مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (30)

سنة النّشر 2009

ما لبث الشّابّ صلحي الوادي أن شدّ الرّحال، إذ سافر إلى مدينة لندن، حيث نوى أن يتابع دراسته الموسيقيّة فيها، وقد كان القدر له أيضاً بالمرصاد في هذه المدينة، فهيّأ له أن يلتقي بشريكة حياته سنثيا الوادي، التي ذكر في جمل وجيزة طريفة قصّة التقائه بها، وإن كان يشير دائماً إلى وجود زوجته سنثيا ضمن الهيئة التّدريسيّة، في سياق حديثه عن المعهدين الموسيقيّين اللذين أدارهما، وهما المعهد العربيّ للموسيقا، والمعهد العالي للموسيقا، بيد أنّ لا ريب في أنّ ذاك الحديث الوجيز لن يفي حقّ تلك العلاقة التي نشأت بين صاحبي هاتين الموهبتين الموسيقيّتين، في الإخبار عنها، فقد ألّف بينهما القدر، وجمعهما شغفهما بالموسيقا الجادّة، وكان الفنّان صلحي الوادي، تحدّث عن تلك الرّابطة التي جمعت بينه وبين زوجته سنثيا، فقال: "درست في لندن من عام 1952 حتّى عام 1960 كنت أحضر إلى دمشق كلّ عطلة صيف. وخلال دراستي تعرّفت على زوجتي سنثيا حيث كنّا في الأكاديميّة الملكيّة ضمن دفعة واحدة. كانت هي بفرع البيانو وأنا بفرع الكمان. وكنا نلتقي بمادة الانسجام الهارمونيّ. فحصل انسجام عاطفيّ. وحين تخرّجنا وقرّرنا أن نربط حياتنا ببعضنا جاءت معي إلى دمشق عام 1954 قبل زواجنا في زيارة حيث تزوّجنا في العام التّالي. وأوّل ما حصلت عليه في دمشق ضربة شمس كادت تودي بحياتها وبعد إتمام دراستنا تزوّجنا".

تميّز الموسيقار صلحي الوادي بإقدامه على أن يأخذ نفسه بالمبادرة إلى أن يأتي الأفعال، التي تشكّل قوام النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ الجادّ في سورية، فلم يكن يتوانى في بناء تلك المناشط الفنّيّة الرّفيعة، فقبْلَ أن يُنشأ المعهد العربيّ للموسيقا بدمشق، كان الموسيقار صلحي الوادي جمع ذات مرّة بعضاً من العازفين محبّي الموسيقا الجادّة، وكوّن من هؤلاء الأفراد فرقة موسيقيّة، ويبيّن ذلك التّصرّف الذي بدر منه، خاصّيّة هامّة تميّزت بها شخصيّته، إذ كان سبّاقاً إلى أن يشتقّ السّبيل الفنّيّ الموسيقيّ الجادّ، في ميدان الأنشطة الفنّيّة التي كانت تمارس في سورية، ويميط ذلك التّصرّف أيضاً اللّثام عن تلك المطامح الكبيرة، التي كانت تمتلئ بها نفسه في ذلك الأوان من سني الخمسينيّات، التي كان تحدّث عن نشاط فنّيّ موسيقيّ زاوله حينئذ فيها، إذ قال: "في إحدى العطل الصّيفيّة التي قضيتها في دمشق أثناء دراستي في لندن، جمعت عدداً من الشّباب المهتمّين بالموسيقا والمتحمّسين لها. كان منهم عبد الفتّاح سكر وأخيه وهيب، ود. صادق فرعون، ورفاه قسوات (موجّه الرّياضيات حاليّاً) وزهير بقدونس رحمه الله، وتيسير عقيل عزف على التّشيلو، وعبد الفتّاح الفقير عازف أوبوا، وشكري شوقيّ عازف كلارينيت، والعديد غيرهم. وبلغ عدد أعضاء الفرقة عشرين عازفاً وكنت أعدهم بأنّنا قريباً سنحدث فرقة سيمفونيّة وأنّ أوضاعهم سوف تتحسّن".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (92)

سنة النّشر 2009

خبر الفنّان صلحي الوادي خبرة ذاتيّة شأن تلك المعارضة التي تبدر من أولياء الأمور، الذين يحاجّون أبناءهم الذين ينوون متابعة دراستهم علوم الموسيقا، فيعمدون إلى ثني أفلاذ أكبادهم عن تحقيق رغائبهم، وأمّا ذلك النّقاش الذي جرى بينه وبين والده، في موضوع متابعته دراسة العلوم الموسيقيّة، فقد تمثّلت حصيلته في ذلك القرار الذي اتّخذه الشّابّ اليافع صلحي الوادي، في مواصلة دراسته الموسيقيّة، ولعلّ والده رضخ آنئذ لحكم ذلك القدر، الذي حدّد مصير الموسيقار صلحي الوادي منذ ذلك الأوان من مرحلة شبابه، والتي تحدّث عنها قائلاً: "بعد أن تملّكني هذا العشق للموسيقا. وجدت أنّي أودّ أن أربط حياتي مع فنّ الموسيقا فحدّثت والدي رحمه الله الذي كان في منتهى التّفهّم لكنّه قال لي: لنفترض بعد دراستك أصبحت مثل بتهوفن، وماذا يفعل بتهوفن في بلاد لا يعجب أهلها بهذه الموسيقا. وكان والدي يعشق المقامات العربيّة والألحان التي يقدّمها سلامة حجازيّ وناظم الغزاليّ، وأقنعته أنّني سأدرس الموسيقا والهندسة الزّراعيّة معاً. وفعلاً حاولت في وايت كوليدج في إنكلترا كنت أذهب يومياً لدراسة الزّراعة، وأعود إلى الأكاديميّة الملكيّة بلندن لدراسة الموسيقا، وبعد سنة ونصف من هذه المعاناة، وجدت نفسي أنّني لن أستطيع أن أتميّز بالموسيقا. ولن أستطيع أن أحصل على شروط التّعليم الأوّليّة في الزّراعة. وفي إحدى العطل الصّيفيّة طلبت من والدي أن يعفيني من وعدي له بدراسة الزّراعة، أعتقد أنّها كانت صدمة له. لكنّه في النّهاية وافق".

