مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (51)

سنة النّشر 2009

إنّ العرض الموسيقيّ الذي تحدّث عنه الموسيقار صلحي الوادي، هو أوبرا دايدو وإينياس للموسيقيّ هنري بورسيل، ويتّضح في سرده الحديث عن المصاعب القاسية التي كان عرضة لها، أنّه كان يتمتّع بدقّة النّظر في معالجة تلك التّهم الباطلة والجائرة التي كانت توقع عليه، إذ آثر أن يعمل في الظّلّ متجّنباً أضواء الدّعاية، ومحتجباً عن أنوار الشّهرة، كي لا يتسبّب توسّع وانتشار تلك الأمكنة التي يحصّل فيها الطّلبة العلوم الموسيقيّة، بلفت الأنظار إليه، ففضّل أن يعمل في سكينة الإبداع الفنّيّ، بعيداً عن ضوضاء الدّعاية، وإذا كان الإنسان الذي يتبصّر في ذلك التّصرّف، الذي بدر من الموسيقار صلحي الوادي، يجلّ حقّاً نظرته الحكيمة، في معالجته تلك المشاكل التي تحدّث عنها، بيد أنّ ذلك الإنسان المتأمّل في سيرة حياة ذلك الفنّان الفذّ، يمضّ نفسه الألم، وتحزّ في قلبه الحسرة، على مكابدة الموسيقار الجليل المبدع صلحي الوادي المشاقّ العديدة، في مزاولته ذلك النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ، إذ أنّه ضحّى بطيران صيته في النّاس، وذهاب ذكره بين الأقوام، كي لا تجلب له تلك الشّهرة التي يستحقّ أن يتمتّع بها، سهام التّشكيك في ولائه لقوميّته العربيّة، وإخلاصه الحبّ لوطنه العربيّ، وهو قد لقي الأمرّين من أولئك الأشخاص الذين ناصبوه العداء، الذي تحدّث عنه صراحة، من دون أن يوارب في حديثه، إذاً كان الموسيقار صلحي الوادي يتوقّع أن توّجه إليه تلك الحملات الشعواء، التي كانت تشنّ عليه في الأيّام الماضية كثيراً، وكان بيّن الفكرة الخاطئة الرّاسخة في أذهان بعض النّاس، الذين يعتقدون أنّ القواعد العلميّة التي ينهض عليها الفنّ الموسيقيّ الجادّ، تتعارض مع الموسيقا العربيّة، وقد ذكر الموسيقار صلحي الوادي في إحدى المقابلات التي أجريتها معه: "نحن في الأمّة العربيّة عندنا هموم مشتركة، وما يعيق تطوّر الموسيقا في الوطن العربيّ، سبب واحد مشترك أيضاً وهو يتمثّل بالنّقص الكبير في العلوم النّظريّة".

إنّ سير النّشاط الفنّيّ الإبداعيّ الذي مارسه العديد من الفنّانين الموسيقيّين العرب، تؤكّد أنّ نظرة الموسيقار صلحي الوادي، وتصرّفه في معالجة تلك الصّعاب التي واجهته، كانا حصيفين وحكيمين، فإذا تبصّر الإنسان في شأن الفنّ الموسيقيّ الجادّ في مصر، واستعرض أحوال أولئك الموسيقيّين الذين زاولوا الأنشطة الموسيقيّة المستندة على أصول العلوم الموسيقيّة، في ذلك المجتمع العربيّ المصريّ، فإنه يجد هؤلاء الفنّانين، قد لقوا المتاعب ذاتها التي طرأت على الموسيقار صلحي الوادي، الذي يرى الإنسان توثّق سداد تصرّفه في تذليل تلك المشاكل التي أحاطت به، إذا أخذ ذاك الإنسان في اعتباره وقائع سير أولئك الموسيقيّين الذين نشؤوا في مصر، وكان الموسيقار العربيّ المصريّ عزيز الشّوان (1916_ 1993) بيّن افتقاد الموسيقا العربيّة إلى العلوم النّظريّة الموسيقيّة، وهو مهّد بعبارات شديدة اللّطف، لحديثه عن الصّور الأليمة لأوضاع الموسيقا العربيّة، إذ قال: "وأتمنّى أخيراً ألّا يغضب منّي العاملون في ميدان الموسيقا في مصر عامّة، أن نشرت على الملأ نواحي النّقص والقصور وإن عرضت بصراحة، قد تكون أحياناً مؤلمة، ما تعاني منه الموسيقا في مصر من تأليه الفطرة والتّعصّب للقديم، ورفض العلوم الموسيقيّة العالميّة وغير ذلك من العلل التي تعاني منها موسيقانا".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (50)

