مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (11)

سنة النّشر 2009

استحصف رأي الموسيقار صلحي الوادي حقّاً، في تبيانه شؤون الفنّ الموسيقيّ في البلاد العربيّة، حيث كان بارعاً في إظهار الرّابطة بين تلك المعركتين اللّتين تدار رحاهما في أوساط النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ، وأمّا أولى تلك المعركتين، فهي صراع العلم ضدّ الجهل، بينما كانت المعركة الأخرى التي كانت مفتعلة تماماً، فهي التي نشبت بين أولئك الأشخاص، الذين يتزايدون في الدّعوة إلى الأخذ بالتّراث العربيّ، وبين الفنّانين الذين اتّهموا بتبعيّتهم للكيان الأجنبيّ، وذلك التّفسير الدّقيق الذي ذكره الفنّان صلحي الوادي، يبيّن الصّورة الجليّة لذلك الانتقال الذي يحدث بين ساحات المعارك المختلفة، وإنّي أعتقد أنّه استطاع أن يدرك ببصيرته النّيّرة ذلك الرّابط بين هذين الصّراعين، فما كاد يدرك أولئك الذين يرفعون لواء الجهل، في ذلك الصّراع النّاشب بين العلم والجهل، إنّ معركتهم خاسرة، حتّى سرعان ما انتقلوا بمجابهتم الفنّانين الموسيقيّين الجادّين في الوطن العربيّ، إلى ساحة أخرى، وهي ذلك الموضع الذي ثارت فيه معركة التّشبّث بالتّراث، والادّعاء بالتّبعية إلى الدّول الأجنبيّة، فبدا موضوع تلك المعركة الثّانية، قد أقحم إقحاماً جليّاً في الصّراع الذي احتدم بين تلك الفئتين المتعارضتين، اللّتين خاضتا غمار الصّراع الحاصل بين العلم والجهل، وعلى أيّة حال فلن يعدم أولئك الذين افتعلوا إثارة تلك المعارك، الحيلة لإثارة صراع آخر في ساحة جديدة، بيد أنّنا إذا تتبّعنا مسيرة الموسيقار صلحي الوادي، في بلائه الحسن في المعركة التي نشبت بين العلم والجهل، فهو برز أيضاً في منافحته عن آرائه، وذوده عن شعوره الوطنيّ الصّادق، وحقيقة إخلاصه لأمّته العربيّة، وصحّة ولائه لتراثه القوميّ، ولا ريب في أنّ جمعاً غفيراً من الأشخاص في وطننا العربيّ، الذين لم يقفوا على تلك المعارك التي تحدّثت عنها آنفاً، سيفجؤهم هول تلك التّهم التي ألقيت على الفنّانين الموسيقيّين الجادّين في البلاد العربيّة، وستدهشهم أيضاً شدّة احتدام تلك الصّراعات التي نشأت في وسط ثقافيّ، يجب أن يكون في منتأى عن لهيب تلك المعارك.



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (10)

سنة النّشر 2009

إنّ نهج العلوم الموسيقيّة سيفضي بمن يتّبعه إلى تحقيق تطوير فنّ الموسيقا في الوطن العربيّ، وقد ترسّخت في نفس الموسيقار صلحي الوادي القناعة بأنّ سبيل تطوير ذلك الفنّ الموسيقيّ، يجب أن يطابق نهج  تلك العلوم النّظريّة الموسيقيّة، وخاصّة أنّه كان يرى الموضع المتدنّي الذي حلّت به الموسيقا في البلاد العربيّة، إذ قال: "ضمن الجوّ السّائد والظّروف الحاليّة بما تحمله من خصائص، الموسيقا في وضع متدن. والموسيقا للأسف وعلى مرّ العصور هي آخر الفنون التي يطالها التّطوّر.. عندما نتحدّث عن المسرح نعود إلى المسرح اليونانيّ وعندما نتحدّث عن الفنون التّشكيليّة نعود إلى أنجلو.. ودافنشي.. والفسيفساء الشّرقيّة. عندما نتحدّث عن الموسيقا نعود إلى القرن السّادس عشر أو السّابع عشر.. ما تحتاجه الموسيقا العربيّة هو العلم ثمّ العلم والتّقنيّات.. نريد الملحّن العربيّ الذي يستطيع أن يضع أفكاره ضمن قوالب علميّة.. نريد المستمع الذّوّاق.. الذي ينصت بشكل جيّد يميّز بين قدرة عازف وآخر.. ونريد موسيقيّاً مثقّفاً.. ملحّناً مثقّفاً، مستمعاً مثقّفاً.. أنا ضدّ ما يسمّى بالعفويّة والارتجاليّة، وتطوّر المجتمع كفيل بتطوير الفنون..".

لم يكن يدعو الموسيقار صلحي الوادي إلى إغفال التّراث الموسيقيّ العربيّ، وإن وجد من يستشفّ من تمسّكه بالنّهج العلميّ في مزاولة النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ، صورة يبدو فيها معرضاً عن الأخذ بذلك التّراث الموسيقيّ، فإنّ الفنّان صلحي الوادي بيّن بطلان ذلك الرّأي الذي أوجد تلك الصّورة المغلوطة في تكوينها، وقد كان عقّب على إيرادها قائلاً: "ليس بهذه الصّورة.. ولكنّ كي نستطيع أن نستفيد من تراثنا، علينا أوّلاً أن نتسلّح بالعلوم الموسيقيّة التي تؤهّلنا لاستخدام هذا التّراث بصورة علميّة وعصريّة، لأنّ الخطر كبير أن نبقى غائصين في مستنقع الجهالة بحجّة التّراث.... غالباً ما يأتي الحديث عن التّراث من باب تغطية الجهل؟".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (9)

