تمضي الأحداث متعاقبة في مسيرة الزّمن، التي تجري فيه حياة النّاس، وكان ذلك الزّمن الممتدّ، يتحدّد بمراحل متعاقبة، حيث كانت الأوقات التي يمرّ بها البشر، تقسّم إلى فترات متتالية، تزخر بتلك الأفعال التي كان يأتيها أولئك النّاس، الذين كلّما بلغوا غاية كلّ مرحلة من أطوار ذلك الزّمن، يلقون بنظرهم إلى مجرى الأيّام المنصرمة، ليراجعوا تلك الأحداث التي مضت فيها، ويستطلعوا حصيلة تلك الوقائع التي توالت في مجرى حياتهم، ويجهد هؤلاء النّاس في أن يقيسوا المدى الذي بلغته  مساعيهم في تحقيق رغائبهم، وقد كان أفراد عديدون في أغلب الأحيان، ضّيقي الباع وقصيري الذّراع عن أن يؤثّروا في مصير تلك الأشياء، التي عكفوا على مراجعتها، وفي أوقات عديدة، لم يكن لهم حول ولا طول في أن يحدّدوا بملء رغبتهم، المسار الذي تتّبعه الأحداث التي يمرّون بها، ولم يكن في الآن ذاته، يستطيعون أن يحجموا عن متابعة جريان تلك الوقائع المتعاقبة، التي كان تؤثّر في أحوال معيشتهم، مهما بلغ مقدار ذلك التّأثير، سواء أكان صغيراً أم كبيراً،فلا غرو من أن يميل هؤلاء النّاس إلى استطلاع مقدار النّفوذ، الذي كان يتأتّى لبعض الأشخاص أن يمتلكوه، في التّأثير الذي يخلّفونه في تلك الوقائع التي يتصدّون لها، وبات هؤلاء النّاس القليلو الحيلة في تذليل العديد من تلك العقبات، التي كانت تعترض دون أن يبلغوا مراميهم، مهيّئين لتقبّل فكرة البحث عن شخصيّات الأفراد، الذين حازوا القدرة على توجيه مجرى الأحداث في حقبة زمنيّة محدّدة.

لا عجب في إقدام وسائل الإعلام على أن تبحث عن تلك الشّخصيّة المؤثّرة في مسار الأحداث، وفي أحوال تلك الوقائع التي يمرّ بها النّاس، فتندفع تلك الأجهزة الإعلاميّة في أن تستطلع باحثة عن تلك الشّخصيّات، التي امتلكت قياد ذلك التّأثير، ليتسنّى لها أن تحدّدها، وتعلن أسماءها وتقدّمها إلى النّاس في فترات زمنيّة منتظمة، وكنت ناقشت سابقاً ملابسات عمليّة اختيار وانتقاء تلك الشّخصيّات، التي كان يطلق عليها اسم شخصيّة العام، وفي زمن مضى، كان يطلق عليها اسم رجل العام، وبيّنت الدّافع الذي حذا بعض الوسائل الإعلاميّة، إلى اختيار الشّخص الأكثر تأثيراً في مسار أحداث الحياة، بغضّ النّظر عن طبيعة ذلك التّأثير، وكان الأشخاص الذين يراقبون ويتابعون عمليّة ذلك الاختيار، غالباً ما يعيشون على هامش الأحداث، حيث لم يكن يتأتّى لهم أن يحقّقوا التّأثير الظّاهر في مسار الوقائع، وكان عدد هؤلاء الأشخاص كبيراً جدّاً، ويطلق عليهم اسم عامّة النّاس، وإن وجب على الإنسان الذي يتأمّل في أحوال هؤلاء الأشخاص، ألّا يقلّل من شأن الإمكانيّات التي يحوزونها، فقد تكون حالت موانع قاهرة دون أن يتمكّنوا من أن يفصحوا عنها، ويستخدموها في أثناء ممارستهم أنشطتهم المتنوّعة.

كان يوضع في اعتبار تلك الأجهزة الإعلاميّة، أولئك الأفراد الذين تمكّنوا من أن يتخطّوا النّاس، ليندفعوا في تحقيق نفوذهم المؤثّر في تسيير دفّة أحداث هذه الحياة، إلّا أنّ كلّ تلك الأوضاع والأحوال التي كنت ذكرتها آنفاً، قد انقلبت رأساً على عقب، بعد حدوث التّطوّر التّكنولوجيّ في عالم الرّقميّات، الذي برزت أداة رئيسيّة فيه، هي جهاز الحاسوب "الكمبيوتر"، حيث حدث تغيير جذريّ في تهيئة الفرص، وتمهيد السّبيل لإظهار إمكانيّات، كانت كبيرة ومتوارية في أعماق نفس كلّ أفراد البشر، فإذا كانت وسائل الإعلام اعتادت في سنوات عديدة أن تجري استفتاءاتها وتنجز عمليّات استطلاعاتها، لتحديد شخصيّة العام، فإنّ إحدى المجلّات، قد استشعر العاملون فيها، بذلك التّغيير الحاصل في العالم، وهم رصدوا واقع الحياة، ونظروا في الأحداث الطّارئة على معيشة النّاس، فوقع اختيار تلك المجلّة في عمليّة تحديدها شخصيّة العام، على الإنسان العاديّ، الذي حدّدت صفته بكلّ شخص في هذا العالم، وفي هذا التّعريف العامّ، اكتفت تلك المجلّة بأن تقول أنّ شخصيّة العام هو أنت ذاتك الشّخص الذي كان يجهد في أن يتعرّف على نتيجة الاستفتاء والاستطلاع، اللذين يجريان في ختام كلّ عام، ففاجأت ذلك الشّخص العاديّ تلك المجلّة، التي خاطبته قائلة "أنت شخصيّة العام"، فاعتباراً لهذا الموقف الذي سيصير إليه الإنسان الذي سيشعر بتلك المفاجأة، تحقّق إظهار السّمات العادية التي تتّصف بها شخصيّة ذلك الإنسان، الذي أصبح يصنع مصيره بملء إرادته.

