مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (19)

سنة النّشر 2008

إنّ سمة الأصالة التي تغلب على شخصيّة الفنّان، تحول بينه وبين أن ينقاد إلى آراء هؤلاء الأشخاص، الذين تناقض معتقداتهم أسس الفنّ الرّفيع، فلا يرتهن ذلك الفنّان الأصيل بتلك الآراء الفاسدة، مهما لاءمت موائمة أذواق أولئك الأقوام الذين يستنسبون ذلك النّتاج، الذي انبنى على تلك الأسس الباطلة الفاسدة، ويشيدون بالأعمال التي ينتجها أولئك الأشخاص، الذين يقتدون بتلك المبادئ الباطلة، فيمسك الفنّان الأصيل عن الأخذ بتلك الآراء المتهافتة، مهما راجت في المجتمع الذي يعيش فيه ذلك الفنّان، وقد بيّن  زكريا إبراهيم بطلان تلك الآراء، التي تؤكّد فحواها امتلاك أذواق النّاس نفوذاً طاغياً في ذلك النّشاط الفنّيّ الذي يمارسه الفنّان، فذكر زكريا إبراهيم في تفنيده ذلك الاعتقاد الذي يعتبر "الظّاهرة الفنّيّة هي في الأصل مجرّد ظاهرة اجتماعيّة"، أنّ "التّفسير الاجتماعيّ للفنّ قد لقي ضروباً عنيفة من المعارضة، فإنّ النّشاط الفنّيّ لهو من بين ضروب النّشاط البشريّ أكثرها فرديّة، وأظهرها تلقائيّة، وأشدّها تعبيراً عن الحرّيّة. وآية ذلك أنّ الذّوق والإحساس، أو بالأحرى أصالة الذّوق والإحساس هي في صميمها واقعة ذاتيّة لا تقبل أيّة إحالة اجتماعيّة أو تفسير اجتماعيّ. فالفنّان _ هو في الظّاهر على الأقلّ _ ذلك المخلوق المبدع الذي يواجه بيئته الاجتماعيّة بكلمة "لا"، والذي يجد في نفسه من الشّجاعة ما يستطيع معه أن يرفض شتّى المعايير القائمة".

بادرت جمهرة من الفلاسفة إلى تفنيد تلك الآراء المتهافتة، التي تؤكّد "أنّ العمل الفنّيّ هو ظاهرة طبيعيّة تحدّدها الحالة العامّة للعقليّة الجماعيّة والعادات الأخلاقيّة السّائدة"، وقد ذهب الفيلسوف تين الذي اعتنق تلك الآراء المتهافتة ذاتها إلى تقرير "أنّ ابتكارات الفنّان ومشاركات الجمهور الوجدانيّة قد تبدو في الظّاهر تلقائيّة، حرّة، وليدة الهوى، وكأنّما هي رياح عاصفة عارضة متقلّبة، ولكنّها في الحقيقة _ مثلها في ذلك كمثل الرّياح نفسها _ إنّما تخضع لمجموعة من الشّروط المحدّدة والقوانين الثّابتة".



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (18)

