مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (48)

سنة النّشر 2008

بلغ عدد الحفلات الموسيقيّة التي أقامها طلبة وأساتذة المعهد العربيّ للموسيقا بدمشق، تسع عشرة حفلة، وقد شهد تلك الحفلات جميعها جمهور حافل، وتميّزت الأماسي الموسيقيّة التي أقامتها فرقة المعهد لموسيقا الحجرة، والتي جرت في ختام شهر آذار، بازدياد عدد أفراد هذه الفرقة، حيث ناهز السّبعين عازفاً، وقد أضيفت بعض الآلات الجديدة إلى هذه الفرقة، وقدّم أساتذة المعهد أيضاً في شهر أيّار حفلة موسيقيّة، عزفوا فيها مؤلّفات الموسيقار صلحي الوادي، وقد برزت في هذه الحفلة الأعمال الموسيقيّة التي أبدعها الموسيقار صلحي الوادي، بعد أن استلهم وقائع الحياة التي يعيشها الناس في البيئة العربيّة، فبلغت مؤلّفاته الموسيقيّة في تعبيرها المتعمّق عن المشاعر الإنسانيّة، إلى المرتبة العالية التي تستقرّ فيها المؤلّفات الموسيقيّة التي يفتن بها النّاس قاطبة في كافّة بقاع العالم.

لم يقتصر المعهد العربيّ للموسيقا بدمشق على إقامة تلك الحفلات التي عزف فيها طلبته وأساتذته، بل أقام أيضاً الحفلات الموسيقيّة التي عزف فيها العازفون والفرق الأجانب، والذين حلّوا ضيوفاً في ربوع سورية، وقد بلغ عدد الحفلات الموسيقيّة التي أقاموها في هذا العام عشر حفلات، وقد تميّزت فرقة "العازفون الكلاسيكيّون" الألمانيّة، برفعة المستوى الفنّيّ الذي بلغته في تأديتها لأعمال موسيقيّة رائعة، وكذلك كان شأن الفرقة الترّكيّة "الثّلاثيّ الأناضوليّ للعزف الوتريّ"، وهاتان الفرقتان قدّمتا حفلتيهما في مكتبة الأسد، التي أقيمت فيها منذ افتتاحها اثنان وخمسون حفلة موسيقيّة، وقد جرت الحفلة الأولى في هذه المكتبة في شهر شباط عام 1985، وأمّا العدد الكلّيّ للحفلات التي جرت في دمشق أثناء هذا العام الحاليّ، فقد قارب الأربعين حفلة، إذ جرت بضع حفلات أخرى في بعض المراكز الثّقافيّة الأجنبيّة، وقد ظلّ عدد الحفلات يزيد على الثّلاثين حفلة كلّ عام، وتحديداً منذ سنة 1985، ما عدا عام 1987 حيث نقص قليلا ً عن الثّلاثين حفلة، بينما تجاوز في عام 1988 الأربعين حفلة، ويعزا سبب تلك الزّيادة الحاصلة، إلى كثرة الحفلات التي أقامتها الفرق الأجنبيّة التي زارت سورية في ذلك العام، إذ بلغ عدد تلك الأماسي الموسيقيّة عشرين حفلة.

حرصت إدارة المعهد دائماً على أن تتيح لطلبة المعهد، أن يلتقوا بأولئك العازفين الأجانب الضّيوف في مقرّه، ليقتبسوا منهم معارفهم وخبراتهم بأساليب العزف، فتكتمل بتلك اللقاءات الفوائد، التي يحقّقها المعهد من استقدام أولئك العازفين المهرة، الذين كان يحرص المعهد باستمرار على أن يكونوا متمتّعين بمهارة عالية في العزف والأداء الموسيقيّين، وتلتزم وزارة الثقافة بتحقيق تلك الرّغبة التي تبديها إدارة المعهد، حينما تقوم تلك الوزارة باستقدام الفرق الأجنبيّة، بعد أن تجري مراسلات رسميّة تتعلّق بدعوة تلك الفرق إلى زيارة سورية، وأمّا أولئك النّاس الذين تتبّعوا نشاط المعهد في إقامته الحفلات الفنّيّة الموسيقيّة، فلا ريب في أنّهم قد رؤوا في ضحة تامّة، بشائر تحقيق التّطوّر الذي يرتقي بالفنّ الموسيقيّ عالياً في سورية.

ملاحظة: نشرت هذه المقالة في جريدة الثّورة بعنوان المعهد العربيّ للموسيقا بدمشق ونشاطات السّنة الحاليّة، في عام 1989، وهذا الجزء الثّاني من هذه المقالة، التي نعيد نشرها حاليّاً في جزأين اثنين.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (47)

سنة النّشر 2008

                   الحفلات الموسيقيّة في العام الحاليّ

               النشاط الدّائم وحصيلة الأرقام والأنغام

أخذت الحفلات الموسيقيّة التي يقيمها المعهد العربيّ للموسيقا بدمشق، حيّزاً كبيراً في نشاطه الذي اشتمل على الأوجه العديدة للعمل الفنّيّ الموسيقيّ، فلم يقتصر نشاط ذلك المعهد على إنجازه مهمّة التّدريس، الذي ما برح يتوسّع المعهد فيه كلّما يقبل عام دراسيّ جديد، وتتأهّب وزارة الثقافة حاليّاً لافتتاح المعهد العالي للموسيقا، الذي يعتبر وجوده مطمحاً، تهفو إليه نفوس الطّلبة الدّارسين لفنّ الموسيقا، وفق مناهج علميّة قويمة، وقد سعى المعهد العربيّ للموسيقا بدمشق إلى إقامة الحفلات الموسيقيّة، التي تعود منها فوائد جمّة على مسعى المعهد إلى تعريف ذلك الجمهور، الذي يحضر تلك الحفلات، بروائع المؤلّفات الفنّيّة الموسيقيّة، وإذا كان العام الحاليّ يوشك أن يولّي مدبراً، فسأعمد إلى التّذكير بتلك الحفلات الموسيقيّة التي أقامها المعهد في هذا العام، ولا أقصد من تعداد تلك الحفلات، أن أبعث بذكراها من مراقدها في نفوس الأشخاص الذين حضروا تلك الحفلات الموسيقيّة، فلأنّ مشاعل الفنّ الرّفيع لا تذهل الذّاكرة عن إشراقها مطلقاً، ولا يتأتّى للنّسيان أبداً أن يخمد أنوار تلك المشاعل، والتي ما برحت تشعّ في النّفس.

