مقتطفات من رواية أناشيد الألم (51)

سنة النّشر 1987

فاضت في ملامحها تلك الخواطر التي لمعت في فكرها، وتدفّقت في أسارير جبهتها لجّة تلك المشاعر التي تعتلج في نفسها، فبتّ أنظر إلى معارف وجهها، بقدر اهتمامي بسماع كلماتها، فأرهف سمعي لقولها، وقد خاطبتني بلهجة متّزنة وهي تتمهّل في سرد حديثها، فقالت:

_تلك المآرب الجليلة، والأهداف الرّفيعة التي تقصدها، تسدل عليك نورها اللّامع، وترسل نحوك أشعّتها الدّرّيّة، فتغمر كيانك بلألائها المتّقد، وضيائها الباهر، فتسدي إليك صنيعاً عميماً، تكاد تغفل عنه، وأنت تخوض في غمار الحياة، متّبعاً سبلها التي تبرز فيها عوائق جمّة، تحول دون أن تدرك بغيتك التي تسعى إليها، فتتنازعك الشّكوك والحيرة الدّائمة، بين عزيمة نفسك بمطالبها السّامية، ووضاعة تلك الأشياء التي تصادفها في مجرى الحياة، إلّا أنّ تلك المرامي التي يطمح بصرك إليها، تهيمن على زمام أمرك، حتّى تغدو تجاهها ليّن العريكة، سلس الطّبع، فتملك قياد أمرك، وتسيّرك وفق هدايتها القويمة، فمن سلك نهجها واتّبع سوابلها، يدرك المغنم النّفيس والنّفع الكثير، فتحثّ الإنسان على التّقدّم، وتحفزه إلى مواصلة مسيره تجاه المبتغى الذي يطلبه، وقد يخيّل إليه أنّه بات سليب الإرادة، لا يسعه أن يحقّق أمانيه وأن يبلغ إربه، بينما تقوده إلى وجهة تلك الرّغائب، وإنّما يحجبها عن بصيرته، ما ينسدل على شعوره من بساط الأنوار السّاطعة من تلك المقاصد العالية، فلا تغمط شأن سجاياك، ولا تزدر مريرتك، ولا تعيّرها بالضّعف والهوان، فيخيّل إليك أنّ أحوالك قاربت الخسران ودنت من الضّياع، بعد أن تسبر حقيقة أوضاعك، مستنداً إلى تلك البيّنات والحجج التي يمليها فكرك، الذي يسهو عن نزوعك إلى تلك الفضائل، التي تهفو نفسك إليها، فتقيس غاية نشاطك بما تنجزه من حاجاتك العابرة، وتقدّر مبلغ نجاحك بما تقضيه من أوطارك اليسيرة، وقد تطوي مسافات مديدة، وتقطع مساحات شاسعة، وأنت تمشي في مدارج تلك الأغراض المطلوبة، من دون أن تعي مقدار تقدّمك في تلك السّبيل التي تتّبعها.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (63)

سنة النّشر 2008

إنّ المقتطفات التي اقتطعناها من تلك المحاضرة الماتعة التي ألقاها الموسيقار صلحي الوادي، تبيّن رقّة مشاعر ذلك الصّبي الذي اتّضح شغفه وتأثّره جليّاً بالأعمال الموسيقيّة الجادّة، فكان ذلك الولع والتّأثّر فاتحة سبيل نبوغه في فنّ الموسيقا، حيث سلك الموسيقار صلحي الوادي ذلك النّهج منذ حداثة سنّه، وقد أتيح لمتذوّقي الموسيقا الجادّة في سورية أن يستمعوا إلى صونات البيانو ضوء القمر، في حفلتين موسيقيّتين جرتا في مطلع الصّيف المنصرم في مكتبة الأسد، إذ عزف على آلة البيانو في هاتين الحفلتين عازفان بارعان، وهما كلاوس لوتغيب وهو نمساويّ الجنسيّة، وأنطوني بيبلس البريطانيّ الجنسيّة، وقد نبغ كلاهما في عزف صونات البيانو ضوء القمر، والتي تضمّنها برنامجا هاتين الحفلتين، فالتمعت في جو الصّالة التي جرت فيها هاتان الأمسيتان الموسيقيّتان، أشعّة الألحان التي بزغت من مشاعل الموسيقا الوهّاجة، وكان بريق الألحان يزداد توقّداً كلّما اشتدّ اندفاع دفقاتها الجيّاشة، وأتحف هذان العازفان الماهران الجمهور بتأدية عدّة قطع موسيقيّة، إذ عزفا أيضاً أعمالاً موسيقيّة من مؤلّفات موزارت وشوبرت وشوبان وجون إرلند، ولم تتمكّن قط الأنوار التي سطعت من صونات بتهوفن، من أن تطمس وتبهر ضياء ألحان سائر المؤلّفين البارعين، فائتلفت كلّ الأنوار مغترقة أنظار أفراد الجمهور، مثلما فتنتهم الألحان الموسيقيّة وخلبت أفئدتهم.

