّفات التي ترفع من شأننا، كبلد رائد للبلاد العربيّة من الخليج إلى المحيط وللدّول الأفريقيّة أيضاً"، ثمّ أخذ يحذّر من اللّجوء إلى الاقتباس من الأعمال الفنّيّة التي يبدعها عباقرة الفنّ، حيث ذكر أنّ البواعث على إتيان ذاك الاقتباس، تتمثّل في "الواقع الذي لا يمكن إنكاره بل والذي يجب كشفه حتّى يبطل، لأنّ هذا الواقع انحرف بموسيقانا المصريّة عن الصّدق العلميّ فلم تثمر إنتاجاً رفيعاً إلّا فيما ندر".

تبصّر الموسيقار صلحي الوادي انحطاط أوضاع الأغنية العربيّة، فألحق بالأسباب التي أدّت إلى انحدار تلك الأغنية، ذلك النّقص في التّحصيل العلميّ والفنّيّ عند من ينخرط في ميدان تلك الأغنية، إذ قال: "إضافة إلى ذلك.. "هناك إشكالات انعدام الثّقة لدى من يمارس الأغنية العربيّة تلحيناً وكتابة ونصّاً، وذلك لكثرة المدّعين في هذا المجال، والذين يعرقلون الفنّانين الجادّين.. فأغلب رؤساء الفرق الموسيقيّة كانوا طلّاباً في المعهد.. ثمّ أوقفوا دراستهم واتّجهوا إلى العمل الذي يدرّ، منهم أسعد خوري، وصبحي جارور، وهادي بقدونس.. أيضاً هناك خلل كبير ناجم عن فهم معنى الثّقافة الموسيقيّة وهي مشكلة الثّقافة بشكل عامّ. المطرب والملحّن والكلمات ماذا نالوا من العلم الحقيقيّ؟ وماذا يقدّمون من إبداعات تستند إلى خلفيّة ثقافيّة واسعة؟ ومن هنا فالمشكلة الأساسيّة في مواجهة الأغنية العربيّة هي قلّة الثّقافة الموسيقيّة، أو انعدامها لدى الملحّن أحياناً، وتنعكس حتماً على العازف، ويتضاعف تأثيرها السّلبيّ حين نتّجه إلى جمهور غير واع لأهداف الفنّ، أي نوعيّة خاصّة من الجمهور يعتبر أنّ التّرفيه هو الهدف الأساسيّ للأغنية، ممّا يفقدها شحنتها النّفسيّة والتّعبيريّة والوجدانيّة التي هي سبب ارتقائها أصلاً".



دأبت في أن أذهب إلى مسبح فندق شيراتون دمشق، منذ وقت بعيد، كي أمارس رياضة السّباحة، وكنت أمضي الوقت في ذلك المسبح، في السّباحة وقراءة الكتب التي كنت أصطحبها معي، وكانت الدّوافع البارزة التي حفزتني إلى أن أقصد ذلك المسبح، الذي كنت أشترك فيه دائماً، هي الرّغبة في مزاولة رياضة السّباحة، ومطالعة الكتب، وتلوّن بشرتي باللّون البرونزيّ، وهي ثلاثة مواضيع تكاد أن تكون غائبة في درجات متفاوتة، عن سلوك وعادات النّاس في سورية، وقد نشأ عندي، الكثير من الانطباعات والخواطر النّاجمة عن نشاطي في الذّهاب إلى ذلك المسبح، فكانت ترد إلى ذهني خواطر عديدة، حينما أفتكر في تلك الأوقات التي كنت أمضيتها في مسبح فندق شيراتون دمشق، وكان أحد تلك الخواطر، يظهر الصّفات التي كان يتّسم بها أعضاء إدارة المسبح، وهم الأشخاص الذين توالوا متتابعين في إدارة ذلك المسبح، طيلة تلك الفترة المديدة التي كنت أمضيتها فيه، فكان يتّصف أعضاء إدارة المسبح، بالكفاءة والاقتدار على إدارة شؤون ذلك المسبح، وكانوا يبدون لطافة التّرحاب بالنّاس الذين يقصدون هذا المسبح، فيحسنون وفادة الزّوّار الذين يأتون ليمارسوا رياضة السّباحة، وكان يهيّئ أعضاء الإدارة، تحقيق الشّروط المثلى لتوفير سبل الرّاحة والاستجمام، اللذين كان يسعى إلى التّنعّم بهما، الأشخاص الذين يقصدون هذا المسبح، وما برح أعضاء الإدارة كلّهم، الذين تتابعوا على إدارة هذا المسبح، يبشّون لزوّار هذا الفندق، وكان جميع العاملين فيه يهيؤون أيضاً توفّر الجوّ الذي يجد فيه زوّار هذا المسبح الرّاحة، التي يتخفّفون فيها، من أعباء أعمالهم وضغوط مشاغلهم.