أرادت المجلّة أن تؤكّد اختيارها ذلك الإنسان العاديّ ليكون شخصيّة العام، فرسّخت تلك النّتيجة التي توصّلت إليها، بقرارها أن تتصدّر كلمة أنت بأحرفها الثّلاثة، على غلاف المجلّة، حيث ظهرت أحرف تلك الكلمة بارزة واضحة، وقد تضمّن الخطّاب الموجّه إلى ذلك الإنسان الذي اختارته تلك المجلّة، مضامين توضّح أسباب ذلك الاختيار الذي اعتمدته تلك المجلّة، فخوطب ذلك الإنسان العاديّ بتلك العبارات "نعم أنت، أنت تتحكّم في عصر المعلومة، أهلاً بك في عالمك"، وتوالت كلمات ذلك الخطاب مبيّنة "أنّ عصر الرّجل العظيم الذي تحدّث عنه الفيلسوف الأسكتلنديّ توماس كارلايل حيث (العالم ليس إلّا سيرة للرّجال العظام) لم يعد موجوداً لأنّ هذا العالم الآن هو ملك للأفراد العاديّين"، وإن كان هذا الاختيار الذي اعتمد كان مطلقاً من أيّ قيد، إلّا أنّ أوضحت المجلّة فاعليّة استخدام الإنسان العاديّ جهاز الحاسوب "الكمبيوتر"، وهو الأداة التي استخدمها الإنسان ليتاح له أن يتوغّل في العالم الرّقميّ، فالحاسوب "الكمبيوتر"، لم يكن شأنه كنافذة تتيح للإنسان الاطّلاع على آفاق واسعة من العالم فحسب، بل هذا الجهاز كان بوابة كبيرة، يدخل منها الإنسان إلى عالم رقميّ يختلف عن العالم، الذي اعتاد أن يعيش فيه.

لم يعد الإنسان يكتفي بإلقاء نظرة من النّافذة، إلى أرجاء فسيحة ممتدة أمامه، مثلما كان شأن الأشخاص، الذين يكتفون بأن يتابعوا أطياف الأحلام التي تجول في خيالهم، بل أراد الآن ذلك الإنسان، أن يجتاز الباب العريض، لينطلق إلى عالم جديد ينفتح عليه ذلك الباب، وهو ذلك "المجتمع الموحّد والمتعاون من أجل المعرفة والتّقدّم الفكريّ، هو ال"World Wide Web WWW"، الذي استطاع جمع العالم بأسره في شبكة واحدة، يتبادل روّادها المعلومات من دون أيّ مقابل"، فظهرت في هذا العالم الرّقميّ إمكانيّات الإنسان المتوارية وبرزت مؤهّلاته الكامنة، وباعتقادي أصبح الاستثمار في تقنيات العالم الرّقميّ وشبكات الأنترنت، هو استثمار في طاقات الإنسان الثّمينة، فغدا الفرد يستطيع أن يمتلك قياد التّأثير في مسار الأحداث، إذ أتاحت له الوسائل المتوفّرة في عالم الرّقميّات، أن ينطلق إلى التّعبير عن مؤهّلاته وأن يسهم بفعّاليّة في الأنشطة المعروضة في محتويات تلك الشّبكة العنكبوتيّة "الأنترنت"، وأصبح يستطيع أن يصوغ مصيره، ويتحكّم مسيطراً بتحديد مسار تلك الأحداث التي تظهر في حياته، فغدا يعيش حقّاً في عالمه الشّخصيّ.

إنّ الإنسان الذي حظي باختيار هذه المجلّة، إن لم يكن في الماضي، يتميّز بأيّة سمة تؤهّله للبروز والظّهور في العالم الذي يعيش فيه، حيث كان يتّصف بسمة الفرد العاديّ، إلّا أنّ في الوقت الحاليّ، فإنّ السّمة التي تدل على حالة واسعة وشديدة العموميّة في تعيين شخصيّة الفرد، باتت هي الخاصّيّة المميّزة الذي يبرز بها ذلك الإنسان العاديّ، وقد أدّى ظهور العالم الرّقميّ إلى حدوث تغيير ملموس ومعتبر في العالم، الذي اعتاد النّاس أن يعيشوا فيه، وقد تنبّهت المجلّة بالإضافة إلى كثير من الباحثين، لأهمّيّة الجهود المتضافرة التي يبذلها أولئك الأفراد الذين ينطلقون في شبكات الأنترنت، فأخذت كبريات الشّركات العالميّة تسعى إلى أن تستفيد من ذلك الكنز المتواري، عند الأشخاص الذين يدخلون عالم الأنترنت، وبدأ كلّ منها يفسح المجال لاستقطاب هؤلاء الأفراد، ولتحفزهم على المشاركة في مجال نشاطها الخاصّ، فبدأ ذلك الشّخص العاديّ يملأ عالم الرّقميّات بنتاجه وإبداعه الشّخصيّين، وقد سجّلت تلك المجلّة عبارتها التي خاطبت بها شخصيّة العام، على غلافها الخارجيّ، لتنبئ كلّ قارئ يتصفّح هذه المجلّة، بأنّه أصبح شخصيّة العام، وهي كانت أيضاً عرضت موقعها الألكترونيّ على الأنترنت، لاستقبال القرّاء الزّوار الذين يرغبون في قراءة هذه المجلّة، والذي أصبح كلّ منهم أيضاً شخصيّة العام.