ملاحظة: نشرت هذه المقالة في جريدة البعث في عام 1992، وهذا الجزء الرّابع من هذه المقالة، التي نعيد نشرها حاليّاً في أربعة أجزاء.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (50)

سنة النّشر 1987

استوقفتها المكتبة بما حوته من الكتب، وشرعت في الاطّلاع على بعض المؤلّفات، ثمّ رمقت جهاز الحاكي، وأنعمت النّظر في تلك الأكداس من أسطوانات الموسيقا الكلاسيكيّة التي نضّدت بجانبه، وأصدرت مدندنة بضع نغمات عذبة، كأنّها تحاكي بصوتها الألحان التي اشتملت عليها تلك الأسطوانات، ثمّ التفتت إليّ وقالت:

أحدثت في نفسي هذه المشاهد التي رأيتها، انطباعاً لشدّ ما وافق تلك الصّور، التي كنت تخيّلت فيها أجواء ذلك المأوى الذي تسكنه، فلم يضعضع بنيان ذلك التّوافق الحاصل، صدع الاختلاف وشرخ التّباين.

أخذت في مقاطعة كلامها، وأنا أستمهلها في إبرام حكمها وبتّ رأيها، فقلت لها:

تلك المناظر التي أبصرتها، وهذه القطع من الأثاث، الموزّعة في حجرات منزلي، تشكّل ذلك المكان الذي يطوف فيه خيالي، فهذه المظاهر التي تلوح أمامك، وأنت تطّلعين عليها ببصيرتك النّابهة، تهيّئ لك الوقوف على تفاصيل واضحة من معالم تلك الحياة التي أعيشها، وقد انصبّ جهدي فيها على محاولة أن أتخلّق بكمال الخصال، وأتحلّى بجمال الخلال، وحرصت أيضاً على أن أتوقّل في مراقي السّموّ، وأن أتسنّم ذرى النّجاح في إدراك مطامحي، فسما بصري إلى وميضالأجرام السّماويّة السّاطعة، التي نثرت أنوارها فوق قسمات وجهي، فذاك الضّياء الذي اكتنف أسارير جبهتي، هو أشعّة باهرة من أنوار تلكالنّجوم البرّاقة، قد ارتدّت عن جبيني، إلاّ أنّ سرعان ما ينحسر ذلك النّور عن ملامحي، التي يتلاشى فيها ذلك الضّياء، وينطفئ لمعانه، فتنكفئ نفسي إلى ظلالها القاتمة، فكنت أرتقي في تلك المراتب، التي تفضي بي إلى أن أبلغ المقاصد التي أطمح إليها، وعندما كانت تنفتح دوني الأبواب المقفلة، التي كانت منغلقة على رغائبي،أقف على وصيد الباب، وأحرن بمكاني، فأعرض عن الولوج في رحاب تلك الأجواء التي تنفرج أمامي، ولم أكن زاهداً في مباهج هذه الدّنيا، ولم أكن آنف من أن أحظى بتلك المآرب التي طالما تطلّعت إليها، بل كان ضرام عزيمتي يستحيل إلى رماد منتشر وهباء منثور، إذ لم يعد الحماس يدبّ في جسدي، ولا يسري النّشاط في نفسي، وقد دأبت في أحدّد لي مطمحاً، يظلّ يبعث في كياني الحيويّة التي لا تتبدّد خلال تلك المراحل، التي كنت أقطعها في توجّهي إلى الظّفر بمبتغاي، وإن كان قيّض لي أن أنعم بالدّخول في أنحاء تلك الآفاق الزّاهية بمآربي، التي كنت دأبت في أن أصل إليها، فهيهات أن يتمّ لي فيها استقرار، أو أهنأ بمقام، فألفيت نفسي أعود إلى عالم الأنشطة التي أزاولها، فأجتوي أجواءه، وأدأب في أن أتلافى الرّتابة التي تطرأ على مجرى أعمالي التي أمارسها، وأظلّ جسماً يمشي على الأرض، بينما يحلّق خيالي في فضاء شاهق.