انتقل الفتى اليافع صلحي الوادي إلى مدينة الاسكندريّة حيث تابع في مدارسها دراسته الابتدائيّة، بينما كان يشتدّ في نفسه ولعه بالموسيقا، وسرعان ما تلبّس بذلك الشّغف، عزمه على أن يدرس دراسة منتظمة العلوم الموسيقيّة، فكتب له أن يتوفّق في تحقيق رغبته، التي عبّر عنها قائلاً: "درست في مدرسة دوحة الأدب من عام 1940 حتّى عام 1945 وكانت مديرتها السّيّدة النّبيلة عادلة بيهم الجزائريّ. بعد عام 1945 وبعد أن حصلت على الشّهادة الابتدائيّة انتقلت إلى الإسكندريّة ودرست في مدرسة داخليّة، وفيها درست المرحلة الثّانويّة. كان في الإسكندريّة معهد للموسيقا يديره شخص إيطاليّ ودرست على يد أستاذين أحدهما إيطاليّ واسمه (ألكسندر كوربو) درست عنده الكمان، والثّاني ملحّن إسبانيّ واسمه ألبرتو هنري درّسني التّلحين الموسيقيّ، وكانت الإسكندريّة في ذاك الوقت (قبل قيام ثورة 23 تمّوز) تسكنها جالية إيطاليّة وأجنبيّة، وكان فيها فرقة الإسكندريّة السّيمفونيّة وكانت أهمّ من فرقة القاهرة، ومارست العزف ضمن هذه الفرقة على آلة الفيولا. وكان قائد الفرقة آرام خاشادوريان وهو غير خاشادوريان الموسيقيّ الشّهير. وقدّمت الفرقة لي قطعة موسيقيّة وكانت أوّل مقطوعة ألّفتها بعنوان (ابتسامة)".



دأبت في متابعة مباريات غالبيّة الألعاب الرّياضيّة، فكنت أشاهد المنافسات التي تجمع بين الرّياضيّين في الملاعب، التي ظللت أتردّد إليها على الدّوام، وقد رغبت في أن أحيط بتلك الجهود التي يبذلها اللّاعبات واللّاعبون، في تهيئة أنفسهم لخوض المنافسات الرّياضيّة، ولم يتعذّر عليّ أن أخمّن مقدار الاستعداد، الذي يقتضي أن ينجزه اللّاعب الرّياضيّ ليكون لائقاً لخوض غمار المباريات، حتّى باتت النّتائج التي تنتهي إليها المباريات الرّياضيّة، تتحدّد بطبيعة ومقدار الجهود التي يبذلها الرّياضيّون في تدريباتهم الرّياضيّة التي ينخرطون فيها، وكانت تقام في نطاق تلك التّمارين الرّياضيّة التي يؤدّيها اللّاعبات واللّاعبون، المعسكراتُ المغلقةُ التي يتجمع فيها اللّاعبون الذين يعيشون سوية، وينقطعون فيها عن العالم، وعن أماكن إقامتهم المعهودة، ليتفرّغوا لأداء تمارينهم الرّياضيّة، وأصبحت تلك المعسكرات مؤشّراً هامّاً إلى تلك النّتائج، التي يتوقّع أن يحقّقها اللّاعبون المتبارون في المباريات التي يتأهّبون لتأديتها، حتّى أنّ التّمارين الرّياضيّة العادية، التي يعود اللّاعبون بعد أن ينجزوها إلى منازلهم التي يقطنونها، إذا تضمّنت تدريبات رياضيّة مكثّفة، فإنّه يطلق على ذلك النّمط من التّمارين، مصطلح المعسكر المفتوح، فيهتمّ اللّاعبات واللّاعبون بتنمية مهاراتهم الرّياضّية، ليكونوا لائقين للخوض في المنافسات التي يتبارون فيها مع سائر الرّياضيّين، فعلاوة على المباريات الرّياضيّة التي كنت أستمرّ على أن أشاهدها، حرصت أيضاً على أن أحضر في بعض الأحيان، تدريبات اللّاعبات واللّاعبين الرّياضيّين الذين كانوا يتوزّعون في ميادين الألعاب الرّياضيّة المتنوّعة، فقد كنت أوّد الوقوف على طبيعة الاستعداد الذي كان يحقّقه هؤلاء الرّياضيّون.

حضرت أحد التّمارين الرّياضيّة، التي ضمّت مجموعة بارزة من اللّاعبين، الذين يتهيّؤون لأن يخوضوا مباريات كانت تتّسم بأهمّيّة بارزة، حيث أنّها كانت تندرج في نطاق البطولات الرّياضيّة العالميّة، وقد لاحظت في أثناء فترة ذلك التّدريب الذي كنت أتابعه، أنّ المدرّب كان يلقي بملاحظاته على اللّاعبين الذين يرتكبون بعض الأخطاء في أدائهم التّمارين الرّياضيّة، فلا يتوانى في أن ينبّه هؤلاء اللّاعبين على تلك الأخطاء التي تصدر منهم، وكان ذلك المدرّب يؤاخذ تحديداً أخطاء اللّاعبين في الطّريقة التي يتّبعونها، في استخدام مؤهّلاتهم الجسديّة، حيث لم تكن تلك الأفعال والحركات التي يأتونها، تلائم متطلّبات خوض المنافسات في هذه اللّعبة الرّياضيّة التي كنت أتابعها، فلم تكن أخطاء اللّاعبين ناجمة عن سوء تطبيقهم قواعد الخطّة التي كان وضعها ونصّ عليها المدرّب، بل هي أخطاء كانت تنسب إلى تلك الحركات الرّياضيّة، التي يستخدم فيها اللّاعبون أعضاءهم الجسديّة، ليتمكّنوا من أن ينفّذوا ذلك التّمرين الرّياضيّ المحدّد، الذي يوافق ويشابه حقيقة، تلك الوقائع الجارية عادة في المباريات الرّياضيّة، وكان أولئك الرّياضيّون يستخدمون أعضاءهم الجسديّة بطريقة خاطئة، في تعاملهم مع الأدوات الرّياضيّة التي تعتبر أحد العناصر، التي تندرج في قوام منافسات تلك اللّعبة، التي يزاولها أولئك اللّاعبون الرّياضيّون.

