مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (26)

سنة النّشر 2008

إنّ سمة الإخلاص الذي يتحلّى به السّلوك الذي يعتمده الفنّان الفذّ في مزاولته النّشاط الفنّيّ، يتجلّى في تشبّث ذاك الفنّان بالمبادئ الفنّيّة الأصيلة، ومنافحته عن أسس ذلك الفنّ القويم، من دون أن يدالس في تبجيله تلك القواعد الفنّيّة، ويقتضي ذلك السّلوك الذي يبدر من الفنّان المبدع، أن يبادل النّاس الجهد الذي يبذله الفنّان، بأن يتعمّقوا في تبصّرهم أعماله الفنّيّة، حاشدين الطّاقات التي تهيّئ لهم أن يتذوّقوا تلك المؤلّفات الفنّيّة البديعة، من دون أن يتلقّوا هذه الأعمال الفنّيّة بذلك السّلوك الشّخصيّ الذي يغلب عليه سمة السّلبيّة، أولم يرَ الشّاعر الفرنسيّ بول فاليري أنّ عمليّة الخلق عند الفنّان، تهدف إلى إثارة عمليّة خلق أخرى عند متذوّق العمل الفنّيّ، وقد اعتقد الفيلسوف الأمريكيّ جون ديوي ذلك الرّأي ذاته، فرأى أنّ يجب على ذلك المتذوّق، أن ينظّم عناصر الموضوع الجماليّ تنظيماً مماثلاً لعمليّة التّنظيم  العضويّ، والتي أنجزها الفنّان، من دون أن يعني بقوله في حدوث ذلك التّماثل، وقوع تطابق تامّ بين هاتين العمليّتين التّنظيميّتين.

إذا شاء النّاس حقّاً أن يتفهّموا ويتذوّقوا جيّداً الأعمال الفنّيّة التي يتلقّونها، وجب عليهم حتماً أن يبذلوا الجهد الذي يليق باكتشاف الفرائد الجليلة، التي تكتنز بها تلك الأعمال الفنّيّة التي يقفون عليها، وقد يخيّل لنا أن يتعذّر علينا أن نفصل الفنّ عن تلك العمليّة، التي يتحقّق بها تلقّي الجمهور ذلك النّتاج، الذي يتمخّض به النّشاط الفنّيّ الذي يمارسه الفنّان، وقد أكّد شارل لالو "إنّ كلّ فنّ لا بدّ من أن يتطلّب الجمهور"، إلّا أنّ المفكّر زكريّا إبراهيم عقّب على رأي شارل لالو قائلاً "إنّ البعض قد يعترض على هذا الرّأي بقوله: ولكن ما رأيكم في فنّانين عباقرة لم يكونوا مفهومين من أهل عصرهم، بل قضوا كلّ حياتهم في صراع عنيف مع جمهورهم، وماتوا دون أن يجدوا بين معاصريهم من يفهمهم أو يقدّرهم حقّ قدرهم ؟... هذا ما يردّ عليه لالو: بقوله إنّنا حينما نتحدّث عن "الجمهور" فنحن لا نتحدّث فقط عن الجمهور المعاصر، أعني ذلك الجمهور الذي يشجّع ويدفع، ويتبع "الموضات" الحديثة، والذي قد يكون موضع كراهية الفنّان الحقيقيّ أو احتقاره، كما أنّنا لا نعني أيضاً ذلك الجمهور الصّغير المحدود، ألّا وهو جمهور العارفين الذين يفهمون المواهب الحقيقيّة، ويعملون على تشجيعها ويسهمون في توجيه التّطوّر، ويقومون باتّخاذ الإجراءات المشروعة في سبيل تحقيق التّقدّم الفنّيّ، بدلاً من العمل على إعاقته أو تأخيره، نقول إنّنا لا نتحدّث عن هذا "الجمهور" الفعليّ أو الموضوعيّ، بل كلّ ما يعنينا هو تلك الفكرة التي يكوّنها الفنّان لنفسه عن "الجمهور"، لأنّ هذه الفكرة بالذّات هي التي تؤثّر عليه وتعمل عملها في نفسه، وإذن فنحن هنا بصدد "الجمهور" الذي نعدّه جميعاً _ فنّانين كنّا أم هواة، مبدعين كنّا أم متذوّقين _ جديراً بالعمل الفنّيّ، وإلّا فماذا عسانا نقصد حينما نؤكّد بإزاء طائفة من غير المكترثين أنّ هذا العمل الفنّيّ أو ذاك رائع، إن لم نكن نقصد أنّ هذا العمل جدير أن يكون موضع تقدير من جانب عدد أكبر من النّاس، إن لم نقل من جانب البشريّة بأسرها".