اجتوى البلد: كره المقام به.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (62)

سنة النّشر 2008

ذهب بعض الباحثين الثّقات، الذين نهجوا سبيل التّروّي في شؤون الفنّ، إلى اعتبار تلك القصّة التي تحكى عن بتهوفن حكاية مختلقة، ومهما يكن شأن حقيقة هذه القصّة، التي تكاد تماثل حكايا الأساطير التي ينتجها الخيال الشّعريّ، فإنّ العمل الفنّيّ الأصيل لا يزيّف مطلقاً صورة الموضوع الجماليّ، والتي يعمد الفنّان إلى أن يضمّنها أطواء ذلك العمل الفنّيّ الذي يبتكره، وتحقّق شدّة الإيحاء وقوّة التّعبير نصاعة تلك الصّورة التي تتكشّف في ذلك العمل الفنّيّ، وإنّي أعتقد أنّ الحديث الذي يسرد عن تلك الصّونات، لا يدرك غاية البلاغة والإمتاع إلّا إذا صدر عن فنّان قدير ونابغ، وهيهات أن ينسى الإنسان ذلك الحديث إن أتيح له ذات يوم أن يستمع إليه، فما زلت أذكر أنّي استمعت إلى محاضرة ألقاها الموسيقار صلحي الوادي قبل ثماني سنوات، في المعهد العربيّ للموسيقا بدمشق، حيث قرأ بعض صفحات نيّرة منتقاة من سفر ذكرياته، والذي خط ّكلماته بعصارة الإبداع الفنّيّ، وقد تطرّق في تلك المحاضرة إلى الحديث عن الحفلة الموسيقيّة، التي استمع إليها أوّل مرّة إلى صونات ضوء  القمر، إذ قال "... حضرت حفلة موسيقيّة في مدينة الإسكندريّة، وكانت سنّي آنئذ إحدى عشر عاماً، وقد عزف على آلة البيانو في هذه الحفلة عازف يونانيّ شهير، وكان ضريراً، واسمه جورج ستيميليس، ورأيت أحد الأشخاص يصطحب في رفق ذلك العازف إلى آلة البيانو، ثمّ باشر تأدية قطعة موسيقيّة هادئة، وهي الحركة الأولى من صونات ضوء القمر، وقد غلب على إيقاعها الرّقّة والهدوء، فكأنّما ترافق ألحان هذه القطعة إشراق التّأمّل الذي يداني ذرى الحلم، وتأثّرت جدّاً من طلاوة وهدأة هذه القطعة الموسيقيّة، وعجبت من قدرة ذلك العازف الذي ينغمس في دياجي الظّلمات، على إظهار ذلك النّور الوامض الذي انبعث من الحركة الأولى، وأكبرت الرّجل لمقدرته الفذّة على التّعبير الموحي إلى رقّة ألحان هذه القطعة، إذ تبدّت فيها الدّعة الأخّاذة، لتلك الأنغام الموسيقيّة، وفتنت بوقار ذلك الشّكل الذي رسمته هذه الصّونات في  الهواء، وقد تعجبّت أيضاً من تمكّن ذلك الشّكل من النّفاذ إلى أحاسيسنا، وانطباعه في وجداننا، ونحن نكاد لا نتبيّن الطّريقة التي اتّبعها للوصول إلى نفوسنا، وقد صاغ بتهوفن هذه الصونات في شكل فنتازيا، حيث لم يتّبع في تأليفه إيّاها الشّكل التّقليديّ للصّونات، وتجلّت السّمة المميّزة لصياغة هذا العمل الموسيقيّ، في تدرّج الألحان من الهدوء إذ انطلقت في الحركة الأولى، حتّى بلغت الانفعال الجيّاش في الحركة الثّالثة، وغلّف بتهوفن موسيقا هذه الصّونات بالطّابع الخياليّ، الذي يعتبر معلماً بارزاً في تكوين رومانسيّة أعمال بتهوفن، وما زال راسخاً في نفسي حتّى الآن الانطباع الذي أحدثته هذه الصّونات، إذ رأيت المقدرة العالية للموسيقا على التّعبير عن مشاعر النّفس، حتّى يخيّل إلينا أنّها قد تمثّلت لنا في قالب موسيقيّ، وبعد انتهاء هذه الحفلة سرت في الطّريق عائداً إلى منزلي، ونظرت إلى السّماء حيث كانت قزع السّحاب تتناثر في أديمها الفسيح...".