 

كانت تلك المجلّة سبّاقة إلى إعلان ذلك الاختيار الذي فاجأت به النّاس، حوالي منتصف العقد الأوّل من هذا القرن الحاليّ، بينما كانت الأعناق مشرئبة والأبصار شاخصة، إلى معرفة اسم الشّخصيّة، التي وقع عليها الاختيار لتغدو شخصّية العام، فأشادت تلك المجلّة بالمسعى البارز الذي يحقّقه الإنسان، الذي يدأب في أن يدخل إلى عالم تكنولوجيا المعلومات، فكان يدلّ هذا الاختيار على كلّ الأفراد على سطح هذه الأرض، من دون أن يستثني أحداً، لأنّ المشاركة والتّواجد في هذا العالم الرّقميّ، وفي شبكة الأنترنت هو متاح لكلّ النّاس، وإذا كان جهاز الحاسوب "الكمبيوتر"، يعتبر الباب الذي دخل منه الإنسان إلى العالم الرّقميّ، فإنّه قد تحقّق تأكيد أهمّيّة ذلك الجهاز، من قبل، إذ اختارت تلك المجلّة ذلك الجهاز الألكترونيّ قبل حوالي خمس وعشرين سنة، ليكون جهاز الحاسوب "الكمبيوتر" آلة العام، فحظي ذلك الجهاز بذلك التّكريم، قبل زمن مديد من ذلك الوقت، الذي جرى فيه اختيار ذلك الإنسان الذي دأب في أن يستخدم ذلك الجهاز، ليكون شخصيّة العام، فنشأ ترابط متين بين أجهزة الحواسيب "الكمبيوتر"، والنّاس، الذين ظهرت بينهم علاقات لم تكن مألوفة ومعهودة من قبل كثيراً، بعد أن دخلوا إلى ذلك العالم الرّقميّ، الذي تسبّبت أجواؤه، بإحداث ذلك التّغيير الظّاهر في الرّوابط التي تجمع بين أفراد البشر.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (42)

سنة النّشر 1987

 

لم يكن تأثّري العميق وفتنتي الرّاسخة بشمائل نادية، ينجمان عن ولع يضرم أواره إحساس بالمحبّة، أو وله تؤجّج وقده عاطفة الهيام، فإنّي لا أكاد أدرك روعة فعالها ورفعة خصالها، إلّا بما تقرّره بصائر ذهني من حقيقة سجاياها، فأتجاهل تلك النّعوت التي يمليها عليّ، ضرام الغرام الذي ألهبت نادية في نفسي نيرانه، فلا أفضي إليها بتلك العبارات، التي توحيها إليّ أطياف الهوى الحائمة في خيالي، فلا ألقي على مسامعها، الخواطر التي تثيرها في فكري تلك العواطف الجيّاشة، ولا أجهر بالكلمات، التي يؤكّد فحواها مسعاي في أن أتغزّل بصفاتها التي تزخر بها، وتفخّر بتحلّيها بها، فلم أكن أعتدّ بحقيقة مشاعري الثّابتة، ولم أعوّل عليها، لأنّها كانت تريدني أن أجلّ شأنها وأبجّل أمرها، بعد أن أقدح ذهني في تبصّر خصالها، كي يكتمل آنئذ زهوّها ويتمّ فخرها، فأنشات في خلقي سمة مختلفة عمّا عهدته في نفسي من الطّباع، وأنا كنت أميل إلى الأشياء وأطري أحوالها، بمقدار تمكّنها من أن تستهوي مشاعري، وتستحوذ على أحاسيسي، من دون أن أعمل ذهني في أن أتبيّن حقيقة شؤونها.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (42)

سنة النّشر 1987

 

لم يكن تأثّري العميق وفتنتي الرّاسخة بسمات شخصيّة نادية، ينجمان عن ولع يضرم أواره إحساس المحبّة، أو وله تؤجّج وقده عاطفة الهيام، فإنّي لا أكاد أدرك روعة فعالها ورفعة خصالها، إلّا بما تقرّره بصائر ذهني من حقيقة سجاياها، فأتجاهل تلك النّعوت التي يمليها عليّ، ضرام الغرام الذي ألهبت نادية في نفسي نيرانه، فلا أفضي إليها بتلك العبارات، التي توحيها إليّ أطياف الهوى الحائمة في خيالي، فلا ألقي على مسامعها، الخواطر التي تثيرها في فكري تلك العواطف الجيّاشة، ولا أجهر بالكلمات، التي يؤكّد فحواها مسعاي في أن أتغزّل بصفاتها التي تزخر بها، وتفخّر بتحلّيها بها، فلم أكن أعتدّ بحقيقة مشاعري الثّابتة، ولم أعوّل عليها، لأنّها كانت تريدني أن أجلّ شأنها وأبجّل أمرها، بعد أن أقدح ذهني في تبصّر خصالها، كي يكتمل آنئذ زهوّها ويتمّ فخرها، فأنشات في خلقي سمة مختلفة عمّا عهدته في نفسي من الطّباع، وأنا كنت أميل إلى الأشياء وأطري أحوالها، بمقدار تمكّنها من أن تستهوي مشاعري، وتستحوذ على أحاسيسي، من دون أن أعمل ذهني في أن أتبيّن حقيقة شؤونها.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (41)

سنة النّشر 1987

حلّ موعد لقائي مع نادية عند الأصيل، بعدما ينهي كلّ منّا تأدية مهامّ عمله اليوميّ، وكنّا حدّدنا موقع تلاقينا بالقرب من حديقة المزرعة، فأدركت ذلك المكان في الموعد المعيّن، وألفيت نادية تسير نحوي بخطوات متباطئة، وتتألّق في مقلتيها تلك النّظرات التي تلقيها إليّ، فتطرح بخواطرها في تلك الإيماءة السّاحرة، التي أشرقت وامضة في محاسن وجهها، فيمتدّ شعاعها إلى نفسي، لتبعث فيها التّأثّر الدّفين والتّهيّج المكين.