تلوح في نطاق التّضاريس الجغرافيّة، قمّة مرتفعة موجودة فوق أعلى جبل إفرست، الذي هو من سلسلة جبال الهيمالايا، وكثير من المغامرات والمغامرين، حاول أن يتسلّق جبل إفرست كي يصل إلى قمّته المرتفعة، التي هي أعلى مكان على سطح الأرض، فإذا كانت توجد للجغرافيا قمّتها، فإنّه توجد أيضاً للتّاريخ قمّته، التي يحاول المكتشِفات والمكتشفون أن يستطلعوها، فهاتان السّائحتان اللتان تسلّقتا الهرم، في ذلك الزّمن الذي كان يسمح فيه بالصّعود إلى قمّته، رغبتا في الوصول إلى قمّة التّاريخ أيضاً، وأرادتا أن تطّلعا على تلك المكانة العالية، التي أدركها أبناء هذه المنطقة الجغرافيّة من العالم، التي تمتدّ فيها البلاد العربيّة،وقد قال الشّاعر العربيّ "ومن لا يحبّ صعود الجبال... يعش أبد الدّهر بين الحفر"، وإذا كان أولئك الأشخاص الذين صعدوا إلى قمّة إفرست، كانوا يطلّون على سهول شبه القارة الهنديّة، وهضبة التّبت، إلّا أنّ هاتين السّائحتين، كانتا تنظران إلى تلك الحضارات العظيمة، التي ظهرت فوق تلك الأراضي الممتدّة في الوطن العربيّ، الذي شعّت منه أنوار الحضارة لتضيء أصقاع المعمورة كلّها، وتنير أرجاء العالم كافّة.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (25)

سنة النّشر 2008

ابتليت أنواع الأنشطة الفنّيّة كافّة في البلاد العربيّة، بتطاول الأدعياء الجهّال على مبادئ الفنّ، والتي تنهض عليها تلك المناشط الفنّيّة، التي اقتحم غمارها أولئك الأغمار، جاهلين حقيقة جليّة تفصح عن طبيعة النّشاط الفنّيّ، إذ لم يع أولئك الأدعياء "إنّ الموضوع الجماليّ ليس مجرّد دعوة إلى التّذوّق أو الاستماع، وإنّما هو أيضاً شيء يتمتّع بطبيعة خاصّة ويفرض علينا (قاعدة) خاصّة في تأمّله"، ويردف المفكّر زكريّا إبراهيم مؤكّداً خصائص التّذوّق الفنّيّ إذ ذكر "ولئن كنت أنا مصدر الدّيناميكيّة الاستطيقيّة التي ينطوي عليها فعل التّأمّل، إلاّ أنّ الاتّجاه الذي تتّخذه تلك الدّيناميكيّة التي أنسبها إلى الأشياء (حين أتأمّلها تأمّلاً فنّيّاً) إنّما يكمن في الأشياء نفسها".