ملاحظة: نشرت هذه المقالة في جريدة البعث في عام 1992، وهذا الجزء الثّالث من هذه المقالة، التي نعيد نشرها حاليّاً في أربعة أجزاء.



تنوّعت طرائق التّعبير التي يعتمدها النّاس، في تصريحهم بالأفكار والمعاني التي تجول في أذهانهم، ويقع اختيار أولئك الأشخاص على إحدى تلك الطّرائق، التي تلائم طبيعة الأشياء والموضوعات، التي هي مدار الاهتمام، في ذلك التّعبير الذي يتوخّى فيه الإفصاح عن آراء ووجهات نظر محدّدة، وتندرج في عداد تلك الطّرائق المتنوّعة، أسلوب التّعبير السّاخر، الذي يتّسم بخصائص، يختلف فيها عن سائر طرائق التّعبير، فالسّخريّة تتّسم بطابع الفكاهة، وتظهر فيها خصائص الضّحك، وهي تتحقّق في تصوير هيئة أو حالة أو أشياء أو أشخاص، بطريقة في التّصوير، تكون مضحكة، ويذهب في تحقيق تلك السّخريّة، إلى تعمّد تشويه الصّورة المألوفة، التي يظهر فيها ذلك الشّيء، الذي يستهدفه التّعبير السّاخر، من دون أن يقصد إلحاق الضّرر أو الأذى بتلك الأشياء أو الأشخاص، الذين يصوّرون بطريقة مضحكة، فلا يكون ذلك التّشوية متعمداً بذاته، فيجري التّركيز على بعض صفاتهم، كأن تكون نقائص أو عيوباً يتّسمون بها، حيث تبرز في التّعبير السّاخر، بطريقة غير مباشرة، ونظراً لوجود خاصّيّة الضّحك في ذلك النّوع من التّعبير، فإنّ السّخريّة تتّسم بطابع هزليّ يتضّمن مظاهر فكاهيّة، وتعتمد طريقة السّخريّة على التّصوير المبالغ فيه، وهو ما يصطلح على تسميته بالتّصوير الكاريكاتيريّ، الذي يتحقّق في إظهار الأشياء أو الأشخاص في صورة مضحكة، كالمبالغة في تصوير عضو من أعضاء الجسم ومحاولة تشويهه بقدر محدّد، بحيث تجعل هيئة ذلك العضو المشوّه، علامة فارقة لذلك الشّخص الذي يتعرّض للسّخريّة، بطريقة تتّسم بسمة المزاح، فيتوسّل بالضّحك للفت انتباه النّاس إلى الهدف المقصود في تقديم الموضوع، في عمليّة التّعبير السّاخر، الذي تستخدم فيه أيضاً الأساليب البيانيّة في التّعبير، كالمجاز والاستعارة والإيهام والكناية.

تتحقّق السّخريّة في مظاهر مختلفة من أنواع الفنون المتعدّدة، وهي تتجلّى بوضوح في نشاط فنّ رسم الكاريكاتير، الذي يتّسم بالتّعبير السّاخر، وهذا النّوع من فنّ الرّسم، يتبيّن فيه تحقّق تغيّر مقصود في هيئة الأشياء الظّاهرة في الرّسم الكاريكاتيريّ، حيث تختلف تلك الهيئة عن مظهرها الذي تكون عليه في واقع الحياة المألوف، الذي يتجلّى خارج لوحة الرّسم الكاريكاتيريّ، وتتميّز السّخريّة في فنّ رسم الكاريكاتير، بسمة الإغراق الشّديد والمبالغة العميقة والإطناب الحادّ في تنفيذ طريقة التّعبير السّاخر، إذ يضخّم مظهر بعض صفات الموضوع، كأنّ تكون عيوب أو نقائص يتّصف بها على سبيل المثال، وقد اشتقّت كلمة "كاريكاتير" الفرنسيّة (Caricature) من الكلمة الإيطاليّة "كاريكير" (Caricare)، التي تعني يبالغ أو يحمّل ما لا يطيق، وكان أوّل أوان استخدمت فيه هذه الكلمة، في حوالي منتصف القرن السّابع عشر في عام 1646 في إيطاليا، ثمّ انتقلت بعد ذلك التّاريخ إلى سائر البلدان الأوروبيّة.