سنة النّشر 2009

اتّضح جليّاً بطلان الدّعوة إلى الاقتصار على التّشبّث بالتّراث الموسيقيّ العربيّ فقط، إن أمكن التّوصّل حقّاً إلى الإحاطة بذلك التّراث الموسيقيّ، بينما أخذت فنون أخرى تنتهج سبيل النّشوء بالاتّصال بالنّتاج الفنّيّ الإنسانيّ العالميّ، مهما كانت تلك الحقبة التّاريخيّة التي ظهرت فيها تلك البدائع الفنّيّة، ففي سياق حديث الموسيقار صلحي الوادي عن الافتقاد إلى وجود النّوطات الموسيقيّة في التّراث العربيّ، تحدّث قائلاً عن الأحوال التي كانت عليها الفنون الأخرى: "...ليس غياب النّوتة فقط، هناك غياب المسرح، لماذا لا نعثر على نصّ مسرحيّ من القرون الماضية؟ هل يعقل أنّهم لم ينتجوا مسرحاً بينما أنتجوا كلّ ذلك الشّعر، ما أودّ قوله هنا تأسيساً على ذلك، هو أنّ الموسيقا كالمسرح، موضوع جادّ يتطلّب جمهوراً واعياً ومفكّراً. أستدرك هنا وأذكر أنّ مسرحيّات سوفوكليس حين كانت تقدّم اعتبرت دروساً للمجتمع في الأخلاق في علاقته مع الآلهة، القانون، ولدينا الكثير من المسارح العربيّة القديمة، مسرح بصرى مثلاً، مسرح في الأردن، مسرح في العراق، الخ، هذه المسارح كانت معروفة عندنا من خلال انتقال الحضارة الأغريقيّة إلينا، لكنّ المسرح والموسيقا يحتاجان إلى دراسة وعلوم أكاديميّة، وللأسف، في فترة الانحلال لم يكن هناك احترام للعلوم، فاختفت الموسيقا، كما اختفى المسرح من الثّقافة العربيّة، بينما ازدهر هذان الفنّان في أواسط أوروبا".

امتلك الموسيقار صلحي الوادي رؤية نقديّة حصيفة، إذ ضرب مثلاً بيّن فيه تلك الاستفادة التي تغنم بها الفنون باتّصالها بالنّتاج الفنّيّ العالميّ، فذكر في حديثه عن إحدى المسرحيّات التي قدّمها ألفريد فرج أنّ "لكلّ أمّة خصائصها المميّزة والتي يمكن أن تنتقل إلى العالميّة حين تجد من يتبنّاها ويعيد خلقها، وهنا يبرز دور الفنّان الخالق إن كان في الفنّ التّشكيليّ أو المسرح أو غيرهما، لنأخذ مثلاً: مسرحيّة الزّير سالم: حين أخذ ألفريد فرج النّموذج الشّكسبيريّ من جهة والقتال العربيّ القبليّ من جهة أخرى، وخلق منها ملحمة إنسانيّة جميلة جدّاً عن القتال بين الأخوة، حين أراها، أرى مسرحيّة شكسبيريّة مليئة بالدّمّ والعقل والإنسانيّة، وهكذا لا يمكن لعمل مسرحيّ أن يرقى إلى مستوى الأعمال الكبيرة دون الاطّلاع والاستفادة من المسرح العالميّ، والتّعرّف على بنيته وهندسة العمل الدّراميّ فيه، وهذا ضروريّ للموسيقا أيضاً فلا يمكن أن تنتقل موسيقانا إلى العالميّة دون الاطّلاع على ما فعله الإسبان في موسيقاهم "ألبينيز"، والروس "تشايكوفسكي" و"كورساكوف" وغيرهم..؟".



سطعت أنوار المعرفة من الحضارة العربيّة الإسلاميّة، وانتشر ضياؤها النّيّر في أصقاع المعمورة، وكانت ارتفعت مكانة الكتاب في أثناء ازدهار تلك الحضارة، وطبّقت القواعد القويمة في العناية بالكتب، حتّى إنّ الطّرائق التي سلكها العرب في تناولهم شؤون الكتب في ذلك الأوان القديم، إذا قورنت بتلك السّبل التي تتبّع في أرقى المجتمعات في عصرنا الحاليّ، في معالجة أحوال الكتب، لبرز العرب القدامى وتفوّقوا على سائر الأمم في الحرص والمحافظة على الكتب، وما زال ذلك النّهج الذي اختطّه بناة الحضارة العربيّة الإسلاميّة، يعتبر النّبراس الهادي إلى أنجع السّبل، التي تفضي إلى الانتفاع من كنوز تلك المعارف التي تنطوي عليها الكتب، فكانت مساعي العرب التي حقّقوها في محافظتهم على الكتب، هي السّند الثّابث، والسبق الرّاسخ، لأنشطة المكتبات، التي يزاولها النّاس في زمننا الحاليّ في أقطار العالم، فقد أولى العرب الكتاب، الاهتمام الذي يليق به، وقد بدأت العناية بالكتب، منذ فجر تلك الحضارة، ففي مستهلّ القرن الهجريّ الأوّل حتّى "قبل أن يظهر الورق كانت للعلماء مكتباتهم وقد ذكروا أنّ عبد الله بن عبّاس حين توفّي أخرجت من بيته أحمال من الكتب"(1)،فكان إمام التّفسير وترجمان القرآن "محبّاً للعلم، وشغوفاً بالدّرس"(2)، وقد انطلقت نهضة واسعة شاملة منذ بزوغ تباشير الحضارة العربيّة الإسلاميّة.