أجد لزاماً عليّ أن أشير قبل أن أخوض في جداول الأرقام، إلى أنّ تلك الأعداد التي سأذكرها، لا يسعها أن تحدّد الطّابع الذي كوّنته الفاعليّة الفنّيّة المؤثّرة لتلك الحفلات، في نفوس الأشخاص الذين شهدوها، فلا توجد رابطة تؤلّف بين هذه الأعداد، والمآثر القيّمة التي حقّقها ذلك اللّون من النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ، والذي يتمثّل في إقامة تلك الحفلات الموسيقيّة، وأستدرك ما ذكرته آنفاً عن شأن تلك الأرقام، بأن أشير إلى أنّ الفيلسوف اليونانيّ فيثاغورث، قد جعل من العدد ناظماً للكون بأسره، وذهب في اعتقاده إلى أنّ العلاقات الكمّيّة تشكّل ماهية الأشياء، ولم ألمّح إلى نظريّة فيثاغورث عن العالم، إلاّ لأنّه استنتجها من بحثه في الأسس النّظريّة للموسيقا، إذ حدّد فيثاغورث العلاقة التي تربط بين طول الوتر الذي يهتزّ، والنغمة الصّادرة عنه، وتلك العلاقة التي عيّنها الفيلسوف فيثاغورث تفسّر السّبب الذي يدفع العازف على الآلة الوتريّة، إلى أن يضغط بيده على بعد معيّن من الوتر، كي تصدر عنه النّغمة التي يحدّدها، وقد استنتج فيثاغورث أنّ النّغمات المتدرّجة في السّلّم الموسيقيّ، يتمكّن من أن يعبّر عنها بنسب رياضيّة ثابتة، ثمّ انتقل إلى أن يعمّم نتيجة ذلك التّآلف الذي رآه في ألحان الموسيقا، حيث جعلها تنطبق على ذلك الانسجام الذي يؤلّف بين الأشياء الموجودة في الكون، فأطلق عبارته الشّهيرة وهي "العالم عدد وتوافق أو نغم"، وإذا كان بعض الفلاسفة وسَموا أعداد فيثاغورث بالسّمة السّحريّة، إلاّ أنّني أعتقد أنّ الأرقام التي سأذكرها في الحديث عن الحفلات الموسيقيّة، تحوز قدرة حقيقيّة على الارتفاع بمستوى التّذوّق الفنّيّ عند المستمع إلى المؤلّفات الموسيقيّة الجادّة، التي عُزفت في تلك الحفلات الموسيقيّة.

ملاحظة: نشرت هذه المقالة في جريدة الثّورة بعنوان المعهد العربيّ للموسيقا بدمشق ونشاطات السّنة الحاليّة، في عام 1989، وهذا الجزء الأوّل من هذه المقالة، التي نعيد نشرها حاليّاً في جزأين اثنين.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (46)

سنة النّشر 2008

توالى الطّلبة في العزف في القسم الثّاني من هذه الحفلة بعد فترة الاستراحة، وقد رافقتهم في تأدية القطع الموسيقيّة الأستاذتان ألماظ عبد الييف وسمر مقدسيّ، اللتان تناوبتا العزف على آلة البيانو، وابتدأت القسم الثّاني هالة أبو عيسى بالعزف على آلة الفيولونسيل، فأدّت إلى الجمهور قطعة موسيقيّة لفيراتشيني _ حركة بطيئة _ وكان عزف هالة رصيناً وموافقاً لذلك البهاء والعذوبة، اللذين غلبا على ألحان هذه القطعة الموسيقيّة الجميلة، ثمّ أعقبت هالة الطّالبة نادية كوراني التي عزفت على آلة الكمان، فعزفت قطعة ليليّة لخشادوريان، وقد أجادت في التّعبير عن جريان المسيل الرّائق للألحان العذبة في هذه القطعة الموسيقيّة البديعة، التي توقظ في النّفس أطيافها المتداعية، ثمّ أخذ الجمهور يتهيّأ لأن يستمع إلى قطعة مرتجلة لكابالفسكي، وبدأت نادية في عزف هذا العمل الموسيقيّ باتّئاد جليّ، لتبيّن ذلك اللّحن المتمهّل في مسيره في مطلع تلك القطعة الموسيقيّة، ثمّ انتقلت إلى التّعبير عن الانطلاق السّريع للألحان الموسيقيّة، فكان أداؤها رشيقاً في إنجاز ذلك التّحوّل الذي طرأ على مسير تلك الأنغام الموسيقيّة، التي تتضمّنها هذه القطعة المرتجلة، ثمّ تلت نادية الطّالبة دنيا مالك التي عزفت على آلة الكمان، فقدّمت إلى الجمهور قطعة موسيقيّة من باليه روميو وجولييت للموسيقار الروسيّ بروكوفييف، وتميّز عزف دنيا بالرّهافة والإحكام، وبرعت في إظهار طلاوة الألحان التي طافت في توال منتظم في هذه القطعة الموسيقيّة الخلّابة، ثمّ استمع أفراد الجمهور إلى الطّالب مهند ذهبيّ الذي عزف على آلة الفيولونسيل، فأدّى إليهم كونشرتو لباخ _ الحركة الأولى _ وقد تمكّن من إبراز صفاء الألحان التي أقبل على عزفها ببراعة ومهارة فائقتين، وتتأصّل في مهند موهبة موسيقيّة رفيعة، تتيح لمن استمع إلى عزفه الرّائع أن يتنبّأ ببلوغه منزلة عالية في العزف على آلة الفيولونسيل.