يعتبر الكاريكاتير أحد أنواع فنّ الرّسم، وتجري فيه المبالغة في تحريف هيئة ملامح الأشخاص، أو أشكال الأشياء، ويحدّث فيه أيضاً تغيير خصائص وسمات الأجسام والأشياء، التي تعالج في هذا الرّسم الكاريكاتيريّ، وغالباً ما يتمّ استخدام الكاريكاتير لنقد شخصيّات بارزة في المجتمعات، سواء كانت سياسيّة أو اجتماعيّة أو فنّيّة أو رياضيّة، وكانت بداية ظهور فنّ الكاريكاتير، في أعمال الفنّان ليوناردو دافينشي، حيث كان يرسم بعض الشّخصيّات مشوّهة، على الرّغم من أنّ الهدف من التّشوّهات الظّاهرة في بعض أعمال دافينشي، لم يتحدّد إلّا في المعالجة الفنّيّة للوحاته التي كان يرسمها، من دون أن يتوّخّى إيصال فكرة محدّدة في عمليّة التّشويه التي كان نفّذها،وفي أوائل القرن السّابع عشر انتشر هذا النّوع من الفنون في هولندا، وتختلف طرائق التّعبير في الرّسم الكاريكاتيريّ، حيث توجد طريقة يقتصر فيها على اعتماد الرّسم فقط، من دون أن يرافق الخطوط المرسومة، التّعليق بالكلمات، بينما قد يظهر الرّسم الكاريكاتيريّ في أحيان أخرى، مرفقاً به التّعليق ببضع كلمات أو عبارات.

ظهرت في هذين الرّسمين الاثنين الكاريكاتيريّين المرفقين بهذه المقالة، مجموعة من المؤلّفين الموسيقيّين، الذين تميّزوا بالتّأليف الموسيقيّ، بالإضافة إلى براعتهم في العزف على آلة البيانو، والمؤلّفون الموسيقيّون الذين ظهروا في هذين الرّسمين، هم فريدريك شوبان، ولودفيج فان بتهوفن، وسيرجي رخمانينوف، وفرانز ليست، وبيير بوليه، وجون كيج، ويوهان سباستيان باخ، وكلود ديبوسي، وقد تميّزت موسيقا كلّ منهم، بخصائص محدّدة، قد يستغرق الحديث عنها، وقتاً طويلاً وحجماً كبيراً من الكتابة، إلّا أنّ رسّام الكاريكاتير، أوجز مقداراً كبيراً من الحديث عن هؤلاء المؤلّفين الموسيقيّين، في هذين الرّسمين الكاريكاتيريّين، اللذين ليسا بحاجة إلى شرح، لأنّ يجب أن يكون العمل الفنّيّ عالماً قائماً في ذاته، من دون أن تجري الإحالة إلى خارج ذلك العمل كي تتّضح المعاني التي يتضمّنها، وقد أظهر رسّام الكاريكاتير أيدي هؤلاء المؤلّفين والعازفين الموسيقيّين، في هيئة تصرّح بخصائص المؤلّفات الموسيقيّة، وطبيعة الأنغام التي ألّفها هؤلاء الموسيقيّون، فعلى سبيل المثال، فإنّ رسّام الكاريكاتير في تعبيره عن العذوبة والرّقّة، اللتين تتّصف بهما مؤلّفات الموسيقار كلود ديبوسي، اختار أن يضع ريشتين ناعمتين بدلاً من اليدين الاثنتين، ليبيّن خاصّيّة الرّقّة التي تتّسم بها الأنغام التي يؤلّفها ذلك الفنّان الموسيقيّ الفرنسيّ، بينما بدا رخمانينوف، بمظهر يديه الكبيرتين وراحتيه الواسعتين، وهو كان يسمّى صاحب اليدين الكبيرتين، ولاح بصورة جليّة كيف تمتدّ يداه لتغطّيا مسافة طويلة على لوحة المفاتيح أو الملامس، حتّى كانت مؤلّفاته الموسيقيّة التي كرّسها لآلة البيانو، تتماشى مع الخصائص الجسديّة التي تميّز بها رخمانينوف، وهي تحديداً راحة يده الضّخمة، حيث كان يضع في اعتباره، حجم يديه الكبيرتين، عندما كان يؤلّف أعمالاً موسيقيّة، مخصّصة لآلة البيانو، فظهر في هذين الرّسمين الكاريكاتيريّين، تآلف بين نوعين اثنين من أنشطة الفنون، وهما فنّ الرّسم الكاريكاتيريّ والفنّ الموسيقيّ، وكان تآلفهما، قد أسهم في زيادة بروز كلّ من هذين النّوعين من أنشطة الفنّ.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (61)