عنى العرب بالتّرجمة التي هي وسيلة التّواصل والتّعارف بين الشّعوب، علاوة على أنّها الأداة التي تستخدم لإغناء التّجارب التي تنشأ عند النّاس، فأقبل العرب على التّرجمة، بغية التّعرّف على أحوال الشّعوب التي التقوا بها، والاطّلاع على المعارف المتوفّرة عندهم، وقد أتمّ العرب مزايا التّرجمة، بتحقيقهم التّفاعل المثمر مع صنوف المعارف التي ترجموها، فأضافوا إلى أبحاث المعرفة الكثير من النّتاج المعرفيّ، حتّى أنّهم أنشؤوا أصنافاً جديدة من العلوم، لم تكن معروفة من قبل، فكانت التّرجمة فرصة لتحقيق الحوار، والتّفاعل الفكريّ الذي لا يكتفى فيه بتلقي المعارف، من دون إجراء النّقاش الذي يغني المواضيع التي تطرّق إلى البحث والنّظر فيها، وقد عنى الأمويّون بالتّرجمة، حيث كانت "بدأت في مكتبة خالد بن يزيد في حمص عصر التّرجمة في الإسلام"(3)، فنقل علم الكيمياء من لغتي القبطيّة واليونانيّة بأمر منه، وكان رواة العلم ينشئون الكتب، وكانت حقيقة تلك الحال التي برزوا فيها، تنفي الادّعاء بأنّ رواة العلم الأوائل لم يكونوا يكتبون، وقد كانوا "يسجّلون للتّذكّر وإنّما لا يتناقلون العلم إلّا مشافهة خوف التّبديل فيه"(4)، وكان الرّواة للحديث النّبويّ ولأخبار العرب والشّعر هم الذين "اهتمّوا بأن تكون لهم مكتباتهم الخاصّة، لأنّها من صناعتهم. وهي تكبر وتصغر حسب مبلغهم من الغنى. ولقد يبيع بعضهم كتابه من الفقر. ولقد يغسله ليكتب عليه أمراً آخر. فثمن الكتاب مرتفع وأجرة نسخة مرتفعة بدورها"(5)، فكانت العرب قد ابتدأت في انتهاج سبيل التّرجمة منذ زمن قديم.

والى الخلفاء العبّاسيّون عنايتهم بالكتب، حيث كان أبو جعفر المنصور (135_ 158ه، 752_ 774م)، اهتمّ بعلوم الحكمة، "فعكف المترجمون في أن يترجموا له كتب الطّبّ والنّجوم والهندسة والآداب"(6)، وقد ألّفت له الكتب في التّاريخ والحديث والأدب فأفرد لها مكاناً في قصره، وفي البدء كانت تلك الكتب على مقربة منه، حيث خصّص لها خزانات في قصره لحفظها(7)، وكان المنصور يسعى إلى أن يجتلب الكتب من بلدان شتّى، إذ "طلب من إمبراطور بيزنطة أن يرسل له أعمال إقليدس والمجسطي لبطليموس"(8)، وهو كان حفيّ بالكتب، حيث وصّى بها ابنه محمّد المهدي الذي كان ولي عهده، إلّا أنّ كان المهدي قليل العناية بالكتب، بسبب انشغاله بمتابعة الأحداث الجارية في حاضرة الخلافة في بغداد، فضعفت حركة الترجمة في عهده، و"تجنّب العلماء ترجمة كتب الحكمة والنّجوم والكتب، التي تبحث في الملل والنّحل والأهواء والمعتقدات"(9)، وقد كانت باكورة التّرجمة في عهد الدّولة العباسيّة، هو كتاب إقليديس، الذي كان أوّل كتاب يترجم من اليونانية إلى العربيّة، وقد خصّص المنصور خزانات لهذه التّرجمات، وغيرها من المخطوطات القيّمة في مجالات شتّى من أنواع المعرفة، حتّى نهاية عهده كانت مخطوطات التّراث ودفاتر التّرجمة والتّأليف، تحفظ ببغداد في قصر الخلافة، الذي ضاق عنها على الرّغم من رحابته واتّساعه.

استؤنف الاهتمام بتأليف الكتب في عهد هارون الرّشيد (170_193ه، 786_808م)، واتّسعت أيضاً عمليّة التّرجمة من لغات مختلفة، فنمت أعداد المترجمين، واستدعت زيادة  كمّيّة الكتب المؤلّفة والمترجمة، إلى البحث عن مكان تحفظ فيه تلك الكتب، فكانت حال المعرفة في عهد الحضارة العربيّة الإسلاميّة، بحراً بلا حدود، ولم يكن يتوانى الرّشيد في أن يرفد خزائن الكتب بمصادر إضافيّة من المؤلّفات والتّراجم، وما إن رأى ضيق ذلك المكان الذي أودعت فيه الكتب، حتّى فكّر في أن يخرج الكتب والمخطوطات، التي كانت تحفظ في جدران قصر الخلافة، بعد أن تضخّم رصيدها من التّراث المدون والمخطوطات المؤلّفة والمترجمة، وقرّر أن ينقل تلك الكتب إلى دار واسعة، لتكون "مكتبة عامة مفتوحة أمام الدّارسين والعلماء وطلّاب العلم، فكان أوّل ما بدأ به هو تأسيس دار رحبة كبيرة نقل إليها كلّ كتب قصر الخلافة وسمّاها بيت الحكمة"(10)، وقد ذكر جمال الدّين القفطيّ، الذي كان جمّاعاً للكتب، وكثير العناية بمكتبته النّفيسة "أنّ بيت الحكمة كان رمزاً للمناحي العلميّة المختلفة، فهارون الرّشيد هو الذي ابتدع فكرة هذا المعهد وتبنّاه ابنه الخليفة المأمون والحكمة في رأي العلماء المسلمين هي العلوم الإلهيّة والعدديّة وصناعتا الطّبّ والتّنجيم"(11)، وإذا كانت عناوين الكتب تدلّ على المعاني التي تحتويها، فإنّ اسم بيت الحكمة، يوحي إلى المعاني التي كانت تؤكّدها فكرة إنشاء تلك الدّار، التي أطلق عليها اسم بيت الحكمة، الذي خصّص له تراجمة يتولون ترجمة الكتب المختلفة إلى العربية، وناسخون يشتغلون بنسخ الكتب المترجمة والمؤلّفة، لتضاف إلى خزائن الكتب، وكان لتلك الدّار أيضاً، مُجلِّدون يجلدون الكتب ويعنون بزخرفتها.