إنّ تلك "الطّبيعة الخاصّة" التي يتمتّع بها الموضوع الجماليّ، تستند إلى قواعد وأسس الفنّ الرّفيع، الذي كان الفنّان صلحي الوادي يجلّ مبادئه المثلى، ويكبر أهدافه السّامية، فلا يتهاون مطلقاً بتطبيق قواعد ذلك الفنّ، وكان يحترم أيضاً الأشخاص الذين يتلقّون ويتذوقّون مؤلّفاته الفنّيّة الموسيقيّة، فلا يستخفّ بهم أبداً، إذ قدّم إليهم الأعمال الموسيقيّة التي تتجلّى فيها سمات الفنّ الموسيقيّ الرّفيع، وقد تحدّث الموسيقار صلحي الوادي عن تصوّره لعمليّة تلقّي النّاس تلك المؤلّفات الموسيقيّة التي ألّفها، إذ قال "...فحينما تجول في ذهني فكرة موسيقيّة، أحاول جاهداً ألّا أجعل هذه الفكرة تدفعني إلى التّعبير عنها في صورة فنّيّة، يلمّ المستمع العابر بتقاطيعها كلّها، من النّظرة الأولى التي يلقيها نحوها، فإنّي أرغب في أن يرتقي المستمع إلى مستوى المحاولة الدّؤوبة والمجهدة التي يقوم بها الملحّن، وأطمح إلى أن تكون ألحاني الموسيقيّة جديرة بما تتطلّبه من المستمع من تقديم ذلك الجهد، الذي يقابل مقداراً يسيراً من النّشاط الذي أبذله في تأليفي لتلك الألحان، فمهما كانت نوعيّة الموسيقا الجادّة، فإنّي أعتقد أنّ الإنسان لن يتمكّن من أن ينفعل بها في صورة تامّة لأوّل وهلة في بدء تعرّفه بها، فتتطلّب الموسيقا الجادّة من المستمع أن يعاود اتّصاله بها مرّة تلو الأخرى كي يستكشف معانيها العميقة".



استحوذت قضية المرأة المعنّفة، على اهتمام العديد من الأفراد الذين ينضوون إلى هيئات ومؤسّسات شتّى، حيث ما زال عدد غير قليل من النّساء، يتعرّض لمعاملة عنيفة في مجتمعات كثيرة في دول العالم، وآخر الإحصاءات المنشورة تظهر أرقاماً، ربّما لأوّل وهلة نتفاجأ بها، إذ ذُكر مثلاً أنّ ما يزيد على 25% من النّساء في أمريكا تعرضنّ لمعاملة عنيفة، فكانت واحدة من كلّ أربع نساء، قد تعرّضت لاعتداء عنيف،  وإن كنت أعتقد أنّ النّسبة ربّما تكون مرتفعة أكثر، والأرقام في أوروبا هي عالية أيضاً، فهذه القضية هي منتشرة في دول متنوّعة في هذا العالم، وكي تعالج هذه القضية معالجة فعّالة، يجب برأيي، أن ينظر في أصل هذه المشكلة التي تعرض على بساط البحث، وأن يتناول النّاس كلّ الأسباب، التي تؤدّي إلى تردّي أوضاع المرأة في المجتمعات التي تعيش فيها.

اتّضح في بعض البلدان، سعيّ العديد من الهيئات إلى تحقيق النّجاح، في معالجة مسألة المعاملة العنيفة التي تتعرّض لها المرأة، بينما كان يلاحظ تعثّر المساعي المبذولة في تناول مسألة المرأة المعنّفة في بلاد أخرى، حيث لم تثمر تلك المعالجة نتائج مهمّة، وكنت ألحظ في عدد من البلدان، أنّه على الرّغم من تلك الجهود التي كانت تبذل فيها، من أجل تخفيف المشاقّ والمصاعب التي تعانيها المرأة، إلّا أنّ ذلك التّصرّف لم يكن كافياً، لأنّه لم تكن تُعالج بطريقة فعّالة، الأسباب التي أدّت إلى تفاقم المشاكل التي كانت تعانيها المرأة، وقد تبيّن لي أنّ معالجة قضية المرأة المعنّفة، يجب أن تجري بتحقيق الإحاطة بهذه القضية من نواحيها كافّة، ولا نقلّل من شأن المجهود الإغاثيّ الذي يقدّم للمرأة المعنّفة في دول العالم، لكنّ إن كان هذا المسعى هامّاً، إلّا أنّه في الوقت ذاته، غير كاف.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (24)

