مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (78)

سنة النّشر 2009

صمّم الموسيقار عزيز الشّوان تصميماً متيناً على دعوة الفنّان الموسيقيّ المصريّ بالأخذ بأساليب التّأليف العلميّ الموسيقيّ، بعد أن حلّت شؤون الفنّ الموسيقيّ بدركات الصّغار والهوان، وقد حثّ الفنّانَ الكفؤ على ألّا يعبأ بكلّ الزّعمات الباطلة، التي يسعى الأشخاص الذين يروّجونها، إلى أن يردّوه عن انتهاج ذلك السّبيل العلميّ الموسيقيّ القويم، فقد أوجبت حالة التّردّي الذي وقع فيه الفنّ الموسيقيّ، أن يقدم الفنّانون الأصلاء بجرأة على أن يتخطّوا تلك المرحلة، التي استفحل فيها الإلهاج بتمنّي تحقيق النّهضة الفنّيّة الموسيقيّة، حيث قيّدت مرائر النّاس بإسار العبارات الطّنّانة، والشّعارات الرّنّانة، من دون أن تنطلق لتأتي الأفعال الفنّيّة الخلّاقة، وقد صرّح الموسيقار عزيز الشّوان بآرائه في اختيار السّبيل الأمثل لتحقيق نهضة الفنّ الموسيقيّ، إذ قال: "وإذا أردنا لموسيقانا المصريّة وغنائنا نهضة أو ارتقاء، وجب علينا ألّا نقيم وزناً لقول المتعصّبين: موسيقا شرقيّة وأخرى غربيّة، ذلك لأنّ عناصر الهارمونيّ والبوليفونيّ، تلعب دوراً هامّاً في استيفاء المصنّفات التي يبتكرها المؤلّفون لمواصفات الفنّ الحضاريّ، هذا علاوة على أنّه لا يصحّ، ونحن في نهاية القرن العشرين، أن نقف منعزلين عن أمجاد البشريّة وتراث الموسيقا الإنسانيّ. إنّ من لا يتقدّم يتأخّر ومن لا يساير ركب التّقدّم ينعزل، والمجتمعات المنعزلة مجتمعات ضعيفة تسير نحو الزّوال وليس هذا بالطّبع حالنا، لا في مختلف الفنون ولا في مجالات الحياة الأخرى، لأنّ الإنسان المصريّ قد تفتّح فكريّاً وثقافيّاً"، ثمّ خلص الموسيقار عزيز الشّوان في حديثه إلى تأكيد أنّ الموسيقا والغناء المصريّ فنون تركت "لعوامل الرّكود والاضمحلال حتّى أصبحت صورتها الآن باهتة وتركيبها مهلهل"، وقد والى سرد حديثه عن النّواقص التي عابت الموسيقا المصريّة، فذكر عثرات أخرى كانت تلك الموسيقا وقعت فيها، إذ قال: "وإلى جوار تلك العوامل فقد علقت بموسيقانا شوائب عديدة تعوقها عن وثبتها نحو العالميّة، ومنها الاكتفاء بقشور المعرفة وتأليه الفطرة والسّطحيّة والتّقليد الأعمى وتسويق الفنّ إلخ.. وهذه الشّوائب هي أوّل ما يجب أن تتضافر الجهود للتّخلّص منها، فهذه مسؤوليّتنا جميعاً حكومة وشعباً".

إنّ المؤلّف الموسيقيّ الذي يرغب في أن يبتكر الأعمال الموسيقيّة البديعة، يحتّم أن يتوغّل في العلوم الموسيقيّة، التي تتجرّد عن الانتماء إلى قوميّة في حدّ ذاتها، فترتبط تلك العلوم بظاهرة الصّوت، من دون أن تتأثّر صياغة نظريّاتها العلميّة بأفكار ومعتقدات الأقوام كافّة، وقد أبرز الموسيقار عزيز الشّوان رجحان تلك النّظريّات العلميّة، التي يأخذ المؤلّفون الموسيقيّون في تطبيقها في تأليف أعمالهم الموسيقيّة، كي يبعثوا في مؤلّفاتهم جماليّة التّعبير الموسيقيّ، الذي تحدّث عن تلك الأسباب التي تفضي إلى تحقّقه، حيث قال: "أودّ أن يعرف الجميع أنّ تعدّد الأصوات التي تسمع في آن واحد هي ظاهرة فيزيقيّة طبيعيّة، لأنّنا إذا دقّقنا السّمع عندما يصدر صوت منفرد من آلة البيانو مثلاً، نجد أنّ هناك أصواتاً أخرى تأتي معه، وتعرف هذه الأصوات باسم "السّلسلة التّوافقيّة" أو "الأصوات الإضافيّة" _Over Tones)) ومن هذه السّلسلة من الأصوات الإضافيّة أمكن استكشاف نظريّات علم توافق الأصوات وتنافرها، وبالتّالي كيفيّة تركيب الأصوات فوق بعضها تركيباً مشروطاً بأبعاد ومقادير، يجعلها ليس فقط مستساغة بل ضروريّة لقوّة التّعبير".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (77)