لفت انتباهي إلحاح المدرّب على توجيه تلك الملاحظات الرّياضيّة، وهو يوضّح للاعبين، أنّ ذلك التّصرّف والحركات الخاطئة التي تصدر منهم، يعتبر في أدائهم الرّياضيّ نقطة الضّعف، الذي سيتاح لمنافسيهم المتبارين معهم أن يستغلّوه، ولم أكن أستغرب تنبيه ذلك المدرّب هؤلاء اللّاعبين على الأخطاء التي كانوا يرتكبونها، إلّا أنّي لاحظت أنّه كان يشير باقتضاب شديد وباختصار واضح، إلى الطّريقة الصّحيحة البديلة، التي يجب أن يتّبعوها في استخدام أعضاء الجسم، لتلافي حالة الضّعف التي توجد عندهم، حتّى أنّه لم يكن يدرّبهم على إتقان اتّباع تلك الطّريقة الصّحيحة، ولم يطلب منهم أثناء فترة التّدريب كلّها، أن يلتزموا بتنفيذ تلك الطّريقة المناسبة الجيّدة، التي كان وضّحها لهم، وقد لاحظت أنّ اللّاعبين كانوا يعاودون ارتكاب الحركات الخاطئة، التي كان يقابلها المدرّب بالتّنبيه والنّقد الملائمين، ولكنّه كان يكاد أن يغيب عن حديث ذلك المدرّب، توضيح الحالة المثلى في استخدام المهارات الجسديّة، في ذلك التّمرين المحدّد الذي كان يؤّديه اللّاعبون، وكان ذلك المدرّب يتحلّى بالحنكة الكبيرة، والدّراية الأكيدة في نطاق تدريب اللّاعبين الرّياضيّين، وقد انتظرت حلول الوقت الذي يفرغ فيه اللّاعبون من أداء تدريباتهم الرّياضيّة، فتوجّهت عندئذ إلى ذلك المدرّب، الذي تبادلت معه التّحيّة، وبعد أن نوّهت بالجهود التي بذلها الرّياضيّون جميعهم في إنجاز تمرينهم الرّياضيّ، وإعرابي عن استمتاعي بحضور وقائع ذلك التّدريب الرّياضيّ، ذكرت له تلك الخواطر التي لاحت في فكري، ونقلت إليه تلك التّساؤلات التي خطرت في ذهني، في شأن حالة تلك الأخطاء التي كان ينبّه عليها اللّاعبين، من دون أن يلحّ عليهم باتّباع تلك الطّريقة الصّحيحة، التي هي بديل ملائم للحركات الخاطئة التي كانت تصدر عنهم.

أثنى المدرّب على تلك الأفكار التي صرّحت بها، وأكّد وجاهة ذلك الظّنّ الذي ذهب إليه فكري، وأثبت دقّة تلك الهواجس التي جالت في ذهني، وأخبرني بأنّي محقّ في طرح ذلك التّساؤل عليه، ثمّ أخذ المدرّب في أن يوضّح الأسباب التي دفعته إلى أن يأتي ذلك التّصرّف الذي استفسرته عنه، في تدريبه أولئك اللّاعبين الرّياضيّين، فقال لي أنّهم باتت تسيطر عليهم، تلك العادات الخاطئة في استخدام أعضاء أجسادهم، حتّى أصبحت عندهم طبيعة راسخة، وأصبحوا يأتونها، بطريقة عفويّة، وكان المدرّب يقصد في كلامه، أنّ حركات اللّاعبين تشبه الفعل اللّاإراديّ المكتسب، وإذا كانت العادة تعتبر الطّبيعة الثّانية عند الإنسان، فإنّها تثبت راسخة عنده، فيأتي تلك التّصرفات بطريقة آليّة، فعلى سبيل المثال في أثناء سير الإنسان على قدميه في الطّريق، أو عندما يصعد في الدّرج، تصدر عنه تلك الأفعال، التي يعتاد عليها الإنسان من دون أن يفكّر فيها أو يشعر بحركاته التي تصدر منه، والعادة هي استعداد دائم ناشئ من تمرين مديد، وقد ذُكِرَ أنّ العادات الحركيّة يخلقها التّكرار المنتظم لحدث محدّد، وقد تابع ذلك المدرّب كلامه موضّحاً، أنّ هؤلاء اللّاعبين، يكاد يستحيل عليهم أن يبدّلوا تلك الحركات الخاطئة التي اعتادوا أن يأتوها، ويكاد أن يصعب عليهم تماماً أن يتعلّموا إتيان الحركات الجسديّة الصّحيحة، وإن أراد ذلك المدرّب أن يعمد إلى أن يمرّن هؤلاء الرّياضيّين على أن يأتوا الحركات الجديدة، فإنّ فترة ذلك التّدريب قد تستغرق وقتاً طويلاً، وهو لا يضمن تحقّق النّتائج المطلوبة والملائمة، لأنّ بعد أن اعتاد أولئك الرّياضيّون أن يجيئوا الحركات الخاطئة، سيشقّ عليهم اكتساب المهارات الجديدة في استخدام أعضاء أجسادهم، لأنّهم كانوا اتّبعوا تلك الطّريقة الخاطئة في مستهلّ الفترة، التي ابتدؤوا فيها ممارستهم تلك اللّعبة، التي دأبوا في أن يتباروا في منافساتها الرّياضيّة مع سائر اللّاعبين.

عقّبت على كلام المدرّب الذي أفصح عن وجهة نظره في اعتماده تلك الطّريقة، التي اتّبعها في تدريبه أولئك اللّاعبين الرّياضيّين، فأشرت له إلى أنّه يجب على أولئك الرّياضيّين أن يعودوا إلى مرحلة الطّفولة، كي يتدرّبوا منذ تلك السّنّ المبكرة على تنفيذ الحركات الجسديّة الصّحيحة، التي يتطلّبها الإيفاء بتحقيق شروط ممارسة هذه اللّعبة الرّياضيّة، ثمّ أنّنا يجب علينا أن ننتظرهم حتّى يتقدّموا في السّنّ، وإذا افترضنا أنّهم طبّقوا قواعد حرق المراحل، وشبّوا بسرعة، فعندئذ يكونون مهيّئين ليتلقّوا التّعليمات، التي توضّح الطّريقة الجيّدة في ممارسة تلك اللّعبة الرّياضيّة، وقد أعجب المدرّب بتوضيحي حالة هؤلاء اللّاعبين، وقال لي أن مغزى كلامي مطابق تماماً لأوضاع هؤلاء الرّياضيّين، وبعد أن استمعت إلى كلام هذا المدرّب، أدركت مدى أهّمّية التّنشئة الصّحيحة للرياضيّين منذ مرحلة الصّغر.