حيّتني بوجه طلق المحيّا وضّاح الأسارير، فوقفت إزاءها صفيّ النّفس ساجي الطّرف، فأطرح عن كياني الأهواء الوضيعة، وأنزّه نفسي عن الأسواء الشّنيعة، وأكتسي حلّة زاهية من الطّهارة والرّفعة.

مشينا إلى جانب سور حديقة المزرعة، وشرعنا في الحديث بادئ بدء بلهجة سويّة، لا يشوب صوتنا في كلامنا، ارتعاش ولا يتخلّله تهدّج، ولا يدرك عباراتنا التي تفوّهنا بها، جيشان خواطرنا، ولا تلقي نيران النّوى المشبوبة في أعماقنا، بحرّها ولهبها المتّقد، على ألفاظنا التي نطقنا بها، واستمررنا على أن نفيض بتلك الكلمات المتزاحمة على أسلة اللّسان، وكنا نمسك متعمّدين عن الإفصاح عن تلك اللّواعج التي تكمن في ثنايا نفسينا، فنحجم عن الكلام، ونضرب عن الاسترسال في الحديث، إن مازجت عباراتنا نغية أو همهمة، تكشفان عن تلك المشاعر المضمرة المتوارية، فأقمنا في حوارنا تلك التّخوم التي لا نجوزها، وبنينا تلك السّدود التي لا نتخطّاها، ولم تلبث الخواطر المضيئة والأفكار النّيّرة التي جالت في ذهن نادية، أن شعّ وميضها اللّامع مجلّلاً جبينها المشرق، فتزهو طرّة(34) وجهها بأفانين المناجاة وأسحار البيان، فلا أصحو من شرودي إلاّ بعد أن يصافح سمعي نغم صوتها العذب، الذي يتغلغل في حنايا نفس ويدوّي فيها.

 

الطّرّة: الجبهة.



تتميّز العديد من الأنشطة المتنوّعة التي يزاولها النّاس، بمجموعة من الخصائص، التي تعيّن الحدود الفاصلة بين تلك الأنشطة المتعدّدة، وتعيّن معالم الاختلاف فيما بين تلك الأنشطة قواعدَ محدّدة، تنشئ أساس كلّ إطار يحيط بأحد تلك الأنشطة التي يمارسها الإنسان، فتحدّد تلك القواعد الميادين التي تظهر فيها الطّاقات المبذولة والأنشطة الممارسة، التي تتّسم كلّ منها بطابع خاصّ، تتميّز به عن سائر الأفعال التي يأتيها النّاس، وتلك القواعد التي تحدّد النّشاط الرّياضيّ، تعيّن خصائص الجهود التي يفرغها الإنسان في أفعال، ينتظم فيها ذلك النّشاط الرّياضيّ، فتعرّف الرّياضة بمفهومها الذي يعيّن بحسب تلك القواعد، التي اتّفق النّاس على أن يقرّوها، حيث ذكر أنّها تتحدّد في "أداء مجهود جسديّ عاديّ، أو ممارسة مهارة معيّنة، وتحكمها مجموعة من القواعد والخطوات، ويكون الهدف منها التّميّز، والمتعة، والترّفيه، وتطوير المهارات، والمنافسة"، فنتبيّن أنّ القواعد التي تنظّم ذلك المجهود هي متواضع عليها، حيث اتّفق على أن تحدّد، فتبلغ الرّياضة مرحلة متطوّرة من التّنظيم، والخاصيّة الأبرز التي تميّز تلك الرّياضة هي سمة التّنافس، الذي يؤدّي إلى ظهور النّشاط الذي يطلق عليه اسم الألعاب التّنافسيّة، فإذا كانت الرّياضة هي "حركات لأعضاء ومفاصل الجسم مبنية على طرق وقواعد ونظم أساسيّة"، إلّا أنّ السّمة الظّاهرة التي تميّزها، هي أنّها "نشاط حركيّ، معيارها التّفوّق في المهارة البدنيّة والإتقان"، فتغدو الرّياضة نشاطاً يتحدّد جوهره بالمنافسة المنظّمة.

توضّح الخصائص التي تتميّز بها الرّياضة، طبيعة تلك الأفعال التي يأتيها النّاس، في ممارستهم النّشاط الرّياضي، إذ اعتبرت الرّياضة "أحد الأشكال الرّاقية للظّاهرة الحركيّة لدى الإنسان، وهي طور متقدّم من الألعاب وبالتّالي من اللّعب، وهي الأكثر تنظيماً، والأرفع مهارة"، ويتّضح استناد الرّياضة إلى ركيزة اللّعب، وإن كانت تختلف عنه بالمراحل المتقدّمة، التي نظّم فيها النّشاط الرّياضيّ، وفق قواعد محدّدة ودقيقة، وقد رأى ماتفيف الرّياضة أنّها "نشاط ذو شكل خاصّ جوهره المنافسة، من أجل قياس القدرات وضمان أقصى تحديد لها"، وقد ذكر في هذا التّعريف، سمة المنافسة التي تميّز بها النّشاط الرّياضيّ، فقدّم هذان التّعريفان اللّذان ذكرتهما آنفاً، فكرتين أساسيّتين، ينطوي عليهما مفهوم الرّياضة، وهما فكرتا المنافسة والقواعد التي تنظّم ذلك النّشاط الرّياضيّ.