سنة النّشر 2009

إنّ المراحل التي تمّ فيها تدرّج تنفيذ عمليّة إنشاء المعهد العالي للموسيقا بدمشق، حفلت بالوقائع التي أثارت ببال الموسيقار صلحي الوادي الهواجس، التي لعلّ الكشف عنها، يمهّد لتكوين فكرة سديدة عن قدر تلك المشاقّ الكبيرة التي كابدها، وهو قد ذكر بعض تلك الخواطر التي لاحت في فكره في ذلك الأوان، الذي شرع فيه في بناء المعهد العالي للموسيقا، حيث قال: "هذا المشروع المهمّ (المعهد العالي للموسيقا) تمّ إنشاء بنائه برعاية كريمة من السّيّد الرّئيس، ثمّ بعد ذلك أصدر المرسوم القاضي بإحداثه. كانت السّيّدة الوزيرة مهتمّة بإحداث المعهد وتتابع موضوعه أكثر منّي، وبكلّ صراحة أقول أنّه لو ترك الموضوع لي، لبقيت مقتنعاً بمبنى المعهد العربيّ للموسيقا ولآثرت ألّا أوسّع الأمر خوفاً من عدم تفهّم البعض لنا. ولأنّني سبق أن هوجمت عندما أدخلت العلوم الموسيقيّة لتدرّس في المعهد، وقال المنتقدون إنّ بين الموسيقا كعلم وبين الموسيقا العربيّة هوّة شاسعة، وإنّ الموسيقيّ العربيّ حين يتعلّم يفقد عفويّته وبالتّالي يفقد الطّابع العربيّ في موسيقاه، وحتّى منهم من كتب أنّ المعهد العربيّ للموسيقا سلّم لإنسان فاقد لقوميّته. وقد آلمني هذا لأنّي لا أرى مستقبل الموسيقا العربيّة مستقبل العرب إلّا عن طريق العلم. لذلك كنت أفضّل أن أبقى ضمن المعهد العربيّ للموسيقا وحدوده الضّيّقة. لكنّ حين أصرّت الوزيرة على إحداث المعهد العالي للموسيقا عندنا وجدت أنّه يجب أن نعمل من أجله، وكان في الأخير أن شهدنا التّطوير الحقيقيّ الذي حدث في الموسيقا. ليس من حيث ما هو متوفّر للمعاهد العليا من طاقات، وإنّما أيضاً من حيث ارتباط الطّلبة بصورة نهائيّة بمستقبلهم الموسيقيّ. وبدؤوا يأخذون علومهم الموسيقيّة في سورية بدلاً من السّفر إلى الخارج. وأيضاً ضمنّا بقاءهم في الوطن. وكان من نتائج إحداث المعهد العالي للموسيقا مدرسة الباليه، والفرقة السّيمفونيّة الوطنيّة. وعرض الأوبرا مؤخّراً. وأنا مدين للدّكتورة نجاح العطّار بهذه الإنجازات. والذي رأيناه في عرض الأوبرا الذي ضمّ 250 من العناصر الوطنيّة بين راقصين ومغنّين وأعضاء الأوركسترا، ليس هو ختام عمل إنّما هو بداية انطلاقة أخرى ستقودنا إلى نتائج أكبر".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (49)

سنة النّشر 2009

كان بعض الأشخاص الذين يناكدون الموسيقار صلحي الوادي، يسيؤون فهم فنّ الموسيقا، فلا يقرّون بكونه فنّاً إنسانيّاً رفيعاً، يتّسم بخصائص جليلة، ويضطلع بمهمّة عظيمة تتمثّل في بناء شخصيّة الإنسان بناء قويماً، وكان الموسيقار صلحي الوادي، يدأب في السّعي إلى أن يصحّح رؤيتهم الضّالة، ويجهد في أن يرشدهم إلى اعتناق المعتقد السّويّ، وقد استطاع أن يصمد في ثبات ومنعة في تلك المعامع التي خاض غمارها، حيث أبلى في إظهار السّمات الرّفيعة التي يتحلّى بها الفنّ الموسيقيّ الجادّ، وقد تحدّث الموسيقار صلحي الوادي عن تلك الخلافات الشّديدة التي انهمك في معالجتها، حيث ذكر: "سنة 1961 بدأنا بالتّدريس في المعهد، سنة 1964 أقمنا الحفل الأوّل الذي قدّمته فرقة صغيرة مؤلّفة من سبعة عشر عازفاً على مسرح قلعة بصرى برعاية المرحوم سليمان الخشّ وزير الثّقافة آنذاك. لكنّ في تلك المرحلة لاقينا الكثير من الصّعوبات بسبب عدم تفهّم المسؤولين لرسالتنا، ولا أنسى أن أحد الوزراء عندما طلبت منه استقدام بعض الخبراء للتّدريس في المعهد قال لي: أغلق هذا الملهى وأعطني مفاتيحه. لكنّني استمررت واستمرّ المعهد وذهب هو كان ذلك عام 1969".