سنة النّشر 2008

كشف الموسيقار صلحي الوادي عن تلك العلّة التي تستشري عند أولئك الأدعياء، الذين يزعمون بأنّهم يأتون الابتكار الفنّيّ الموسيقيّ، على الرّغم من أنّهم يؤكّدون إعراضهم عن الأخذ بمبادئ وأسس الفنّ، في سعيهم إلى أن يمارسوا ذلك النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ، فجلى الفنّان صلحي الوادي الدّوافع التي تسوق هؤلاء الأدعياء إلى التّمادي في غيّهم، وأبان المثالب التي تنتقص تلك الأنشطة التي يزاولونها، إذ ما برحوا يقصّرون في تحصيل العلوم الموسيقيّة، التي يرتكز عليها فنّ الموسيقا، ويتوانون في استيعاب مبادئ ذلك الفنّ متشبّثين بمغاوي الجهالة، ولم يجتزئ أولئك الأدعياء على أن يعروروا تلك القبائح، بل أنّهم سعوا أيضاً إلى أن يغتنموا مكاسب جمّة من تلك الأنشطة الموسيقيّة التي يمارسونها، فدفعتهم تلك المطامع التي وضعوها نصب أعينهم، إلى أن يندسوا في فئة الفنّانين الأفذاذ الذين يمارسون النّشاط الفنّيّ الإبداعيّ، ولم تقتصر المضارّ التي أنزلها أولئك الأدعياء الأغمار بذلك الفنّ الموسيقيّ، على تقديمهم إلى النّاس تلك الأعمال الموسيقيّة الشّوهاء، التي ينسبها أولئك الأدعياء إلى النّتاج الفنّيّ الأصيل، بل إنّهم دأبوا أيضاً في أن يستبدلوا بمبادئ وأهداف ذلك الفنّ الرّفيع، قواعد وأغراضاً تجافي طبيعة الفنّ، وإنّي أعتقد أنّ الباعث الذي يحضّهم على أن يضعوا تلك القواعد والأغراض الزّائفة، ينجم عن رغبتهم في أن ينشئوا مبادئ وأسساً تطابق آراءهم المبتسرة، ونظراتهم القاصرة عن استبصار القواعد الصّحيحة التي يعتمدها الفنّ الأصيل، فسعى هؤلاء الأدعياء إلى تحريف مبادئ الفنّ الرّفيع، إذ أتوا بقواعد زائفة توائم مؤهّلاتهم الضّئيلة، فعمدوا إلى أن يواروا عجزهم عن الارتقاء في معارج الفنّ، والولوج في صرحه المنيف، بأن يدكّوا الأسس التي بني عليها ذلك البناء الشّامخ، وينسفوا الرّكائز التي نهض عليها، فما إن يقتحم أولئك الأدعياء أنقاض ذلك الصّرح المتهاوي، حتّى سرعان ما تستخفّهم نشوة الظّفر، من دون أن يدروا أنّهم حينئذ يدوسون ركاماً معفوراً، وحطاماً متكسّراً.

نظر فلاسفة عديدون مليّاً في طبيعة تلك العلاقة، التي  تجمع بين الفنّان وأفراد الجمهور الذين يتلقّون ويتذوقّون الأعمال الفنّيّة، التي يبتكرها ذلك الفنّان، وعنى أولئك المفكّرون أيضاً بالبحث في الأسس التي تستند إليها تلك الرّابطة، وقد أورد المفكّر زكريّا إبراهيم  رؤية الفيلسوف الفرنسيّ ألان في شأن تلك العلاقة التي تجمع بين الفنّان وسائر النّاس، إذ ذكر أنّ الفنّان "... كثيراً ما يستسلم للرّغبة في الظّفر بإعجاب النّاس، أو للنّزوع نحو الحصول على استحسان الجمهور، فسرعان ما ينحرف عن طريقه، لكي يحيل عمله الفنّيّ إلى مجرّد بضاعة يرجو لها الرّواج! ولكنّه لو أنصت إلى صوت "الطّبيعة" أو لو عكف على فهم طبيعة "المادّة"، لما صدر في عمله الفنّيّ إلاّ عن دراسة حقيقيّة للموضوع الذي يريد التّعبير عنه".



يتّضح في العديد من المباريات الرّياضيّة التي تجمع بين اللّاعبين الرّياضيّين، سعي المتبارين المتنافسين إلى أن يستنهضوا قدراتهم البدنيّة والنّفسيّة، على تحقيق الفوز في تلك المنافسات الرّياضيّة التي يخوضون غمارها، فتتيح لأولئك اللّاعبين أجواء تلك المنافسات، أن يكشفوا عن حقيقة المؤهّلات التي يمتلكونها، وربّما يكون مقدار تلك المؤهّلات الشّخصيّة ذاتها، غائباً عن أذهان أولئك الرّياضيّين، الذين كثيراً ما يتعرّضون لوقائع لم تكن مدرجة في سياق ذلك المخطّط، الذي كانوا يتوقّعون أن تجري فيه أحداث المباراة، فتفاجئهم تلك المواقف الطّارئة التي يمرّون بها، فيدأبون في أن يبذلوا قصارى جهودهم في التّصدّي لتلك الوقائع المفاجئة، فتتبدّى حينئذ جموع تلك المؤّهلات التي يحوزونها، فتهيّئ لهم تلك المباريات الرّياضيّة التي يؤدّونها، أن يبرزوا قدراتهم الشّخصيّة كاملة، فلا تظهر تلك المؤهّلات الشّخصيّة إلّا في أجواء المنافسات الرّياضيّة الحقيقيّة، التي يرومون فيها أن يحقّقوا مطلب الفوز، ولكنّ أولئك اللّاعبين الذين ينجزون تلك المباريات الرّياضيّة، إن تمكّنوا من أن يحيطوا بحقيقة تلك المنافسة الرّياضيّة التي ينغمسون فيها، ويصلوا إلى أقصى تلك المراحل، التي تتبدّى في مجرى ذلك التّباري الذي يخوضونه، فإنّ أجواء تلك المنافسة الرّياضيّة، غالباً ما تنفرج آنئذ، عن غايات تتجاوز مطلب الفوز في المباراة، فيدرك أولئك اللّاعبون، أنّه ليس في الإمكان أن تختزل تلك المنافسة بأكملها، في حالة الرّبح والخسارة التي تحدّدها النّتيجة النّهائيّة، التي تمضي إليها وقائع المباراة الرّياضيّة.