كان هارون الرّشيد أحد أعظم خلفاء بني العباس رغبة في العلم، وأصبحت بغداد في عهده منارة العلماء، ومقصد المؤلّفين،ومنبتأهلالفضلومقرّنقلةالعلم، حيث كانت "وجهة العلم والأدب ومركز التّجارة والصّناعة والفنون"(12)، وكان الرّشيد يجود على العلماء والمترجمين، الذين كانوا يترجمون له مؤلّفات الكتّاب اليونانيّين القدماء، وكان أكثر الخلفاء إكراماً للعلماء، ولم يكن يفوقه في إغداقه العطاء على المؤلّفين والمترجمين، إلّا ابنه الخليفة المأمون، وقد قيل أنّ أيّام الرّشيد "كلّها خير كأنّها من حسنها أعراس وقد انعكست هذه الأيام على خزانة بيت الحكمة، التي اتّسعت وكثرت كتبها بين ما أُلف وما ترجم وما نسخ، كما اتسعت مرافقها وزاد عدد العاملين فيها"(13)، وكان في حملاته العسكريّة التي جابه فيها الرّوم، قد سار على النّهج الذي اتّبع في الفتوحات الإسلاميّة، فكان هارون الرّشيد يدرج في عداد الأهداف، التي كان يرمي إليها، في خوضه غمار المعارك، مقاصد علميّة تجلّت في "جلب نفائس المخطوطات اليونانية إلى بغداد لتعريبها."(14)، وبذلك التّصرّف الذي كان يبدر من الخليفة هارون الرّشيد، كان يتأكّد طابع الفتوحات الإسلاميّة، التي كانت تحقّق الهداية والنّفع للنّاس جميعاً، وعندما فتح هارون الرّشيد مدينتي عموريّة وأنقرة "أمر بالمحافظة على مكاتبها، وانتدب العلماء والتّراجمة من بغداد لاختيار الكتب القيّمة منها، والتي يندر وجودها عند غيرها من الأمم، فاختاروا الكتب النّفيسة النّادرة في الطّبّ والفلك، ونقلوها إلى بغداد"(15)، فكان إنشاء بيت الحكمة أحد الرّكائز التي قامت عليها، نهضة العرب إلى إغناء ذخائر الفكر، وإنماء المعرفة العلميّة، التي ازدهرت على يد العلماء والمؤلّفين، الذين انضووا إلى تلك الحضارة العربيّة الإسلاميّة.



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (8)

سنة النّشر 2009

إنّ الموسيقيّين الذين يسعون إلى استلهام التّراث الموسيقيّ العربيّ، يتوجّب عليهم أن يحتذوا المنهج، الذي اتّبعه العلماء والموسيقيّون العرب في تعاطيهم شؤون ذلك الفنّ الموسيقيّ، إبّان عصر الحضارة العربيّة الإسلاميّة، إذ دأبوا في اتّباع النّهج العلميّ القويم، ولا ريب في أنّ التّأسّي بصنيع العرب القدماء، يبني صلة وثيقة بذلك التّراث العربيّ، وقد كان الموسيقار صلحي الوادي تحدّث عن المانع، الذي يحول دون تحقيق التّواصل مع الأعمال الموسيقيّة العربيّة القديمة، إذ ذكر قائلاً:" قبل كلّ شيء لنكن واقعيّين ونضع أصبعنا على الجرح مبتعدين عن الأوهام التي يروّج لها البعض.. في أنّ الحضارة العربيّة التي تحدّثنا عنها هي حضارة يمكن استرجاعها اليوم دون الرّجوع إلى العلم والاحتكام إليه كأساس لهذه الخطوة،.... في حقل الموسيقا كما في الحقول الأخرى هناك من يدعو إلى العودة حرفيّاً إلى الماضي... يقولون أنّ هناك تراثاً موسيقيّاً يجب أن نعود إليه.. ومع أنّني أعلم تماماً أنّه كان هناك تراث موسيقيّ للأمّة العربيّة إلاّ أنّني كموسيقيّ أبحث دائماً عمّا هو موثّق أيّ في عالم الموسيقا (التّدوين والنّوطات).... وهنا تأتي المشكلة.. إذ ليس هناك في أيّ عاصمة عربيّة أو متحف عربيّ صفحة نوطة واحدة يعود تاريخها إلى ما قبل 1914؟... فكيف يمكن لنا أن نبني حضارة للمستقبل ترتكز على الماضي دون أن يكون هناك بين أيدينا ما نبني عليه؟".

أدرك الموسيقار صلحي الوادي ببصيرته النّيّرة، علّة نشوء تلك الموانع التي تحدّ من ذيوع العلوم الموسيقيّة في المجتمعات العربيّة، إذ قارن بين تلك الفترات التي يتدرّج فيها تطوّر الفنّ الموسيقيّ، وتلك المراحل التي يمضي فيها نشوء وتطوّر سائر الأنشطة الفنّيّة، كالمسرح والفنون التّشكيليّة، إذ ذكر: "لنأخذ مثالاً من المسرح.. لا زلت أقرأ ومنذ فترة طويلة من يدعو بكتابته إلى إحياء المسرح العربيّ وتقديم نصوص مسرحيّة عربيّة على مسارحنا....، هنا.. يتّفق معي كلّ من قابلت في عالم المسرح من مخرجين دارسين.. أنّه لم يكن هناك مسرح عربيّ ما قبل الثّلاثينات.. أقصد مسرحاً جادّاً يذكر..، وحتّى أبو خليل القبانيّ الذي نعتبر بأنّه أبو المسرح العربيّ السّوريّ.. لم يترك لنا نصّاً واحداً قابلاً للتّقديم كمسرح عربيّ حديث...؟ إذاً ماذا يفعل المسرح العربيّ الآن؟ إنّه يقدّم أعمالاً عالميّة إنسانيّة يستقي منها رؤى تقنية وعلميّة عن طبيعة المسرح.. لذا نجد 80% ممّا تقدّمه المسارح العربيّة هي أعمال عالميّة.. ومن هنا انبثق المسرح العربيّ الحديث وكتب ألفريد فرج وجورج شحادة وغيرهم.. وهذا ينطبق أيضاً على الفنون التّشكيليّة.. فإذا كان هذا النّهج وارداً في المسرح والعديد من الفنون لماذا لم يحدث في /عالم الموسيقا/!؟، الإجابة على هذا السّؤال تقول.. إنّه من المعروف ضمن كافّة مراحل مسيرة الحضارة الإنسانيّة إنّ فنّ الموسيقا هو آخر فنّ يتطوّر في أيّ مجتمع لأنّه الأصعب، ولأنّه يحتاج إلى تقنيات مجرّدة (التّقنيّة للتّقنيّة) فإن أخذنا الحضارة الأوروبيّة نجد أنّ مايكل أنجلو.. ودانتي وشكسبير كانوا في زمن لم يبرز فيه موسيقيّ يذكر على مستواهم، وكان على الموسيقا أن تنتظر 200 عام بعد عصر النّهضة كي تتحرّك باتّجاه هذه الذّروة".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (7)