إنّ الإنسان الذي يضطلع بتحقيق رسالته السّامية التي يأخذ نفسه بها، يأبى أن يجحد حقّ أولئك الأشخاص الذين كانوا يؤازرونه، في الإشادة بذكرهم، والهتاف بمساندتهم إيّاه في النّهوض بأعباء رسالته، وكان الموسيقار صلحي الوادي ينوّه بمؤازرة الأشخاص الذين عاضدوه على إنشائه المعهد العربيّ للموسيقا بدمشق، إذ قال: "لا أنسى أيضاً الدّور المهمّ والإيجابيّ للدّكتور أديب اللّجميّ، الذي رافق عملنا من خلال تولّيه معاون وزير الثّقافة، ودافع عن المعهد أمام وزراء لم يفهموا أهمّيّة هذا المعهد، وهنا أذكر إنساناً ساهم في وضع الأنظمة الإداريّة للمعهد العربيّ للموسيقا، الأستاذ ناظم الحافظ مدير معرض دمشق الدّوليّ، وضع أنظمة متطوّرة للمعهد بما فيها الصّندوق الذي أفاد العديد من طلبة المعهد".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (48)

سنة النّشر 2009

اجتاز النّشاط الفنّي الموسيقيّ في مصر مراحل عديدة منذ أمد بعيد، حيث أسّس فيها معهد لتدريس العلوم الموسيقيّة، وكان الموسيقار صلحي الوادي يدرك جيّداً تلك الخبرة التي كوّنها الفنّانون الموسيقيّون في مصر، بممارسة النّشاط التّدريسيّ لعلوم الموسيقا، إذ ذكر: "كما هو معروف عام 1960 كانت أيّام الوحدة، وكانت هناك خطط لتوحيد الرّؤى الثّقافيّة بين مصر وسورية، والحقيقة التي تقال إنّ مصر وإلى حدّ كبير سبّاقة في العلوم والثّقافة الموسيقيّة، إذ أنّ المعهد الموسيقيّ فيها تمّ إنشاؤه في نهاية القرن الماضي، بينما لم يكن هناك معاهد في أيّ بلد عربيّ آخر حتّى عام 1930 تقريباً".

إنّ تضافر الأفراد العديدين على تنفيذ المهمّة التي توكل إليهم، يشدّد عزائمهم، ويقويّ مرائرهم، إذ يعضد بعضهم بعضاً، فيتآزرون متعاونين على أن ينفّذوا عملهم تنفيذاً تامّاً دقيقاً، فيدركون حاجتهم إدراكاً كاملاً بإتيانهم تلك الفعال، التي وطّن كلّ منهم نفسه على أن يجيئها، وكان يتميّز الموسيقار صلحي الوادي باعتقاده بنجوع اشتراك الأفراد في تنفيذ الأعمال، فتمكّن من أن يرفع همم العاملين جميعهم في كلّ من هذين المعهدين الموسيقيّين اللذين تولّى إدارتهما، وهما المعهد العربيّ للموسيقا بدمشق، والمعهد العالي للموسيقا، وهو لم يستأثر بتلك المفاخر الذي جلبها ذلك النّجاح، الذي ترامت إليه أحوال تلك الأنشطة الموسيقيّة، التي نفّذها كلّ من هذين المعهدين الموسيقيّين، ولم يقصر نسبة ذلك الظّفر إلى نفسه، حتّى أنّه في تلك اللّحظات التي تقلّد فيها وسام الاستحقاق من الدّرجة الممتازة، لم يتنكّر لأولئك الأشخاص الذين شاركوه في تنفيذ المهامّ التي تصدّى لأن ينفّذها، إذ تحدّث عنهم قائلاً: "كان بين أساتذة المعهد الأوائل عند مباشرة التّدريس فيه عام 1961 الأستاذ خضر جنيد، وإلهام أبو السعود وزوجتي سنثيا التي رافقت كلّ مرحلة من حياتي الموسيقيّة. درّست أعداداً كبيرة من شبابنا، ولا زالت على رأس عملها حتّى اليوم. مع الأستاذ خضر والسّيّدة إلهام منذ ستة وثلاثين عاماً، وأنا حين شكرت السّيّد الرّئيس على هذا الشّرف الكبير بمنحي هذا الوسام، وقلت أنّه وسام لهؤلاء الذين سلخوا عمرهم في تعليم الموسيقا في سورية، عنيت هؤلاء الثّلاثة. خضر زميل الحياة الذي تعرّفت عليه في الأربعينات وإلهام التي أعرفها من الأربعينات عندما كنا طلّاباً في دوحة الأدب سوية، وزوجتي سنثيا والآن وبعد أربعين عاماً تقريباً ما زلنا نمارس نفس الاهتمامات بالحرارة ذاتها".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (47)