إنّ القواعد التي تنظّم الألعاب الرّياضيّة، تسم الأفعال التي تندرج في نطاق النّشاط الرّياضيّ، بطابع خاصّ، حيث تصبح حينئذ الرّياضة، كما عرّفها كوسولا، هي "التّدريب البدنيّ بهدف تحقيق أفضل نتيجة ممكنة من المنافسة، لا من أجل الفرد الرّياضيّ فقط، وإنّما من أجل الرّياضة في حدّ ذاتها"، ويضيف كوسولا في تعريفه مفهوم الرّياضة، فيقول: "أنّ التّنافس سمة أساسيّة تضفي على الرّياضة طابعاً اجتماعيّاً ضروريّاً، ذلك لأنّ الرّياضة نتاج ثقافيّ للطّبيعة التّنافسيّة للإنسان من حيث هو كائن اجتماعيّ ثقافيّ"، وإذا كنّا لاحظنا فكرة المهارة المذكورة سابقاً في أحد التّعاريف، فإنّ ذلك الإتقان في ممارسة الألعاب الرّياضيّة، يتأكّد أيضاً في تميّز الرّياضة عن "بقيّة ألوان النّشاط البدنيّ بالاندماج البدنيّ الخالص"، فالرّياضة هي نشاط يعتمد "بشكل أساسيّ على الطّاقة البدنيّة للممارسين، وفي شكله الثّانويّ على عناصر مثل الخطط وطرق اللّعب"، وقد ذهب لوشن وسيج إلى تأكيدهما أنّ الرّياضة هي "نشاط مفعم باللّعب، تنافسيّ، داخليّ وخارجيّ المردود أو العائد، يتضمّن أفراداً أو فرقاً تشترك في مسابقة، وتقرّر النّتائج في ضوء التّفوّق في المهارة البدنيّة، والخطط"، وينجم عن تلك التّعاريف التي أوردتها آنفاً، أنّه ينظر إلى الرّياضة "كتطوّر ثقافيّ للعب والألعاب" حيث يعتبر أنّ "الرّياضة تبلورت اجتماعيّاً من نفس النّسيج الثّقافيّ للعب والألعاب، فمنهما أخذت الرّياضة السّمات الثّقافيّة المتمثّلة في أدوات اللّعب"، وإذا كان التّنافس هو جوهر وأساس الألعاب، التي تنضوي إلى ميدان الرّياضة، فإنّ ذلك التّنافس يقتضي أن يتأسّس على ركيزتي العدالة والنّزاهة، في تنظيم أنشطة الألعاب الرّياضيّة.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (33)

سنة النّشر 2008

 

إنّ أولئك الأدعياء الغرر الذين يعدّون أنفسهم في عداد الفنّانين الأفذاذ، يدأبون في أن يتودّدوا إلى النّاس رئاء، وأن يتظاهروا بالإخلاص تصنّعاً لأفراد الجمهور، ولا يبرح أولئك الأدعياء الجهّال يتّهمون بهتان وزوراً الفنّانين المبدعين بالتّكبّر والتّعجرّف على ذلك الجمهور، ويعيّرونهم بملازمتهم البرج العاجيّ الذي سعى أولئك الأدعياء إلى أن يحلّوا به الفنّانين النّابغين، ليؤكّدوا زعمهم بأنّ أولئك الفنّانين المبدعين منعزلون عن ذلك الجمهور، إلاّ أنّ كيد هؤلاء الأدعياء ارتدّ إلى نحورهم، حيث  عادت  تلك  التّهم  تتلبّس  بهم، إذ ما برحوا يتعجرفون على النّاس وينعزلون عنهم، فشخصيّات أولئك الأدعياء تتّسم بنقيصة الغرور، الذي يدفعهم إلى أن يستميلوا الجماهير الغفيرة إليهم، ظانّين أنّ الشّهرة الواسعة التي يتهالكون على إدراكها، ستفضي بهم إلى الجاه الذي يتكالبون على الظّفر به، فيدأبون في التّذلّل إلى تلك الجماهير طمعاً في إدراك تلك الشّهرة، التي يقتضي تمتّعهم بها حدوث ذلك التّذلّل لأفراد الجمهور، فيضمر أولئك الأدعياء الغرر آنئذ في نفوسهم الضّغينة والحقد على أفراد ذلك الجمهور، والذين يغالي هؤلاء الأدعياء في تغطرسهم وتعجرفهم عليهم، كي ينفّسوا عنهم ذلك الذّلّ الذي أوقعتهم فيه تلك الجماهير، التي ينقم منها أولئك الأدعياء، الذين دأبوا في أن يتغطرسوا عليها، وقد عدّوها الرّكيزة التي تستند إليها سمة الشّهرة، فكان الهدف الذي سعى أولئك الأدعياء أن يدركوه في خوضهم غمار النّشاط الفنّيّ، يقتصر على الظّفر بهتاف ذلك الجمهور بهم، فما إن برم أولئك الأدعياء من وطأة ذلك التّذلّل إلى الجمهور، وأخذت صدورهم تضيق بشدّة ذاك الارتهان بالنّاس، حتّى دأبوا في أن ينقموا من تلك الجماهير التي يمعنون في التّكبّر والتّعجرّف عليها، فسواء وعى أولئك الأدعياء أو لم يعوا تأثير ذلك الغرور في نفوسهم، فإنّ الباعث الذي يحرّضهم إلى ممالقة ذلك الجمهور، هو طمعهم في التّمتّع بتلك الشّهرة الزّائلة، والجاه الزّائف، واللذين يسعون إلى أن يدركوهما، فإخلاص الفنّان في احترامه تلك الجماهير التي  يقدّم  إليها نتاجه الفنّيّ، يتمثّل حقّاً في تقيّده بأسس الفنّ، من دون أن يعصي ذلك الفنّان تلك المبادئ الفنّيّة المثلى.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (33)