سنة النّشر 2008

لا يهادن الفنّان الفذّ أولئك الأشخاص الذين يدأبون في أن يعرّوا أسلوبه الفنّيّ من طابع الأصالة، فإذا ما عمل هؤلاء النّاس على أن يفرضوا على ذلك الفنّان أن يأخذ بتلك القواعد الزّائفة، التي تعوقه عن تحقيق أصالته الفنّيّة، فإنّه لايتوانى آنئذ في أن يضرب بتلك القواعد الباطلة عرض الحائط، وقد تحدّث المفكّر زكريّا إبراهيم عن تلك المكانة الرّفيعة التي يحلّ بها الفنّانَ، الفيلسوفُ آلان، فذكر إنّ "آلان يضع الفنّان جنباً إلى جنب مع "القديس" و"الحكيم"، فيقول إنّ هؤلاء الثّلاثة لا يصدرون في تفكيرهم إلاّ عن ذواتهم، كما أنّهم لا يعرفون التّملّق، ولا يعشقون المديح، ولا يخضعون لحكم المجتمع، ولكنّهم في الوقت نفسه مصلحو المجتمعات، لأنّهم صانعو الإنسانيّة، وإذا كان القديسون والحكماء نادرين، فإنّ من حسن حظّ البشريّة أنّ الفنّانين ليسوا بهذه النّدرة! ولكنّ الفنّان لا يملك سوى مواجهة مجتمعه بقوله: "إنّني لا أستطيع أن أكون سوى كما أنا، فليس في وسعي أن أعبّر إلّا عن ذاتي، وإلّا فإنّني لن أعبّر عن أيّ شيء على الإطلاق! وليس من شيمتي أن أحسد غيري أو أن أتوق إلى غير ما أنا كائنه"! ولكنّ هذا الإنسان العنيد الذي لا يُقْهَر إنّما هو في الوقت نفسه صانع القيم، فليس في وسع الإنسانيّة سوى أن تنتظره، آملة أن تجد عنده بعض ما هي في حاجة إليه! وليس من شأن قيم الفنّان أن تشعر غيره بحقارته أو وضاعته، وإنّما تجيء هذه القيم فتوقظ "الإنسان" في كلّ فرد منّا، وتعلو بنا إلى المستوى الذي استطاع الفنّان أن يرقى إليه. وقد قيل "إنّ في الإعجاب ضرباً من المساواة"، فليس بدعاً أن يكون إعجاب النّاس بالفنّانين حافزاً لهم على الرّقي بأنفسهم إلى مستوى تلك القيم الإنسانيّة التي كرّس الفنّانون كلّ جهودهم من أجل العمل على اكتشافها".



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (23)

سنة النّشر 2008

إنّ الرّابطة الوثيقة التي تجمع الفنّان وسائر النّاس، تتمثّل في ذلك التّميّز والتّفرّد اللذين يتّصف بهما قوام ذلك العمل الفنّيّ، الذي يبتكره ذلك الفنّان، الذي كلّما أمعن في تحقيق ذلك الطّابع الذّاتيّ الذي يسِم به العمل الفنّيّ الذي ينتجه، يزيد في توطيد تلك الصّلة التي تربطه مع أولئك النّاس، الذين يتلقّون نتاج ذلك الفنّان، فتتكشّف في خصوصيّة تلك السّمات التي تتميّز بها الأعمال الفنّيّة التي يبتكرها ذلك الفنّان، شموليّة تلك المعاني التي يجلي عنها ذلك النّتاج  الفنّيّ، الذي تعمّ كلّ المضامين التي يحتويها النّاس كافّة، الذين تحقّق تلك الأعمال الفنّيّة المبتكرة أيضاً الائتلاف بينهم، وقد تحدّث المفكّر زكريّا إبراهيم عن رأي الفيلسوف آلان في أصالة الفنّان، فقال "حين يتحّدث آلان عن "أصالة" الفنّان، فإنّه يعني بهذه الكلمة أنّ أفكار الفنّان _ التي هي في الوقت نفسه أعماله _ إنّما تصدر عن ذاته، لا عن ذوات الآخرين، وبهذا المعنى يمكننا أنّ نقول إنّ الفنّان _ في رأي ألان _ رجل انعزاليّ ولكنّه في الوقت نفسه "مخلوق إنسانيّ، كلّيّ، صديق للجميع أكثر من أيّ إنسان آخر"، وليس معنى قولنا بأصالة الفنّان أنّنا ننسب إليه بعض الأفكار الشّاذّة أو النّادرة، وإنّما  تتجلّى أصالة الفنّان في أسلوبه النّادر، أو طريقته الفريدة في التّعبير عن الأفكار المشتركة. والحقّ أنّ الفنّان حين يعبّر عن أيّة فكرة من الأفكار العامّة، فإنّه يخلع عليها طابعاً عامّاً (بكلّ معنى الكلمة)، ومن ثمّ فإنّه يجعلها تتحدّث إلى كلّ إنسان، مثلها في ذلك كمثل أيّ عمل ناطق من الأعمال الفنّيّة الكبرى... والفنّان فإنّه لا يملك سوى أن يصدر عن ذاته، وبالتّالي فإنّه ليس في حاجة إلى سؤال الآخرين عمّا ينبغي له الإيمان به! وليس أيسر على الإنسان _ بطبيعة الحال _ من أن يحاكي غيره ويردّد آراءهم، فحسب الفنّان أن يفقد ثقته في نفسه لكي لا يلبث أن يجد نفسه بوقاً مبتذلاً ينطق باسم الآخرين! ولكنّ الفنّان الحقيقيّ لا يريد لنفسه أن يردّد، أو أن يقلّد، أو أن ينطق بلسان غيره، فهو يرفض أن يسير وراء القطيع، وهو يأبى أن يكون مجرّد ناقل أو ترجمان! وهذا هو السّبب في أنّ الفنّان يصدر دائماً في تفكيره عن طبيعته الخاصّة، أو عن إحساسه الخاصّ، أو عن أعمق أعماق ذاته الباطنيّة الدّفينة".