إنّ الرّياضيّين الذين يدركون تلك الغايات التي تفضي إليها سبيل المنافسات الرّياضيّة التي يتّبعونها، يصلون إلى الاعتقاد أنّ مبتغى الرّبح في المباريات الرّياضيّة، يصبح مطلباً ضئيل القدر، إذا قيس بشأن تلك المعاني التي تفصح عنها وقائع التّباري الذي يخوضونه، فتلك المطالب الرّفيعة التي يؤدّي إليها مجرى المنافسات الرّياضيّة، تبذّ في الفضل والأهمّيّة، نتيجة الرّبح في المباريات التي تجمع بين اللّاعبين المتبارين، بل يكون تحقيق الفوز في المباراة، مكافأة زهيدة المقدار، ومثوبة ضئيلة الاعتبار، لا يليق بأن يقارن بذلك المغنم الكبير، الذي يحصّله أولئك الرّياضيّون في تحقيقهم معاني المنافسة الرّفيعة، ولا ريب في أنّ القواعد الخلقيّة التي يقتضي أداء المنافسات الرّياضيّة، أن يستنّ بها اللّاعبون المتبارون، كانت تهيّئ هؤلاء الرّياضيّين المتنافسين لأن يصلوا إلى إدراك تلك الغايات، التي تتجاوز نتيجتي الرّبح والخسارة في أداء المباريات، فكان يتمهّد في المنافسات الرّياضيّة، للّاعبين السّبيل إلى أن يدركوا تلك المرحلة، التي يستكشفون فيها معاني الرّياضة الجليلة، وكان اللّاعبون البارزون والأبطال الأفذاذ في لعبة الشّطرنج، قد توصّلوا إلى الوقوف على تلك المعاني، التي تتضمّنها عمليّة التّنافس الرّياضيّ في لعبة الشّطرنج، بل إنّهم قد عاشوا حقّاً تلك التّجارب الرّياضيّة الغنيّة بالمغازي والعبر، التي تزيد حصيلة خبراتهم الشّخصيّة.

تجلّى لأنظار النّاس، بعض تلك المعاني التي يكشف عنها التّنافس الرّياضيّ الرّفيع، في تلك العلاقة التي كانت نشأت بين بطلي العالم في الشّطرنج، اللّاعب الأمريكيّ بوبي فيشر، واللّاعب الرّوسيّ ميخائيل تال، حيث نشأت بينهما رابطة ألّفت بينهما، وقد كنت تحدّثت في مقالة نشرتها سابقاً، عن زيارة لاعب الشّطرنج الأمريكيّ فيشر (1943_ 2008) اللّاعب الرّوسيّ ميخائيل تال (1936_ 1992)، وكان تاريخ تلك الزّيارة في عام 1962، وقد بيّنت المغازي التي تضمّنتها وقائع ذلك اللّقاء، الذي جمع بين هذين البطلين في لعبة الشّطرنج، بيد أنّ العلاقات الخاصّة التي نشأت بين اللّاعب الأمريكيّ بوبي فيشر، واللّاعبين الرّوس، لم تنته عند ذلك اللّقاء الذي جرى في مطلع سنوات السّتينيّات، إذ اقتضت الأحداث التي كان يتتابع ظهورها في مسار التّاريخ، أن تستمرّ هذه العلاقة بين اللّاعب الأمريكيّ فيشر، وأولئك اللّاعبين الرّوس، فلم تنقطع تلك العلاقات التي تجمع بين أولئك الأبطال، وقد أضيف إلى سجلّ تلك العلاقة التي كانت ربطت بين هؤلاء الأبطال في لعبة الشّطرنج، ذلك الحدث الجديد الذي جرى في بلدة سيلفوس (Selfoss)، التي تبعد مسافة يبلغ مقدارها 50 كم، شرقيّ مدينة ريكيافيك عاصمة أيسلندا.