سنة النّشر 2009

أراد الموسيقار صلحي الوادي، أن يظهر الدّليل الجليّ على صدق شعوره بالتّفاؤل الذي انبعث في نفسه، إذ بيّن ذلك النّهج الذي اتّبعه في مدينة دمشق، في معالجة شؤون الفنّ الموسيقيّ، حيث ذكر: "ولنأخذ دمشق مثلاً، حين بدأنا في هذا المعهد (المعهد العربيّ للموسيقا) عام 1960 لم يكن في دمشق أكثر من ثلاثة أساتذة من حملة الشّهادات العليا في الموسيقا، وربّما لم يكن أكثر من ذلك العدد في كلّ سورية، بينما الآن في هذا المعهد بالذّات جهاز تدريس كبير من شباب هذا القطر، وهم حملة شهادات عليا، ومن الموسيقيّين البارزين في العزف والمتمكّنين من العلوم الموسيقيّة، والأمر كذلك في أغلب العواصم العربيّة التي أعرفها، وهؤلاء بالذّات هم الذين سيعطون الجواب على السّؤال (الذي يتمثّل في كيفيّة الإفادة من الموسيقا الغربيّة مع الحفاظ على أصالة الموسيقا العربيّة)، هذه القاعدة من المثقّفين الموسيقيّين حتماً ستفرض رفعاً لسويّة العطاء الموسيقيّ، وبالتّالي الارتقاء بالذّوق الجماهيريّ".

لا تسع وسائل الإغراء أن تفرض نفوذها العظيم على أصحاب العزيمة المتينة، إذ لا تستطيع أن تثنيهم عن مضيّهم في تحقيق تلك الرّغائب التي تثور في نفوسهم، وكان الموسيقار صلحي الوادي عزم على أن ينشئ في دمشق معهداً موسيقيّاً يدرّس الطّلبة فيه العلوم الموسيقيّة، وكانت تلقّى قبيل أن يعود إلى دمشق، عرضاً مغرياً للعمل في مصر، بيد أنّه لم يذعن لإغراء المادّة، وآثر أن يعود إلى دمشق، ليشرع في تأسيس ذلك المعهد الموسيقيّ، ولا ريب في أنّه كان لا يعدّ مطلقاً أنّ بقاءه في مصر، ينتقص من سعيه إلى تحقيق رسالته السّامية، التي تهدف إلى النّهوض بالفنّ الموسيقيّ في الوطن العربيّ، بيد أنّه آثر أن يؤوب إلى دمشق، وقد تحدّث الموسيقار صلحي الوادي عن الفترة التي أقيم فيها المعهد العربيّ للموسيقا بدمشق، وأشار إلى التقائه آنئذ بأبرز رجالات الفكر والفنّ في مصر، إذ قال: "سنة 1960 عدت إلى دمشق. وكانت قد أحدثت وزارة للثّقافة وكان الوزير المرحوم الدّكتور ثابت العريس، وكان أمين عامّ الوزارة الدّكتور يوسف شقرا وكان رجلاً واعياً مدركاً لأهميّة الثّقافة العالميّة والإنسانيّة. كلّفني بإدارة معهد لم يكن قد أحدث وطلب منّي أن أضع أنظمة هذا المعهد وهو المعهد العربيّ للموسيقا. كان ذلك أثناء الوحدة مع مصر. وفي ذاك الوقت تعرّفت على أبو بكر خيرت من خيرة الموسيقيّين في مصر والأمّة العربيّة. وهو بدوره عرّفني على ثروت عكاشة، الذي هو من أهمّ المثقّفين العرب، ومن الذين كان لهم أثر مهمّ على حياة مصر الموسيقيّة. ودعاني آنذاك مع نجمي السّكريّ للذّهاب إلى القاهرة لكي أكون مساعد قائد أوركسترا القاهرة السّيمفونيّ، وكان قائدها (ألكسندر إيفانوف) وذهبت وسجّلت موسيقا معها عام 1960، كما دعا نجمي السّكريّ للعزف ضمن الأوركسترا. لكنّني كنت أفضل أن أساهم في إحداث معهد للموسيقا في دمشق، وطلبت من أبي بكر خيرت مساعدتي في وضع برامج المعهد الموسيقيّة، وفعلاً وضعت البرامج الأساسيّة مبنية على ما كان يدرّس في القاهرة".