اختتمت هذه الحفلة الموسيقيّة الطّالبة نهال زركليّ، التي عزفت على آلة الكمان، رقصة بولونيّة لفينياوسكي، وقد كان عزفها فاتناً ومتقناً، وتجلّت أيضاً مقدرتها الجيّدة على العزف في تأديتها القطعة الثّانية، التي أسمعت إيّاها أفراد الجمهور، وهي رقصات رومانيّة، للموسيقار المجريّ بارتوك، إذ عزفت هذه القطعة الموسيقيّة في حيويّة منحت عزفها المحكم، ائتلاق الأداء وإشراق التّعبير الفتّان، وبعد أن أنهت نهال عزفها، أخذ الجمهور في التّصفيق الشّديد، بينما كان الطّلبة الذين شاركوا في العزف في القسم الثّاني من هذه الحفلة، يتتابعون في الظّهور تارة أخرى، أسوة بزميلاتهم اللواتي عزفن في القسم الأوّل من هذه الحفلة الموسيقيّة، وقد دلّت المرتبة الرّفيعة التي بلغها أولئك الطّلبة في عزفهم المتقن للأعمال الموسيقيّة، على مواصلتهم التّدريب الجدّيّ على العزف، في غضون العطلة الصّيفيّة، ليرفعوا كفاءتهم للعزف على الآلات الموسيقيّة، ويزيدوا مهارتهم في تأدية الأعمال الفنّيّة الموسيقيّة، إلى الجماهير التي تتوق إلى الاستماع إلى تلك المؤلّفات البديعة، وقد حلّت هذه الحفلة الموسيقيّة التي عزفوا فيها، بباكورة نشاط المعهد العربيّ للموسيقا بدمشق في العام الدراسيّ الجديد، الذي افتتح قبل عشرة أيّام من موعد هذه الحفلة، التي كانت رافداً غزيراً للنّشاط الثقافيّ المرافق لمعرض الكتاب العربيّ الخامس.

ملاحظة: نشرت هذه المقالة في جريدة البعث بعنوان عازفون.. أصابعهم من ذهب، في عام 1989، وهذا الجزء الثّالث من هذه المقالة، التي نعيد نشرها حاليّاً في ثلاثة أجزاء.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (45)

سنة النّشر 2008

تواصل ذلك الظّهور الباهر لتلك الكوكبة من المواهب الموسيقيّة، التي تمثلّت في طلبة المعهد العربيّ للموسيقا بدمشق، إذ أعادت الطّالبة زينة عظمة الجمهور إلى الاستماع إلى الألحان الجميلة المنبعثة من آلة البيانو، والتي عزفت عليها زينة قطعة خياليّة لشوبان، وتميّز عزف زينة لهذا العمل الموسيقيّ بالوقار، الذي دلّ على ثقتها العالية بقدرتها على أن تنبغ في العزف، فعبّرت في طلاقة أخّاذة عن ذلك الجلال، الذي تتوشّح به ألحان هذه القطعة الموسيقيّة، ثمّ أعقبت زينة الطّالبة ريما العظمة التي عزفت على آلة القيثارة، فقدّمت قطعة أستورياس للموسيقار الإسبانيّ ألبينيز، فتوفّقت في عزفها الرّصين في أن تجلو ذلك التّعبير النّاصع عن تلك الأحلام الطّائفة برقّة ودعة فاتنتين، والتي تبعثها في المخيّلة ألحان الموسيقار ألبينيز، وإذا كان العديد من أفراد الجمهور، والذين شهدوا هذه الحفلة، أتيح لهم في الأيّام الماضية أن يستمعوا مرّات عدّة إلى تلك القطعة الموسيقيّة الشّهيرة، فلا ريب في أنّهم قد آنسوا ذلك الطّابع الجديد لتلك الألحان التي أدّتها إليهم ريما في عزفها المتقن، وإن كانت سمة ذلك الطّابع قد تأصّلت منذ البدء في ألحان هذه القطعة الموسيقيّة، حينما أبدع أستورياس هذا العمل الفنّيّ، إلاّ أنّ معالم ذلك الطّابع الجديد قد اتّضحت بجلاء بيّن في عزف الطّالبة ريما عظمة، التي تمكّنت من أن تكشف عن خصوبة ذلك التّعبير الفنّيّ الذي تتميّز به هذه القطعة الموسيقيّة، وريما طالبة متفوّقة في العزف على هذه الآلة، فهي شاركت فرقة المعهد لموسيقا الحجرة في عزف قطعة موسيقيّة لتاريغا، أثناء الحفلة التي أقيمت في العام الحاليّ، إذ كانت ريما العازفة المنفردة على آلة القيثارة، كما أنّها ساهمت مع الفرقة ذاتها في العام الماضي في عزف قطعة موسيقيّة للموسيقار البرازيليّ فيالوبوش.

 أنهت الطالبة أليكا بني القسم الأوّل من هذه الحفلة، فعزفت برفقة الأستاذة سمر مقدسيّ على آلة البيانو، فقدّمتا رقصة سلافيّة، للموسيقار التّشيكيّ دفورجاك، وهذه القطعة الموسيقيّة أعدّت ليؤدّيها عازفان يشتركان معاً في العزف على آلة البيانو، فيجلس كلّ منهما إلى جانب العازف الآخر، وتسمّى هذه الطّريقة في العزف على آلة البيانو، بالعزف بالأيدي الأربع، وقد حقّقت أليكا تآلفاً وترابطاً محكمين في عزفها مع أستاذتها، وكان عزفهما المتقن معبّراً عن الحيويّة التي تبعثها في النّفس ألحان تلك الرّقصة السّلافيّة، وبعد أن أنهت أليكا بني والأستاذة سمر مقدسيّ عزف هذه القطعة الموسيقيّة، دفع التّصفيق المستمرّ الطّالبات المشاركات في العزف بالقسم الأوّل من هذه الحفلة، إلى أن يظهرن تارة أخرى لتلقّي التّحية من الجمهور الذي تابع هذه الحفلة الموسيقيّة.