سنة النّشر 2009

طالت مدّة الرّكود الذي آلت إليه شؤون الفنّ الموسيقيّ في الوطن العربيّ، حتّى غدا التّواني في تخليص ذلك الفنّ الموسيقيّ من تلك الأزمات التي حاقت به، يزيد فداحة تلك الأضرار التي يسبّبها همود ذلك الفنّ الموسيقيّ في الأقطار العربيّة، بينما تمضي سائر الدّول قدماً في نهج تطوير ذلك الفنّ الموسيقيّ، فوجب على المؤلّف الموسيقيّ العربيّ أن يتّبع النّهج العلميّ في تأليفه أعماله الموسيقيّة، كي يتأتّى له أن يحقّق في الوطن العربيّ نهضة الفنّ الموسيقيّ، الذي أوجب الموسيقار عزيز الشّوان حدوثه في هذا الأوان الحاليّ، دون أن يحصل تباطؤ أو تريّث في تحقيق تلك النّهضة المنشودة، وأعتقد أنّ بات من نافلة القول، أن أؤكّد أنّ بالإمكان أن يستبدل بكلمة المصريّ، أينما وردت في حديثه، ما يختار من الأسماء المنسوبة للدّول العربيّة الأخرى، وقد ذكر الموسيقار عزيز الشّوان: "ولا يجب أن ننسى أنّنا اليوم في حاجة ماسّة لتعويض تخلّف مئات السّنين، واللّحاق بركب الحضارة بأسرع ما يمكن، وإنّ الإلمام بمنجزات مختلف الحضارات واكتساب الخبرة منها أصبح لزاماً علينا، حتّى يصبح الإنسان المصريّ والفنّان بصفة خاصّة إنساناً حضاريّاً، له مفاهيم وخصائص تؤهّله للوقوف في صفّ واحد مع شعوب العالم المتحضّر. وهكذا يتحتّم علينا إذاً ألّا نعود أدراجنا لنبدأ الطّريق من أوّله، وألّا نضيّع السّنين في البحث والتّنقيب عن غيبيّات لسنا متأكّدين من وجودها، بل الأجدر بنا أن نبدأ من حيث وصلت أرقى مستويات العلوم والفنون، وأن يسير مؤلّف الموسيقا المصريّ على نفس الدّرب، الذي سار عليه من جاؤوا من قبله من عباقرة الموسيقا في العالم، وأن يكتسب الخبرة منهم، وأن يقتدي بمن كان من أصل شرقيّ ممّن برزت أعمالهم بين المؤلّفات العالميّة، بفضل ما فيها من أصالة ولهجة قوميّة وتطويع بارع للقواعد والعلوم العالميّة، أمثال خاتشودريان ودي فايا وجرشوين وغيرهم".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (76)

سنة النّشر 2009

شهد المستشرقون باتّباع العرب نهج الدّراسة العلميّة في تعاطيهم شؤون الموسيقا، وأورد أو. رايت إقراره بسلوك العرب ذلك النّهج العلميّ، إذ قال: "يذهب المنظّرون المسلمون، كما يذهب نظراؤهم من الأوروبيّين في العصور الوسطى، إلى أنّ الموسيقا تنتمي إلى العلوم الرّياضيّة"، ويتابع رايت إظهار أسبقيّة العلماء والفلاسفة العرب إلى التّوغّل في دراستهم العلميّة لشؤون الموسيقا، حيث ذكر: "وأهمّ ما في كتابات ابن سينا الموسيقيّة يتمثّل في القسم الممتاز من كتابه "الشّفاء" الذي تحدّث فيه عن الموسيقا، بينما يعتبر مصنّف الفارابي الضّخم المعروف بكتاب "الموسيقا الكبير"، "أعظم مؤلّف في الموسيقا صنّف حتّى عصره" ويحتوي هذا الكتاب على دراسة شاملة للمسافات الموسيقيّة وتجمّعاتها أو تأليفاتها، بالإضافة إلى بيان قيّم بالآلات التي كانت تستخدم في ذلك العصر والسّلالم الموسيقيّة التي كانت تؤدّيها تلك الآلات".