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (55)

سنة النّشر 1987

استمعت إلى كلماتي بذهن واعٍ، وحينما ألفتني فرغت من سرد الحجج التي انطوت عليها عباراتي، شرعت في أن تتحدّث إليّ قائلة:

لا أخال أنّه يخفى عليك، أنك تلقي بهذا الحكم الذي تفوّهت به، على جموع من الأقوام مؤتلفة، وحشود من الأنام ملتفّة حول مظاهر ذلك الإعراض عن دنيا النّغم الموسيقيّ الرّفيع.

رغبت في أن أعقّب على كلامها الذي صرّحت به، فقلت لها:

ليست حالة أولئك الأناس، نقيصة لا يرجى زوالها، أو معابة لا يسلم منها الإنسان أو علّة لا يبرأ منها، لأتجنّب إبراز شأنها، وإظهار حالها، فمن أصول اللّباقة وقواعد الكياسة، ألّا أخوض في هذا الحديث، أمّا إذا كان شأنهم، هو أنّهم يصرّون على جحودهم الجليّ بحقّ تلك المؤلّفات الفنّيّة الرّفيعة، فوجب عليّ أن أنشر هذه الآراء التي اعتنقتها، وأنشر تلك الأفكار التي اعتقدتها.

أيّدتني في تلك الآراء التي صرّحت بها، ووافقتني على تلك الحجج التي أدليت بها، وأثنت بكلمات وجيزة على ما عرضته عليها من البيّنات، وقد رأت فيها الدّلائل على سداد الرّأي، فأثار في نفسي هذا التّقريظ الشّعور بالافتخار، ولن يبلغ مداه إطراء آخر، وإن أثنت به عليّ جمهرة غفيرة من الأنام، وهتفت بي جموع كبيرة من النّاس، وما عبّرت عنه من هذه الآراء، لم تبرز خارج نطاق البديهيّات الجليّة، فعجبت من ثورة النّقاش، وفورة الجدال الظّاهرة في حديثي عن أشياء لا يلزم إثباتها، هذه اللّجاجة في المحاورة، وتلك المساجلة في المناقشة، فاعتراني الخزي من تلك الحماسة التي أبديتها، وأنا أذكر الحقائق الصّرفة بلهجة البيان الفصيحة، وهي تكون في أصلها في غنى عن وقدة البلاغة وحدّة الخطابة، حتّى أنّها لا تثير نحوها سورة الشّكّ ونظرة الارتياب.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (55)

سنة النّشر 1987

استمعت إلى كلماتي بذهن واعٍ، وحينما ألفتني فرغت من سرد الحجج التي انطوت عليها عباراتي، شرعت في أن تتحدّث إليّ قائلة:

لا أخال أنّه يخفى عليك، أنك تلقي بهذا الحكم الذي تفوّهت به، على جموع من الأقوام مؤتلفة، وحشود من الأنام ملتفّة حول مظاهر ذلك الإعراض عن دنيا النّغم الموسيقيّ الرّفيع.

رغبت في أن أعقّب على كلامها الذي صرّحت به، فقلت لها:

ليست حالة أولئك الأناس، نقيصة لا يرجى زوالها، أو معابة لا يسلم منها الإنسان أو علّة لا يبرأ منها، لأتجنّب إبراز شأنها، وإظهار حالها، فمن أصول اللّباقة وقواعد الكياسة، ألّا أخوض في هذا الحديث، أمّا إذا كان شأنهم، هو أنّهم يصرّون على جحودهم الجليّ بحقّ تلك المؤلّفات الفنّيّة الرّفيعة، فوجب عليّ أن أنشر هذه الآراء التي اعتنقتها، وأنشر تلك الأفكار التي اعتقدتها.