ملاحظة: نشرت هذه المقالة في جريدة البعث بعنوان عازفون.. أصابعهم من ذهب، في عام 1989، وهذا الجزء الثّاني من هذه المقالة، التي نعيد نشرها حاليّاً في ثلاثة أجزاء.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (44)

سنة النّشر 2008

           أمسية موسيقيّة في النّشاط الثّقافيّ لمعرض الكتاب الخامس

           المعهد العربيّ للموسيقا... مشاركة دائمة ونجاح مستمرّ

تنوّعت أشكال النّشاط الثّقافيّ المواكب لمعرض الكتاب العربيّ الخامس، والذي أقيم في مكتبة الأسد في الثّلث الأخير من شهر أيلول الماضي، فتعدّدت مناهل الثّقافة وتشعّبت جداولها، وقد قصد جمهور حاشد ذلك المورد الذي تبجّست فيه الينابيع الثّرّة للموسيقا الجادّة، حيث قدّم أساتذة وطلّاب المعهد العربيّ للموسيقا بدمشق، حفلة موسيقيّة جرت في قاعة المحاضرات بالمكتبة، ولم ينقطع المعهد منذ قيام المعرض الثّالث عن المشاركة في ذلك المهرجان الثّقافيّ، الذي ظلّ يرافق المعرض السّنويّ للكتاب بدءاً من السّنة الثّانية، التي أقيم فيها ذلك المعرض، الذي ما برح يتردّد إليه جمع غفير من النّاس.

استهلّت الطّالبة ديانا رسول آغا هذه الحفلة الموسيقيّة بالعزف على آلة البيانو، فقدّمت قطعة مرتجلة رقم _ 2 _ للموسيقار شوبرت، وقد أخذت ديانا في العزف برفق وسلاسة، فاستطاعت أن ترتقي بتلك الهمسات الرّقيقة والشّجيّة المنبعثة في ألحان هذه القطعة الموسيقيّة، إلى تلك النّبرات التي تفصح عن الأمل، فلم تكن تلك الألحان العذبة تفضي قط بالمستمع إلى القنوط، ثمّ أعقبت ديانا الطّالبة إيلين بيروتي التي عزفت أيضاً على آلة البيانو، فقدّمت قطعة مرتجلة مقام مي بيمول لشوبرت، وكان عزف إيلين رشيقاً وموحياً إلى تلك الحيويّة الفيّاضة من الألحان الموسيقيّة، وأظهرت رشاقتها في العزف ذلك التّألّق الباهر لخصوبة تلك الأحاسيس التي تبعثها في النّفس موسيقا شوبرت، ثمّ تلت إيلين الطّالبة رانيا ريس التي عزفت على آلة القيثارة، إذ تنوّعت الآلات الموسيقيّة التي عزف عليها الطّلبة في هذه الحفلة الموسيقيّة، وعزفت رانيا صوناتا لسور، وقد تميّزت في طريقة عزفها، إذ أبدت تواصلاً فتّاناً وثيقاً مع تلك الآلة الموسيقيّة التي عزفت عليها، فتمكّنت من أن تجلو في ضحة نيّرة الأنغام الرّقيقة البهيّة لهذه القطعة الموسيقيّة التي عزفتها، ثمّ أقبلت بعد أن أنهت رانيا عزفها الطّالبة خلود كوراني لتعزف على آلة الفيولونسيل، فأسمعت الجمهور المحتشد في القاعة أنشودة الشّاعر للموسيقار غلازنوف، وكانت ماهرة في عزفها، إذ بيّنت الألحان الرّخيمة، التي تعبّر عن النّجوى التي تبثّها الأنغام الشّاكية المسترسلة في صفاء، في هذه القطعة الموسيقيّة البديعة.

ملاحظة: نشرت هذه المقالة في جريدة البعث بعنوان عازفون.. أصابعهم من ذهب، في عام 1989، وهذا الجزء الأوّل من هذه المقالة، التي نعيد نشرها حاليّاً في ثلاثة أجزاء.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (43)

سنة النّشر 2008

وكان موعد الحفلة الموسيقيّة الثّانية في مساء اليوم التّالي، وقد عزفت فيها ديالا حنانا طالبة الأستاذة ألماظ عبد الله يف، وأنهت ديالا سنتها الدّراسيّة الثّامنة، متابعة نجاحها البارز في العزف على آلة البيانو، وابتدأت في هذه الحفلة الموسيقيّة، بعزف الحركة الأولى من صونات بتهوفن رقم 17، والتي أطلق عليها اسم العاصفة، وكانت الأحاسيس التي كشفت عنها ألحان هذه الحركة متفاوتة، إذ جمعت الأنغام الموسيقيّة المتسلسلة بين صفاء الهدوء وحيويّة النّشاط، فكأنّما تظلّ تلك الألحان تفضي بالمرء إلى أحوال متجدّدة، دون أن يحدّها عائق من ذلك التّنقّل، ثمّ عزفت ديالا دراسة للموسيقار ليست، الذي كان عزّافاً بارعاً على آلة البيانو، فضلاً عن كونه مؤلّفاً لأعمال موسيقيّة رائعة، ويروى عن ليست أنّه حينما كان يفرغ من تأليف قطع موسيقيّة لآلة البيانو، يخمن ألّا يستطيع أحد أن يتقن تأديتها، لما يتطلّبه عزف تلك القطع الموسيقيّة من العازف الذي ينجز تأديتها، أن يتّسم بالبراعة والحذاقة، ولم يكن يتأتّى لأحد أن يجاري ليست، في امتلاك تلك الألمعيّة في العزف على آلة البيانو، وقد أجادت ديالا في عزف قطعة ليست، إذ أبرزت فيها مهارتها في العزف على آلة البيانو، ثمّ انتقلت ديالا إلى عزف مقدّمة لبروكوفييف، وقد طوّعت ديالا تلك الرّهافة التي تغلب على إحساسها، لإظهار الألحان الرّقيقة التي فاضت بها موسيقا بروكوفييف، ولا ريب في أنّ ديالا تحوز موهبة موسيقيّة، تدفعها إلى أن تشقّ طريقها صعداً نحو المراتب العالية للتّفوّق، فإن استمرّت في متابعة دراستها الموسيقيّة، فستكشف الأيّام القادمة عن العطاء الكريم، الذي ستجود به موهبة هذه الطّالبة البارعة في العزف على آلة البيانو.