غاب عن الوقائع والأبحاث التي ضمّها تاريخ الأمّة العربيّة، ذلك التّأسّي بأولئك العلماء والفلاسفة العرب، الذين لهم قدم في البحث في علوم الموسيقا، فإذا افتقد تاريخ الشّعب العربيّ تلك الوقائع التي تدلّ على اتّباع ذلك السّبيل، التي مضى فيها أولئك العلماء العرب القدماء، فإذاً لا مناص من السّعي إلى الاستفادة من الأبحاث العلميّة التي أنجزتها سائر شعوب العالم، والتي هي اقتبست واستفادت في الأساس من تلك المبادئ النّظريّة، التي وضعها العلماء والفلاسفة العرب، وقد عدّد الموسيقار عزيز الشّوان تلك النّتائج، التي يحتمل أنّ يدرك إحداها المنقّب في التّراث العربيّ، حيث تحدّث عن تلك الاحتمالات، فقال: "لا يوجد بين يدينا اليوم قواعد هذه العلوم العربيّة الأصل، ولا طرق تطبيقها عمليّاً عند العرب القدامى، ولا منهج دراسيّ لها، وهذا يضعنا أمام أمرين: 1_ إمّا أن نطبّق على موسيقانا نظريّات وعلوم وقواعد التّركيبات الصّوتيّة، التي عمّ استعمالها في مشارق الأرض ومغاربها لثبوت صلاحيّاتها، ومرونة تطويعها لتلائم مختلف لهجات اللّغة الموسيقيّة، حتّى اعتبرها العالم أصول الكتابة وقواعد بلاغتها. 2_ إمّا أن نتجاهل هذه العلوم الموسيقيّة ونفعل كما فعل الغرب منذ أكثر من خمسمائة سنة، عندما استنبطوا تلك القواعد من بين سطور مؤلّفات عباقرتهم، ومن أجل ذلك يجب أن نبحث عن مؤلّفات عباقرة العرب، التي يرجع تاريخها إلى مئات السّنين لنستنبط منها قواعد ومناهج دراسيّة تحلّ محلّ المناهج العالميّة... وأمام البحث عن تلك المخطوطات عقبات ومستحيلات، يقف أمامها الباحث مكتوف الأيدي غير قادر على حلّها بأيّ شكل أو حال من الأحوال.... وهناك احتمالان بالنّسبة لنتائج تلك الدّراسات والأبحاث، فإمّا أن تأتي القواعد التي كان العرب القدامى يستعملونها مماثلة لقواعد المنهج العالميّ، وإمّا أن تسفر عن قواعد جديدة يتحتّم اختبار صلاحيّاتها في عصرنا الحاليّ، فتظلّ تتعثّر مئات السّنين بين معارض وموافق ومتفلسف قبل أن تثبت صلاحيّاتها، وينتشر استعمالها أو تدريسها في المعاهد".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (75)

سنة النّشر 2009

دحض الموسيقار عزيز الشّوان حجج الأشخاص الذين يحجمون عن الأخذ بمبادئ العلوم النّظريّة الموسيقيّة، وبيّن مناقضة دعاويهم مبادئ المنطق العلميّ، إذ تتجرّد تلك العلوم النّظريّة من الانتساب إلى قوميّة محدّدة، حيث تنجم تلك النّظريّات عن دراسة الخصائص الذي يتميّز بها الصّوت، الذي لا تتغيّر أو تتبدّل المبادئ التي تنظّم انتشاره في كافّة نواحي المعمورة، وتتيح قواعد التّأليف الموسيقيّ للفنّانين الموسيقيّين، أن يصيغوا موسيقاهم وفق الأسلوب الذي يوافق طبيعتهم الوجدانيّة، وأحوالهم النفسيّة، وقد أدلى الموسيقار عزيز الشّوان برأيه في زعمات أولئك الأفراد، الذين يناهضون تطبيق تلك القواعد العلميّة، فقال: "ولم يكتف هؤلاء المتعصّبون ضدّ التّقدّم والارتقاء بنشر أقاويل صدّقها الكثيرون من البسطاء، منها قولهم بأنّ العناصر الهارمونيّة والبوليفونيّة غريبة عن الموسيقا الشّرقيّة، مدلّلين على ذلك بنشأتها في بلاد الغرب، وعدم شيوع استعمالها في الموسيقا أو الأغاني التّقليديّة أو القديمة في الشّرق. ومناقشة هذه الحجّة الواهية لها شقّان: أوّلاً أن تكوين هذه التّركيبات الصّوتيّة يسير وفقاً لنسبة المسافات التي تفصل بين الأصوات، التي يتكوّن منها الخطّ اللّحنيّ المفرد، ووفقاً لعلاقة القرابة بينها النّاتجة من درجتها عن السّلم الموسيقيّ، دون أيّ اعتبار لا للقوميّات ولا منشأ نظريّات علوم الهارمونيّ والبوليفونيّ. ومن جهة أخرى فتكوين هذه التّآلفات الصّوتيّة ليست عمليّة آليّة أو حسابيّة، إنّما هو فنّ يتطلّب الإحساس بطبيعة العناصر اللّحنيّة، وبالمشاعر التي تحتويها وبالموضوع الذي تعالجه، ذلك لأنّ الخطّ اللّحنيّ الواحد يقبل تركيبات هارمونيّة مختلفة، منها ما يتلاءم معه روحاً وتعبيراً، ومنها ما يفقد الخطّ اللّحنيّ طابعه البيئيّ أو أصالته أو قوميّته. والتّطبيق الواعي لتلك العلوم يفترض تطويعها لتلائم الطّابع القوميّ لموسيقا مختلف الشّعوب، ولا يلزمنا للبرهان على ذلك إلّا الاستماع لموسيقا المؤلّفين القوميّين مثل دي فايا الإسبانيّ، أو خاتشاتوريان الأرمنيّ، أو جرشوين الأمريكيّ وغيرهم".