سنة النّشر 2009

بلغ تمادي تلك العوائق التي اعترضت سبيل المؤلّفين الموسيقيّين العرب، إلى تلك التّخوم التي تحيط بالأحاسيس الوطنيّة التي يمتلكها الفنّانون الموسيقيّون العرب، الذين قُذفوا بتلك التّهم الخطيرة، التي ابتغى الأشخاص الذين أطلقوها أن يضربوا حصاراً على المشاعر الوطنيّة، التي تنبض في نفوس أولئك الفنّانين، الذين جهروا بأقوالهم التي تضمّنتها العبارات التي ردّوا بها على ذلك البهتان الذي حاق بهم، واسترسلوا في حديثهم عن تلك التّهم الجائرة، التي لهج بذكرها أولئك الذين أقاموا تلك العوائق في درب الإبداع الفنّيّ، الذي سلكه الفنّانون الموسيقيّون الجادّون، الذين أدلوا بحججهم في تلك المجادلات التي جرت بينهم، وبين أولئك الأشخاص الذين تصدّوا لذاك النّتاج الفنّيّ الذي أبدعوه، فأغنت آراء أولئك الفنّانين ذخائر الفكر الفلسفيّ، ونمّت الوعي الفنّيّ عند سائر النّاس، وإنّي لأعجب أشدّ العجب من أنّ رحى تلك المعارك الطّاحنة كانت تدور، بينما كانت غالبيّة الأفراد في المجتمعات العربيّة يتلقّفون صخب الأعمال الموسيقيّة الهابطة، وهم لاهون تماماً عن عجاج تلك المعارك، التي لا يسع أحد مطلقاً أن ينسبها إلى مظاهر التّرف الفكريّ، فلا يعقل أن تجري تلك المجادلة على ذاك المنوال من إيقاع التّهم الحائفة، بينما يعتبرها بعض الأفراد من توافه الأشغال، إذ لا يمكنهم أن يبرّروا عزوفهم عن البحث في قضايا الفكر الجادّ، حيث إنّي أرفع عنهم سمة العجز عن مداولة النّقاش في تلك المسائل الفنّيّة، فلا يستعصي على أحد الخوض في البحث فيها، ومتابعة النّتاج الفنّيّ الرّفيع الذي يأتيه الفنّانون الأفذاذ في الوطن العربيّ، بيد أنّ قد يعزا انشغالهم عن تلك القضايا، إلى سلبيّة سلوكهم وأسواء عدم مبالاتهم، ومن دون أن أسعى إلى أن أحمّلهم مسؤوليّة تخلّف الفنّ الموسيقيّ في البلاد العربيّة، التي يستفحل فيها بروز تلك العوائق التي تعترض مسيرة الإبداع الفنّيّ الموسيقيّ الجادّ، فإنّي أعتقد أنّ البحث في شأن ذلك التّكاسل عن متابعة شؤون الفنّ الرّفيع، لم يعد يناط بفضول الأعمال، إذ ليس في وسع أحد أن ينكر أنّ تلك الفنون الجادّة تساهم مساهمة فعّالة في بناء الشّخصيّة القوميّة العربيّة المثلى.

عمدت أن أبيّن تلك العوائق التي جبهت أولئك الفنانيّن الموسيقيّين، الذين نهجوا سبيل الفنّ الموسيقيّ الجادّ، لأؤكّد أنّهم أبلوا في تذليل تلك الصّعاب التي برزت دونهم، إذ أبدعوا نتاجاً فنّيّاً اتّسم بالأصالة والسّموّ، ولا يخفى على أحد تلك المعاناة الشّديدة، التي قاساها أولئك الفنّانون في خوضهم غمار صراع تلك الأضداد، التي أشرت إليها آنفاً، بيد أنّهم لم يتوانوا عن الذّود عن مبادئهم الفنّيّة والفكريّة، علماً بأنّهم أقحموا في صميم تلك المعامع، بينما كان يليق بهم بدءاً ألّا يتعرّض لهم أحد، لو عمّ الوعي الفنّيّ النّيّر البصير الفعّال أفراد المجتمعات العربيّة، وكان الموسيقار صلحي الوادي اشتقّ طريقه في الارتقاء بالفنّ الموسيقيّ في البلاد العربيّة، ولم تدفعه الحملات المغرضة التي سعت إلى النّيل من الفنّ الموسيقيّ الجادّ، إلى أن يتخلّى عن التّشبّث بمبادئه الفنّيّة الفضلى، لأنّه كان اعتقدها باقتناع تامّ، وقبول وثيق، وكان فهمه الدّقيق، ورؤيته الثّاقبة لتلك الحالة الزّريّة التي آل إليها فنّ الموسيقا في البلاد العربيّة، يسّرا له أن يوجد الحلول النّاجعة لتلك المشاكل التي ناوشت ذلك النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ الجادّ، إذ كان الفنّان صلحي الوادي يعي تماماً أحوال تلك المجتمعات العربيّة، حيث قال: "أنا أعلم بأنّ المجتمع العربيّ يخوض حالياً نضالاً كبيراً باتّجاه التّوجّه للقرن الواحد والعشرين.. لذا نرى في الكثير من العواصم العربيّة معاهد للإلكترون والذّرّة والاستشعار عن بعد والطّبّ الحديث.. ولكن ماذا عن الموسيقا كواحدة من هذه العلوم الإنسانيّة؟! يبقى الأمل في القليل من المحاولات والجهود البعيدة عن الدّجل.. وفي أجيال قادمة سنتبنّاها؟".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (6)