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (94)

سنة النّشر 2009

إنّ قارئ تلك الكلمات السّابقة التي ذكرها الموسيقار صلحي الوادي، لشدّ ما يكبر ذلك الفنّان، ويعظّم تلك الغيريّة التي دفعته إلى أن يؤثر الآخرين على نفسه، وإنّي تعمّدت ألّا أكتب كلمة الإنصاف بدلاً من اسم تلك الفضيلة وهي الغيريّة، لأنّ صفة الإنصاف انتفت في ذلك السّلوك الذي أتاه، حيث كان مجحفاً بحقّ مؤلّف موسيقيّ كبير، كان النّاس توّاقين دائماً إلى الاستماع إلى مؤلّفاته الموسيقيّة، بل وصل مبلغ هذا الإجحاف إلى حالة الظّلم والحيف، وأمّا ذاك الفنّان الموسيقيّ، الذي كان مجحفاً بحقّه الموسيقار صلحي الوادي، فهو الموسيقار صلحي الوادي ذاته، إذ كان مجحفاً بحقّ نفسه، وهو إن توخّى الحذر من قالة الأشخاص المغرضين الذين يترّبصون به، فهم على أيّة حال قد أطلقوا فعلاً أقاويلهم الفظيعة والشّنيعة التي استهدفت النّيل منه، وذلك التّصرّف الذي بدر من الموسيقار صلحي الوادي، يبيّن التّأثير السّلبيّ الذي تحدثه الأقاويل المغرضة في نفسيّة المؤلّف المبدع، الذي تشنّ عليه تلك الحملات الهوجاء، التي لم يتأت لها أن تحبط مواظبة الفنّان صلحي الوادي على مزاولة نشاطه الفنّيّ الموسيقيّ، فهيهات أن تنال منه تلك الحملات العاتية الشّعواء، التي نتج منها ضّرر كبير بالغ، تمثّل في تأخّر وصول أعماله الموسيقيّة البديعة إلى الجماهير، التي أصيبت بأقسى نكبات الحرمان حدّة، وغرّمت أفدح مصائب الخسران شدّة، بينما لا يتحمّل الموسيقار صلحي الوادي المسؤوليّة مطلقاً، عن تلك المعاناة التي كابدتها تلك الجماهير، وقد كانت الأعباء الفنّيّة الجسام التي تكفّل بالنّهوض بها الفنّان صلحي الوادي، استنفدت قدراً كبيراً جدّاً من جهوده، واستغرقت مدّة تحقّقها وقتاً طويلاً، بيد أنّ تلك الحيويّة التي تفعم بها نفسه، هيّأت له إنجاز تلك المهامّ الفنّيّة الجليلة، وهو رغب في أن يستقطع من هذا الوقت الذي يمارس فيه عمله الفنّيّ الموسيقيّ، برهة تتيح له أن يتفرّغ لتأليف ذلك العمل الموسيقيّ الكبير الذي ذكره في حديثه الذي أوردته آنفاً.

عكف الموسيقار عزيز الشّوان على جلاء تلك المصاعب التي يتعرّض لها في مصر المؤلّف الموسيقيّ، الذي عانى قسوة الحيف الذي ظهر في قسمة العوائد الماليّة، التي ترجع من مزاولة النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ، إذ لم يصب سهماً منها قط ذاك المؤلّف، الذي تحدّث الموسيقار عزيز الشّوان عنه قائلاً: "وكم ناضل هؤلاء الرّوّاد من أجل الحصول على مكافأة مادّيّة عن المؤلّفات التي يقدّمونها، فلم تكن لهم أيّ حقوق، بل كان عليهم أن ينفقوا من مالهم الخاصّ لشراء الورق ودفع أجور نسخ كرّاسات العازفين، فبدلاً من أن تدرّ عليهم مؤلّفاتهم شيئاً من الرّزق، كان كلّ عمل يكلّفهم حوالي 150 جنيهاً حتّى يصل إلى مسامع روّاد قاعة الكونسير وهم قلّة. أمّا الآلام النّفسيّة التي يعاني منها هذا العدد القليل من المؤّلفين فكثيرة وعميقة_ فلم تتح لهم أجهزة الأعلام الفرصة المتكافئة مع غيرهم من أنصار العامّيّة، للوصول إلى الجماهير العريضة التي يكتبون لها، ويهبونها فنّهم وعصارة قلوبهم وهي مشغولة عنهم بما هو أدنى بكثير، ويستثنى من هذه الجماهير قلّة قليلة من المثقّفين أو العاملين في نفس الحقل، أو بعض أنصار الثّقافة الغربيّة الذين غالباً ما يعقدون المقارنات بين مؤلّفات المصريّين، وهم ما زالوا في خطواتهم الأولى وبين مؤلّفات العباقرة العالميّين".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (93)