كان الموسيقار صلحي الوادي ينوّه دائماً بالنّابهين العرب الذين طوّروا العلوم الموسيقيّة إبّان الحضارة العربيّة الإسلاميّة، واستشهد بما ورد في الموسوعات العالميّة من الحديث عن مآثر الحضارة العربيّة في أبحاث العلوم الموسيقيّة، وقد ذكر المؤلّف الموسيقيّ عزيز الشّوان مقطّعات من أقوال الفيلسوف العربيّ ابن سينا، حيث تحدّث عن دراساته النّظريّة في علوم الموسيقا، وقد مهّد الموسيقار عزيز الشّوان لإيراد أقوال الفيلسوف العربيّ ابن سبنا، بالتّلميح إلى أخذ العرب بالنّهج العلميّ في معالجة شؤون التّأليف الموسيقيّ، إذ قال: "إذا استندنا إلى التّاريخ لوجدنا أنّ علماء العرب القدامى، طبقاً لما جاء في مخطوطات الكنديّ وابن سينا وغيرهم، قد تطرّقوا إلى ما يسمّى اليوم علم الهارمونيّ_ فقد عرّف ابن سينا في كتاب الشّفاء النّغم والبعد المتفّق والمتنافر والجنس والجمع بين الأجناس والفروع، وهي من أساسيّات هذا العلم كما أطلق اسم "المحسّنات اللّحنيّة" على التّركيبات الموسيقيّة في النّغم والإيقاع. قال ابن سينا:".. والذي يختصّ بالنّغم فمنه التّرعيد والتّمزيج والتّوصيل والتّركيب.." ثمّ عرّف التّركيب بقوله:".. أمّا التّركيب فأن يخلط بالنّغمة الأصليّة في نقرة واحدة نغمة موافقة لها.."، ولقد تناول علماء آخرون أصول تركيب صوتين متوافقين أو متنافرين يسمعان في آن واحد، وكانت مدوّنات هؤلاء العلماء العرب هي الأسس الأولى، التي قام عليها علم الهارمونيّ في أوروبا في عصر النّهضة إذ أنّه حتّى القرنين الثّاني والثّالث عشر، كانت علوم وفنون العرب هي المشاعل التي تستنير بها شعوب أوروبا. وكما سبق القول فلم يكن هناك قبل تلك العصور اختلاف كبير بين الموسيقا العربيّة والأوروبيّة، سوى اختلاف اللّهجة التي ينتج من اختلاف البيئة واللّغة".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (74)

سنة النّشر 2009

تنتشر الأعمال التّراثيّة الشّعبيّة الموسيقيّة "الفلكلوريّة"، في أرجاء شتّى من الوطن العربيّ، الذي عمد غالبيّة الموسيقيّين فيه، إلى أن يتناولوا ذلك الفلكلور من دون أن يتّبعوا النّهج العلميّ القويم، في تناولهم ذلك التّراث الموسيقيّ، وقد  حدّد الموسيقار صلحي الوادي الأسلوب الذي يجب أن يتطرّق به إلى تناول تلك الأعمال الموسيقيّة الشّعبيّة، إذ أوجب أن يكون تحديداً نهج العلوم النّظريّة الموسيقيّة، وقد ضرب أمثلة فعليّة من الأعمال الموسيقيّة التي انتشرت في أرجاء شتّى من العالم، حيث أبدع مؤلّفو تلك الأعمال الفنّيّة الموسيقيّة، نتاجهم على منوال ذلك التّأليف المستند على القواعد العلميّة، فقد ذكر: "لدينا الموسيقا الفولكلوريّة العربيّة، إنّها موسيقا غنيّة حتماً لأنّ العرب على امتداد حدودهم احتكّوا مع العديد من الثّقافات الإنسانيّة، التي أثّرت في شعوبهم وأعطت لهجة موسيقيّة في غنائهم هي لهجة متنوّعة وأصيلة، وإذا وجد الموسيقيّ المهتمّ أو العبقريّ الذي يستطيع أن يستخدم هذه الألحان والأغاني، ويضعها في صيغ إنسانيّة لوصلت إلى مسامع العالم الذي سيحترمها لعلمها، وأصالتها، خذ روسيا مثلاً في القرن السّابع عشر أو الثّامن عشر، لم يكن فيها ملحّنون معروفون، أغلب الرّوس آنذاك يذهبون إلى الإيطاليّين ويقلّدونهم تقليداً باهتاً، لكنّ في منتصف القرن التّاسع عشر حين ازدهرت الثّقافة، ظهر من أسموا الموسيقيّين الخمسة، أي "المدرسة القوميّة الرّوسيّة"، بالإضافة إلى العبقريّ الكبير تشايكوفسكي، هؤلاء استخدموا الألحان الرّوسيّة الشّعبيّة وأفادوا كثيراً من غنائيّة اللّغة الرّوسيّة، أحدهم يقول "أنا لا ألحّن، إنمّا أضع في النّوتات الكلمات الرّوسيّة"، هكذا استطاعوا خلال نصف قرن أن يخرجوا الموسيقا في روسيا، من عالم النّسيان إلى مركز الصّدارة بين الأمم، إنّ ما تحتاجه موسيقانا هو من يلتزم بحضارة أمّته، ومن يمنحها من الثّقافات الإنسانيّة ما يرفعها بين الأمم، حتّى هذا اليوم لم أرَ في الوطن العربيّ موسيقيّاً استطاع أن يحمل لواء الموسيقا، ويرفعها من فولكلوريّتها إلى عالم رفيع المستوى".