لم ينته حديثي مع المدرّب عند هذا الحدّ، الذي وصل إليه في إفصاحه عن رأيه في اختيار الطّرق الملائمة لتدريب هؤلاء اللّاعبين الرّياضيّين، إذ أنّه ما لبث أن أخبرني بأنّه حاول أن يتلافى مشكلة ظهور نقط الضّعف عند اللّاعبين، بأن وضع خطّة اللّعب، التي لا يضطرّ فيها أولئك الرّياضيّون، إلى أن يبيّنوا نقاط ضعفهم في إتيان المهارات الحركيّة المطلوبة في ممارسة هذه اللّعبة الرّياضيّة، فلا يظلّون معرّضين للخسارة في ذلك التّباري الذي يخوضون غماره، بسبب وجود نقاط الضّعف، التي لم يستطع أن يعالجها معالجة حاسمة، ووضّح ذلك المدرّب أنّ تحقيق النّجاح في تنفيذ تلك الخطّة التي وضعها، هو مرتهن بعدم انتباه اللّاعبين المنافسين لوجود نقاط الضّعف، وقد قال لي ذلك المدرّب أنّه حتّى لو افترضنا جدلاً، أنّ اللّاعبين المنافسين تمكّنوا من أن يتبيّنوا وجود نقاط الضّعف، عند أولئك الرّياضيّين الذين يتبارون معهم، فإنّه بإمكانه أن يغيّر الخطّة الموضوعة لأولئك اللّاعبين، كي يتاح لهم أن يتجاوزا إلى حدّ ما، تلك المآزق التي يقعون فيها، وذكر لي هذا المدرّب أنّه يجب أن يتحقّق التّحلّي ببعض المرونة، في عمليّة تغيير الخطط وطرائق اللّعب، في أثناء سير وقائع التّنافس الرّياضيّ، الذي يصعب التّكهنّ بذلك المسار الذي سوف يمضي فيه، وعند هذه المرحلة من التّنافس، يظهر الأثرّ الفعّال الذي تتمكّن خبرة المدرّب، من أن تحقّقه في التّعامل مع الحالات الطّارئة، إذ يجب أن يتّصف بسرعة المبادرة إلى معالجة المشاكل التي تحدث، ولا ريب في أنّ تلك السّمات الشّخصيّة، يجب أن تكون مشتركة بينه وبين اللّاعبين الذين يدرّبهم.

أعربت في ختام كلامي مع المدرّب، عن تمنياتي في أن يحالفه النّجاح والتّوفيق في مهامّه التي يؤدّيها، وقد ظللت أفكّر بمضامين ذلك الحديث الذي جرى بيني وبينه، وقد أيقنت بأنّ صناعة وتنشئة الأبطال في الرّياضة تبدأ منذ الصّغر، وكلّما كانت الطّرائق المتّبعة في تحقيق تلك التّنشئة، تراعي تحقّق شروط التّهيئة الجيّدة لأولئك اللّاعبين الصّغار، تكون النّتائج التي تظهر في مرحلة الكبر هي الأفضل، وقد ذُكِرَ أنّ الرّياضة في الصّغر تفيد الصّحّة في الكبر، ولا تنحصر النّتائج المفيدة التي تنجم عن ممارسة الرّياضة في تلك السّنّ الباكرة، في نطاق حفظ الصّحّة الجسديّة، بل أنّ تمتدّ تلك النّتائج المفيدة، لتشمل ميادين المنافسات الرّياضيّة أيضاً.

إنّ ذلك الحديث الذي دار بيني وبين المدرّب الرّياضيّ، لا ريب في أنّه يوضّح حالات كثيرة تجري في ملاعب الرّياضة، وقد تحدّثت عن حضوري تلك التّدريبات الرّياضيّة التي تابعتها، من دون أن أصرّح باسم هذه اللّعبة الرّياضيّة، ولم ألمّح إلى شخصيّة المدرّب وهويّة أولئك الرّياضيّين الذين يدرّبهم، فتعمّدت ألّا أحدّد نوعيّة هذه اللّعبة الرّياضيّة، لأنّي كنت ارتأيت أنّه لا توجد فائدة تذكر، في توضيح اسم هذه اللّعبة، لأنّ حالة هؤلاء اللّاعبين بالإمكان أن تظهر في المنافسات الرّياضيّة كافّة التي تجري في كلّ دول العالم، والمغازي والمعاني التي تستخلص من حديثي مع هذا المدرّب، تشمل كلّ أنواع الألعاب الرّياضيّة التي تمارس في أقطار شتّى، ولا ريب في أنّه يتاح لكل اللّاعبين الرّياضيّين أن يستفادوا منها، فلم تكن تلك الفوائد المستخلصة من هذا الحديث، مخصّصة لأولئك الرّياضييّن الذين تابعت التّدريبات الرّياضيّة التي مارسوها، ولو كانت النّصائح والفوائد مخصّصة بهذه اللّعبة الرّياضيّة في حدّ ذاتها، والتي يزاولها أولئك اللّاعبون المتدرّبون، لوجب عليّ تحديد اسم هذه اللّعبة، إلّا أنّ حالة أولئك اللّاعبين هي عامّة، فإنّ تغاضيّ عن أن أذكر اسم هذه اللّعبة الرّياضيّة، لا ينتقص أبداً من أهمّيّة تلك النّصائح، لأنّها تشمل أحوال الرّياضيّين كافّة، الذين يمارسون كلّ أنواع الألعاب الرّياضيّة.