أيّدتني في تلك الآراء التي صرّحت بها، ووافقتني على تلك الحجج التي أدليت بها، وأثنت بكلمات وجيزة على ما عرضته عليها من البيّنات، وقد رأت فيها الدّلائل على سداد الرّأي، فأثار في نفسي هذا التّقريظ الشّعور بالافتخار، ولن يبلغ مداه إطراء آخر، وإن أثنت به عليّ جمهرة غفيرة من الأنام، وهتفت بي جموع كبيرة من النّاس، وما عبّرت عنه من هذه الآراء، لم تبرز خارج نطاق البديهيّات الجليّة، فعجبت من ثورة النّقاش، وفورة الجدال الظّاهرة في حديثي عن أشياء لا يلزم إثباتها، هذه اللّجاجة في المحاورة، وتلك المساجلة في المناقشة، فاعتراني الخزي من تلك الحماسة التي أبديتها، وأنا أذكر الحقائق الصّرفة بلهجة البيان الفصيحة، وهي تكون في أصلها في غنى عن وقدة البلاغة وحدّة الخطابة، حتّى أنّها لا تثير نحوها سورة الشّكّ ونظرة الارتياب.



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (46)

سنة النّشر 2009

دأب الموسيقار صلحي الوادي في أن يرفع عمليّة التّأليف الموسيقيّ في الوطن العربيّ، إلى أوج الابتكار الفنّيّ الموسيقيّ، وقد اعترضت سيرته الفنّيّة التي سلكها، عقبات عدّة، حيث أثارت الأبحاث في تراث الموسيقا العربيّة، مسائل عدّة، تمثّلت أولاها في مسألة غياب التّدوين الموسيقيّ في ذاك التّراث الموسيقيّ، حيث افتقد البحّاثة والموسيقيّون في العصر الحاليّ المرجعيّة الصّادقة والشّاهد الأكيد، اللذين يمكن اعتمادهما، في دراسة شؤون ذلك التّراث الموسيقيّ العربيّ، وقد ذكر الموسيقار صلحي الوادي: "فعلاً كتب الكثير عن العلاقة بين الموسيقا الشّرقيّة والغربيّة، وغالباً لم تمس الكتابات جوهر القضية، من دون شكّ هناك خصائص معيّنة في ما نسمّيه الموسيقا الشّرقيّة، خصائص منها اللّحنيّ، والمقاميّ، والإيقاعيّ، هذه الخصائص مطبوعة على كلّ الموسيقا الصّادرة عن البلدان الشّرقيّة عموماً والعربيّة خصوصاً.... ثمّ أنّ الموسيقا قامت بدور سلبيّ في بعض قصور الخلفاء، حين اندمجت مع الجواري والخمر والغلمان، وأصبح لها هدف واحد هو التّرفيه في أدنى مفهوم، وهناك مسألة مهمّة في هذا الصّدد هي أنّ الموسيقا العربيّة خالية من "التّنويط"، بالطّبع، كانت هناك محاولات لوضع رموز لكتابة الموسيقا، غير أنّ عدم الاستقرار على نوع واحد من "التّنويط" أفقدنا "التّنويط" في الكتب التي وصفت لنا كيف غنّى إسحاق الموصليّ، وكيف قدّم زرياب أعماله، وفي ظلّ غياب النّوتة التي هي الواقع الملموس الذي يتعامل معه الموسيقيّ لا نستطيع أن نتصوّر ما كانت عليه الموسيقا. أوّل نوتة عصريّة جاءتنا من أوائل القرن الحاليّ، في العشرينات تقريباً، ووجدت في مصر، بالمناسبة الفنّان الكبير سيّد درويش لم يكن يقرأ النّوتة، لذلك كان الإيطاليّون يكتبونها ويقرؤونها له.... طبعاً، ما يحدث في القسم الأخير من القرن العشرين متأثّر بكلّ ما ذكرناه حول النّقص الشّديد في العلوم الموسيقيّة".

