مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (47)

سنة النّشر 2009

أراد الموسيقار صلحي الوادي، أن يظهر الدّليل الجليّ على صدق شعوره بالتّفاؤل الذي انبعث في نفسه، إذ بيّن ذلك النّهج الذي اتّبعه في مدينة دمشق، في معالجة شؤون الفنّ الموسيقيّ، حيث ذكر: "ولنأخذ دمشق مثلاً، حين بدأنا في هذا المعهد (المعهد العربيّ للموسيقا) عام 1960 لم يكن في دمشق أكثر من ثلاثة أساتذة من حملة الشّهادات العليا في الموسيقا، وربّما لم يكن أكثر من ذلك العدد في كلّ سورية، بينما الآن في هذا المعهد بالذّات جهاز تدريس كبير من شباب هذا القطر، وهم حملة شهادات عليا، ومن الموسيقيّين البارزين في العزف والمتمكّنين من العلوم الموسيقيّة، والأمر كذلك في أغلب العواصم العربيّة التي أعرفها، وهؤلاء بالذّات هم الذين سيعطون الجواب على السّؤال (الذي يتمثّل في كيفيّة الإفادة من الموسيقا الغربيّة مع الحفاظ على أصالة الموسيقا العربيّة)، هذه القاعدة من المثقّفين الموسيقيّين حتماً ستفرض رفعاً لسويّة العطاء الموسيقيّ، وبالتّالي الارتقاء بالذّوق الجماهيريّ".

لا تسع وسائل الإغراء أن تفرض نفوذها العظيم على أصحاب العزيمة المتينة، إذ لا تستطيع أن تثنيهم عن مضيّهم في تحقيق تلك الرّغائب التي تثور في نفوسهم، وكان الموسيقار صلحي الوادي عزم على أن ينشئ في دمشق معهداً موسيقيّاً يدرّس الطّلبة فيه العلوم الموسيقيّة، وكانت تلقّى قبيل أن يعود إلى دمشق، عرضاً مغرياً للعمل في مصر، بيد أنّه لم يذعن لإغراء المادّة، وآثر أن يعود إلى دمشق، ليشرع في تأسيس ذلك المعهد الموسيقيّ، ولا ريب في أنّه كان لا يعدّ مطلقاً أنّ بقاءه في مصر، ينتقص من سعيه إلى تحقيق رسالته السّامية، التي تهدف إلى النّهوض بالفنّ الموسيقيّ في الوطن العربيّ، بيد أنّه آثر أن يؤوب إلى دمشق، وقد تحدّث الموسيقار صلحي الوادي عن الفترة التي أقيم فيها المعهد العربيّ للموسيقا بدمشق، وأشار إلى التقائه آنئذ بأبرز رجالات الفكر والفنّ في مصر، إذ قال: "سنة 1960 عدت إلى دمشق. وكانت قد أحدثت وزارة للثّقافة وكان الوزير المرحوم الدّكتور ثابت العريس، وكان أمين عامّ الوزارة الدّكتور يوسف شقرا وكان رجلاً واعياً مدركاً لأهميّة الثّقافة العالميّة والإنسانيّة. كلّفني بإدارة معهد لم يكن قد أحدث وطلب منّي أن أضع أنظمة هذا المعهد وهو المعهد العربيّ للموسيقا. كان ذلك أثناء الوحدة مع مصر. وفي ذاك الوقت تعرّفت على أبو بكر خيرت من خيرة الموسيقيّين في مصر والأمّة العربيّة. وهو بدوره عرّفني على ثروت عكاشة، الذي هو من أهمّ المثقّفين العرب، ومن الذين كان لهم أثر مهمّ على حياة مصر الموسيقيّة. ودعاني آنذاك مع نجمي السّكريّ للذّهاب إلى القاهرة لكي أكون مساعد قائد أوركسترا القاهرة السّيمفونيّ، وكان قائدها (ألكسندر إيفانوف) وذهبت وسجّلت موسيقا معها عام 1960، كما دعا نجمي السّكريّ للعزف ضمن الأوركسترا. لكنّني كنت أفضل أن أساهم في إحداث معهد للموسيقا في دمشق، وطلبت من أبي بكر خيرت مساعدتي في وضع برامج المعهد الموسيقيّة، وفعلاً وضعت البرامج الأساسيّة مبنية على ما كان يدرّس في القاهرة".