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (22)

سنة النّشر 2008

لا يسع الفنّان أن يقبض على أزمّة الإبداع الفنّيّ، إذا تجرّد أسلوبه من الأصالة في تنفيذه تلك الأعمال الفنّيّة، التي يتمخّض عنها ذلك النّشاط الفنّيّ الذي يمارسه ذلك الفنّان، وقد ذهب الفيلسوف ألان إلى اعتبار "الفنّان ليس مجرّد "مواطن". وآية ذلك أنّ الفنّان _ في نظره _ ليس مجرّد شخص عاديّ يصحّ لنا أن نطالبه بالخضوع للبشر، أو الامتثال للعادات الجمعيّة، بل هو إنسان عبقريّ لا بدّ لنا من أن نعدّه "قانوناً لنفسه"!... والواقع أنّ الفنّان لا ينشد أفكاره في الخارج، فضلاً عن أنّه لا يستمدّ عبقريّته من أيّ مذهب من المذاهب، بل هو يصدر في كلّ تأمّلاته عن ذاته، حتّى ليصحّ لنا أن نقول "إنّ أفكاره هي صميم أعماله" ولئن كان الفنّان يحيا بالضّرورة في مجتمع، إلاّ أنّنا لن نستطيع أن نفهمه لو أنّنا اقتصرنا على تصويره بصورة الإنسان العاديّ الذي يخضع للنّاس، والعادات، والقوانين، والعرف، والسّلطات العامّة، والمصالح المشتركة، وشتّى مواضعات الجماعة. والواقع أنّه إذا كان ثمّة شيء يجزع له الفنّان، فذلك هو التّفكير المجرّد الصّادر عن الخارج، والوارد إليه من الآخرين! حقّاً إنّ في الفنّ حرفة، والحرفة شيء يتعلّمه الفنّان من الآخرين، ولكنّ تفكير الفنّان هو مع ذلك أشبه ما يكون بحوار مع عبقريّته الخاصّة من خلال لغة الحرفة. وإذن فإنّ أخشى ما يخشاه الفنّان إنّما هو الرّأي الذّائع، والفكرة السّائدة، والمذهب المعترف به! والفنّان يخشى المديح أكثر ممّا يخشى الانتقاد أو الذّمّ، ومن ثمّ فإنّنا نراه يتردّد قبل التراجع عمّا تمليه عليه طبيعته".