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (82)

سنة النّشر 2009

تنشّب في قلب الموسيقار صلحي الوادي ذلك الولع بعالم الموسيقا، منذ سني طفولته الغضّة، إذ كانت تستوقفه أصوات موسيقيّة صادرة عن أحد المحالّ التي تبيع الغرامافون في دمشق، فتجذبه إليها تلك الأصوات، وتستميل نفسه الوديعة، وتطلق أحلامه الطّريّة، فيسترعي سمعه ذاك الصّوت الموسيقيّ الصّادر عن الغرامافون، وقد يسأل الإنسان الذي يطّلع على سيرة الفنّان صلحي الوادي، كيف يا ترى تأتّى لتلك الأصوات أن تلفت نحوها انتباه ذاك الطّفل، وتملك عليه شعوره، إن لم يكن يحتوي كيان ذلك الطّفل تلك الخامّة الفريدة التي يصطلح على تسميتها بالموهبة الموسيقيّة؟، وقد تحدّث الموسيقار صلحي الوادي عن تلك المرحلة من سني حياته، إذ قال: "من أبعد الذّكريات في طفولتي إنّني فتحت عيني على الدّنيا وأنا أعشق الموسيقا أيّامها كان (الغرامافون) منتشراً. وكان في دمشق محلّاً وحيداً يبيع الإسطوانات هو محلّ توفيق صناديقيّ، كنت أقف قرب المحلّ لأستمع إلى الإسطوانات الجديدة التي ينطلق صوتها من جهاز الغرامافون لفريد الأطرش وأسمهان وعبد الوهاب، وابنه نشأت صناديقيّ صديقي حتّى اليوم وكنت وإيّاه في مدرسة واحدة في طفولتنا، وكنت أقتني الإسطوانات وأستمع إليها باستمرار. كان ذلك في سنة 1940".

إنّ ذلك الطّفل الذي استمع إلى ذلك الصّوت المنبعث عن الغرامافون، ما لبث أن شرع في أن يدور في فلك الموسيقا، بينما كان يسير في مدار الزّمن، فما كاد يبلغ طور الفتوّة، حتّى أخذ يستمع في ذاك الأوان إلى البرامج الموسيقيّة التي كان يبثّها المذياع، الذي كان آنئذ أحد الوسائل النّادرة التي تتيح التّواصل مع الأعمال الفنّيّة الموسيقيّة، وتلك الخبرة التي حصل عليها ذلك الفتى من جرّاء استعماله جهاز المذياع، تماثل وقائع حيوات العديد من أبناء الأمّة العربيّة في ذاك الأوان، وقد تحدّث الموسيقار صلحي الوادي عن فترة سني فتوّته قائلاً: "فيما بعد بدأت أستمع لما تقدّمه إذاعة دمشق في ذاك الوقت من برامج موسيقيّة، الأستاذ صبحي محاسب أطال الله عمره، كان له برنامج يوميّ مدّته ساعة وكان يقدّم فيه روائع الموسيقا العالميّة. كنت أستمع إلى هذا البرنامج مع بعض الشّباب الذين كانوا مهتمّين بالموسيقا، منهم الأستاذ رفاه قسوات والدّكتور صادق فرعون، وهو من الأشخاص الذين أثّروا إيجابيّاً على الأذواق الموسيقيّة. ولا أنسى الأخ العزيز صميم الشّريف، ومنذ ذاك الوقت كان اهتمامه مؤثّراً على الموسيقا التّقليديّة القديمة وعلى الموسيقا الكلاسيكيّة، في ذاك الوقت كانوا هم أكبر منّي بقليل فكنت أستمع إلى ما يرشّحون لي الاستماع إليه".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (72)

سنة النّشر 2009

كان المعهد العربيّ للموسيقا بدمشق، المنبع الذي انبثقت منه تلك الأنشطة الفنّيّة الموسيقيّة التي قدّمت إلى الجمهور، وكثيراً ما كان المقدار الذي يبلغه امتداد تلك الأجواء التي ينطوي عليها ذاك المعهد، يحدّد نوعيّة تلك الأعمال الموسيقيّة التي يعتزم العاملون في ذاك المعهد أن ينفّذوها، ويعيّن أيضاً طبيعة الأعمال الفنّيّة الموسيقيّة التي يتمرّن طلّاب المعهد على عزفها، وقد وضّح الموسيقار صلحي الوادي سبب اعتماد إدارة المعهد، تقديم المؤلّفات الموسيقيّة التي وضعت لتعزفها فرق موسيقا الحجرة، إذ بيّن قائلاً: "بعد خروج الموسيقا من الكنائس ودخولها بيوت النّبلاء ثمّ عزفها في غرف صغيرة تتناسب وعدد الموسيقيّين، أيّ عزفها في حجرات صغيرة.. وهذا يناسب معهدنا الأوّل حيث الغرف الصّغيرة المحدودة وعدد العازفين المحدود أيضاً..".

إنّ تهيئة السّبيل لأصحاب المواهب الموسيقيّة بلوغهم المرحلة العليا من التّحصيل العلميّ، يضمن بجني ثمار تلك المواهب الموسيقيّة الخصبة التي نشأت في سورية، بيد أنّ ما زالت دواعي الحيطة تنبّه إلى وجوب أن تتوفّر ظروف العمل، الذي ييسّر للخرّجين الموسيقيّين أن يتفرّغوا لممارسة نشاطهم الفنّيّ، كي لا يصاب قوام ذلك النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ في سورية، بعلّة النّزف الدّاخليّ، حيث يهاجر أولئك الخرّيجون عن حقل فنّيّ رفيع، قاصدين أرجاء أخرى حيث تنحطّ فيها أسقاط الأعمال الموسيقيّة وسفاسفها، وقد أكّد الموسيقار صلحي الوادي وجوب أخذ الحذر من تحقّق هجران أصحاب المواهب الموسيقيّة، عن مقام الفنّ الموسيقيّ الرّفيع، حيث ذكر: "وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذا لا يكفي (الإشارة هنا إلى وجود المعهد العالي للموسيقا) إذ لا بدّ من خلق الجوّ المناسب والأرض الخصبة التي يمكن أن تكون منطلقاً لهؤلاء، مثلاً: كثير من طلّاب المعهد العالي للفنون المسرحيّة الذين درسوا هنا، اتّجهوا للعمل في المسرح التّجاريّ بعد أن فشلت تجاربهم مع المسرح القوميّ الجادّ، التي كانت قاسية ولم تعطهم الفرص الكافية لإثبات وجودهم من جهة ولم تمنحهم الكفاية المادّيّة من جهة أخرى، ومنهم لم يجد عملاً فغادر البلد للعمل في بلدان أخرى، إذن لا بدّ من إيجاد مؤسّسات ثقافيّة فنّيّة تستوعب خرّيجي معاهد الفنون المسرحيّة أو معاهد  الموسيقا.. وبشروط مناسبة..".