سنة النّشر 2008

 

إنّ أولئك الأدعياء الغرر الذين يعدّون أنفسهم في عداد الفنّانين الأفذاذ، يدأبون في أن يتودّدوا إلى النّاس رئاء، وأن يتظاهروا بالإخلاص تصنّعاً لأفراد الجمهور، ولا يبرح أولئك الأدعياء الجهّال يتّهمون بهتان وزوراً الفنّانين المبدعين بالتّكبّر والتّعجرّف على ذلك الجمهور، ويعيّرونهم بملازمتهم البرج العاجيّ الذي سعى أولئك الأدعياء إلى أن يحلّوا به الفنّانين النّابغين، ليؤكّدوا زعمهم بأنّ أولئك الفنّانين المبدعين منعزلون عن ذلك الجمهور، إلاّ أنّ كيد هؤلاء الأدعياء ارتدّ إلى نحورهم، حيث  عادت  تلك  التّهم  تتلبّس  بهم، إذ ما برحوا يتعجرفون على النّاس وينعزلون عنهم، فشخصيّات أولئك الأدعياء تتّسم بنقيصة الغرور، الذي يدفعهم إلى أن يستميلوا الجماهير الغفيرة إليهم، ظانّين أنّ الشّهرة الواسعة التي يتهالكون على إدراكها، ستفضي بهم إلى الجاه الذي يتكالبون على الظّفر به، فيدأبون في التّذلّل إلى تلك الجماهير طمعاً في إدراك تلك الشّهرة، التي يقتضي تمتّعهم بها حدوث ذلك التّذلّل لأفراد الجمهور، فيضمر أولئك الأدعياء الغرر آنئذ في نفوسهم الضّغينة والحقد على أفراد ذلك الجمهور، والذين يغالي هؤلاء الأدعياء في تغطرسهم وتعجرفهم عليهم، كي ينفّسوا عنهم ذلك الذّلّ الذي أوقعتهم فيه تلك الجماهير، التي ينقم منها أولئك الأدعياء، الذين دأبوا في أن يتغطرسوا عليها، وقد عدّوها الرّكيزة التي تستند إليها سمة الشّهرة، فكان الهدف الذي سعى أولئك الأدعياء أن يدركوه في خوضهم غمار النّشاط الفنّيّ، يقتصر على الظّفر بهتاف ذلك الجمهور بهم، فما إن برم أولئك الأدعياء من وطأة ذلك التّذلّل إلى الجمهور، وأخذت صدورهم تضيق بشدّة ذاك الارتهان بالنّاس، حتّى دأبوا في أن ينقموا من تلك الجماهير التي يمعنون في التّكبّر والتّعجرّف عليها، فسواء وعى أولئك الأدعياء أو لم يعوا تأثير ذلك الغرور في نفوسهم، فإنّ الباعث الذي يحرّضهم إلى ممالقة ذلك الجمهور، هو طمعهم في التّمتّع بتلك الشّهرة الزّائلة، والجاه الزّائف، واللذين يسعون إلى أن يدركوهما، فإخلاص الفنّان في احترامه تلك الجماهير التي  يقدّم  إليها نتاجه الفنّيّ، يتمثّل حقّاً في تقيّده بأسس الفنّ، من دون أن يعصي ذلك الفنّان تلك المبادئ الفنّيّة المثلى.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (33)

سنة النّشر 2008

 