سنة النّشر 2008

كلّما كان انفعال الفنّان شديداً، وتأثّره قويّاً بتلك الموضوعات التي يعاينها، وثق كلّ الوثوق بأنّ تعبيره الفنّيّ، سيكون تامّاً وموحياً إلى تلك المؤثّرات التي أغرق في أن يتأمّلها، وأطنب في أن يتبيّن كنهها، والتّعبير الموسيقيّ الذي غالباً ما ينعت خطأ بصفة التّجريد، يكاد أن يبلغ شأو الإيحاء الصّريح والتّصوير الواضح، إذا ما قيّض لعبقريّة الموسيقار، أن تبدع الألحان التي تستثير في النّفس الانفعالات، التي ترتبط ارتباطاً جليّاً وبيّناً بالموضوعات التي يتأمّلها ذلك الفنّان، ويعبّر عنها في تلك المبتكرات الفنّيّة التي يبدعها، ولعلّ ما تحدّثت عنه آنفاً، يطابق مغزى الحكاية التي تروي قصّة تأليف بتهوفن صونات ضوء القمر لآلة البيانو، حينما كان في مدينة فيينا، فيحكى أنّ بتهوفن كان واقفاً أمام منزل تلميذته التي كانت في ميعة الشّباب، وكان وجه تلك الفتاة يشرق بطلاوة الحسن، ويلوح في قوامها البهاء والجهارة، وأبصر بتهوفن تلك الفتاة، إذ كانت جالسة قريبة من النّافذة، فألقى إليها التّحية، ثمّ تابع حديثه متمدّحاً أشعّة القمر التي تتحدّر فوق مياه نهر الدّانوب، وتفترش غمار ذلك النّهر السّاجي، وكانت تلك الفتاة وضعت على عينيها عصابة نزولاً على نصيحة الطّبيب، لتتّقي من الأنوار المبهرة التي تهيّج الأوجاع التي انتابت رأسها، ولم يكد ينهي بتهوفن حديثه، حتّى بادرت تلك الفتاة إلى أن تخاطبه قائلة "لأشدّ ما أتمنّى أن أرى جمال أنوار القمر إلاّ أنّ الطّبيب أشار عليّ بأن أضع عصابة على عيني..." وأومأت بيدها متحسّرة إلى تلك العصابة التي تحجب عنها ذلك الضّياء الفتّان، فمازجت تأوّهات تلك الفتاة الانطباع الذي كوّنه ضياء القمر في نفس بتهوفن، فاحتدّ انفعاله واشتدّ تأثّره، وما لبث أن قال لها  "سأجعلك ترين القمر، وإن كنت تضعين تلك العصابة..."، ثمّ فرغ بتهوفن إلى آلة البيانو، وعكف على تأليف عمل موسيقيّ انبثقت ألحانه من لجّة تلك الانفعالات، التي كانت تمور في نفسه، وكان ذلك العمل الفنّيّ الموسيقيّ، هو صونات ضوء القمر.

ملاحظة: نشرت هذه المقالة في جريدة البعث في عام 1992، وهذا الجزء الثّاني من هذه المقالة، التي نعيد نشرها حاليّاً في أربعة أجزاء.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (60)

سنة النّشر 2008

                          ضوء القمر يسطع في مكتبة الأسد

                            العمل الفنّيّ البديع ونصاعة التّعبير 

يتبيّن الفنّان ببصيرته النّافذة غور المعاني الكامنة في الأحداث والأشياء، التي تأتّى لها أن تؤثّر في نفسه، فيتّضح لذلك الفنّان جليّاً كنه تلك المؤثّرات التي يستغرق في تأمّلها، مهما دقّ وغمض تأثيرها في نفسه، وتطوف في مخيلته أسراب الصّور المعبّرة عن تلك الموضوعات، التي كلّما استغرق في معاينتها، تزداد تلك الانطباعات التي تخلّفها في نفسه عمقاً ورسوخاً، وما إن تحتدّ في نفس ذلك الفنّان، تلك الانفعالات التي تستثيرها في نفسه تلك الموضوعات، حتّى تلجّ به دواعي الإفصاح عن المشاعر التي تثيرها في نفسه تلك المؤثّرات التي يعاينها، ويعهد الفنّانون جميعهم ذلك الشّعور الذي ينبعث في وجدانهم قبل أن يشرعوا في تنفيذ العمل الفنّيّ، فيحسّون آنئذ باشتداد الرّغبة التي تنبعث في نفوسهم، في أن يعمدوا إلى أن يعبّروا تعبيراً جماليّاً عن تلك الموضوعات التي تؤثّر في نفوسهم، وكثيراً ما يعتبر الفنّان أنّ عمله الفنّيّ قد اكتمل في ذلك الأوان، الذي تشتدّ فيه فاعليّة تحريض تلك المؤثّرات، فيعدّ الفنّان أنّ العمل الفنّيّ قد تمّ، حتّى قبل أن يبدأ في إبداعه وخلقه ذاك النّتاج الفنّيّ، على الرغم من أنّ يصعب على ذلك الفنّان قبل أن يشرع في ابتكار عمله الفنّيّ، أن يخمّن ويتبصّر تلك الكيفيّة التي سيتحقّق فيها ذلك الخلق الفنّيّ.