سنة النّشر 2009

صادف الموسيقار صلحي الوادي عوائق جمّة تمكّن من أن يجتازها، إذ لم تكن لتشغله الموانع عن أن يواصل اتّباع سبيل الإبداع الفنّيّ الموسيقيّ، الذي لم يكن ليغلق عليه قط، بيد أنّه إذا كتب عليه النّجاح في تحقيق مسعاه الجليل في مواصلته ارتقاء ذرى الفنّ الموسيقيّ الرّفيع، فإنّ ذلك الظّفر الذي نعم بنيله، أظهر أيضاً ضخامة تلك العوائق التي برزت دونه، حتّى أنّ بعضاً منها، لم يكن في وسع أحد أن يتصوّر ظهوره في مسلك ذلك النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ، حيث نشأت تلك الدّعاوى المغرضة، التي ترمي إلى الطّعن في سمات شخصيّته الوطنيّة، وهدفت إلى القدح في وجدانه القوميّ، وقد شُنّت تلك الحملات المستطيرة أيضاً على كافّة المؤلّفين الموسيقيّين العرب، الذين نهجوا سبيل الفنّ الموسيقيّ الجادّ، إذ تخطّى تقرّي النّتاج الفنّيّ الموسيقيّ الذي أبدعه أولئك الموسيقيّون العرب، إلى أن بلغ مواضع خارجة عن نطاق البحث الفنّيّ المعهود، وقد حاول أولئك الأشخاص الذين اشتطّوا في الانحراف عن نهج البحث القويم، أن يوجدوا التّعلّات التي يسوّغون بها انتقالهم إلى مناطق نائية عن المباحث، التي يتبصّر فيها في شؤون الفنّ، فإذا كان لا يعسر على الإنسان أن يتبيّن تهافت تلك الدّعاوي، التي روّجها أولئك الأفراد الذين اندسوا مقتحمين في ميدان البحث الفنّيّ، بيد أنّه لا يسعه أن يغضّ الطّرف عن تلك المفردات اللّغويّة التي تُصاغ بها تلك الدّعاوي، نظراً لتلك الخصوصيّة التي تتميّز بها مضامين تلك العبارات، التي تحتويها تلك الدّعاوي المغرضة الخطيرة، حيث يسهل غرزها في الفكر العربيّ، فضلاً عن يسارة غرسها في منابت المعتقدات التي يعتنقها النّاس في الوطن العربيّ.

كان الفنّانون الموسيقيّون الذين سعوا إلى أن يطوّروا الفنّ الموسيقيّ في الوطن العربيّ، يعون تماماً قدر تلك العوائق العديدة والمتنوّعة التي تجبههم، فأسهبوا في الحديث عنها، حيث ذادوا عن نتاجهم الفنّيّ الموسيقيّ، بأقاويلهم التي أفصحوا بها عن وعيهم الفنّيّ الرّفيع، وحسّهم الوطنيّ الأصيل، وشعورهم القوميّ النّبيل، ومشاعرهم الإنسانيّة السّامية، وقد عمدوا بادئ بدء إلى أن يردّوا على تلك الحملات التي شنّت عليهم، بإتيانهم النّتاج الفنّيّ البديع، الذي كان ردّاً بليغاً وحاسماً على تلك الدّعاوي المغرضة التي جّوبهوا بها، فأكّدوا أنّها لم توهن عزائمهم على مواصلة المسير في درب الإبداع الفنّيّ، وأنّها لم تفت في أعضاد أولئك الموسيقيّين الجادّين، الذين سعوا إلى أن يطوّروا الفنّ الموسيقيّ في البلاد العربيّة، وقد ادّعى أصحاب تلك الحملات المغرضة على أولئك الموسيقيّين العرب، أنّهم ارتهنوا بالفكر الغربيّ في ممارستهم نشاطهم الفنّيّ الموسيقيّ، وأنّهم أظهروا في نتاجهم الموسيقيّ طابع التّبعيّة للدّول الغربيّة والأجنبيّة، فجرّد أصحاب تلك الزّعمات أعمال المؤلّفين الموسيقيّين العرب من سماتها الوطنيّة الأصيلة، فشكّكوا في حسّ الانتماء الوطنّي عند أولئك الفنّانين الموسيقيّين العرب، فبرزت حينئذ ثنائيّة جديدة، تكوّنت من شقّي الانتماء القوميّ، والتّبعيّة للدّول الأجنبيّة.