إنّ ذلك الحدث، الذي برز في مجرى العلاقة التي نشأت بين اللّاعب الأمريكيّ بوبي فيشر واللّاعبين الرّوس، لم يتحقّق في سياق تلك اللّقاءات التي كان النّاس يتزاورون فيها، إذ قام اللّاعب الرّوسيّ غاري كاسباروف، بزيارة قبر بوبي فيشر، حيث جرت تلك الزّيارة في عام 2014، وكان تاريخ اليوم الذي حصلت فيه هذه الزّيارة، هو الأحد 9 آذار، فوافق موعد تلك الزّيارة، الذّكرى الحادية والسّبعين لميلاد بوبي فيشر، ومن يقتصر على النّظر في تلك الزّيارة، التي أنجزها بطل العالم السّابق في الشّطرنج غاري كاسباروف، فإنّه لأوّل وهلة، ربّما لا يعثر على رابطة تجمع بينها، وبين تلك الزّيارة التي حقّقها اللّاعب بوبي فيشر، عندما التقى ببطل العالم الرّوسيّ ميخائيل تال، علماً بأنّه يفصل بين هاتين الزّيارتين، اثنان وخمسون عاماً، بيد أنّنا إذا تعمّقنا في تأمل التّاريخ البشريّ، وتبيّنّا المسار الذي تمضي فيه وقائع ذلك التّاريخ، فإنّنا بإمكاننا أن نقول، ومن دون أن نتّبع سبيل التّجاوز في الحديث، أنّ اللّاعبين الرّوس، سعوا في أن يردّوا زيارة اللّاعب الأمريكيّ بوبي فيشر اللّاعب الرّوسيّ ميخائيل تال، بعد أن مضى اثنان وخمسون عاماً، حيث ردّ زيارة فيشر، اللّاعب الروّسيّ بطل العالم غاري كاسباروف، وإذا كنت قد أوجدت الرّابطة التي تجمع بين هاتين الزّيارتين، فلأنّه قد تجلّت فيهما المعاني الرّفيعة ذاتها، التي تؤكّدها طبيعة المنافسات الرّياضيّة، فمغازي هاتين الزّيارتين، غير منبتة الصّلة بمعاني الرّياضة القيّمة، وتشابه وتوافق مغازي هاتين الزّيارتين، يؤكّدان أنّ عمليّة تحقّق المعاني الجليلة، في مجرى العلاقات التي تنشأ بين الرّياضيّين المتبارين، ما زالت مستمرّة، ولم تتوقّف أو تنقطع، فيحقّ لنا، أن نؤكّد وجود تلك الرّابطة التي تجمع بين هاتين الزّيارتين.