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (21)

سنة النّشر 2008

إنّ الفنّان الأصيل في منعة على أن يلزمه سائر النّاس أن يسلك في ممارسته نشاطه الفنّيّ، نهجاً لايفضي به إلى أن يحقّق أصالته الذّاتيّة في ذلك النّشاط  الذي ينكبّ عليه، فيأبى ذلك الفنّان أن يفرّط في أن يحقّق تلك الأصالة، مهما اشتدّ عليه ضغط أولئك النّاس الذين يحثّونه على أن يحيد عن ذلك الأسلوب، الذي اعتمده ذلك الفنّان في إنتاجه أعماله الفنّيّة، وقد أكّد زكريّا إبراهيم أنّنا إذا اعتقدنا "أنّ ما يكشف لنا بوضوح عن الذّوق الفنّيّ لأيّة حقبة تاريخيّة، إنّما هو ما يجمع الرّأي العامّ على اعتباره جميلاً، فإنّنا عندئذ لن نلبث أن نستعيض عن القيم ( كما قال ريمون بايير بحقّ) "ببورصة" القيم. ولا شكّ أنّ مثل هذه الدّراسة الإحصائيّة إنّما تعني أنّنا قد أحللنا محلّ "العمل الفنّيّ" موضوعاً آخر ألا وهو "الذّاتيّة الجماعيّة للأذواق". وهكذا تندفع الاستطيقا الاجتماعيّة نحو دراسة أذواق الجماهير وأحكام النّاس على الأعمال الفنّيّة، وتأثير الذّوق الجماعيّ على الفنّان... وعلى حين كان علماء النّفس يزعمون أنّ الخبرة الفرديّة للفنّان هي التي تفسّر لنا أعماله الفنّيّة، وهي التي تظهرنا على طبيعة عمليّة الإبداع الفنّيّ عنده، نجد أن فوسيون يحاول أن يثبت لنا أنّ التّجربة الفرديّة لا تنفصل بأيّ حال _ لدى الفنّان _ عن التّجربة الجماعيّة، وأنّ تاريخ الفنّان (بما فيه من ذكريات خضوع أو تسليم أو تمرّد) إنّما هو تاريخ علاقاته كفرد بالبيئة الاجتماعيّة التي عاش في كنفها"، وقد ردّ المفكّر زكريّا إبراهيم على تلك  الآراء التي اعتقدها فوسيون، فقال "لا ننكر على هؤلاء أنّهم محقّون في قولهم بأنّ الفنّ لا يحيا في قوقعة فرديّة منعزلة، لأنّه يتأثّر بالكثير من العوامل الاجتماعيّة التي تعمل عملها في صميم الوعي الجماليّ للفنّان، ولكنّنا نأبى أن نجعل موضوع علم الجمال هو دراسة "التّقويمات الفرديّة أو الجماعيّة" للعمل الفنّيّ، لأنّنا نعتقد أنّ في هذا انحرافاً عن الغاية الأصليّة لهذا العلم، بوصفه دراسة موضوعيّة للعمل الفنّيّ في ذاته".



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (20)

سنة النّشر 2008

بادرت جمهرة من الفلاسفة إلى تفنيد تلك الآراء المتهافتة، التي تؤكّد "أنّ العمل الفنّيّ هو ظاهرة طبيعيّة تحدّدها الحالة العامّة للعقليّة الجماعيّة والعادات الأخلاقيّة السّائدة"، وقد ذهب الفيلسوف تين الذي اعتنق تلك الآراء المتهافتة ذاتها إلى تقرير "أنّ ابتكارات الفنّان ومشاركات الجمهور الوجدانيّة قد تبدو في الظّاهر تلقائيّة، حرّة، وليدة الهوى، وكأنّما هي رياح عاصفة عارضة متقلّبة، ولكنّها في الحقيقة _ مثلها في ذلك كمثل الرّياح نفسها _ إنّما تخضع لمجموعة من الشّروط المحدّدة والقوانين الثّابتة".