بدأ النّاس في الاستماع إلى أغنية "ليلي مارلين"، في مطلع سنوات الأربعينيّات من القرن العشرين، وإنّي أعتقد أنّها أشهر أغنية في تاريخ البشر، ولا ينازعها على الحلول في هذه المكانة، أيّة أغنية أخرى، وقد كان عدد قليل من الكتّاب والباحثين والمؤرّخين الذين ينتمون إلى بلدان أجنبيّة مختلفة، قد أدرك أهمّيّة هذه الأغنية الألمانيّة، إلّا أنّ أغلب هؤلاء الكتّاب والباحثين الأجانب الذين أشرت إليهم آنفاً، كان يجهل العوامل التي هيّأت لتلك الأغنية أن تتّسم بتلك الأهمّيّة في سجلّ الأحداث التّاريخيّة، وقد وجد من يعرف المعلومات الوفيرة عن هذه الأغنية مثلما ذكرت قبل قليل، ولكنّي أعتقد أنّ الأشخاص والكتّاب والمؤرّخين، الذين تعمّقوا في معرفة سبب تلك الأهمّيّة التي نالتها هذه الأغنية، هم قليلون في هذا العالم، وقد نشأ عندي هذا الاعتقاد بعد محاوراتي ومناقشاتي مع باحثين ودارسين عديدين، وهم في أغلبيّتهم كانوا من الباحثين العرب، وأمّا بالنّسبة للكتّاب والمؤرّخين الأجانب، فإنّي بعد أن طالعت كتاباتهم ومؤلّفاتهم التي تحدّثوا فيها عن هذه الأغنية، رأيت عندهم قصوراً جليّاً عن الإحاطة بحقيقة أسباب شهرة هذه الأغنية، التيرويت عنها الحكايات العديدة، حتّى أعتقد كثير من النّاس أنّها من نسج الخيال، وقد أصبحت تلك الحكايات تشبه حقّاً الأساطير التي يبتدعها الخيال البشريّ، ولكنّ تلك الحكايات جميعها، كانت تتحدّث عن الواقع بدقّة، ومن دون أيّ تحريف في تبيان حقيقة تأثير هذه الأغنية، التي كانت هي الموضوع الذي انبنت عليه أيضاً أفلام سينمائيّة عديدة.

تعدّدت تلك الأحداث التي جرت في أثناء الحرب العالميّة الثّانية، وكانت أغنية ليلي مارلين، ارتبطت بوقائع تلك الحرب العالميّة المدمّرة التي أحرقت الأخضر واليابس، وقد تنشأ عند القرّاء الذين يتابعون هذا الحديث الذي نسرده، الرّغبةُ في معرفة أسباب شهرة هذه الأغنية، وقد يطول فعلاً الحديث عن تلك الأسباب، وإن كان الاطّلاع على المعلومات التي توضّح بعض الحقائق عن تلك الأغنية، أصبح سهل المنال، بسبب وفرة المعلومات عن تلك الأغنية في مواقع الأنترنت العالميّة، وأمّا معرفة سائر التّفاصيل الدّقيقة عن هذه الأغنية، فإنّي سأرجئ الحديث عنها إلى الأيّام القادمة.



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (73)

سنة النّشر 2009

يتحدّد غرس السّمة الجماليّة في النّتاج الإبداعيّ الفنّيّ الموسيقيّ، بانتهاج المؤلّفين الموسيقيّين سبيل القواعد العلميّة في تحقيق عمليّة التّأليف الموسيقيّ، وقد هيّأ ذلك النّهج العلميّ الذي أشرت إليه آنفاً، للفنّانين الموسيقيّين إمكانيّات جمّة لإنتاج صيغ موسيقيّة فنّيّة جميلة، وأكّد الموسيقار عزيز الشّوان تلك الأسباب التي تهيّئها النّظريّات العلميّة الموسيقيّة، للمؤلّفين الموسيقيّين بأن يبتكروا الأعمال الفنّيّة الجماليّة، وقد أطلق صفة الجهل المطبق على من يعارض سلوك الموسيقيّين ذلك الأسلوب العلميّ، في مزاولة ذلك التّأليف الموسيقيّ، حيث قال: "ويتلخّص ارتقاء التّعبير الموسيقيّ في إضافة التّركيبات الصّوتيّة أو اللّحنيّة، التي تتلاءم بالتّوافق أو التّنافر مع طبيعة الخطوط اللّحنيّة المفردة، فيزداد جمالها وقوّة تعبيرها، وفي استبدال وسائل الأداء فحلّ الأوركسترا السّيمفونيّ محلّ التّخت_ والفرق بين الاثنين ثراء الأوّل وفقر الثّاني في تنوّع ألوان أصوات الآلات، وتدرّجها من الحدّة إلى الغلظ، وهذا أمر لا يحتاج لبراهين وأدلّة. ولعلّي لا أكون ظالماً إذا وصفت هؤلاء القوم بالمتعصّبين، لأنّهم يريدون أن يقفوا بنا عند القرون الوسطى، بينما يسير الزّمن بالعلوم والفنون نحو القرن الواحد والعشرين. هل يعقل مثلاً أن نطلب من المصوّر أن يترك الفرشاة والألوان، وأن يتجاهل نظريّات الظّلّ والنّور والعمق في المنظور، ليرسم بالقلم والرّصاص ثلاثة مثلثات متقاربة، ثمّ يقول هذه لوحة تمثّل منظر الأهرامات؟ أو أنّ هذا هو الرّسم الشّرقيّ وخلاف ذلك غربيّ؟ هذا هو ما يريدونه للتّعبير الموسيقيّ أصحاب مبدأ التّفرقة الجغرافيّة بين اللّهجات الموسيقيّة، وما هي في الواقع إلّا المشجب الذي يعلّقون عليه قصورهم في التّعليم والتّذوّق".