ملاحظة: نشرت هذه المقالة في جريدة البعث في عام 1992، وهذا الجزء الأوّل من هذه المقالة، التي نعيد نشرها حاليّاً في أربعة أجزاء. 



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (60)

سنة النّشر 2008

                          ضوء القمر يسطع في مكتبة الأسد

                            العمل الفنّيّ البديع ونصاعة التّعبير 

يتبيّن الفنّان ببصيرته النّافذة غور المعاني الكامنة في الأحداث والأشياء، التي تأتّى لها أن تؤثّر في نفسه، فيتّضح لذلك الفنّان جليّاً كنه تلك المؤثّرات التي يستغرق في تأمّلها، مهما دقّ وغمض تأثيرها في نفسه، وتطوف في مخيلته أسراب الصّور المعبّرة عن تلك الموضوعات، التي كلّما استغرق في معاينتها، تزداد تلك الانطباعات التي تخلّفها في نفسه عمقاً ورسوخاً، وما إن تحتدّ في نفس ذلك الفنّان، تلك الانفعالات التي تستثيرها في نفسه تلك الموضوعات، حتّى تلجّ به دواعي الإفصاح عن المشاعر التي تثيرها في نفسه تلك المؤثّرات التي يعاينها، ويعهد الفنّانون جميعهم ذلك الشّعور الذي ينبعث في وجدانهم قبل أن يشرعوا في تنفيذ العمل الفنّيّ، فيحسّون آنئذ باشتداد الرّغبة التي تنبعث في نفوسهم، في أن يعمدوا إلى أن يعبّروا تعبيراً جماليّاً عن تلك الموضوعات التي تؤثّر في نفوسهم، وكثيراً ما يعتبر الفنّان أنّ عمله الفنّيّ قد اكتمل في ذلك الأوان، الذي تشتدّ فيه فاعليّة تحريض تلك المؤثّرات، فيعدّ الفنّان أنّ العمل الفنّيّ قد تمّ، حتّى قبل أن يبدأ في إبداعه وخلقه ذاك النّتاج الفنّيّ، على الرغم من أنّ يصعب على ذلك الفنّان قبل أن يشرع في ابتكار عمله الفنّيّ، أن يخمّن ويتبصّر تلك الكيفيّة التي سيتحقّق فيها ذلك الخلق الفنّيّ.

ملاحظة: نشرت هذه المقالة في جريدة البعث في عام 1992، وهذا الجزء الأوّل من هذه المقالة، التي نعيد نشرها حاليّاً في أربعة أجزاء. 



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (49)

سنة النّشر 1987

ارتقينا في الدّرج المؤدّي إلى مسكني، فألفيتها تلحظ كلّ شيء حولها بانتباه، وولجنا المنزل، فشرعت تنفض هذا المأوى بنظرة ثاقبة، فتكلأ بصرها في أثاثه، وتمدّ نظرها إلى معالم الطّريق والطّبيعة من خلال النّافذة.