حرص والدي ووالدتي دائماً على أن يصطحباني في زيارتهم المتاحف والأماكن الأثريّة، فكنّا ندأب في أن نرتاد في مدينة دمشق، تلك المواقع التي تعبق بأريج التّاريخ العريق، وسورية هي بلد غنيّ بالأوابد الأثريّة والطّلول الماثلة، حتّى أصبحت حقّاً هي متحف مفتوح، وقد كنت غريض الصّبا، غضّ الإهاب، عندما بدأت في الذّهاب برفقة أهلي، إلى المواقع الأثريّة، وكنّا إذا شدّدنا الرّحال وسافرنا إلى البلدان العربيّة والأجنبيّة، كانت أولى المساعي التي نحقّقها في تلك المدن التي اتّجهنا إليها، هي زيارة المتاحف والأماكن الأثريّة، وحلّت الرّغبة في الاختلاف إلى المباني التّاريخيّة، في طليعة الأهداف التي نروم أن نبلغها في رحلتنا، التي ننطلق فيها إلى تلك البلدان التي ذهبنا إليها، فكان أحد أكثر الأنشطة التي نتوق إلى أن ننجزها، هي زيارة المتاحف، وإذ كنت صغير السّنّ آنئذ، ولم أبدأ بعد في أن أبني صرح تجاربي في هذه الحياة، لم أكن أحيط بكلّ المعاني العظيمة التي تشتمل عليها تلك الأماكن التي نزورها، ولم أكن اطّلع على الكتابات التي تبيّن أهمّيّة تلك الرّسوم التّاريخيّة التي نقف عليها، فلم أنقّب في الكتب عن حقيقة تلك الآثار، إذ كنت في ذلك الأوان، في مستهلّ تحصيلي مبادئ الكتابة والقراءة، إلّا أنّه إذا لم أكن مهيّأ لأن أبحر في متون الكتب، لأحقّق ذلك الاستطلاع المعرفيّ، فإنّ عظمة تلك الآثار، لم تغب عنّي مطلقاً، فكنت أستدلّ على الأهمّيّة التي تتّسم بها، من ذلك الحرص الذي أبداه والدي ووالدتي على أن أرافقهم في زيارتهم تلك الطلول التّاريخيّة، وقد كانا يسردان على مسامعي حديثهما الشّيق عن حقيقة تلك الأماكن الأثريّة، التي كنّا قصدناها.

لم أكن في تلك السّن الصّغيرة، أتمكّن من أن أطالع الأخبار والأنباء التي كانت تزخر بها الكتب، التي تتحدّث عن المواقع الأثريّة التي نؤمّها، إلّا أن تلك المعلومات لم أفتقدها كلّها، بل أنّي قد حصلت على قدر كبير منها، وأمّا الوسيلة التي تذرّعت بها إلى أن أسدّ حاجتي إلى معرفة الأنباء الوافية، عن تلك الآثار التّاريخيّة، فكانت الحديث الذي استرسل فيه والدي ووالدتي، لإخباري عن حقيقة تلك الأماكن الأثريّة التي كنّا نزورها، وقد كانا يسهبان في إيضاح الكثير من المعاني، التي تشتمل عليها المشاهد التي كنّا نطالعها، فيوضّحان لي خصائص تلك الطّلول الشّاخصة، التي كانت يصعب عليّ آنذاك أن أتبيّن حقيقة معالمها بمفردي، فكان أهلي، يرشدوني بأحاديثهم التّاريخيّة المسهبة، إلى مزايا تلك الآثار التي كنّا ندقّق النّظر فيها، وما زلت حتّى الآن، قرب ختام العقد الثّاني من القرن الحادي والعشرين، أستذكر الكلمات التي كان ذكرها لي أهلي، وقد باتت المعلومات التي أخبروني بها عن المواقع التاريخيّة التي كنّا زرناها معاً، هي زادي الفكريّ، حتّى عندما تقدّمت في السّنّ، وأردت أن أرسّخ معرفتي بحقيقة تلك الأماكن الأثريّة، فكانت أحاديهم هي المرتكز والأساس الذي كنت أستند إليه، وكانت عباراتهم مرجعاً هامّاً أعتمد عليها دائماً، عندما كنت أتروّى في شأن تلك الآثار التي كنت شاهدتها.



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (5)

سنة النّشر 2009

إن أطلقنا اسم الجماعات على أولئك الأفراد الذين يجابهون الفنّان، من دون أن ندرج المجتمع بأكمله في تهاويل هذا الصّراع، فإنّ لا ريب في أنّ تلك الجماعات لها دائماً في المجتمع اليد على أولئك الفنّانين الذين تخاصمهم، حتّى أنّها  يتأتّى لها في أحايين كثيرة أن تطبع أفراد المجتمع كلّه بطابعها، بل إنّ مساعيها تتناجح في أن تفرض عليهم أن يرتهنوا بتلك المعتقدات التي تبثّها بينهم، حتّى يأخذ سائر الأفراد في مسايرتهم تلك الجماعات، بأن يندمجوا فيها، ويمشوا في ركابها، حتّى إن لاح في فكر إنسان من تلك الجماهير أن يتحرّر من إسار تلك الجماعات، فإنّه يكابد حينئذ مشقّة شديدة، حيث لا يجد في وسعه أن يعصيها، ويخرج عليها، فإذا كنت تحدّثت عن شدّة تأثير تلك الجماعات في ذلك الإنسان، وهي نفر من الأفراد يماثلونه، فكيف يكون حاله عندما يجبه في مجتمعه عوضاً من تلك العصبة من الأشخاص، عرفاً عامّاً، أو تقاليد موروثة، فلا مرية في أنّه إذا شاء أنّ يرتدّ على تلك التّقاليد، ويفلت من قيودها، سيقاسي عناء بالغاً، من دون أن يتمكّن من أن يمرق من تلك التّقاليد، التي مهما اتّسمت بالصّلابة والرّسوخ في المجتمع، فإنّ عظمة الإنسان تتبدّى في امتلاكه العزيمة الوكيدة التي تيسّر له أن يكافح التّقاليد الزّائفة، والأعراف المتهافتة.