أعقبت ديالا حنانا في العزف على آلة البيانو الطّالبة دانيا طبّاع، التي أنهت في العام الحاليّ سنتها الدّراسيّة الثّامنة، وهي طالبة الأستاذة سنثيا الوادي، وكانت دانيا عزفت في السّنوات الماضية في العديد من الحفلات الموسيقيّة، حيث جلت فيها عن موهبتها الموسيقيّة الفذّة، التي هيّأتها لتتبوّأ ذرى النّجاح في العزف على آلة البيانو، وإذا عمدت إلى التّلميح إلى تلك الحفلات، التي شكّلت سمة بارزة في مسيرة الطّالبة دانيا طبّاع في رحاب الفنّ، فلأؤكّد أنّ الوعود الطّيّبة، التي أتى بها نجاحها البارز في تلك الحفلات، قد رأى تحقيقها الجمهور الذي حضر هذه الحفلة الأخيرة التي أقيمت في المعهد، حيث توثّقت في نفسها القدرة الرّفيعة على العزف المتقن، وأخذت موهبتها السّبيل القويم إلى التّعبير عن مقدرتها الفنّيّة العالية.

ابتدأت دانيا بعزف دراسة لشوبان، وقد برز في تلك القطعة الموسيقيّة اللّحن، الذي انطلق في وقار معبّراً عن العواطف الجيّاشة التي تمور في النّفس، وأسهمت براعة دانيا في العزف، في ترسيخ الإعجاب الشّديد بموسيقا شوبان، في نفوس الأشخاص الذين استمعوا إلى تلك القطعة الموسيقيّة الجميلة، ثمّ انتقلت دانيا إلى عزف كونشيرتو بتهوفن رقم 5، الحركة الأولى، وقد رافقتها بالعزف على البيانو الأستاذة السّيّدة سنثيا الوادي، وأبدت دانيا جدّيّة فائقة في عزف تلك الحركة من هذا الكونشيرتو الشهير الذي يدعى بالامبراطور، ثمّ عزفت دانيا منفردة قطعة لتاكاتشيفيللي، سميّت بدوللي، وهي رقصة من جورجيا، وكانت هذه القطعة الموسيقيّة ألزم بعزفها كلّ من شارك في مسابقة تشايكوفسكي العالميّة عام 1978، وقد أجادت دانيا عزف هذا العمل الموسيقيّ، الذي كان إتقانها لعزفه تقييماً جليّاً لرفعة المستوى، الذي وصلت إليه في عزفها على آلة البيانو، وبعد أن أنهت دانيا عزف قطعة تاكاتشيفيللي، عمدت الطّالبتان إلى أن يتشكّروا لأستاذتيهما، وفاءً بالمعروف والصّنيع اللذين أسداتاهما إليهما، ولا ريب في أنّ أوّلئك الطلبة نالوا منهما الرّضى والثّناء على الجهود الطّيّبة التي بذلوها في هذه الحفلة الموسيقيّة.

ملاحظة: هذا الجزء الثّاني من المقالة، التي نعيد نشرها حاليّاً في جزأين اثنين، وقد كنت نشرت هذه المقالة في جريدة تشرين، في عام 1989.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (42)

سنة النّشر 2008

                             أصالة الموهبة وإتقان العزف

                 في حفلتي طلاب المعهد العربيّ للموسيقا بدمشق

استمرّ المعهد العربيّ للموسيقا بدمشق، طيلة السّنوات الماضية، على أن يقيم في نهاية كلّ عام دراسيّ، حفلات موسيقيّة، يعزف فيها على الآلات الموسيقيّة المختلفة، خيرة الطّلّاب الذين يتفوّقون في تأدية فحوصهم النّهائيّة، فتظهر تلك الحفلات الموسيقيّة مستوى التّطوّر الذي يرتقي إليه عزفهم للمؤلّفات الموسيقيّة، كما تكشف عن مقدار الجهد الذي يبذله أولئك الطّلبة، في تحصيلهم الأسس والقواعد العلميّة التي تقوم عليها دراستهم الموسيقيّة، وقد مضت خاتمة السّنة الدّراسيّة الحاليّة على ذلك المنوال، إذ أقام المعهد حفلتين موسيقيّتين، جرتا في يومين متعاقبين، فقدّم في الحفلة الأولى عازف الفيولونسيل أثيل حمدان، الذي أتمّ دراسته في المعهد في العام الفائت.