إنّ اضطلاع أبناء الأمّة العربيّة بتحمّل مسؤوليّة تحقيق نهضتهم في العصر الحاليّ، يوجب عليهم أن يولوا عنايتهم كلّ الأنشطة الإنسانيّة التي تتوزّع بينها أعمالهم، وإذا كانوا بدؤوا في تطبيق نتائج أبحاثهم العلميّة على مظاهر شتّى من أوجه الحياة التي يعيشونها، فإنّهم يتعيّن عليهم أيضاً أن يمدّوا أبصارهم إلى البحث في شؤون الفنّ الموسيقيّ، حيث أوضح الموسيقار صلحي الوادي، التّرابط الذي يجمع بين ضروب الأنشطة الإنسانيّة المختلفة، بعد أن استدرك عباراته التي أوردتها آنفاً، بحديث غلب عليه طابع التّفاؤل، إذ قال: "لكن يتحرّك الإنسان عادة في حضاراته بصورة سوية في اتّجاه التّقدّم، الاجتماعيّ والعلميّ والفكريّ والأدبيّ، هذه المفاصل تسير معاً، لا يمكن أن نجد بلداً مهتمّاً بالذّرّة ومتخلّفاً بعلوم أخرى، لا أشكّ أنّ العرب بدؤوا يشعرون شعوراً كبيراً بالمسؤوليّة الموضوعة على عاتقهم في هذا الزّمن، وعليهم أن يتسلّحوا بالعلم، وإذا قارنا عدد المؤسّسات العلميّة في كلّ مراحل العلوم من الابتدائيّ وحتّى الجامعيّ اليوم، مع ما كان موجوداً قبل خمسين عاماً لأدركنا حقيقة ما قلناه، في كلّ قطر عربيّ نجد اليوم المسارح والكتّاب والمسرحيّين، المعاهد الموسيقيّة، الطّلّاب الموفدين لدراسة الموسيقا إلى مختلف أنحاء العالم، هذه الظّاهرة نجدها قائمة منذ الخمسينات إلى اليوم".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (45)

سنة النّشر 2009

تحفل مسيرة الفنّان صلحي الوادي بمغاز وعبر جليلة عديدة، ففضلاً عن تلك العظة البليغة، التي استخلصت من تصرّفه حيال بريق الشّهرة التي دهمته، تتجلّى عبرة هامّة، تمخّض بها دأب الموسيقار صلحي الوادي في أن يطوّر في الوطن العربيّ الفنّ الموسيقيّ، الذي ذكرت فيما مضى أنّ التّصرّف النّاجع لتحقيق رفعته وسموّه، يتمثّل في تقديم النّتاج الفنّيّ الموسيقيّ الرّفيع، وابتكار المؤلّفات الموسيقيّة البديعة، بيد أنّ تقديم ذلك النّتاج الإبداعيّ، لا يمنع من أن يستأنس الإنسان للآراء والأقاويل التي يفصح بها المؤلّفون الموسيقيّون المبدعون، عن سيرة ذلك النّشاط الفنّيّ الإبداعيّ الذي خاضوا غماره، فتعتبر أقاويلهم، وثائق وكيدة، وشهادات وطيدة على تلك الأنشطة الفنّيّة التي مارسوها، وتضاف أقوالهم إلى سجلّ الدّراسات والأبحاث الفنّيّة، التي تجلو مآثر الأعمال الفنّيّة، وتظهر كنه الدّوافع الإبداعيّة، التي حفزت الفنّانين إلى ابتكار تلك الأعمال الفنّيّة الموسيقيّة، ويبرز مقال أولئك الفنّانين المنبع الذي انبعثت منه رؤاهم الإبداعيّة، التي لم تنبعث من مصدرها عفواً، من دون أن تتغيّى هدفاً ترمي إليه، بل كان أولئك الفنّانون يحدّدون لها نهجاً تمضي فيه، وتكشف تلك الشّهادات التي يدلي بها أولئك الفنّانون، عن كنه الظّروف التي أحاطت بنشأة تلك العمليّة الإبداعيّة التي جاءها أولئك الفنّانون الموسيقيّون، الذين تحلّ شهاداتهم الشّخصيّة التي يوردونها، بمكانة هامّة، إذ يصدر الحديث عن سيرهم الفنّيّة، من أصحاب تلك السّير أنفسهم، فتنير أقاويلهم أعمالهم الموسيقيّة التي ألّفوها، وإن لم تكن لتتحدّث عنها بالنّيابة عن تلك المؤلّفات الموسيقيّة، إذ العمل الفنّيّ يقدّم نفسه بنفسه، بينما تندرج أقاويلهم في عداد الدّراسات الفكريّة النّظريّة، التي تبحث في شؤون الفنّ، وهي دراسات أسدت صنيعاً عميماً إلى الأعمال الفنّيّة، التي يجب ألّا يقتصر تفسيرها على الاستناد على تلك الأقوال التي يذكرها أولئك الفنّانون، ومن يرفع السّتار عن السّرّ الغامض الذي يكمن في أطواء العمل الفنّيّ، يزيد ألق ذلك المنتج الفنّيّ، وينمّي بريقه، من دون أن يأتي على ضيائه الباهر، فكلّما تأمّل الإنسان في خفايا الأعمال الإبداعيّة الفنّيّة، تتّضح له مهارة الخلق، وروعة الابتكار.