تأمّلت في كلّ تلك الأمكنة، التي طالما كانت تغترق نظري معالمها، وحدّقت ببصرها إلى الجدران والأرائك والسّتائر، لتطالع فيها محتويات هذا المنزل، التي انطبعت أشكالها في خيالي، ونظرت في الطّرائق التي اتّبعتها، في ترتيب أثاث الغرف، لتبحث فيها عن الدّلائل التي ترشدها إلى حقيقة طباعي، ودأبت في أن تنعم النّظر في أجزاء النّجاد، لتستطلع فيها نمط معيشتي، فعكفت على أن تتفحّص في رحاب مسكني، عن البيّنات التي توضّح طبيعة أفكاري، واستمرّت على أن تنبش عن أسراري التي أودعتها في أرجاء الحجرات، ثمّ حرصت على أن تجمع في خيالها صور تلك المشاهد التي رأتها، لتبرم حكمها وتبتّ رأيها في شأن تلك الأشياء التي اطّلعت عليها، وأخذتُ أتتبّع تلك الخواطر التي بدأت تتكشّف مظاهرها على جبهتها، وتتبدّى في عارضيها، فأستنطقها عن رأيها، وأستدلّ بها على معتقدها، وتوسّمت في نظرها تلك الرّغبة التي ساقتني إلى أن أتعرّف على كلّ أمر يحيط بها، وكلّ ظرف يشملها، فكأنّها هيئة من بدائع الخلائق وصورة من روائع الحسان، هي جديرة بالدّراسة وقمينة بالملاحظة، وربّما تماثلت بيننا بواعث ذلك التّدقيق، إلاّ أنّه تتباين تلك النّتائج المستخلصة، فكانت تدرك جميع عناصر تلك الأجواء التي أعيش فيها، وتعي ما نشأ في ذهني من أنماط التّفكير، فتتلقّف بنظرة واحدة، كلّ محتويات تلك المعرفة عن أحوالي، لما جبلت عليه من رهافة الشّعور، وقد ملكت نفوذ المنطق، واتّسمت بجزالة الرّأي، فإن جزتُ عهود الدّهر الطّويلة، بحثاً عن منابع تلك الأسرار التي يتدفّق مسيلها المدرار نحو نفسها، لن أدرك شؤونها الرّفيعة ومزاياها الرّاسخة، وإن نقّبت عن باعث تلك الأحلام التي تلقي بعبئها على مقلتيها وأهدابها الرّقيقة، لا أدرك من تلك المشاهد التي اطّلع عليها في معارفها، إلّا صورة من الجمال أشرقت في ملامح وجهها، وثنايا نفسها، من دون أن أحيط بهواجسها التي ترد إلى ذهنها، ولا أعي الخواطر التي تلوح في فكرها، ولا أتبيّن العاطفة التي تبعث مشاعرها، فأخلع عليها من الصّفات الجليلة، بما يخطر في خلدي من صدى تلك الأفكار التي سنحت في بالي، من دون أن أشحذ ذهني، وأعمل عقلي في إدراك سرائر نفسها.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (59)

سنة النّشر 2008

لا مرية في أنّ المؤسّسات الثّقافيّة والإعلاميّة في سورية، جديرة بأن تعمل على تعريف النّاس على مؤلّفات الموسيقار صلحي الوادي، ولعلّ هيئة التّلفزيون تتكفّل بإنجاز القسط الأكبر من تلك المهمّة، نظراً إلى الانتشار الواسع الذي يتاح لبرامجها أن تحقّقه، وإنّي أعتقد أنّ تلك الهيئة يجب أن تكون سبّاقة إلى تقديم تلك الأعمال الموسيقيّة، كي تؤكّد أهليّتها لاضطلاعها بتحقيق المهمّة التّثقيفيّة، التي تقاسمها تنفيذها مؤسّسات شتّى، وكي تتخفّف تلك الهيئة من وطأة التّهم الواقعة عليها، والتي ينصّ فحواها على تقديمها في كثير من الأحيان أعمالاً موسيقيّة وضيعة، وقد نفّذت هيئة التّلفزيون في العام الماضي مبادرة حسنة، إذ عمدت إلى أن تعرض على الجمهور الحفلات الموسيقيّة، التي قدّمتها فرقة المعهد العربيّ لموسيقا الحجرة، بقيادة الموسيقار صلحي الوادي، وقد ابتهجنا حقّاً برؤية تلك  الفرقة  على شاشة التّلفاز، وانتعشت في نفوسنا الآمال بأن يعنى التّلفزيون دائماً بتقديم الأعمال الموسيقيّة الجادّة، وبأن يتوثّق تعاونه المثمر مع فرقة المعهد العربيّ للموسيقا، والذي بدأ خرّيجوه متابعة دراستهم الموسيقيّة العليا في العام الحاليّ، بعد أن افتتحت الدّراسة في المعهد العالي للموسيقا، وإنّي أعتقد أنّ فسحة تلك الآمال ستتّسع اتّساعاً مطّرداً، حتّى أصبح في إمكاننا أن نتوقّع أن تُقدّم مؤلّفات الموسيقار صلحي الوادي، في وقت قريب على شاشة التّلفاز، ليستمع إليها النّاس جميعهم.

ملاحظة: نشرت هذه المقالة في جريدة الثّورة في عام 1991، وهذا الجزء الثّالث من هذه المقالة، التي نعيد نشرها حاليّاً في ثلاثة أجزاء.