أتاح المعهد في الحفلة الأولى للخرّيج أثيل حمدان، الذي يتابع دراسته الموسيقيّة في مراحلها العليا، أن يعاود التقاءه مع الجمهور الذي استمع إلى عزفه على آلة الفيولونسيل في سالف الأيّام، حينما كان طالباً في المعهد العربيّ للموسيقا بدمشق، حيث أمضى أثيل تسع سنوات، مواظباً على الدّراسة في المعهد، قبل أن يحصل في إثر تخرّجه في العزف على آلة الفيولونسيل، على منحة دراسيّة مكّنته من أن يتابع دراسته في المعهد العالي بأوديسا في الاتّحاد السّوفيّيتي، ويمتلك أثيل مؤهّلات عالية، تمهّد له السّبيل ليغدو عازفاً منفرداً ماهراً على آلة الفيولونسيل، وظهر تأصّل الموهبة فيه، عندما عزف مع فرقة المعهد العربيّ لموسيقا الحجرة في العام المنصرم كونشيرتو فيفالدي لآلتي الفيولونسيل، إذ أدّى دور العازفين المنفردَين في هذا الكونشيرتو، أثيل حمدان والأستاذ راسيم عبد الله يف.

استهلّ أثيل الحفلة بعزف أربع حركات من متتاليات الفيولونسيل رقم _ 3 _ للموسيقيّ الألمانيّ باخ، وإذا كان يستوجب على العازف الذي يقدم على عزف الأعمال الموسيقيّة التي ألّفها باخ للآلات الوتريّة، أن يتدرّب ذلك العازف على كافّة أساليب وطرائق العزف، بيد أنّ لا تقتصر الأسباب التي تؤدّي إلى إجادة عزف تلك المؤلّفات، على تلك المهارة التي يقتضي أن يتّصف بها كلّ من يعزف الأعمال الموسيقيّة التي أبدعها باخ، بل تمتدّ إلى وجوب امتلاك القدرة على تصوّر تلك الأحاسيس الدّقيقة، التي تفصح عنها موسيقا باخ، وقد أجاد أثيل في عزف تلك القطعة الموسيقيّة، لتمكّنه من تحقيق تلك الشّروط التي ينهض عليها إتقان العزف، فكان أداؤه في دقّة تعبيره، ملائماً لما توحي إليه موسيقا هذه القطعة الموسيقيّة، من التّبصّر في المشاعر المتوارية في مكامن النفس، وقد حافظ أثيل على تمكّنه من تمثّل تلك الأحاسيس، التي عبّرت عنها بقيّة الأعمال الموسيقيّة التي عزفها في هذه الحفلة، إذ أظهر في جلاء تلك الفرائد من خبايا المشاعر، التي تختزنها تلك المؤلّفات الموسيقيّة في ألحانها البديعة.

ولم يكد ينهي عازف الفيولونسيل أثيل حمدان عزف متتاليات باخ، حتّى أخذ يتهيّأ لتأدية الأعمال الموسيقيّة المتبقيّة في برنامج هذه الحفلة، إذ رافقته في عزف هذه المؤلّفات الموسيقيّة، السيّدة سنثيا الوادي التي عزفت على آلة البيانو، وكانت القطعة الثّانية التي عزفها هذان العازفان توكاتا، وهي قطعة مرتجلة للموسيقيّ فريسكو بالدي، الذي يعتبر في عداد قدامى الموسيقيّين الإيطاليّين، وقد تبدّى في هذه القطعة الارتباط بين آلتي البيانو والفيولونسيل، اللتين لأم بينهما اللّحن الذي اندفع متسارعاً في حيويّة أخّاذة، ثمّ عزف هذان العازفان قطعة رومانس للموسيقار شتراوس، وهي أغنية حوّل عزفها إلى آلة الفيولونسيل، وتميّزت تلك القطعة الموسيقيّة الجميلة باللّحن الصّادر من آلة الفيولونسيل، والذي أقبل مترسّلاً باسطاً فسحات التّخيّل للإنسان، الذي يستمع إلى أنغام هذه القطعة الموسيقيّة، وأسهمت هدأة اللّحن الرّقيق الذي صدر من آلة البيانو في إبراز تلك الرّقّة، التي مازجت اللّحن المنبعث من آلة الفيولونسيل، ثمّ استمع الجمهور في هذه الحفلة الموسيقيّة إلى قطعة موسيقيّة لإيبير، الذي يعدّ معاصراً لموسيقيّي القرن الحاليّ، وقد أظهر لحن هذه القطعة، والذي تراوحت في عزفه آلتا البيانو والفيولونسيل، رشاقة انتقال العزف بين هاتين الآلتين، واختتمت الحفلة بعزف كونشيرتو من ثلاث حركات لهايدن، وقد عبّرت المناغمة العذبة التي وشّجت بين الفيولونسيل والبيانو، عن الدعة الفتّانة التي تجنح إليها موسيقا هذا الكونشيرتو، وإذا كانت براعة أثيل حمدان في العزف تجلّت في جلاء نيّر في هذه الحفلة التي أقيمت في المعهد، فلا ريب في أنّ تلك المرتبة العالية التي تبوّأها في العزف، سيزداد ارتفاعها علواً لتبرز ذلك التفوّق، الذي يحقّقه دوماً في العزف على آلة الفيولونسيل.

ملاحظة: هذا الجزء الأوّل من المقالة، التي نعيد نشرها حاليّاً في جزأين اثنين، وقد كنت نشرت هذه المقالة في جريدة تشرين، في عام 1989.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (41)

سنة النّشر 2008

س: يدرك الجمهور المتتبّع لنشاط المعهد العربيّ للموسيقا بدمشق، أنّ  العطاء الذي يبذله ذلك المعهد، يتخطّى قدر ما تهيّئ الوسائل المتوفّرة للمعهد أن يقدّمه، فهل تفي تلك الوسائل الموجودة لديكم حاليّاً، بتقديم العون لكم في تحقيق تلك الآمال التي تمتلئ بها نفوسكم؟

ج: ضمن حدود الواقع، يقدّم لنا كلّ ما هو ممكن، فلدينا الآلات الموسيقيّة الجيّدة، وإن كنّا نأمل في أن تخفّض الضّرائب على الآلات الموسيقيّة، وألّا تعتبر كموادّ كماليّة، فآلة مثل الفيولونسيل أو البيانو هي مرتفعة الثّمن، فلو تيسّر الحصول عليها بأسعار مخفّضة، لتمكّن عدد كبير من الطّلبة من التّدرّب على تلك الآلات في ظروف جيّدة، وملائمة لدراستهم الموسيقيّة.