وضع الموسيقار صلحي الوادي نصب عينيه، ذلك المطمح الذي تمثّل في وجود ذلك المعهد العالي للموسيقا في سورية، ولم يكد ذلك المعهد ينهض شامخاً لاستقبال الطّلبة الرّاغبين في الانتساب إليه، حتّى أخذ الموسيقار صلحي الوادي، يضع قوام العمليّة التّدريسيّة المثلى التي يتوجب أن تقوم في ذلك المعهد، حيث تحدّث عن طبيعة تلك المناهج الدّراسيّة في ذلك المعهد، فقال: "المعهد العالي للموسيقا مرحلة جامعيّة عليا ومدّة الدّراسة فيه 5 سنوات لكافّة أقسامه.. وهي: 1_ الموسيقا الآليّة "العزف الآليّ" وتشمل معظم الآلات العالميّة وعدداً من الآلات العربيّة. 2_ الموادّ النّظريّة: تشمل تاريخ الموسيقا العالميّة والعربيّة.. وعلم التّوافق "الهارمونيّ" ونظريّات الموسيقا العربيّة ومقاماتها، كما يتلقّى الطّالب دروس العزف الجماعيّ وتدريبات الفرق.... لدينا مجموعة من الأساتذة السّوفييت وكادر تعليميّ هيّأه المعهد العربيّ للموسيقا خلال 30 سنة. أمّا أماكن التّدريب فهي غرف خاصّة لكلّ طالب، حيث يتناوب الطّالب مع زملائه كلّ حسب وقته وتدريباته.. هناك قاعات للعزف الجماعيّ وقاعات للمحاضرات.. الخ..".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (62)

سنة النّشر 2009

كان بعض أهالي الطّلبة يعارضون أبناءهم في عزمهم على متابعتهم دراسة العلوم الموسيقيّة، وإذا كان الموسيقار صلحي الوادي قد تشكّى من أولئك الأهالي الذين يحولون دون أن يواصل أبناؤهم التّحصيل العلمي الموسيقيّ، فإنّه لم يفته أن يشكر أولياء الطّلّاب الذين يشاركون في تنفيذ تلك الأعمال الفنّيّة الموسيقيّة، التي يؤدّيها ذاك المعهد العربيّ للموسيقا إلى الجمهور، وإذا كنت سأذكر الشّواهد التي أملكها من النّصوص والوثائق والمراجع المكتوبة، فإنّي أذكر كما يعلم جيّداً كلّ من حضر حفلات الفرقة السّيمفونيّة الوطنيّة السّوريّة، وفرقة موسيقا الحجرة، أنّ الموسيقار صلحي الوادي كان في ختام تلك الحفلات الموسيقيّة، يشكر دائماً أهالي الطّلبة الذين يشاركون في العزف في تلك الحفلات، إذ كان يكبر تفهّمهم قدر ذلك النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ، الذي يقتضي تحقّقه أن يتيحوا لأولادهم مثابرتهم على مزاولته، فقد قال الموسيقار صلحي الوادي في سياق حديثه عن الأنشطة التي يقدّمها ذاك المعهد: "أخيراً لا أنسى التّوجّه بالشّكر للأهالي الكرام الذين يأتون بأولادهم لدراسة الموسيقا وينتظرونهم السّاعات الطّويلة، ويحثّونهم على التّعامل الجدّيّ مع الموسيقا، لقد اختلفت الأمور كثيراً عمّا كانت عليه في السّابق، وحسبنا هذا الأمر كدافع للاستمرار وكمؤشّر على صحّة خطانا، وأنّ الجيّد له جماهيره، وليس صحيحاً ما يقال في اتّجاه غير هذا الاتّجاه".

لا يشقّ على من يتتبّع ذلك التّدرّج الذي تبلورت به فكرة إنشاء المعهد العالي للموسيقا، أن يرى تلك الحاجة إلى أن تبنى مؤسّسة فنّيّة علميّة، تتيح للطّلبة أن يواصلوا فيها تحصيلهم العلوم الموسيقيّة، بيد أنّ ذاك المعهد يسدي صنيعاً آخر، يتمثّل في وضعه حدّاً لهدر تلك المواهب الموسيقيّة، ولنزف تلك القدرات الفنّيّة الرّفيعة، التي يهاجر أصحابها من بلدهم سورية، قاصدين سائر دول العالم، حيث يتابعون تحصيلهم العلوم الموسيقيّة، ليزيدوا في ذاك المقدار الكبير الذي تخسره الأمّة العربيّة من جهود أبنائها، الذين يرحلون عنها، وقد تحدّث الموسيقار صلحي الوادي عن تلك الفوائد التي تعود من إنشاء المعهد العالي للموسيقا، إذ قال: "لنبدأ من أحلامنا عمّا كان يجب أن يكون عليه المعهد في البداية: 1961 كما ذكرت... انطلقنا نحمل أحلاماً كانت أكبر من الواقع، ولا تتناسب مع بنية المجتمع آنذاك.. فالمجتمع طور النّموّ وبنيته غير ثابتة، ويؤلّف هذه البنية عقليّة خاصّة وعادات وتقاليد من نوع ما لا تنسجم مع طروحاتنا، ومن ناحية أخرى الطّالب الذي تابع الدّراسة إن سمح له فإنّه يترك المعهد بعد فترة بحثاً عن عمل أو مصدر رزق أو يسافر للاختصاص دون عودة.. وكم هو مؤسف أن لا نحصد الثّمار التي نزرعها.. ففي لحظة نضوجها وعطائها يقطفها غيرنا.. وذلك لأنّ كثيراً من الشّباب الذين أوفدوا وعادوا، صدمهم الواقع في مجتمع لم يجد قيمه بعد، مادّيّة كانت أم روحيّة.. وأعتقد أنّ سفر الطّالب في سنّ مبكّرة قد يفقده انتماءه إلى وطنه الأمّ.. وهذا سبب خسارة كبيرة للمعهد.. إضافة إلى أنّ واقع المعهد العربيّ للموسيقا أيضاً لا يساعد على التّوسّع والإغناء... أمّا الآن ومع افتتاح المعهد الجديد "المعهد العالي للموسيقا" فسنتلافى مشكلة إيفاد الطّلّاب حيث سيتابعون دراستهم العليا هنا في بلدهم، ولم يعد بحاجة لأن يحمل آلته ويرحل..".