طعنت فئة من الفلاسفة في تلك الآراء التي كان الفيلسوف تين أعتنقها، فأثبتوا بطلانها ونفوا أن يكون "من الحقّ أنّ العمل الفنّيّ محدّد تحديداً صارماً بمجموعة من العوامل الخارجيّة، ألا وهي الحالة العامّة للعقليّة الجماعيّة والعادات السّائدة في المحيط الذي نشأ فيه الفنّان"، وعارض أولئك الفلاسفة أيضاً ذلك الرّأي الذي يقرّر أنّ "الخصائص العامّة المميّزة للأثر الفنّيّ، إنّما هي تلك الظّروف الخارجيّة العامّة، التي أحاطت بعمليّة إنتاجه"، وبرهن أولئك الفلاسفة أيضاً على تهافت تلك الآراء التي يرمي فحواها إلى تأكيد أنّ "مشكلة الإبداع الفنّيّ إن هي إلّا مشكلة آليّة تتكفّل بحلّها قوانين الميكانيكا"، وقد قال زكريّا إبراهيم في تعقيبه على تلك الآراء الباطلة ".. إنّنا لو افترضنا (جدلاً) أنّ عالم الاجتماع قد استطاع أن يتوصّل إلى تحديد شتّى العوامل الخارجيّة، أو الظّروف العامّة التي أحاطت بتكوين العمل الفنّيّ، فإنّ جانباً غير قليل من الواقعة الاستطيقيّة سوف يظلّ مجهولاً بالنّسبة إليه، ألا وهو  "نفسيّة" الفنّان، وطبيعة إبداعه الفنّيّ، وتبعاً لذلك فإنّه ليس في وسعنا أن نقتصر على القول بأنّ الفرديّة الفنّيّة هي مجرّد نتاج لا شخصيّ للبيئة. أليس ما يجعل الفنّان الملهم أو العبقريّ فنّاناً بمعنى الكلمة إنّما هو شخصيّته المستقلّة وأصالته الذّاتيّة، وتميّزه عن أفراد القطيع؟ وإذن أفلا يحقّ لنا أن نقول أنّ تلك الشّروط العامّة التي يحدّثنا عنها تين، إنّما تعطينا فكرة عامّة عن حالة الجمهور، أو متوسّط الرّوح الفنّيّة السّائدة، ولكنّها لا تقدّم لنا أيّة معلومات جدّيّة عن سيكولوجيّة الفنّان، في حين أنّ الفنّان لا يكون صاحب شخصيّة في فنّه إلّا إذا بدا مختلفاً عن عامّة الناس، متمايزاً عن غيره من الفنّانين، صاحب جدّة وأصالة وطرافة... إنّنا حينما نلغي من حسابنا تلك "القيم الجماليّة" التي يأتي بها الفنّان، لكي نقتصر على النّظر إلى تلك "التّقويمات الاجتماعيّة" التي يصدرها الجمهور، فإنّنا عندئذ نجعل من الدّراسة الاستطيقيّة دراسة إحصائيّة للآراء، بدلاً من أن نهتمّ بدراسة "العمل الفنّيّ" نفسه باعتباره الموضوع الأصليّ للباحث الجماليّ".



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (37)

سنة النّشر 1987

أغانت(33) السّحب الدّجنة السّماء، التي بدأ يفرش رقيعها بنقاب من الغيوم، وبدت مدينة دمشق كطائر يرفرف في أعنان السّماء، ويحلّق في أصقاع الفضاء، وكان جناحاها المنبسطان، غوطة غنّاء غرّاء، وربوة شجراء شمّاء، تلقيان بظلال السّكينة والطّمأنينة على أهل هذه المدينة، التي ظلّت ترتقي إلى مكان عال في مراتب الخلود، ومناصب السّؤدد، وشأن سكّانها لا يختلف عن مشاهد طبيعة هذه المدينة الخلّابة، فظلّت النّفحات العطرة تهبّ منذ العصور الغابرة، من أعطاف هذه الطّبيعة، التي توالت عطاياها الرّفيعة، وهباتها النّفيسة، لتحيط بأولئك البشر، الذي حلّوا بهذه المدينة منذ زمن سحيق القدم، فما برحت تهيم نفوس أولئك السّكّان، بتلك الخمائل السّاحرة والرّبى الحادرة، التي خلبت عقولهم، واستمالت أفئدتهم، ولا يتأتّى للنّاظر إلى أشكال هذه الطّبيعة الفاتنة، أن يضع حدّاً بينها وبين نفوس أولئك النّاس الذين قطنوا في هذه المدينة، ولا يسعه أن يقيم بينها فاصلاً، فانغرست في أذهان هؤلاء السّكّان مناظر الرّياض الغنّاء، وانطبعت في أنفسهم بهاء الجنان الشّجراء.

أغان السّحاب السّماء: غشّاها.