كانت ذخيرة أولئك الأشخاص، الذين يرفضون الأخذ بتلك النّظريّات العلميّة الموسيقيّة في مزاولة التّأليف الموسيقيّ، تتضمّن سلاح التّخوين، الذي كانوا يشهرونه في وجه أولئك المؤلّفين الموسيقيّين العرب الذي يتشبّثون بتلك القواعد العلميّة، أمّا وقد أصبح شأن تلك النّظريّات العلميّة الموسيقيّة، مرتبطاً بمبادئ عامّة لا تتعلّق بقوم أو أمّة بذاتها، فإنّ هذا السّلاح الذي كان يشهر إزاء المؤلّفين الموسيقيّين الجاديّن، قد نُزع عن أيدي الجهّال الذين تحدّث عنهم الموسيقار عزيز الشّوان، إذ ذكر: "كما وأنّ التّمسّح في القوميّة العربيّة أو المصريّة لتغطية ما في مؤلّفاتهم المفكّكة من بدائيّة وضعف، حيلة لم يعد يقبلها إلّا كلّ من يجهل كنه الموسيقا الرّفيعة، التي أصبحت مؤلّفاتها تراثاً إنسانيّاً تخطّى جميع الحدود والاعتبارات".

دعا الموسيقار صلحي الوادي دائماً، إلى الاستفادة من الإمكانيّات التي توفّرها النّظريّات العلميّة الموسيقيّة لتطوير الفنّ الموسيقيّ في الوطن العربيّ، وهو قد تحدّث عن النّقصان الذي يفتقده بنيان تلك الموسيقا العربيّة، قبل أن ينتقل إلى التّعبير عن رغبته في إنشاء الفرقة الوطنيّة السّيمفونيّة، حيث ذكر ذلك الحديث في مطلع عقد التّسعينيّات من القرن المنصرم، أي قبل سنتين من إحداث تلك الفرقة، حيث أوضح أنّ "للموسيقا عناصر ثلاثة أساسيّة أوّلاً: "الانسجام "الهارمونيّ" ثانياً اللّحن_ ثالثاً الإيقاع، وهذه العناصر لازمة وضروريّة لكلّ موسيقا.. والموسيقا العربيّة بشكل عامّ غنائيّة أي تمتلك عنصراً واحداً هو "اللّحن"، على الرّغم من وجود محاولات عديدة لدمج هذه العناصر، لكنّها لم تنجح بعد.. والمعهد (المعهد العالي للموسيقا) الآن بصدد تشكيل هيئة بحوث لما يتعلّق بالموسيقا العربيّة.. وهدفنا المستقبليّ هو إنشاء فرقة سيمفونيّة، وقد قطعنا شوطاً كبيراً في ذلك، عدد أعضاء الفرقة الآن 65 عازفاً لكنّها تفتقر إلى عازفي آلات نفخ هوائيّة خشبيّة ونحاسيّة..".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (72)

سنة النّشر 2009

لا يتمّ تحقيق النّهوض بشأن الفنّ الموسيقيّ في الدّول العربيّة، إلّا باتّباع الموسيقيّين أسلوب التّخصّص العلميّ في معالجة أمور ذلك الفنّ، فيكونون حينئذ مزوّدين بالعلوم الموسيقيّة الرّفيعة، التي تؤهّلهم لأن يحقّقوا ذلك التّطوّر المنشود، الذي يحتّم بديهيّاً ألّا توكل مهمّة تنفيذه إلى مدّعي الفنّ الجهّال، الذين يعيثون فساداً في ذاك النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ، الذي أكّد الموسيقار صلحي الوادي ضرورة معالجة شؤونه باتّباع النّهج العلميّ، إذ قال: "طبعاً إنّ وجود المختصّ أمر هامّ جدّاً في عمليّة تطوير الحياة الموسيقيّة، قلت قبل قليل أنّنا نسيء إلى تراثنا الموسيقيّ، الحقيقة أنّه في كلّ بلد من العالم هناك من يختصّ في عمليّة البحث والتّنقيب عن التّراث، ولكنّ كيف يختصّ إنسان غير متعلّم في رفع مستوى الموسيقا، وتدوين والتّنقيب في الموسيقا القديمة، الواقع لا يمكن للضّرير أن يقود ضريراً، وإذا كانت فنوننا الشّعبيّة بحاجة إلى من يقودها إلى مصير أجود، فهذا لن يكون إلّا عن طريق الإنسان المتعلّم، الذي أخذ من العلوم الموسيقيّة ما يكفيه للدّخول إلى عالم الموسيقا الشّعبيّة، وبالتّالي معالجتها المعالجة الجادّة، وهذا للأسف ما لا أراه في مجتمعنا، إذ كثيراً ما أرى من يدّعون أنّهم مختصّون في الموسيقا الشّعبيّة، والشّرقيّة، أناساً لا يفقهون في الموسيقا شيئاً، وهم يتّجهون إلى الموسيقا الشّرقيّة والعربيّة، لقلّة علمهم بالموسيقا، مدّعين أنّ العلوم الموسيقيّة شيء يسيء إلى فطريّة الموسيقيّ العربيّ، وكأنّما هناك نوع من التّناقض بين العلم، والموسيقا العربيّة، وهذه النّظرة سيّئة وتسيء إلى حاملها وإلى الموسيقا العربيّة، وأوّل من يمكنه خدمة موسيقانا العربيّة وتراثنا الشّعبيّ الموسيقيّ، هو الموسيقيّ المتعلّم القادر على القيام بهذه المهمّة الصّعبة والشّاقّة والطّويلة الأمد".