سنة النّشر 2009

كان الموسيقار صلحي الوادي يؤكّد دائماً وجوب أن يقف المؤلّفون الموسيقيّون العرب، على التّطوّر الذي حقّقته مذاهب التّأليف العلميّ الموسيقيّ في العصر الحاليّ، وقد أوردت السّيّدة إحسان بيات الدّروبيّ رأي الموسيقار صلحي الوادي، في مسعى بعض الموسيقيّين العرب في تأليف السّيمفونيّات، حيث ذكرت الرّأي الذي أفصح عنه الفنّان صلحي الوادي، في كتابها الذي وضعته عن زوجها الأديب المرحوم سامي الدّروبيّ، وقد صاغت سؤالها الذي وجّهته إليه وفق تلك العبارات التي أفصحت عنها قائلة: "ما رأيك في المحاولات التي قام بها بعض الموسيقيّين هنا من أجل إنشاء موسيقا سيمفونيّة مستمدّة من بعض الألحان الفولكلوريّة، مثل محاولة المرحوم أبو بكر خيرت، هل تعتقد أنّه ارتقى في محاولته هذه لمستوى الموسيقا الإنسانيّة التي تستسيغها أذن العالم كلّه المؤهّلة موسيقيّاً"، ثمّ واصلت السّيّدة إحسان بيات الدّروبيّ كلامها مشيرة إلى إلقاء ذاك السّؤال الذي لاح ببالها على الموسيقار صلحي الوادي، حيث ذكرت: "سمحت لنفسي أن أطرح هذا السّؤال على الفنّان الموهوب الأستاذ صلحي الوادي فأجابني: الدّكتور أبو خيرت محاولته هذه ارتبطت في علوم موسيقيّة، قد تعتبر في يومنا هذا مضى عليها الزّمن أي بمعنى آخر ليست عصريّة، مع أنّه أنا شخصيّاً أقدّر محاولاته لأنّها تحاول أن تضع بلهجة عالميّة ما هو محلّيّ، إلّا أنّه يبدو وأنّ اطّلاع الدّكتور أبو بكر خيرت على مدارس القرن العشرين العالميّة كان محدوداً، فلذا لم تتحدّث موسيقاه بلهجة القرن العشرين".

ضاقت على المؤلّفين الموسيقيّين الجادّين طرائق نشر أعمالهم الموسيقيّة، فسدّت دونهم السّبل التي تفضي بهم إلى تقديم أعمالهم الموسيقيّة إلى الجمهور، وقد أفاض أولئك الفنّانون بأنفسهم في الحديث عن تلك الموانع التي حالت دون أن ينشروا أعمالهم الموسيقيّة، وقد قاسى الموسيقار صلحي الوادي، والموسيقار عزيز الشّوان كلاهما شخصيّاً تلك المصاعب التي عسّرت عليهما عمليّة نشر مؤلّفاتهم الموسيقيّة، وعندما كانت تتاح للفنّان صلحي الوادي الفرصة التي يمكنه أن ينشر فيها أعماله الموسيقيّة، كان يؤثر آنئذ غيره من المؤلّفين الموسيقيّين العرب على نفسه، متحلّياً بأجلّ سمات الغيريّة، وقد كان أدركه الحيف بفقدانه العوائد الماليّة، التي كانت تتوجّب أن تعود بها عليه مزاولته نشاط التّأليف الموسيقيّ، وهو عندما تحدّث عن ذلك الضّيق الماليّ الذي حاق به، فإنّه كان يعبّر أيضاً عن أحوال جميع المؤلّفين الموسيقيّين الجادّين في الوطن العربيّ، إذ قال: "لحّنت الكثير من الموسيقا الدّراميّة لأفلام سينمائيّة والسّبب ماليّ بحت، لأنّ التّلفزيون لا يتعاطى الموسيقا الجادّة من حيث أعمال الملحّنين، لدينا نوري إسكندر ملحّن جيّد وآخرون يعملون، لكنّ أين يتّجهون حين يريدون أن يستفيدوا من أعمالهم ليجدوا مردوداً ماليّاً لها، وأنا واحد منهم، لحّنت مؤخّراً افتتاحيّة موسيقيّة أعطيتها اسماً بسيطاً (العرب) لم تقدّم بعد. وأنا أتردّد كثيراً في تقديم أعمالي مع الفرقة (الفرقة السّيمفونيّة الوطنيّة السّوريّة) حتّى لا يقال أنّي أفرض أعمالي. بينما أفضّل أن أقدّم أعمالاً لمؤلّفين عرب آخرين. قدّمنا عملاً جميلاً جدّاً لرعد خلف في مؤتمر الموسيقا العربيّة. وهي قطعة قويّة في التّعبير الأوركستراليّ واستمتعت في تدريب الفرقة عليها، إذا منحت شيئاً من الدّيمومة في حياتنا القصيرة، أودّ أن أتفرّغ لتلحين عمل كبير. وهذا يستوجب التّفرّغ الكامل لمدّة ستة أو سبعة أشهر".