غلاف كتاب إنعام الأنغام

الملصق الإعلانيّ المنشور بمناسبة صدور كتاب إنعام الأنغام

 



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (52)

سنة النّشر 2009

كان الموسيقار صلحي الوادي يستذكر دائماً أولئك الأساتذة، الذين أوكلت إليهم مهمّة تدريس الطّلّاب في المعهد العربيّ للموسيقا بدمشق، حيث ظلّ يمدح تلك الرّعاية التي أولوها أصحاب المواهب الموسيقيّة الدّارسين في ذاك المعهد، ويشيد بعنايتهم بشدّ أزر أولئك الطّلّاب، فلم يكن يستأثر الفنّان صلحي الوادي على أولئك الأساتذة، بعزوه تلك الممادح التي يزهو بها ذلك المعهد، إلى نتاج تلك الفعال التي أتاها الموسيقار صلحي الوادي، بل كان يلحّ دائماً على أن يوفّي زملاءه العاملين في ذلك المعهد، قسطهم من ذاك التّقريظ الذي يُخصّ به ذلك النّشاط الذي يجيئه ذلك المعهد، فلم يكن يغيب عن باله أن يبرز تلك الجهود التي كان يبذلها العاملون في ذاك المعهد، كلّما تسنّى له الإخبار عن تلك الأعمال التي يأتيها ذلك المعهد، حيث تحدّث عن تلك المناشط التي قدّمها المعهد قائلاً: "أودّ إضافة بعض الأمور التي أعتقد أنّها هامّة في مسيرة عملنا، ولا يخفى على أحد كيفيّة تفسيرها، وتفسير دورها في عملنا، إنّه في المعهد العربيّ للموسيقا ومنذ تأسيسه عام 1960 عدد من الأساتذة ما زالوا يعملون فيه حتّى اليوم، مثل الأستاذ خضر جنيد، والسّيّدة إلهام أبو السّعود، والسّيّدة سنثيا الوادي، كذلك فإنّ العدد الأكبر من الكادر التّدريسيّ الموجود حاليّاً، هم من طلبة المعهد الذين درسوا فيه، وأوفدوا للتّخصّص وعادوا، صحيح أنّه يوجد هناك خسارة تجلّت في عدد من الذين لم يعودوا لأنّهم وجدوا أنّ القطر غير جدير بمواهبهم، وفضّلوا عليه العمل في الخارج، هذه اختيارات شخصيّة، لا أودّ الحديث عنها، أو إدانتها، ولكنّ المهمّ أنّ هذه الحالات أصبحت هي الأقلّ وغالباً ما يعود الذين نوفدهم ويساهمون معنا في العمل. كذلك أودّ أن أشكر هؤلاء الأساتذة الذين كانوا أوفياء لمؤسّسة هي من صلب مؤسّساتنا القوميّة، وبالتّالي فإنّهم يقدّمون بهذا الولاء ولاء لوطنهم، حين عادوا إليه، وقدّموا علومهم للصّغار الذين كانوا في يوم من الأيّام مثلهم، طبعاً لا أنسى أهمّيّة وجود الأساتذة الخبراء السّوفيّيت الذين عملوا معنا منذ أسّسنا معهدنا، حين قدم الخبير الأوّل السّيّد "يوري أوجوكين"، وقد درّس عدداً كبيراً من الطّلّاب، ولا زال السّوفييت يقدّمون جهوداً مشكورة".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (42)

سنة النّشر 2009

كان الموسيقار صلحي الوادي دائماً ممتلئاً بالحيويّة، إذ دأب في ممارسة نشاطه الفنّيّ الموسيقيّ، مهما كانت قسوة وعسر تلك الحقب الزّمنيّة التي كان يعمل فيها، فلم يكن يداخله قط القنوط، ولم يدرك همّته العالية الفتور، فكان يدفع بالنّشاط الفنّيّ صعداً في معارج السّموّ والرّفعة، ولا ريب في أنّ اعتقاده الوثيق في تلك القيم الفنّيّة، التي سعى إلى أن يحقّقها في الأنشطة الفنّيّة التي زاولها، قد أفعم نفسه بتلك الحيويّة، التي ظهر أثرها جليّاً في تلك التّصرّفات التي كانت تبدر منه، فكان ينكر تلك الفكرة التي تصوّر فتور همّته، وانحسار تلك الحيويّة عن كيانه، وكان ينفي أن يكون سعيه إلى النّهوض بالفنّ الموسيقيّ في البلاد العربيّة، قد أحبط، فعمد إلى أن يدحض تلك الزّعمات التي صوّرت إخفاق تلك المساعي التي أتاها، وأبطل ادّعاء بعض النّاس بافتقار البلد إلى فرقة موسيقيّة يتاح له أن يقودها، إذ صرّح قائلاً: "هذا ليس صحيحاً.. المتتبّع لنشاطات المعهد يمكن أن يرى عكس ذلك.. لا أقول أنّها تعثّرت (المساعي إلى تغيير نظرة النّاس إلى الموسيقا).. صحيح أنّني كنت أحمل يومها اندفاع الشّباب ورغبته بأن يحقّق كلّ أحلامه بساعات.. وصحيح أنّني كنت أحمل فكرة /الصّعب تستطيع أن تفعله والمستحيل يأخذ فترة أكبر/.. ولا زلت أحمل هذه الفكرة، عام 1956 شكّلت أوّل فرقة موسيقيّة في دمشق واستمررت مع تضخيم الفرقة وتقديم برامج تلفزيونيّة حتّى عام 1972.. وحين وجدت أنّ الدّولة غير مستعدّة لوضع ميزانيّة فرقة سيمفونيّة، وجّهت اهتمامي للفرقة الموسيقيّة التي نبنيها حول طلبة المعهد وأساتذته.. والفرقة مكوّنة الآن من 44 عازفاً وعازفة.. وهي أعلى مستوى من مرّات سابقة جرى فيها تكوينها.. إذاً المحاولة قد تكون تعثّرت بفعل الاصطدام بالواقع الثّقافيّ لكنّها لم تتوقّف".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (32)