يندرج سعي بوبي فيشر عندما كان على قيد الحياة، إلى زيارة اللّاعب الرّوسيّ ميخائيل تال، في نطاق العلاقات الودّيّة، التي يتسبّب نشاط الألعاب الرّياضيّة، بنشوئها بين المتنافسين الرّياضيّين، وإذا نظرنا في زيارة بطل العالم السّابق في الشّطرنج غاري كاسباروف، قبر اللّاعب الأمريكيّ بوبي فيشر، نجد أنّ الطّابع الذي تتّسم به تلك الزّيارة، لا يختلف عن خصائص العلاقات الودّيّة، التي تنعقد أواصرها بين اللّاعبين المتنافسين، في ظلّ تلك المباريات الرّياضيّة التي يؤدّونها، ووجود هذه الخاصيّة المشتركة بين هاتين الزّيارتين، أكّد رأينا وأثبت اعتقادنا في وجود رابطة تجمع بين هذين الحدثين، اللذين حصلا في نطاق العلاقات الودّيّة، التي تتمخّض بها المنافسات الجارية بين اللّاعبين الرّياضيّين، فإن اعتقدنا أنّ الزّيارة التي بادر إلى أن يحقّقها اللّاعب الرّوسيّ غاري كاسباروف، كانت ردّاً على زيارة اللّاعب الأمريكيّ بوبي فيشر اللّاعب الرّوسيّ ميخائيل تال، فإنّنا نلحظ أيضاً أنّه قد تأخّر تاريخ ردّ الزّيارة، إلى هذا الموعد في عام 2014، الذي كان فيه اللّاعب الأمريكيّ بوبي فيشر غادر هذا العالم، وأصبح في وسعنا أن نقول أنّه قد حدثت الزّيارة التي أنجزها اللّاعب الرّوسي غاري كاسباروف، لتكون دليلاً على الشّعور بعرفان الجميل، وعلى مقابلة المعروف بالمعروف، حتّى إن لم يكن يخطر في ذهن اللّاعب الرّوسيّ، بطل العالم السّابق في الشّطرنج غاري كاسباروف، فكرة ردّ الزّيارة الأولى التي أنجزها بوبي فيشر قبل اثنتين وخمسين سنة، فإنّ إيجادنا الرّابطة بين هاتين الزّيارتين، يظلّ صحيحاً، بحسب النّظرة التّاريخيّة إلى هاتين الزّيارتين، وهو تفسير لا يشوّه ولا يزيّف المعاني، التي تنطوي عليها، عمليّة نشوء تلك الوقائع التي تتجلّى في مسار التّاريخ البشريّ، فتشابه هاتين الزّيارتين اللتين غلبت عليهما خصائص الطّابع الشّخصيّ، أوجد تلك الرّابطة المتينة بين هذين اللّقاءين، اللذين كان الفاصل الزّمنيّ بينهما، يزيد على نصف قرن من الزّمن.

حظيت هذه الزّيارة، باهتمام وعناية المسؤولين عن إدارة شؤون لعبة الشّطرنج في أيسلندا، وقد وصف الأفراد الذين تابعوا وقائع هذه الزّيارة، بأنّها كانت زيارة تاريخيّة في عالم الشّطرنج، وهم أدركوا أحد أوجه الحقيقة، بينما ربّما تكون غابت عنهم أوجه أخرى لاحت بها حقيقة هذه الزّيارة، التي أعتبرها أنّها زيارة تاريخيّة يجب أن تحظى بشهرة واسعة، يتجاوز تأثيرها عالم الشّطرنج، لتشمل التّاريخ الذي يحتوي الوقائع البشريّة كافّة، وقد أثارت تلك الزّيارة مكامن الحسرة في النّفس، لأنّها استدعت التّفكير في خواطر وأشياء عديدة، تبعث الذّكريات في النّفس، وتثير الخاطر في الذّهن، وقد تحدّثت آنفاً، أنّ تاريخ زيارة كاسباروف إلى قبر فيشر في سيلفوس في أيسلندا، كان يوم 9 آذار في عام 2014، إذ اصطحب في هذا اليوم، رئيس اتّحاد الشّطرنج في أيسلندا غونار بيورنسون (GunnarBjornsson)، غاري غاسباروف، إلى بلدة سيلفوس، حيث اختير التّاريخ بدقّة، وبقصد واضح لا يخفى على أحد، فعيّن ذلك اليوم تحديداً، كي يضفي تاريخ هذا اليوم، على تلك الزّيارة، معاني مؤثّرة تتميّز بها عن سائر الزّيارات، التي تحدث في نطاق غالبيّة العلاقات بين النّاس، فموعد هذه الزّيارة، هو أقرب زمن إلى شخصيّة فيشر وذكريات حياته الشّخصيّة، لأنّه صادف ذكرى تاريخ مولد بوبي فيشر، والخاطر الإضافي الذي تثيره تلك الزّيارة في الذّهن، هو فكرة غياب اللّقاء المباشر بين هذين البطلين، إذ لم يلتقيا مع بعضهما البعض، عندما كان فيشر على قيد الحياة، ولم يتح لهما أن يجتمعا على رقعة شطرنج واحدة.