س: لم يكتف المعهد بتخريجه العازفين المهرة، بل امتدّ سعيه إلى أن يزيد أعداد أفراد ذلك الجمهور الواعي والمتذوّق للموسيقا الجادّة، فهل ترى الفرصة مهيّئة للمؤسّسات الإعلاميّة والثّقافيّة الأخرى، لأن تقتدي بكم في جعلكم أعداداً متزايدة من النّاس تتابع النّشاط الموسيقيّ الجادّ، بعد أن وجد هذا الجمهور في متابعته تلك الأعمال الفنّيّة التي تقدّمونها المتعة والفائدة؟

ج: لا شكّ في أنّ المؤسّسات الإعلاميّة بإمكانها المشاركة في ذلك النّشاط الموسيقيّ، لو اقتنعت بأهمّيّة الثّقافة الموسيقيّة، فلو وجدت البرامج التّلفزيونيّة والإذاعيّة المتخصّصة بهذا المجال، لساهمت مساهمة كبيرة، إضافة إلى عملنا، في توسيع رقعة التّذوّق الموسيقيّ بين الجماهير الكبيرة، وفي إيجاد نافذة يبرز منها الشّباب الموهوبون، الذين نقدّم لهم تشجيعاً كبيراً في إتاحة فرصة الظهور لهم، أمام تلك الجماهير التي ترغب في الاستماع إلى عزفهم.

س: يكاد ينفرد المعهد بتحمّل تحقيق تلك المهامّ التي تتمثّل في الحفاظ على فنّ الموسيقا الجادّة، فما هي الأسس التي اعتمدها المعهد لإنجازه تلك المهامّ؟

ج: منذ إنشاء المعهد عام 1961، ونحن العاملون فيه، نحاول جاهدين أن نسدّ الثّغرة الموجودة في واقع الموسيقا في المجتمع، فعملنا على تقديم منهاج دراسيّ لطلبة المعهد، يقوم على أسس علميّة صحيحة، وهيّأنا لهم الاطّلاع والتّعرّف على نتاج الثّقافة الموسيقيّة العالميّة، وإن كنّا نشجّع دوماً الطّلبة المتفوّقين، فإنّنا نتابع أيضاً ناصحين الطّلبة المقصّرين في دراستهم الموسيقيّة، فإذا لم يجتهد أولئك الطّلبة في تلك الدّراسة، ولم يأخذوها مأخذاً جادّاً، فإنّهم سيتعرّضون للفصل من المعهد، ويكون التّقدير في هذه الحالة مبنياً على التّقييم الحقيقيّ لنشاط أولئك الطّلبة، وأعتقد أنّ أهالي الطّلبة يتفهّمون جيّداً ذلك الأمر، ويدركون حرصنا على تنفيذ مهامّنا، التي يتوجّب علينا أن نؤدّيها، وتلك المهامّ تتمثّل في إيجاد جيل يحمل رسالة الموسيقا لخدمة بلدنا، وكلّ من يبذل جهده في ذلك السّبيل، فهو يعمل متكاتفاً معنا، ونعتبره منتمياً إلينا.

                                    أجرى الحوار: أيمن هلال

ملاحظة (1): هذا الجزء الثّالث من المقابلة، التي نعيد نشرها حاليّاً في ثلاثة أجزاء.

ملاحظة (2): نشرت هذه المقابلة مع الموسيقار صلحي الوادي في جريدة تشرين، في عام 1989.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (40)

سنة النّشر 2008

س: هل توجد عوائق أخرى تسهم في التّسبّب بإضاعة قدرات أصحاب المواهب، وتمنعهم من أن يواصلوا في مزاولة نشاطهم الموسيقيّ؟

ج: تكاد فكرة امتهان العمل الموسيقيّ ما زالت بعيدة عن قناعة الفئة الكبرى من مجتمعنا، وكثير من أهالي الطّلبة يرفضون الفكرة التي تتمثّل في أن يمتهن أبناؤهم النّشاط الموسيقيّ، وربّما لا يرفضون أن يتابعوا العمل الموسيقيّ ضمن الهواية، ولكنّ حينما يكتشفون أنّ أبناءهم راغبون في الاستمرار بدراسة الموسيقا ثمّ الالتزام بنشاطها، تحدث عندئذ مناقشات حادّة بين الأهل وأبنائهم، وغالباً ما تكون إدارة المعهد هي الضّحية، فحينما ندرّس لدينا في المعهد شابّاً أو فتاة، مدّة تتراوح بين الثّماني والتّسع سنوات، ثمّ يقرّر أهل ذلك الشابّ أو تلك الفتاة أن يتابع أبناؤهم دراسة الطّبّ أو الهندسة مثلاً، فإنّ هذا الشابّ أو تلك الفتاة، لم يحقّقا آمالنا التي نطمح إليها في نطاق الموسيقا، ولكنّ لا نستطيع أن نعتبر ذلك ضياعاً لأنّنا أسهمنا في تكوين مواطن يحمل ثقافة موسيقيّة في المجتمع، وهو سيعمل بكلّ تأكيد على أن يشجّع أبناءه على تعلّم الموسيقا، ولن يقف عقبة أمام رغبتهم في مزاولة العمل الموسيقيّ، فيتيحون لأبنائهم أن يحقّقوا ما عجزوا هم عن تحقيقه، ولا يعارضون رغبة أبنائهم في متابعة دراسة الموسيقا، وذلك ما يحدث عندنا حاليّاً، فأرى رغبة شديدة من قبل آباء وأمّهات كانوا طلّاباً لدينا في الماضي، في أن يتابع أبناؤهم نشاطهم الموسيقيّ.