أجمع الفنّانون الموسيقيّون والباحثون في شؤون الفنّ في الوطن العربيّ، على رفض تلك الصّفة التي ينعت بها النّتاج الموسيقيّ الذي يأتي به الموسيقيّون العرب، الذين يطلق على مؤلّفاتهم الموسيقيّة اسم الموسيقا الشّرقيّة، وإنّي أعتقد أن تلك التّسمية الخاطئة، تتسبّب بإحداث انقسام وانفصال تامّين بين الموسيقا العالميّة، والمؤلّفات الموسيقيّة التي ينتجها الموسيقيّون العرب، حيث تدرج أعمالهم الموسيقيّة في فئة الموسيقا الشّرقيّة التي تقابل الموسيقا الغربيّة العالميّة، وقد تحدّث الموسيقار صلحي الوادي عن بطلان تلك التّسمية، وعالج هذا الموضوع ذاته الموسيقار عزيز الشّوان، حيث ابتدأ فاتحة كلامه عن ذلك التّقسيم الخاطئ، بأن أشار مباشرة إلى تلك الصّفة الشّرقيّة التي تنعت بها الأعمال الموسيقيّة التي يأتي بها الموسيقيّون العرب، ثمّ ذكر رأيه الذي يعارض ذاك التّقسيم المفتعل بين تلك الأعمال الموسيقيّة، وهو يردّ أسباب اللّجوء إلى إحداث ذلك الفصل إلى التّشبّث الخاطئ بتصوّرات باطلة، إذ قال: "موسيقا شرقيّة وأخرى غربيّة: هذا هو قول المتعصّبين في مصر، بينما يقول المتنوّرون مع سائر شعوب العالم المتحضّر، أنّ الموسيقا تعبير إنسانيّ بلغة الرّوح وهي لذلك تتسامى عن الحدود الجغرافيّة والأجناس البشريّة. ويا حبّذا لو حلّ محلّ هذا التّصنيف الخاطئ، القول بأنّ لكلّ شعب طابعاً خاصّاً يتميّز بلهجة نغميّة أو "مذاق موسيقيّ"، ولكنّها في العالم بأسره أبجديّة موسيقيّة واحدة وسلّم ذو سبع درجات. لقد كانت اللّهجة الموسيقيّة في المشرق وفي المغرب تكاد تكون واحدة بعناصرها ونظريّاتها وآلاتها، حتّى القرن الحادي عشر... ثمّ تفكّكت الامبراطوريّة العربيّة وسقطت الدّولة العثمانيّة، وهاجرت الحضارة إلى أوروبا فأنهت عهد الإقطاع الزّراعيّ وقامت الصّناعة، فتطوّر كلّ شيء وارتقى التّعبير الموسيقيّ متمشّياً مع تلك النّهضة العظيمة، التي شملت الحياة من جميع نواحيها والتي ما زالت في صعود مستمرّ حتّى اليوم".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (71)

سنة النّشر 2009

استفاض الموسيقار عزيز الشّوان في ذكر العقبات التي تعترض الفنّانين الموسيقيّين الجادّين في مصر، وقد صرّح بأنّه اجتزأ بالإخبار عنها، من دون أن يقترح حلولاً تعالج تلك المشاكل، على الرّغم من أنّ لا يستعصي على اللّبيب إيجاد تلك الحلول، لأنّ الوصف الدّقيق الذي أتاه يفي بتقديم فكرة توضّح الكيفيّة التي تجري فيها معالجة تلك العقبات، ولكنّ يبقى الاعتداد بتلك الحلول يتمثّل في تنفيذها، وقد أحجم الموسيقار عزيز الشّوان عن الخوض في إيراد تلك الحلول، التي لو ذكرها، فإنّ تحقيقها هو شأن من دونه خرط القتاد، وقد خاطب في ختام حديثه عن تلك العوائق، المؤلّف الموسيقيّ النّاشئ، كي يتّعظ بما ذكره في حديثه، وليكون منصفاً في حكمه على ذاك الجيل الذي أسّس ذلك النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ الجادّ الإبداعيّ، وبديهيّ أنّ تلك النّصيحة التي أخلصها الموسيقار عزيز الشّوان لذاك المؤلّف النّاشئ، في وسع من يقرأ كلماته الصّادقة، أن يعمّمها لتشمل جميع المؤلّفين الموسيقيّين النّاشئين في وطننا العربيّ الكبير، حيث قال: "هذه هي بعض المشاكل والقضايا التي أكتفي هنا بطرحها دون الخوض في اقتراح حلولها، فتلك لا يمكن أن تكون مهمّة أيّ فرد مهما كان، بل لا بدّ من عقد مؤتمرات للتّشخيص والعلاج، لأنّ كلّ مسؤول يرى أنّه ليس في الإمكان أحسن ممّا كان، ولكنّي رأيت أنّه من واجبي أن أفتح أذهان المؤلّف النّاشئ إلى ما يحيط به وبمستقبله من أوضاع، لعلمي أنّه سوف يصطدم بها ويعاني منها، لعله يتسلّح لمواجهتها بالعلم والصّبر والنّضال من أجل تصحيحها بالعقل الرّشيد والثّوريّة الهادفة. لا تلم من سبقوك، أيّها المؤلّف النّاشئ، فقد ناضلوا طويلاً ضدّ التّخلّف والتّعصّب للقديم بلا تعادل في العدد بين المعسكرين، فنحن قلّة وهم أكثريّة_ لقد عانى من سبقوك كثيراً من الذين كانوا يضعون العقبات في طريق التّقدّم، ولم تتوقّف مسيرتنا نحو الهدف الأسمى، على الرّغم من أنّهم في مراكز السّلطة ونحن على أبواب إداراتهم بلا حول ولا قوّة، ولا يساندنا إلّا أنّنا أصحاب حقّ نستمدّه من إنتاجنا الجيّد، ويقيننا بأنّنا نقوم بواجب وطنيّ في ميدان فنّنا وعملنا ورزقنا في نفس الوقت".