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (55)

سنة النّشر 1987

استمعت إلى كلماتي بذهن واعٍ، وحينما ألفتني فرغت من سرد الحجج التي انطوت عليها عباراتي، شرعت في أن تتحدّث إليّ قائلة:

لا أخال أنّه يخفى عليك، أنك تلقي بهذا الحكم الذي تفوّهت به، على جموع من الأقوام مؤتلفة، وحشود من الأنام ملتفّة حول مظاهر ذلك الإعراض عن دنيا النّغم الموسيقيّ الرّفيع.

رغبت في أن أعقّب على كلامها الذي صرّحت به، فقلت لها:

ليست حالة أولئك الأناس، نقيصة لا يرجى زوالها، أو معابة لا يسلم منها الإنسان أو علّة لا يبرأ منها، لأتجنّب إبراز شأنها، وإظهار حالها، فمن أصول اللّباقة وقواعد الكياسة، ألّا أخوض في هذا الحديث، أمّا إذا كان شأنهم، هو أنّهم يصرّون على جحودهم الجليّ بحقّ تلك المؤلّفات الفنّيّة الرّفيعة، فوجب عليّ أن أنشر هذه الآراء التي اعتنقتها، وأنشر تلك الأفكار التي اعتقدتها.

أيّدتني في تلك الآراء التي صرّحت بها، ووافقتني على تلك الحجج التي أدليت بها، وأثنت بكلمات وجيزة على ما عرضته عليها من البيّنات، وقد رأت فيها الدّلائل على سداد الرّأي، فأثار في نفسي هذا التّقريظ الشّعور بالافتخار، ولن يبلغ مداه إطراء آخر، وإن أثنت به عليّ جمهرة غفيرة من الأنام، وهتفت بي جموع كبيرة من النّاس، وما عبّرت عنه من هذه الآراء، لم تبرز خارج نطاق البديهيّات الجليّة، فعجبت من ثورة النّقاش، وفورة الجدال الظّاهرة في حديثي عن أشياء لا يلزم إثباتها، هذه اللّجاجة في المحاورة، وتلك المساجلة في المناقشة، فاعتراني الخزي من تلك الحماسة التي أبديتها، وأنا أذكر الحقائق الصّرفة بلهجة البيان الفصيحة، وهي تكون في أصلها في غنى عن وقدة البلاغة وحدّة الخطابة، حتّى أنّها لا تثير نحوها سورة الشّكّ ونظرة الارتياب.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (55)

سنة النّشر 1987

استمعت إلى كلماتي بذهن واعٍ، وحينما ألفتني فرغت من سرد الحجج التي انطوت عليها عباراتي، شرعت في أن تتحدّث إليّ قائلة:

لا أخال أنّه يخفى عليك، أنك تلقي بهذا الحكم الذي تفوّهت به، على جموع من الأقوام مؤتلفة، وحشود من الأنام ملتفّة حول مظاهر ذلك الإعراض عن دنيا النّغم الموسيقيّ الرّفيع.

رغبت في أن أعقّب على كلامها الذي صرّحت به، فقلت لها:

ليست حالة أولئك الأناس، نقيصة لا يرجى زوالها، أو معابة لا يسلم منها الإنسان أو علّة لا يبرأ منها، لأتجنّب إبراز شأنها، وإظهار حالها، فمن أصول اللّباقة وقواعد الكياسة، ألّا أخوض في هذا الحديث، أمّا إذا كان شأنهم، هو أنّهم يصرّون على جحودهم الجليّ بحقّ تلك المؤلّفات الفنّيّة الرّفيعة، فوجب عليّ أن أنشر هذه الآراء التي اعتنقتها، وأنشر تلك الأفكار التي اعتقدتها.

أيّدتني في تلك الآراء التي صرّحت بها، ووافقتني على تلك الحجج التي أدليت بها، وأثنت بكلمات وجيزة على ما عرضته عليها من البيّنات، وقد رأت فيها الدّلائل على سداد الرّأي، فأثار في نفسي هذا التّقريظ الشّعور بالافتخار، ولن يبلغ مداه إطراء آخر، وإن أثنت به عليّ جمهرة غفيرة من الأنام، وهتفت بي جموع كبيرة من النّاس، وما عبّرت عنه من هذه الآراء، لم تبرز خارج نطاق البديهيّات الجليّة، فعجبت من ثورة النّقاش، وفورة الجدال الظّاهرة في حديثي عن أشياء لا يلزم إثباتها، هذه اللّجاجة في المحاورة، وتلك المساجلة في المناقشة، فاعتراني الخزي من تلك الحماسة التي أبديتها، وأنا أذكر الحقائق الصّرفة بلهجة البيان الفصيحة، وهي تكون في أصلها في غنى عن وقدة البلاغة وحدّة الخطابة، حتّى أنّها لا تثير نحوها سورة الشّكّ ونظرة الارتياب.