س: دأبتم في السّنوات الأربع الماضية في إقامة حفلات لموسيقا الحجرة، وكنتم في كلّ عام تحقّقون نجاحاً يزيد على ما حقّقتم من التّفوّق في العام الذي كان يسبقه، فإلى أين تطمح أن تصل مسيرة هذا التّطوّر؟

ج: أودّ أن أشير في البدء إلى العوامل التي ساهمت في تشجيعنا المستمرّ على ذلك التّطوّر، فنحن في المعهد فخورون بالجمهور الكبير الذي يحضر حفلاتنا، ويتابع نشاطنا، ونعتبره مشجّعاً حقيقيّاً لاستمرارنا في أداء عملنا، إضافة إلى الدّعم الكبير جدّاً، سواء أكان مادّيّاً أم معنويّاً، والذي حصلنا عليه من وزيرة الثّقافة، التي مكّنتنا من أن نجد عملاً للعديد من خرّيجي المعهد الذين اشتركوا في تلك الحفلات، فقدّموا عملاً مثمراً ثقافيّاً وفنّيّاً، وله مردود مادّيّ، وذلك لم يكن يحدث من قبل، ويعود تطوّر مستوى الطّلبة الذي أشرت إليه، إلى التّدريب المستمرّ الذي يعدّه لهم أساتذتهم، وإلى التّدريب الجماعيّ الذي أشرف عليه، ويساعدني في أداء هذه المهمّة، الأساتذة السّوفييت، والأساتذة الخرّيجين من المعهد، وهو تدريب دقيق جدّاً، نولي كلّ فرد من أعضاء الفرقة الكبيرة اهتماماً بالغاً، وأستمع إلى كلّ طالب إفراديّاً خلال ثمانية أشهر، منذ مطلع شهر أيلول حتّى شهر نيسان، وذلك يتعلّق بالسّتين طالباً من أعضاء فرقة المعهد، فترتفع مهارتهم التّقنية باستمرار، ويصبح العمل الموسيقيّ الذي يسمعه الجمهور أكثر إتقاناً، وتلك غاية نسعى دوماً إليها، ونكون بذلك قد أهّلنا أولئك الطّلبة للمرحلة التي نعمل على إدراكها، وهي تكوين الفرقة السّيمفونيّة.

                                    أجرى الحوار: أيمن هلال

ملاحظة (1): هذا الجزء الثّاني من المقابلة، التي نعيد نشرها حاليّاً في ثلاثة أجزاء.

 

ملاحظة (2): نشرت هذه المقابلة مع الموسيقار صلحي الوادي في جريدة تشرين، في عام 1989.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (44)

سنة النّشر 1987

سرنا في طريق ممتدّ، قاصدين حيّ أبو رمانة، فجزنا ساحة عرنوس والطّرقات المتفرّعة حولها، وعنّ بفكري أن أشير لها إلى السّبيل الذي يؤدّي إلى مسكني، ولاح في فكري هذا الخاطر، وقد كنّا نخطو تجاه الشّارع الذي يفضي إلى حوالي منزلي، فألمحت إليه بإشارة مقتضبة، وخطر لي أن أدعوها إلى داري الذي أسكنه، لنخفّف فيه عن أوصالنا التّعب، الذي سببّه لنا ذلك المسير الذي واصلناه، فبرزت دوني العوائق والموانع من غير أن أتمكّن من أن أتخطّاها، فكنت أدرك الحوائل، التي تعترض سبيل نشوء بعض العلائق الاجتماعيّة بين النّاس، وأعرف تلك الحواجز المنتشرة بعقباتها الشّائكة بين القوم، وإن تحرّر فكري من أصفاد تلك العوارض الشّائعة، أظلّ أميل إلى مراعاة المظهر، الذي تبدو فيه تلك الرّوابط السّائدة بين أفراد البشر، فلم أشأ أن أجهر صراحة برغبتي في أن أوجّه إليها تلك الدّعوة، التي افتكرت فيها، فعزمت على أن أبادر إلى التّحدّث عن الأشياء التي كانت ظاهرة حولي، علّني أثير اهتمامها بمنظر أشاهده، إلّا أنّي رأيتها تهمس إليّ قائلة:

يخلق بي أن أعرف مكان المسكن الذي تقطن فيه، من دون أن تخبرني عنه، فمعالم الحيّ الذي يسكن فيه المرء، تلقي بأخيلتها على معارفه، لتنعكس صورها على ملامحه، وهو يتعطّر بأريج المحلّة التي يستقرّ بها، فيعبق به وتلازمه تلك الرّائحة، أنّى حلّ وارتحل، ومن تحط به منابت الأزاهير، لا يستطيع أن يتجرّد من عطرها الفوّاح، وربّما صرف انتباهي عن المثوى الذي تحلّ به، وجودك إلى جانبي الآن، وإنّي لأتوق إلى الاطّلاع على هذا المكان الذي نشأت فيه، وأتشوّق إلى رؤيته، وقد ظللت إلى هذه الآونة من العمر منفرداً بنفسك في هذا المنزل، فلا يؤنسك أحد في عزلتك، ولا بدّ من أنّك قد خلّفت فيه أثارة تدلّ على طباعك، وتركت فيه أمارة تشير إلى سجاياك، فإن لمحت تلك الأشياء، تف تلك المشاهدة بإتمام تلك الصّورة التي شكّلتها في خيالي، عن طبيعة شمائلك، فتتّضح لي حقيقة تلك الهيئة التي تصوّرتها، بما حوته من ظلال وارفة، وما تضمّنته من مخايل شفّافة.