إنّ أولئك الأدعياء الغرر الذين يعدّون أنفسهم في عداد الفنّانين الأفذاذ، يدأبون في أن يتودّدوا إلى النّاس رئاء، وأن يتظاهروا بالإخلاص تصنّعاً لأفراد الجمهور، ولا يبرح أولئك الأدعياء الجهّال يتّهمون بهتان وزوراً الفنّانين المبدعين بالتّكبّر والتّعجرّف على ذلك الجمهور، ويعيّرونهم بملازمتهم البرج العاجيّ الذي سعى أولئك الأدعياء إلى أن يحلّوا به الفنّانين النّابغين، ليؤكّدوا زعمهم بأنّ أولئك الفنّانين المبدعين منعزلون عن ذلك الجمهور، إلاّ أنّ كيد هؤلاء الأدعياء ارتدّ إلى نحورهم، حيث  عادت  تلك  التّهم  تتلبّس  بهم، إذ ما برحوا يتعجرفون على النّاس وينعزلون عنهم، فشخصيّات أولئك الأدعياء تتّسم بنقيصة الغرور، الذي يدفعهم إلى أن يستميلوا الجماهير الغفيرة إليهم، ظانّين أنّ الشّهرة الواسعة التي يتهالكون على إدراكها، ستفضي بهم إلى الجاه الذي يتكالبون على الظّفر به، فيدأبون في التّذلّل إلى تلك الجماهير طمعاً في إدراك تلك الشّهرة، التي يقتضي تمتّعهم بها حدوث ذلك التّذلّل لأفراد الجمهور، فيضمر أولئك الأدعياء الغرر آنئذ في نفوسهم الضّغينة والحقد على أفراد ذلك الجمهور، والذين يغالي هؤلاء الأدعياء في تغطرسهم وتعجرفهم عليهم، كي ينفّسوا عنهم ذلك الذّلّ الذي أوقعتهم فيه تلك الجماهير، التي ينقم منها أولئك الأدعياء، الذين دأبوا في أن يتغطرسوا عليها، وقد عدّوها الرّكيزة التي تستند إليها سمة الشّهرة، فكان الهدف الذي سعى أولئك الأدعياء أن يدركوه في خوضهم غمار النّشاط الفنّيّ، يقتصر على الظّفر بهتاف ذلك الجمهور بهم، فما إن برم أولئك الأدعياء من وطأة ذلك التّذلّل إلى الجمهور، وأخذت صدورهم تضيق بشدّة ذاك الارتهان بالنّاس، حتّى دأبوا في أن ينقموا من تلك الجماهير التي يمعنون في التّكبّر والتّعجرّف عليها، فسواء وعى أولئك الأدعياء أو لم يعوا تأثير ذلك الغرور في نفوسهم، فإنّ الباعث الذي يحرّضهم إلى ممالقة ذلك الجمهور، هو طمعهم في التّمتّع بتلك الشّهرة الزّائلة، والجاه الزّائف، واللذين يسعون إلى أن يدركوهما، فإخلاص الفنّان في احترامه تلك الجماهير التي  يقدّم  إليها نتاجه الفنّيّ، يتمثّل حقّاً في تقيّده بأسس الفنّ، من دون أن يعصي ذلك الفنّان تلك المبادئ الفنّيّة المثلى.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (33)

سنة النّشر 2008

 

إنّ أولئك الأدعياء الغرر الذين يعدّون أنفسهم في عداد الفنّانين الأفذاذ، يدأبون في أن يتودّدوا إلى النّاس رئاء، وأن يتظاهروا بالإخلاص تصنّعاً لأفراد الجمهور، ولا يبرح أولئك الأدعياء الجهّال يتّهمون بهتان وزوراً الفنّانين المبدعين بالتّكبّر والتّعجرّف على ذلك الجمهور، ويعيّرونهم بملازمتهم البرج العاجيّ الذي سعى أولئك الأدعياء إلى أن يحلّوا به الفنّانين النّابغين، ليؤكّدوا زعمهم بأنّ أولئك الفنّانين المبدعين منعزلون عن ذلك الجمهور، إلاّ أنّ كيد هؤلاء الأدعياء ارتدّ إلى نحورهم، حيث  عادت  تلك  التّهم  تتلبّس  بهم، إذ ما برحوا يتعجرفون على النّاس وينعزلون عنهم، فشخصيّات أولئك الأدعياء تتّسم بنقيصة الغرور، الذي يدفعهم إلى أن يستميلوا الجماهير الغفيرة إليهم، ظانّين أنّ الشّهرة الواسعة التي يتهالكون على إدراكها، ستفضي بهم إلى الجاه الذي يتكالبون على الظّفر به، فيدأبون في التّذلّل إلى تلك الجماهير طمعاً في إدراك تلك الشّهرة، التي يقتضي تمتّعهم بها حدوث ذلك التّذلّل لأفراد الجمهور، فيضمر أولئك الأدعياء الغرر آنئذ في نفوسهم الضّغينة والحقد على أفراد ذلك الجمهور، والذين يغالي هؤلاء الأدعياء في تغطرسهم وتعجرفهم عليهم، كي ينفّسوا عنهم ذلك الذّلّ الذي أوقعتهم فيه تلك الجماهير، التي ينقم منها أولئك الأدعياء، الذين دأبوا في أن يتغطرسوا عليها، وقد عدّوها الرّكيزة التي تستند إليها سمة الشّهرة، فكان الهدف الذي سعى أولئك الأدعياء أن يدركوه في خوضهم غمار النّشاط الفنّيّ، يقتصر على الظّفر بهتاف ذلك الجمهور بهم، فما إن برم أولئك الأدعياء من وطأة ذلك التّذلّل إلى الجمهور، وأخذت صدورهم تضيق بشدّة ذاك الارتهان بالنّاس، حتّى دأبوا في أن ينقموا من تلك الجماهير التي يمعنون في التّكبّر والتّعجرّف عليها، فسواء وعى أولئك الأدعياء أو لم يعوا تأثير ذلك الغرور في نفوسهم، فإنّ الباعث الذي يحرّضهم إلى ممالقة ذلك الجمهور، هو طمعهم في التّمتّع بتلك الشّهرة الزّائلة، والجاه الزّائف، واللذين يسعون إلى أن يدركوهما، فإخلاص الفنّان في احترامه تلك الجماهير التي  يقدّم  إليها نتاجه الفنّيّ، يتمثّل حقّاً في تقيّده بأسس الفنّ، من دون أن يعصي ذلك الفنّان تلك المبادئ الفنّيّة المثلى.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (32)