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (46)

سنة النّشر 2009

دأب الموسيقار صلحي الوادي في أن يرفع عمليّة التّأليف الموسيقيّ في الوطن العربيّ، إلى أوج الابتكار الفنّيّ الموسيقيّ، وقد اعترضت سيرته الفنّيّة التي سلكها، عقبات عدّة، حيث أثارت الأبحاث في تراث الموسيقا العربيّة، مسائل عدّة، تمثّلت أولاها في مسألة غياب التّدوين الموسيقيّ في ذاك التّراث الموسيقيّ، حيث افتقد البحّاثة والموسيقيّون في العصر الحاليّ المرجعيّة الصّادقة والشّاهد الأكيد، اللذين يمكن اعتمادهما، في دراسة شؤون ذلك التّراث الموسيقيّ العربيّ، وقد ذكر الموسيقار صلحي الوادي: "فعلاً كتب الكثير عن العلاقة بين الموسيقا الشّرقيّة والغربيّة، وغالباً لم تمس الكتابات جوهر القضية، من دون شكّ هناك خصائص معيّنة في ما نسمّيه الموسيقا الشّرقيّة، خصائص منها اللّحنيّ، والمقاميّ، والإيقاعيّ، هذه الخصائص مطبوعة على كلّ الموسيقا الصّادرة عن البلدان الشّرقيّة عموماً والعربيّة خصوصاً.... ثمّ أنّ الموسيقا قامت بدور سلبيّ في بعض قصور الخلفاء، حين اندمجت مع الجواري والخمر والغلمان، وأصبح لها هدف واحد هو التّرفيه في أدنى مفهوم، وهناك مسألة مهمّة في هذا الصّدد هي أنّ الموسيقا العربيّة خالية من "التّنويط"، بالطّبع، كانت هناك محاولات لوضع رموز لكتابة الموسيقا، غير أنّ عدم الاستقرار على نوع واحد من "التّنويط" أفقدنا "التّنويط" في الكتب التي وصفت لنا كيف غنّى إسحاق الموصليّ، وكيف قدّم زرياب أعماله، وفي ظلّ غياب النّوتة التي هي الواقع الملموس الذي يتعامل معه الموسيقيّ لا نستطيع أن نتصوّر ما كانت عليه الموسيقا. أوّل نوتة عصريّة جاءتنا من أوائل القرن الحاليّ، في العشرينات تقريباً، ووجدت في مصر، بالمناسبة الفنّان الكبير سيّد درويش لم يكن يقرأ النّوتة، لذلك كان الإيطاليّون يكتبونها ويقرؤونها له.... طبعاً، ما يحدث في القسم الأخير من القرن العشرين متأثّر بكلّ ما ذكرناه حول النّقص الشّديد في العلوم الموسيقيّة".

إنّ اضطلاع أبناء الأمّة العربيّة بتحمّل مسؤوليّة تحقيق نهضتهم في العصر الحاليّ، يوجب عليهم أن يولوا عنايتهم كلّ الأنشطة الإنسانيّة التي تتوزّع بينها أعمالهم، وإذا كانوا بدؤوا في تطبيق نتائج أبحاثهم العلميّة على مظاهر شتّى من أوجه الحياة التي يعيشونها، فإنّهم يتعيّن عليهم أيضاً أن يمدّوا أبصارهم إلى البحث في شؤون الفنّ الموسيقيّ، حيث أوضح الموسيقار صلحي الوادي، التّرابط الذي يجمع بين ضروب الأنشطة الإنسانيّة المختلفة، بعد أن استدرك عباراته التي أوردتها آنفاً، بحديث غلب عليه طابع التّفاؤل، إذ قال: "لكن يتحرّك الإنسان عادة في حضاراته بصورة سوية في اتّجاه التّقدّم، الاجتماعيّ والعلميّ والفكريّ والأدبيّ، هذه المفاصل تسير معاً، لا يمكن أن نجد بلداً مهتمّاً بالذّرّة ومتخلّفاً بعلوم أخرى، لا أشكّ أنّ العرب بدؤوا يشعرون شعوراً كبيراً بالمسؤوليّة الموضوعة على عاتقهم في هذا الزّمن، وعليهم أن يتسلّحوا بالعلم، وإذا قارنا عدد المؤسّسات العلميّة في كلّ مراحل العلوم من الابتدائيّ وحتّى الجامعيّ اليوم، مع ما كان موجوداً قبل خمسين عاماً لأدركنا حقيقة ما قلناه، في كلّ قطر عربيّ نجد اليوم المسارح والكتّاب والمسرحيّين، المعاهد الموسيقيّة، الطّلّاب الموفدين لدراسة الموسيقا إلى مختلف أنحاء العالم، هذه الظّاهرة نجدها قائمة منذ الخمسينات إلى اليوم".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (45)