لم يكتف كاسباروف بزيارة قبر فيشر، بل إنّه قصد إلى زيارة مركز بوبي فيشر الجديد في سيلفوس، وقد نقل عن كاسباروف رأيه في أنّ هذا البلد أيسلندا، قد وجدت فيه القمّة التي تسنّمها فيشر في عالم الشّطرنج، فكان يقصد في كلامه، حصول فيشر على لقب بطل العالم في لعبة الشّطرنج في أيسلندا، وأخذ كاسباروف يفكّر في الآمال العريضة التي كان في الإمكان أن تتحقّق، لو لم يتوقّف فيشر عن اللّعب في سنّ مبكّر، وقد كان كاسباروف يتوقّع أن يحدث فيشر الأثر، الذي لا يصعب على أحد أن يحيط بمدى انتشاره في نطاق لعبة الشّطرنج، وأعرب كاسباروف عن تأكيد تجنّبه أن يضع تفسيراً افتراضيّاً، يوضّح به أحداثاً لم تقع حقّاً، لأنّ باعتقاده أنّ كلّ الفرص التي كان يمكن أن تتحقّق بها تلك الوقائع، قد انقضت، وقد كان الحزن مخيّماً على تلك الأحاسيس التي خامرت نفسه، وهو يتأمّل في سيرة اللّاعب بوبي فيشر، وقد أكّد كاسباروف تقديره الرّفيع لتراث فيشر في نطاق لعبة الشّطرنج، وقد كتب غاري كاسباروف كلمة في سجّل التّعازي، ذكر فيها أنّه قد يكون حلماً عظيماً أن يعمل مع فيشر للتّرويج للعبة الشّطرنج، ثمّ أضاف مصرّحاً بأنّ ذلك العمل المشترك بينهما لم يتحقّق، ثمّ أردف كاسباروف في حديثه عن فيشر، ذاكراً أنّه سترافقه هذه الأسطورة، في السّعيّ إلى جعل لعبة الشّطرنج شائعة مثلما أراد فيشر، وكلمات كاسباروف المؤثّرة التي كتبها في سجلّ التّعازي، لا تصدر إلّا عن الأبطال الرّياضيّين، الذين أدركوا المغزى الحقيقيّ الذي تتّصف به المنافسات، التي تجري في ميادين الرّياضة.

جمع بين هذين البطلين في الشّطرنج غاري كاسباروف وبوبي فيشر، سمات شخصيّة مشتركة أيضاً، فكلاهما خاضا في ميادين لعبة الشّطرنج، حيث جمعت بينهما في نطاق هذه اللّعبة الرّياضيّة، ووجدت خصائص متشابهة في شخصيتي هذين اللّاعبين، فهما حصلا على بطولة العالم في الشّطرنج، وقد أحرزا انتصارات عديدة في مباريات الشّطرنج العالميّة، وحصل التّوافق بينهما في تطابق المواقف التي اتّخذها كل منهما في مجرى حياتهما، وإن كانت اختلفت السّبل التي تفرّد فيها كلّ منهما، باتّباعها في سعيه إلى تحقيق آرائه في المسائل التي جابهته، إلّا أن ما يميّز هذين البطلين، في هذه المواقف التي اتّخذاها، هو بروز طابع الاستقلاليّة في شخصيّتهما، وإن نوّهت بهذه السّمة الشّخصيّة، التي اتّصف بها كلّ من هذين البطلين، فلأنّ هذه السّمة الشّخصيّة كان لها ظهور، في مجال نشاطهما الرّياضيّ في لعبة الشّطرنج، حيث نشأت الخلافات في بعض القضايا، بينهما وبين الاتّحاد الدّوليّ للشّطرنج، وهكذا شأن الرّياضة فهي تستمرّ على أن تمدّ جسور التّواصل بين النّاس، الذين يدأبون في أن يتبصّروا تلك المعاني العميقة، التي تنطوي عليها عمليّة المنافسة الرّياضيّة، التي تنمّي في نفوس اللّاعبين الذين يخوضونها، الدّافع إلى أن يأتلفوا مع بعضهم البعض في رحاب الرّياضة الفسيحة.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (17)