سنة النّشر 2008

يقتضي تحقيق التّنمية الثّقافيّة في أقطار الوطن العربيّ، أن تكون كافّة المؤسّسات التي تعالج الشّؤون الثّقافيّة متضافرة على السّعي إلى إدراك تلك الأغراض، التي تهدف إليها تنمية تلك المجتمعات العربيّة، فإذا ما تقاعست المؤسّسات الإعلاميّة عن تأدية تلك المهامّ الثّقافيّة التي أنيطت بها، فستلحق أضراراً بالغة بعمليّة تحقيق تلك التّنمية الثّقافيّة، وتزداد شدّة تلك المضارّ التي تحلّ بذلك النّشاط الثّقافيّ، إذا خالفت الأعمال التي تنجزها الهيئات الإعلاميّة المهامّ الثّقافيّة، التي تضطلع بأن تنفّذها سائر المؤسّسات في تلك البلاد العربيّة، وقد رأى الموسيقار صلحي الوادي أنّ "لا شكّ في أنّ الوضع الموسيقيّ في قطرنا ليس بمعزل عمّا يحدث في باقي الأقطار العربيّة، إنّه وضع سيء  للغاية، وذلك لجملة أسباب منها مثلاً وجود الموسيقيّ غير المتعلّم الذي يقدّم أعماله لجمهور غير واع وغير ناقد، ويحمل مسؤوليّة الفنون الموسيقيّة في هيئات الإذاعة والتّلفزيون العربيّة كلّها بما في ذلك سورية، أناس غير أهل لحمل فكرة الثّقافة الفنّيّة الموسيقيّة.. ونسمعهم كثيراً ما يقولون أنتم تعيشون في أبراج عاجيّة!! وفي الواقع أنّهم وحدهم الذين يعيشون في هذه الأبراج، لكنّ مع الآسف ليست عاجيّة وبعيدة عمّا وصلت إليه الثّقافة والفكر الموسيقيّ في عصرنا، وهم يعتقدون واهمين أنّ الموسيقا الوحيدة التي تسرّ جماهيرنا الواسعة هي الموسيقا الفاسدة، والأغاني التّافهة والرّقص الخليع، وهم لهذا يشجّعون باستمرار أسوأ ما هو مطروح من الفنون الموسيقيّة في الأسواق، ولهذا أقولها بصراحة لا مكان للموسيقيّ الجادّ في هيئتي الإذاعة والتّلفزيون، إذ أنّه يبعد تماماً عنها كما حصل لعدد كبير من الفنّانين، ولكلّ عمل جدّيّ يظهر في بلدنا".

أصاب الموسيقار صلحي الوادي شاكلة الصّواب، فأولئك الأدعياء الذين يزعمون أنّهم يمارسون النّشاط الفنّيّ، ويتطاولون على مبادئ الفنّ الرّفيع، هم الذين يعيشون في الأبراج العاجيّة، حيث انعزلوا عن النّاس الذين تعجرّف وتغطرس عليهم أولئك الأدعياء، مشتطّين في الافتخار على هؤلاء القوم، الذين سعى أيضاً أولئك الجهّال الغرر إلى أن يموّهوا عليهم نقائصهم، التي تعيب شخصيّات هؤلاء الأدعياء، الذين دأبوا في أن يحجبوا عجرفتهم ويواروا غطرستهم، منتهجين سبيل المراءاة والخداع، بيد أنّ ما إن يتكشّف ذلك السّلوك الذّميم الذي يأتونه، حتّى سرعان ما يسقط أولئك الأدعياء من أعين النّاس، ولم يقتصر هؤلاء الدّخلاء الذين يندسون في زمرة الفنّانين المبدعين، على أن يدّعوا خداعاً وبطلان، باندراج تلك الأعمال الهجينة التي يصنعونها في جملة روائع الفنّ البديع، بل إنّهم عمدوا إلى أن يمالقوا الأقوام، ويتزلّفون إليهم، إذ دأبوا في استمالتهم إلى تلك الأعمال الهجينة التي يؤدّونها إليهم، ولا يكاد يصل ذلك النّتاج الذي يصنعه أولئك الأدعياء إلى أولئك النّاس، حتّى تكتمل آنئذ تلك المساوئ التي يأتيها أولئك الأدعياء، حينما يأخذ ذلك النّتاج التّافه يفسد ذائقة كلّ من أفراد هؤلاء النّاس، الذين يتلقّون تلك الأعمال السّاقطة، التي ينتجها أولئك الأدعياء الذين ما برحوا يمالقون أهواء النّاس، ويواطئونهم على الجنوح إلى البلادة والتّكاسل، فيفتّرون هممهم، ويدفعونهم إلى أن يتجنّبوا تلك الأعمال الفنّيّة الجليلة، التي ينبغي على من يتذوّقها، أن يبذل جهده، ويشحذ ذهنه، ويركّز فكره، ويحشد طاقاته النّفسيّة وقدراته العقليّة، ليتأتّى له أن يتفهّم تلك الرّوائع الفنّيّة، فيتعذّر على أفراد ذلك الجمهور تماماً، أن يكتنهوا روعة تلك الأعمال الفنّيّة الإبداعيّة، إذا لم يبذلوا تلك الجهود في تذوّقهم تلك البدائع الفنّيّة الرّائعة، ولن أتبسّط في الحديث عن الشّروط التي يتطلّب تحقّقها، حدوث ذلك التّذوّق الفنّيّ، الذي أجتزئ حاليّاً بأن أذكر أنّه يتميّز بامتلاكه خاصّيّة فريدة، إذ كلّما يبذل الإنسان جهده في إنجاز ذلك التّذوّق الفنّيّ، يزداد تمتّعه بتلك الأعمال الفنّيّة التي يتذوّقها، وأمّا هذا العناء الذي ينزله بذلك الإنسان استفراغه الجهد في تحقيق ذاك التّذوّق الفنّيّ، فإنّه تعقبه راحة ومتعة كبيرتان لشدّ ما يهنأ بهما ذاك الإنسان.