سنة النّشر 2009

تحفل مسيرة الفنّان صلحي الوادي بمغاز وعبر جليلة عديدة، ففضلاً عن تلك العظة البليغة، التي استخلصت من تصرّفه حيال بريق الشّهرة التي دهمته، تتجلّى عبرة هامّة، تمخّض بها دأب الموسيقار صلحي الوادي في أن يطوّر في الوطن العربيّ الفنّ الموسيقيّ، الذي ذكرت فيما مضى أنّ التّصرّف النّاجع لتحقيق رفعته وسموّه، يتمثّل في تقديم النّتاج الفنّيّ الموسيقيّ الرّفيع، وابتكار المؤلّفات الموسيقيّة البديعة، بيد أنّ تقديم ذلك النّتاج الإبداعيّ، لا يمنع من أن يستأنس الإنسان للآراء والأقاويل التي يفصح بها المؤلّفون الموسيقيّون المبدعون، عن سيرة ذلك النّشاط الفنّيّ الإبداعيّ الذي خاضوا غماره، فتعتبر أقاويلهم، وثائق وكيدة، وشهادات وطيدة على تلك الأنشطة الفنّيّة التي مارسوها، وتضاف أقوالهم إلى سجلّ الدّراسات والأبحاث الفنّيّة، التي تجلو مآثر الأعمال الفنّيّة، وتظهر كنه الدّوافع الإبداعيّة، التي حفزت الفنّانين إلى ابتكار تلك الأعمال الفنّيّة الموسيقيّة، ويبرز مقال أولئك الفنّانين المنبع الذي انبعثت منه رؤاهم الإبداعيّة، التي لم تنبعث من مصدرها عفواً، من دون أن تتغيّى هدفاً ترمي إليه، بل كان أولئك الفنّانون يحدّدون لها نهجاً تمضي فيه، وتكشف تلك الشّهادات التي يدلي بها أولئك الفنّانون، عن كنه الظّروف التي أحاطت بنشأة تلك العمليّة الإبداعيّة التي جاءها أولئك الفنّانون الموسيقيّون، الذين تحلّ شهاداتهم الشّخصيّة التي يوردونها، بمكانة هامّة، إذ يصدر الحديث عن سيرهم الفنّيّة، من أصحاب تلك السّير أنفسهم، فتنير أقاويلهم أعمالهم الموسيقيّة التي ألّفوها، وإن لم تكن لتتحدّث عنها بالنّيابة عن تلك المؤلّفات الموسيقيّة، إذ العمل الفنّيّ يقدّم نفسه بنفسه، بينما تندرج أقاويلهم في عداد الدّراسات الفكريّة النّظريّة، التي تبحث في شؤون الفنّ، وهي دراسات أسدت صنيعاً عميماً إلى الأعمال الفنّيّة، التي يجب ألّا يقتصر تفسيرها على الاستناد على تلك الأقوال التي يذكرها أولئك الفنّانون، ومن يرفع السّتار عن السّرّ الغامض الذي يكمن في أطواء العمل الفنّيّ، يزيد ألق ذلك المنتج الفنّيّ، وينمّي بريقه، من دون أن يأتي على ضيائه الباهر، فكلّما تأمّل الإنسان في خفايا الأعمال الإبداعيّة الفنّيّة، تتّضح له مهارة الخلق، وروعة الابتكار.



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (44)