سنة النّشر 2009

إنّ فحص الطّلبة المقدمين على الانتساب إلى المعهد العالي للموسيقا بدمشق، كان يجري على صورة السّبر الدّقيق لإمكانيّات أولئك الطّلّاب، الذين لم يكن الموسيقار صلحي الوادي يتهاون مطلقاً في إلزامهم أن يحقّقوا الشّروط المثلى، التي تيسّر لهم الانتساب إلى ذلك المعهد، الذي دأب في الحفاظ على تلك المكانة الفنّيّة العلميّة الرّفيعة التي يحلّ بها، وإن كان بعض الصّحفيّين في سورية، اعترضوا في كتاباتهم الصّحفيّة على الموسيقار صلحي الوادي، في تشدّده في مراعاة تلك الأسس المثلى، التي ينهض عليها اختبار قبول أولئك الطّلبة في المعهد العالي للموسيقا، فإنّ الفنّان صلحي الوادي لم يكن ليرتدّ عن تلك الطّريقة القويمة، التي أخذت بها إدارة المعهد في اختبار أولئك الطّلبة، إذ أوضح أنّ "الحفلات التي يقدّمها المعهد ونشاطاته المختلفة، تغطّى دائماً تغطية كاملة من قبل شباب ألمس من قراءة كتاباتهم حبّهم العميق للموسيقا، وإدراكهم لأهمّيّة الحركة الموسيقيّة في بلادنا، في العام الماضي تمّ إنشاء المعهد العالي للموسيقا ومنذ اللّحظة الأولى لإنشاء هذا المعهد، وجدنا الصّحافة مهتمّة به وحريصة على أن يسير بالطّريق الحسن. كتب خيري عبد ربه منتقداً بلهجة ظريفة أنّه لو تقدّم بتهوفن لاختبار الدّخول هذا، لطردته لجنة الاختبار بحجّة أنّه غير لائق لدخول المعهد. والحقيقة أنّ اختبارات الدّخول لمعهد عال للموسيقا يجب أن تكون بمستوى عال جدّاً، وهذا النّقد لم يمنع الأستاذ خيري أن يضمّ صوته إلى صوتنا حين وجدنا على حقّ في يوم آخر.. وخلال عام واحد من إنشاء المعهد العالي للموسيقا كرّست عدّة صحف مقالات عديدة لتتحدّث عن المعهد، السّيّدة لمى خير بك كتبت مقالات مطوّلة عن المعهد، السّيّدة رواد إبراهيم غطّت قضايا المعهد تغطية كاملة في جريدة (البعث). وجريدة (الثّورة) لم تتوقّف عن نشر مقالات عديدة عن حفلاتنا ونشاطاتنا. ولا ننسى المقال الرّائع الذي كتبه الدّكتور إسكندر لوقا حول حفلتنا الأوركستراليّة. وكذلك الدّكتور صادق فرعون في صحيفة تشرين. أقول ذلك وأعتبر أنفسنا في الحقل الثّقافيّ الموسيقيّ محظوظين بزملائنا الصّحفيّين الذين لم يقصّروا أبداً في ذمّنا عند اللّزوم، وإطرائنا حين رؤوا ذلك مناسباً".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (22)

سنة النّشر 2009

اكتملت مراحل التّعليم الموسيقيّ، الذي يتيح لأصحاب المواهب الموسيقيّة، أن يتوغّلوا في تحصيلهم العلوم الموسيقيّة، وخاصّة في ذاك الأوان الذي ينتسبون فيه إلى المعهد العالي للموسيقا، فلم تعد مسيرة التّحصيل العلميّ تتخلّلها فترات، ينقطع فيها الطّلبة عن متابعة تلقّفهم مبادئ العلوم الموسيقيّة، فلا يخلخلها غياب المراحل التّعليميّة، التي تلائم تلك المراتب المتعالية التي يدرج فيها الطّلبة في دراستهم العلميّة، وأنشئت الأقسام الدّراسيّة في المعهد العالي للموسيقا، لتلبّي حاجة أولئك الطّلاّب إلى تلقّي العلوم الموسيقيّة، ولم يغب عن ذهن القيّمين على إدارة المعهد، تلك المكانة التي يشغلها المعهد العالي للموسيقا بسورية، حيث حلّ في طليعة المعاهد التي تدرّس العلوم الموسيقيّة في الوطن العربيّ، نظراً إلى قلّة انتشار تلك المعاهد الفنّيّة العلميّة في البلاد العربيّة، فوضعت إدارة المعهد في حسبانها أيضاً، احتضان أصحاب المواهب الموسيقيّة من سائر الأقطار العربيّة، ليغدو ذلك المعهد صرحاً فنّيّاً علميّاً، ينشر الإشعاع الفنّيّ العلميّ الموسيقيّ في أرجاء الأقطار العربيّة الرّحيبة، وقد كان الفنّان صلحي الوادي ذكر أنّ: "المعهد العربيّ للموسيقا له دور تأسيسيّ في حركة التّعليم الموسيقيّ. فهناك يدخل الطّفل وعمره سبع سنوات، وقد يستمرّ في ذلك المعهد مدّة عشر سنوات، وبالتّالي يشكّل هذا المعهد المرحلة التّحضيريّة للمعهد العالي للموسيقا، أي يرفد المعهد العالي بالطّالب الموسيقيّ المتعلّم، ليتلقّى التّدريبات، التي تصقل وتنمّي طاقات هذا الشّابّ، كي يتخرّج منه موسيقيّاً متكاملاً، والواقع أنّه بهذه الطّريقة أنشأت وزارة الثّقافة معهداً يأخذ طفلاً في السّابعة من عمره يتخرّج وقد بلغ الثّانية والعشرين أو الثّالثة والعشرين من عمره، فتكون وزارة الثّقافة قد تعهّدت بتكوين فنّان موسيقيّ منذ طفولته وحتّى شبابه. إنّ الأنظمة المطبّقة في الكلّيّات الأخرى، وفي المعهد المسرحيّ حول قبول طلّاب من الأقطار العربيّة الشّقيقة، واردة أيضاً بالنّسبة للمعهد العالي للموسيقا".

أدرك الموسيقار صلحي الوادي جيّداً الحاجة الماسّة إلى أن يعمّ تدريس مبادئ العلوم الموسيقيّة أرجاء سورية كافّة، حيث ذكر: "للتّأكيد على ضرورة نشر الثّقافة الموسيقيّة وتعميمها على صعيد القطر العربيّ السّوريّ بكامله، بمعنى ألّا يقتصر الأمر على دمشق وحدها، قالت الدّكتورة نجاح العطّار وزيرة الثّقافة أمام مجلس الشّعب السّوريّ: [إنّنا لا ننسى أنّ حلب هي بيت الموسيقا، وإنّنا معنيّون بإنشاء معهد عال للموسيقا في حلب... وأضافت في سياق ذلك: إنّنا نحلم في أن نفتتح فروعاً للمعهد المذكور في المحافظات كافّة]".