لا يعسر على الإنسان العربيّ أن يتخلّص من وطأة تلك التّقاليد البالية، فهو يمتلك الإرادة المتينة، ويحوذ على البصيرة الثّاقبة، وليس في مكنة أحد أن يشكّك في قدرة ذلك الإنسان على أن ينفكّ من قيد تلك التّقاليد المتهافتة، التي ربّما تكون متانتها الظاهرة التي تخادع من يتبصّرها، توهم النّاظر إليها، فيظنّ ظنّاً خاطئاً اتّضاع شأنه وتصاغر حاله إزاء ضخامتها الموهومة، فيحجم عن أن يطاولها، ويصدف عن أن يناوشها، وقد تصدّى الفنّانون العرب في ممارستهم نشاطهم الفنّيّ الإبداعيّ، لركام تلك التّقاليد التي كانت تترصّد أعمالهم الفنّيّة، وتعوقهم عن إنجازهم نتاجهم الإبداعيّ، وأؤكّد تارة أخرى أنّ غالبيّة تلك التّقاليد التي سأفصّلها فيما بعد، قد أقحمت إقحاماً في معترك النّشاط الفنّيّ، ومن يبحث في سير أولئك المؤلّفين الموسيقيّين العرب، الذين عكفوا على اتّباع نهج التّأليف الموسيقيّ، الذي يستنّ بتلك القواعد التي تمخّضت بها العلوم الموسيقيّة، ير تلك الأعباء التي تجشّموا تحمّلها في مكافحتهم تلك العوائق، التي هدفت إلى أن تحول بينهم وبين اتّباع النّهج القويم في ممارسة ذلك النّشاط الفنّيّ الإبداعيّ، الذي لم ينكصوا مطلقاً عن أن يزاولوه، وقد خبر أولئك المؤلّفون الموسيقيّون في ممارستهم نشاطهم الفنّيّ، صراع الأضداد، والذي تمثّل في ذلك العراك الذي نشب بين العلم والجهل، وقد بيّنت في وقت سابق بعضاً من وقائع ذلك النّزاع الحاصل بين شقّي تلك الثّنائيّة، التي تتألّف من عنصري العلم والجهل اللذين يرتبطان في ذلك الصّراع النّاشب بينهما، إذ تحدّثت عن تصدّي الفنّان الموسيقار صلحي الوادي، لتفشّي علّة الجهل الذي يحدث أشدّ المضارّ التي تطيح النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ القويم، وقد ذكرت أيضاً أنّ ظاهرة استشراء ذاك الدّاء البغيض، كانت تشمل أقطار الوطن العربيّ كافّة.



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (4)

سنة النّشر 2009

لم أسق عبثاً ذاك المثال الذي ذكرته آنفاً، لأنّ تكاد تكون أغلب العوائق التي تعرقل النّشاط الفنّيّ الذي يزاوله الفنّانون في الوطن العربيّ، سواء أكانوا موسيقيّين، أم رسّامين، أم كتّاب، أم شعراء، أم فنّانين آخرين يمارسون سائر الأنشطة الفنّيّة، هي من أدواء ذلك المجتمع العربيّ، وهي علل طارئة، وإن كان بعضها مزمناً، إلّا أنّه ليس مرضاً عضالاً لا يرجى البرء منه، فكلّ تلك العوائق لا تمتّ بصلة إلى فطرة الإنسان العربيّ، فعندما أبيّن قدرة الفنّان العربيّ على أن ينتج الأعمال الفنّيّة البديعة، لا أعني بمقالي أنّي أحاول أن أثبت أنّ عند الفنّان العربيّ ملكة فنّيّة، تهيّئ له أن يأتي بالعمليّة الإبداعيّة الفنّيّة في نشاطه الفنّيّ الذي يزاوله، كما هو شأن سائر الفنّانين أبناء الأمم الأخرى، لأنّ امتلاك الفنّان العربيّ تلك الملكات الفنّيّة الرّفيعة، هو أمر جليّ، وفي غنى عن البيان والإيضاح، فقد كنت أبتغي من ذلك الحديث الذي سردته، أنّ أدعو إلى أن نهيّئ لتلك الفئة من الفنّانين العرب الأفذاذ، أن يمارسوا عملهم الفنّيّ الإبداعيّ في بيئة تلائم نشاطهم الفنّيّ الذي يزاولونه، من دون أن تعيقهم عن ممارسة عملهم تلك الأدواء، التي أصبحت موانع تعرقل مزاولتهم ذلك النّشاط الفنّيّ الإبداعيّ.

يبذل الفنّان العربيّ جهداً خلّاقاً في ممارسته نشاطه الفنّيّ، ومهما تعنّته إنجاز العمل الفنّيّ البديع، فهو يخفّ إلى أن ينتجه حاشداً جماع قدراته، ليوفي إنجاز العمل الفنّيّ الإبداعيّ حقّه في تلقّي الجهد الخلّاق، الذي يبذله ذلك الفنّان في تحقيقه ذلك النّتاج الفنّيّ، فيخوض في غمرات ممارسة النّشاط الفنّيّ، الذي لا يلقى الفنّان منه الملاينة في سعيه إلى أن يتخطّى العقبات، التي تعترض سبيل ممارسته نشاطه الفنّيّ الخلّاق، فتبدو حال ذلك الفنّان كأنّه يخوض معامع لا هوادة فيها، إذ تجبهه تلك العمليّة الإبداعيّة دائماً بعوائق تفرض عليه أن يتخطّاها، كي يتيسّر له أن ينهج سبيل ذلك الإبداع الفنّيّ، فتغدو تلك الموانع خصمه اللّدود في تلك المعامع التي يقتحم غمارها، على أنّ لا يقتصر كفاح ذلك الفنّان على خوض غمار تلك العمليّة الفنّيّة الإبداعيّة، بل أنّ غالباً ما يفرض عليه أن يخوض حرباً أخرى، هي أشدّ ضراوة وعنفاً من معترك تلك العمليّة الفنّيّة الإبداعيّة، وتتمثّل تلك المعركة التّالية في التّشكيك في شرعيّة ممارسته عمله الفنّيّ الإبداعيّ، وفق القواعد والأساليب الفنّيّة التي يرتئي أن يتّبعها، ولا ترتبط طبيعة تلك المعركة الطّارئة على الفنّان، باختلاف المعايير النّقديّة، أو بتنّوع تطبيق القواعد الفنّيّة التي يسوغ تحقّقها، بل إنّ ذلك الخلاف الذي ينشأ بين الفنّان ومن يخاصمه من الجماعات في هذه المعركة الثّانية، لا يمتّ بصلة إلى كنه ممارسة ذاك النّشاط الفنّيّ.