سنة النّشر 2009

إنّ استعراض تاريخ نشوء الفرقة السّيمفونيّة في سورية، يجلو سيرة مكابدة الموسيقار صلحي الوادي تلك المشاقّ، التي كانت تحول دون أن تقوم هذه الفرقة، إذ كافح مدّة زادت عن الأربعة عقود، تلك العوائق التي كانت ما تبرح تسدّ السّبيل الذي ينفذ إلى نشر الفنّ الموسيقيّ الجادّ في سورية، فتمكّن من أن ينشئ المراحل الدّراسيّة العليا للعلوم الموسيقيّة، وأقام الفرقة السّيمفونيّة الوطنيّة السّوريّة، بعد أن استمرّت المرحلة التّأسيسيّة، التي غلب عليها الطّابع الرّسميّ، فترة زمنيّة مديدة بلغت ثلاثين عاماً، وهي المدّة التي فصلت بين تاريخ إنشاء المعهد العربيّ للموسيقا بدمشق عام 1961، ومباشرة الطّلّاب الدّراسة في المعهد العالي للموسيقا بدمشق عام 1991، وتلت هذه الفترة الزّمنيّة، مدّة سنتين حتّى صدر قرار تشكيل الفرقة السّيمفونيّة الوطنيّة السّوريّة، وإذا شاء الإنسان أن يعقد مقارنة بين حجم الجمهور الذي كان يتابع الحفلات الموسيقيّة الجادّة، بعد عام 1990، وهو عام البدء في الدّراسة في المعهد العالي للموسيقا، وبين عدد الأفراد الذين كانوا يتابعون تلك الحفلات، في الأيّام التي سبقت ذلك التّاريخ، فسيلحظ التّبدّل الكبير الذي طرأ على رواج تلك الحفلات الموسيقيّة بين أفراد الجماهير، إذ تابع الحفلات التي جرت بعد أن أنشئ ذلك المعهد العالي للموسيقا، جمهور غفير زاد عدده كثيراً عن كمّيّة هؤلاء الأشخاص، الذين كانوا يتابعون تلك الحفلات في الأيّام الماضية.

لا تنال نتيجة ذلك الإحصاء، الذي أشرت إليه آنفاً مطلقاً من المكانة الرّفيعة التي حلّت بها تلك الحفلات، التي قدّمت قبل افتتاح الدّراسة في المعهد العالي للموسيقا، ولا تنقص قدر أولئك الأشخاص الذين حضروا تلك الأنشطة الموسيقيّة، إذاً في وسع الإنسان أن يؤكّد أنّ الموسيقار صلحي الوادي، آثر أن يعمل في دأب وجدّ بالغين في الظّلّ طيلة فترة قاربت الأربعين عاماً، إذ تجنّب أضواء تلك الشّهرة التي كثيراً ما يلتمس التّمتّع بمغانمها غالبيّة النّاس، حتّى أنّ تلك الشّهرة الكبيرة التي لازمته، منذ مطلع العقد الأخير من القرن المنصرم، فربّما لم تكن لترتبط به لو لم ينشأ ذاك المعهد العالي للموسيقا، فلا مرية من أنّ الشّهرة هي التي التمست أن تقارب شخصيّة الموسيقار صلحي الوادي، الذي لم يسع قط طيلة حياته إلى التماس بريقها اللّامع، وإذا كنت أتحدّث عن الشّهرة الفنّيّة الرّفيعة، التي هي مطلب محقّ لكلّ مبدع كما يشاع في أقوال النّاس، لكنّ الموسيقار صلحي الوادي لم يتبذّل في طلبه إيّاها، بل إنّه مضى تماماً في درب الكفاح والاجتهاد، وإذا بذاك الدّرب أفضى به إلى تلك الشّهرة في خاتمة المطاف، فإنّه لم يتقصّد أن يجعلها هدفاً يسعى إلى بلوغه في سيره في نهج ذلك الفنّ الموسيقيّ الجادّ، وهو لو كان يسعى إلى أن يظفر بالتّمتّع بنعمها، لاختار منذ زمن طويل أن يأخذ بدرب آخر يفضي إليها، وأعتقد أنّ ضحة ذلك السّبيل الذي يؤدّي بسالكه إلى التّقلّب في نعماء تلك الشّهرة، يعفيني من ذكر الأساليب التي كان لو اتّبعها لأدرك تلك الشّهرة منذ زمن بعيد، لكنّ إخلاصه لمبادئ الفنّ القويم، واحترامه الشّديد لأفراد الجمهور، ربآ به عن اتّباع ذلك الدّرب الموطّأ الذي يفضي إلى تلك الشّهرة.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (54)

سنة النّشر 1987

بادرت إلى أن أتناول دفّة الحديث، فور انتهائها من كلامها، فقلت لها:

لا أحسب أنّك تؤيّدين أفكار أولئك النّاس، الذين يصوّرون مظاهر الشّعور الحسّاس، بأعراض العلّة التي تندرج في عداد أدواء النّفس، فيجنحون إلى أن يلحّوا على انغماسهم في أن يقعوا في ذلك الاعتقاد الخاطئ، إذ يقرنون صور ذلك الإحساس النّابه، بأشكال الشّقاء، فإن لاح في خاطرك ذلك المعتقد الذي يأخذون به، فإنّي على يقين من أنّ آراءهم الضّالّة، وأفكارهم الباطلة، لن يتأتّى لها أن ترسخ في ذهنك، وإنّي أرفع عنك الملامة، إن كنت قصدت في حديثك إلى أن تعضّدي أقوال أولئك المغرضين من الأنام، الذين يتشبّثون بذلك التّصوّر الخاطئ، فلا تثريب عليك إن تفوّهت بأقوالهم، لأنّي لا أظنّ أنّك تتفوّهين بهذا الكلام إلّا نقلاً عن مقالهم وأحاديثهم، وأنت تنحين بفكرك إلى ما يلهمك إيّاه شعورك ويثبته ذهنك، فلا تأبهين لما تعرضه لك الأسطر المتحذلقة في الأفكار المنزلقة، وإذا نظرنا إلى ألحان المؤلّفات الموسيقيّة التي يبتكرها الفنّانون النّابغون، فإن أسبلت ستار الدّعة على النّفس، وأوقدت شعلة الخيال في الذّهن، فإنّها لا توجد تلك الأشياء من العدم، فمن يفتقر إلى الإحساس اليقظ، لا تثير فيه تلك الألحان المشاعر، ولا تبعث في نفسه العواطف، ولا تنشئ في ذهنه الأفكار، وهي لا تهب نفحاتها الخيّرة إلاّ لمن يسعى دائباً في الارتقاء إلى مراتبها العالية، فمهما اختلفت الأحوال وتنوّعت الظّروف في حياة الإنسان، تفضِ به تلك الألحان إلى الغاية ذاتها، في إدراك صفاء الوداعة، وهناء الطّمأنينة، فتجلو حقيقة الشّعور، بعد أن تزيل عنه غبار الأحداث المتراكمة فوقه، وأمّا أولئك الأناس الذين يغفلون عن فوائدها الجمّة، وعوائدها العظيمة، فإنّهم يخبطون في هذه الحياة في عمياء، تتجاذبهم فيها الضّلالة والحيرة.

نفحاتها: العطايا.



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (43)

سنة النّشر 2009

إذا لم تكن تتوفّر الإمكانيّات النّاجزة لإنشاء الفرقة السّيمفونيّة، في ذاك الأوان الذي استهلّ فيه الموسيقار صلحي الوادي محاولة بناء تلك الفرقة، فإنّ لا يستدعي ذلك النّقصان البتّة في جملة تلك الاستعدادات، ألّا يبادر الإنسان إلى أن يفرغ وسعه ابتغاء أن يبني تلك الفرقة، وقد اندفع الفنّان صلحي الوادي يحاجّ من يعارض ذلك الشّروع في استهلال المضيّ في ذلك السّبيل، الذي يفضي إلى إدراك ذلك الهدف المنشود، الذي يتمثّل في إنشاء هذه الفرقة السّيمفونيّة، حيث كان حصيفاً، في إجرائه مقارنات سديدة، بين العديد من المناشط التي تحدث في المجتمع، وبيّن استحالة الاستنكاف عن الشّروع في تنفيذها، إن لم تستوف في البدء كامل شروط تحقّقها، فأدلى بحججه كاشفاً عن بصيرة نيّرة، وفكر ثاقب حكيم، مؤكّداً ضرورة إنشاء تلك الفرقة السيّمفونيّة، التي شرع يهيّئ لها عدّتها من الأعضاء العازفين على الآلات الموسيقيّة، حيث أكّد رفعة مؤهّلات أولئك العازفين الذين يشكّلون طليعة العناصر، التي ستتشكّل من ائتلافها تلك الفرقة السّيمفونيّة، التي منّى نفسه بأن يرى نشوءها حقّاً في سورية، إذ قال: "في الحقيقة أنّه لا يوجد عازف واحد يعزف (سماعيّ) بل أنّ الجميع متمكّنون من العزف الأصوليّ، صحيح أنّ التّدريب ينقصهم ولكنّ هذا ممكن الإصلاح، وصحيح أنّ بعض العازفين ينقصهم الأساس الموسيقيّ السّليم، ولكنّ ألا تعاني أمّتنا كلّها من نقص في الخبرة في شتّى المجالات الفنّيّة؟! هل مسارحنا مثلاً مليئة بالممثّلين المتخرّجين من الأكاديميّات التّمثيليّة، وهل مدارسنا قد أتمّت حاجتها من الاختصاصيّين؟ إنّ منطق كهذا يتنافى مع ظروف حياتنا، ففي بيئتنا التي وصلت إلى هذه الدّرجة من التّقدّم لا يسعنا قط أن نقف وننتظر اليوم الذي تتوفّر فيه الإمكانات الكاملة، إنّ منطقاً كهذا يؤدّي بنا إلى الامتناع عن افتتاح جامعة، أو الامتناع عن فتح مستشفى، إنّنا بحاجة إلى المستشفيات حتّى إذا أدارها طبيب واحد وحتّى لو كان هذا الطّبيب لا يتمتّع بمؤهّلات الأطباء العالميّين، إنّنا بحاجة إلى مدارس وجامعات رغم ما نشكو به من قلّة المختصّين، وكلّما ازددنا تفاؤلاً بالحياة ازدادت ثقافتنا، وازدادت قوّتنا، وقمنا بنهضة تشمل كافّة ظروف حياتنا، ولذا فإنّني أرى أنّ وجود هذه الفرقة يمثّل أملاً كبيراً بالنّسبة للمستقبل الفنّيّ في بلدنا، وباعثاً لثقافة فنّيّة حقيقيّة. لقد قامت الفرقة بتسجيل عدّة قطع عالميّة منها قطعة لبيتهوفن وأخرى شوبرت، وهي تقوم بإجراء تمرينات يوميّة بمعدل أربع ساعات، وعمل الفرقة كما ترى شاقّ جدّاً، إذ عليها أن تثبت أنّ الثّقة التي وضعت في أعناق العازفين، جديرون هم بها حتّى يعطي هذا العمل الكبير ثمرة تكون الخطوة الأولى نحو الأوركسترا الفلهارمونيّة.. التي هي حلم أجيال من المتذوّقين والفنّانين في سورية والوطن العربيّ".