إن حدث التّرابط بين تطّور الحاجات الماديّة وترقّي الحاجات الرّوحيّة، في المجتمعات في أثناء نهوضها، فيفترض نظريّاً إذا أخذ أحد طرفي تلك العلاقة في التّطوّر، فيتوجّب أن تمتدّ النّزعة إلى ذلك التّرقي إلى الطّرف الآخر، وقد رأى الموسيقار صلحي الوادي أنّ مكانة النّشاط الفنّيّ بين المناشط التي تجري في المجتمع السّاعي إلى النّهوض، يجب أن تتعزّز عالية، حيث ذكر: "لا يمكن أن نتحدّث عن الموسيقا بمعزل عن الثّقافة بمعناها الشامل.. فالثّقافة في أيّ بلد تعبّر عن حضارته بكلّ أبعادها المادّيّة والرّوحيّة والفكريّة.. وحضارة الأمم تقاس بقدر ما تعطي هذه الأمم من إبداع في المجال العلميّ، كالاكتشافات والاختراعات وفي المجال الرّوحيّ كالإبداعات الفنّيّة والأدبيّة، إلى التجديدات الأصيلة على مستوى السّلوك والعلاقات الإنسانيّة، ومن هنا نلاحظ التّلازم بين عنصري الحضارة والعلاقة الوثيقة بينهما.. "ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (70)

سنة النّشر 2009

إنّ تلك العراقيل التي ذكرها الموسيقيّان الطّيّبا الذّكر، وهما الفنّان صلحي الوادي، والفنّان عزيز الشّوان، إذا كانت تبيّن حقيقة تلك الأوساط التي يمارس فيها كلاهما العمل الإبداعيّ الفنّيّ الموسيقيّ، فإنّ الموسيقار عزيز الشّوان ما لبث في حديثه عن تلك العوائق التي يتعرّض لها المؤلّف الموسيقيّ الجادّ، أن ذكر تلك الصّعاب التي تبرز في صميم ذلك النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ، بل أنّها أخذت تحبط نشوء الرّكائز الأساسيّة التي يقوم عليها ذلك النّشاط نفسه، وقد عيّن تلك العراقيل قائلاً: "ولا يوجد حتّى الآن دار لنشر الموسيقا أو مطبعة ليس فقط في مصر، بل وفي جميع الدّول العربيّة والقارة الأفريقيّة بأكملها، فكيف يمكن أن نوفّر للطّلبة والطّالبات في المعاهد الموسيقيّة النّوتات والكتب التي يحتاجونها؟ لقد بلغ ثمن فرخ ورق النّوتة الموسيقيّة من النّوع الجيّد ثمانية قروش، فما بالك بثمن الكتب المستوردة عن طريق القطّاع الخاصّ. تقتصر شركات الإسطوانات وخاصّة القطّاع العامّ منها وهي تابعة لوزارة الثّقافة، على نشر الأغاني الفرديّة، ولا أريد أن أتدخّل في قيمة هذه الأغاني الفرديّة سواء من الناحية الفنّيّة أو الثّقافيّة، ولكنّي أؤكّد أنّ هذه الشّركات ترفض نشر المؤلّفات السّيمفونيّة المصريّة، أو الأغاني التي تخرج عن دائرة المألوف، ولا يخفى السّبب على أحد فهو حساب الرّبح والخسارة. وما زالت حفلات أوركسترا القاهرة السّيمفونيّ أو حفلات مواسم الأوبرا والباليه، وهي نشاطات ثقافيّة بحتة، تخضع لنفس ضريبة الملاهي المطبّقة على علب اللّيل وكباريهات شارع الهرم، ممّا يرفع ثمن التّذاكر إلى أرقام ليست في متناول الأغلبيّة العظمى من الشّعب".