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (44)

سنة النّشر 2009

إنّ استعراض تاريخ نشوء الفرقة السّيمفونيّة في سورية، يجلو سيرة مكابدة الموسيقار صلحي الوادي تلك المشاقّ، التي كانت تحول دون أن تقوم هذه الفرقة، إذ كافح مدّة زادت عن الأربعة عقود، تلك العوائق التي كانت ما تبرح تسدّ السّبيل الذي ينفذ إلى نشر الفنّ الموسيقيّ الجادّ في سورية، فتمكّن من أن ينشئ المراحل الدّراسيّة العليا للعلوم الموسيقيّة، وأقام الفرقة السّيمفونيّة الوطنيّة السّوريّة، بعد أن استمرّت المرحلة التّأسيسيّة، التي غلب عليها الطّابع الرّسميّ، فترة زمنيّة مديدة بلغت ثلاثين عاماً، وهي المدّة التي فصلت بين تاريخ إنشاء المعهد العربيّ للموسيقا بدمشق عام 1961، ومباشرة الطّلّاب الدّراسة في المعهد العالي للموسيقا بدمشق عام 1991، وتلت هذه الفترة الزّمنيّة، مدّة سنتين حتّى صدر قرار تشكيل الفرقة السّيمفونيّة الوطنيّة السّوريّة، وإذا شاء الإنسان أن يعقد مقارنة بين حجم الجمهور الذي كان يتابع الحفلات الموسيقيّة الجادّة، بعد عام 1990، وهو عام البدء في الدّراسة في المعهد العالي للموسيقا، وبين عدد الأفراد الذين كانوا يتابعون تلك الحفلات، في الأيّام التي سبقت ذلك التّاريخ، فسيلحظ التّبدّل الكبير الذي طرأ على رواج تلك الحفلات الموسيقيّة بين أفراد الجماهير، إذ تابع الحفلات التي جرت بعد أن أنشئ ذلك المعهد العالي للموسيقا، جمهور غفير زاد عدده كثيراً عن كمّيّة هؤلاء الأشخاص، الذين كانوا يتابعون تلك الحفلات في الأيّام الماضية.

لا تنال نتيجة ذلك الإحصاء، الذي أشرت إليه آنفاً مطلقاً من المكانة الرّفيعة التي حلّت بها تلك الحفلات، التي قدّمت قبل افتتاح الدّراسة في المعهد العالي للموسيقا، ولا تنقص قدر أولئك الأشخاص الذين حضروا تلك الأنشطة الموسيقيّة، إذاً في وسع الإنسان أن يؤكّد أنّ الموسيقار صلحي الوادي، آثر أن يعمل في دأب وجدّ بالغين في الظّلّ طيلة فترة قاربت الأربعين عاماً، إذ تجنّب أضواء تلك الشّهرة التي كثيراً ما يلتمس التّمتّع بمغانمها غالبيّة النّاس، حتّى أنّ تلك الشّهرة الكبيرة التي لازمته، منذ مطلع العقد الأخير من القرن المنصرم، فربّما لم تكن لترتبط به لو لم ينشأ ذاك المعهد العالي للموسيقا، فلا مرية من أنّ الشّهرة هي التي التمست أن تقارب شخصيّة الموسيقار صلحي الوادي، الذي لم يسع قط طيلة حياته إلى التماس بريقها اللّامع، وإذا كنت أتحدّث عن الشّهرة الفنّيّة الرّفيعة، التي هي مطلب محقّ لكلّ مبدع كما يشاع في أقوال النّاس، لكنّ الموسيقار صلحي الوادي لم يتبذّل في طلبه إيّاها، بل إنّه مضى تماماً في درب الكفاح والاجتهاد، وإذا بذاك الدّرب أفضى به إلى تلك الشّهرة في خاتمة المطاف، فإنّه لم يتقصّد أن يجعلها هدفاً يسعى إلى بلوغه في سيره في نهج ذلك الفنّ الموسيقيّ الجادّ، وهو لو كان يسعى إلى أن يظفر بالتّمتّع بنعمها، لاختار منذ زمن طويل أن يأخذ بدرب آخر يفضي إليها، وأعتقد أنّ ضحة ذلك السّبيل الذي يؤدّي بسالكه إلى التّقلّب في نعماء تلك الشّهرة، يعفيني من ذكر الأساليب التي كان لو اتّبعها لأدرك تلك الشّهرة منذ زمن بعيد، لكنّ إخلاصه لمبادئ الفنّ القويم، واحترامه الشّديد لأفراد الجمهور، ربآ به عن اتّباع ذلك الدّرب الموطّأ الذي يفضي إلى تلك الشّهرة.