كان الموسيقار صلحي الوادي ينافح دائماً عن فكرة إنشاء الفرقة السّيمفونيّة الوطنيّة السّوريّة، وحاجج أولئك الأشخاص الذين شكّكوا في قيمة الفوائد الجليلة، التي يتمخّض بها وجود تلك الفرقة السّيمفونيّة، التي يتمثّل أحد أهداف إنشائها في بناء شخصيّة الإنسان في صورة مثلى، وقد بيّن الفنّان صلحي الوادي تهافت آراء أولئك الأشخاص، الذين يطعنون في فكرة تأسيس هذه الفرقة، حيث ذكر: "هؤلاء أنفسهم قد يسألون وما ضرورة إنشاء مسرح كبير يقدّم كلاسيكيّات الفنّ، أهمّيّة الفرقة السّمفونيّة أنّها توسّع النّشاطات الموسيقيّة في البلد الذي تنشأ به، وكما قال السّيّد المسيح: لا يحيا الإنسان بالخبز وحده، لا بدّ له من روح، والفنون هي المحيط الذي تسبح فيه الرّوح والفضاء الذي يمكنها من السّموّ والتّحليق".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (42)

سنة النّشر 2009

إنّ تلك الخطوة التي خطاها الموسيقار صلحي الوادي، قد أثمرت عطاء كريماً بعد أربعين سنة، إذ ظلّ يدأب طيلة تلك العقود الأربعة، في السّعي إلى تنفيذ تلك الفكرة، التي تمثّلت في إنشاء الفرقة السّيمفونيّة، وقد نافح عن استحقاق وجود هذه الفرقة السّيمفونيّة، من دون أن تفتر عزيمته على الذّود عن فكرة تشكيل هذه الفرقة، وإذا تحدّث الموسيقار صلحي الوادي عن الخطوة الأولى، في السّير نحو إدراك ذلك الهدف الذي يتمثّل في نشوء تلك الفرقة، ففي ذلك الأوان الذي خطا فيه بتلك الخطوة، تجلّت قوّة عزيمته تجلّياً تامّاً، وظهرت شدّة إقدامه على الظّفر بمراده، وتبيّنت حدّة بأسه في تذليل الصّعاب التي تعترضه، وكانت تلك البداية الصّحيحة التي استهلّ بها سعيه إلى الظّفر بمأربه الفنّيّ الجليل، كفلت بتحقيقه ذلك المطمح الذي تمثّل في نشوء هذه الفرقة السّيمفونيّة، التي أقام لها الأسس المتينة، وبنى من أجلها القواعد الوطيدة، وكان الموسيقار صلحي الوادي في ذلك الأوان، الذي خطا فيه الخطوات الأولى في مسيره نحو إنشاء تلك الفرقة السّيمفونيّة، قد ذكر: "إنّ الهدف الآنيّ أن نقدّم للجماهير الواسعة من خلال التّلفزيون والإذاعة والمسرح برامج تتضمّن عزف نماذج من الموسيقا العالميّة والمحلّيّة، أنا لا أعتقد بأنّ فرقنا المسرحيّة الرّسميّة وغير الرسميّة تقدّم شكسبير مثلما يقدّمه الإنجليز، ومع ذلك ففرقنا لا تمتنع عن التّمثيل، وهذه الفرق لا تسطيع تقديم موليير أو أوسكار وايلد كما تقدّمه الفرق العالميّة المسرحيّة. والعاملون في الحقل الفنّيّ يعتبرون أنّ تعريف الجمهور على التّراث الفنّيّ العالميّ، واجب قوميّ في هذه المرحلة.. إذ لا بدّ من أن نساعد على نشر الوعي الفنّيّ بين جماهير شعبنا".



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (53)

سنة النّشر 1987

لم يداخلني الشّكّ في حقيقة دأبي ومثابرتي على السّعي إلى أن أظفر بتلك المآرب، التي تتوق إليها نفسي، ولم أكن آبه لتلك المصاعب التي كانت تعترض سبيلي، فكنت أخوض آنئذ في ذلك المسلك الشّاقّ، وأنا أستثير قدراتي، فآمن من ألّا تجنح إرادتي إلى الفتور والخمود، إن خيّل إليّ أنّي أنال مطلبي، بالجهد اليسير، والكدّ القليل، وكنت أقف حائراً حيال الملذّات الوضيعة، حتّى أتوهّم أنّ نفسي تراودني على الاقتراب منها، فأغدو مضطرب الشّعور، أتردّد في اختيار المسلك الذي سأتّبعه، ولا أجد غضاضة في اعترافي بهذه الحالة التي كنت أمسي فيها، لأنّ لحظة تلك الحيرة، لم تردّني عن تلك الفضائل التي أنشدها، بل كانت تحرّضني على أن أتخلّق بالشّمائل الرّفيعة والسّجايا الجليلة، ولا أخال أنّي أقرّ بإدراكي ذاك السّموّ، وإن أشارت إليه دلائل شتّى، فتحدّد هدفي بمواصلة السّعي إلى إدراك مقام  تلك الفضائل، من دون أن أمنّي نفسي بأن أتنعّم بالمزايا، التي تعود على من يبلغ تلك المراتب العالية من الخصال الرّفيعة، فأؤجّج بذلك المسعى الذي اعتمدته، حماسي وأثير نشاطي، وأنا أخوض في غمار هذه الحياة.

اتّجهت نادية نحو جهاز الحاكي، وآثرت سماع موسيقا باليه بحيرة البجع لتشايكوفسكي، ووضعت بإزاء الحاكي بعضاً من الإسطوانات المتنوّعة، وحوت تلك المجموعة المختارة السّيمفونيّة السّادسة لبيتهوفن، ورابسودي ليست وكونشرتو البيانو الأوّل لتشايكوفسكي، فقلت لها وأنا أنظر إلى تلك المؤلّفات الموسيقيّة التي اختارتها:

معرفتك عميقة وواسعة بنتاج أساطين النّغم، مثل إحاطتك بمطارحات معشر الفكر، وبمساجلات جماعات الفنّ والأدب.

فأجابتني قائلة:

لم أصطف تلك القطع الموسيقيّة، بناء على اتّساع معرفتي بهذا الفنّ الرّفيع، وإنّما لما خلّفت ألحانها في نفسي من آثار لم يمحها صخب الحياة وجلبة أحداثها.

راقني فحوى كلامها، فلم تكد تتمّ مقالها، حتّى سارعت إلى أن أقول لها:

لا عجب من أن تثير تلك الأنغام في نفسك رقّة المشاعر ودعة الأحاسيس.

تلقّفت كلماتي التي نطقت بها، متنبّهة الخاطر، وبادرت إلى أن تخاطبني قائلة:

مهلاً، رميت المرمى القصيّ في كلامك، فما تراه في نفسي من مخايل السّلاسة، هو ملامح من أجواء التّعاسة، التي أطبق قتامها على سحنتي، فباتت تنتجي في قرارة نفسي الغموم، التي جلّلت غمامتها معارف وجهي، وليتني تفيّأت بظلال تلك الوداعة التي تفيض من طيّات تلك الألحان، كي تخيّم على أساريري سحابة ذلك الهدوء العذب، بدلاً من أن ترخي تكاليف العناء والشّقاء على قسمات وجهي ستار الكدر.