سنة النّشر 2008

تعدّدت في أقطار الوطن العربيّ دعوات أساطين الفنّ والفكر، إلى وجوب اعتماد الفنّ الموسيقيّ في البلدان العربيّة، على مبادئ العلوم الموسيقيّة، وتردّدت أصداء تلك الدّعوات في أقطار الوطن العربيّ بأجمعه، وقد بيّن الموسيقار صلحي الوادي تشابه أحوال ذلك الفنّ الموسيقيّ، في كلّ بلدان الوطن العربيّ، فكان محقّاً إذ قال "نحن في الأمّة العربيّة عندنا هموم مشتركة، وما يعيق تطوّر الموسيقا في الوطن العربيّ، سبب واحد مشترك أيضاً وهو يتمثّل بالنّقص الكبير في العلوم النّظريّة، وقد نسمع في بعض الأحيان الحديث عن تطوير هذه الموسيقا، والذي يندفع إلى تحقيقه بعض الملحّنين، إلاّ أنّنا إذا نظرنا في استعدادات أولئك الملحّنين، نرى أنّهم بحاجة ماسّة إلى أن يطوّروا مؤهّلاتهم الشّخصيّة قبل كلّ شيء، فإن لم يكن الموسيقيّ متعلّماً، ومحصّلاً لثقافة موسيقيّة رفيعة، فلن يتأتّى له أبداً أن يحقّق عمليّة تطوير للموسيقا العربيّة، فهل يتمكّن المسرحيّ الأمّيّ من أن ينهض بالمسرح العربيّ، ومن لا يقرأ ولا يكتب هل يتمكّن من أن يطوّر الشّعر أو فنّ القصّة والمسرح؟ فلماذا نفترض أنّ تطوير الموسيقا يمكن أن يحقّقه موسيقيّ لا يقرأ النّوتة مثلاً، ولا يعرف شيئاً عن علم الهارمونيّ (الانسجامات الصّوتيّة)، أو علم الكاونتربوينت (التّشابكات اللّحنيّة) أو التّوزيع الأوركستراليّ، فكيف يتسنّى لذلك الإنسان أن يطوّر الموسيقا؟".

لم يقتصر الفنّان صلحي الوادي على تأكيد المبادئ، التي يجب أن تستند إليها عمليّة تطوير الفنّ الموسيقيّ في البلاد العربيّة، بل إنّه بيّن أيضاً العواثير التي تحبط عمليّة ذلك التّطوير، وحذّر من العوائق التي تعترض دون أن يتحقّق ذلك النّهوض بفنّ الموسيقا، وتعرقل تنفيذ الشّروط التي يقتضي تحقّقها، تطوير ذلك الفنّ الموسيقيّ، وقد أوضح الموسيقار صلحي الوادي أنّ "المصيبة الكبرى هي ارتباط الموسيقيّ بنواح تجاريّة... بمعنى أنّ من يرغب في التّطوير يفكّر دوماً هل هذا التّطوير مقبول في آذان الآخرين كعمليّة بيع وشراء، لهذا فإنّ من يريد التّطوير عليه أن يتجاهل ما هي الأذواق العامّة السّائدة، لأنّه عند ذلك سيضطرّ لأن يتساهل في قضية الرّؤية الجيّدة، عندما يتذكّر بأنّه ربّما لم يرغب أحد في سماع هذه الموسيقا، فما هو سائد بعيد عن المفاهيم العلميّة والعكس هو الذي يجب أن يحدث، الموسيقيّ الذي يطوّر يجب أن يطوّر ضمن مفهوم التّطوّر والتّقدّم العلميّ والثّقافيّ والفكريّ والرّوحيّ، دون التّفكير بقضية سوق الموسيقا الرّائجة".



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (16)

سنة النّشر 2008

تتّضح في تلك الأحاديث التي ذكرها الفنّان صلحي الوادي، آراؤه في جلاء بيّن في شؤون الفنّ الموسيقيّ في البلاد العربيّة، إذ ظلّ يؤكّد دائماً وجوب ارتكاز ذلك الفنّ على المبادئ والمناهج العلميّة، وقد ذهب المفكّر فؤاد زكريّا إلى الأخذ بذلك الاعتقاد ذاته، إذ رأى أنّ يتحتّم على فنّ الموسيقا الاستناد إلى المبادئ العلميّة، كي يتسنّى له أن يتبوّأ تلك المكانة العالية من درجات الرّفعة والسّموّ، وقد تحدّث المفكّر القدير عن مستقبل الموسيقا في مصر، وقبل أن أورد حديثه عن شؤون ذلك الفنّ الموسيقيّ، أرى أنّ في وسعنا أن نؤكّد أنّ آراءه تنطبق على أحوال فنّ الموسيقا في كافّة أقطار الوطن العربيّ، وقد رأى المفكّر فؤاد زكريّا أنّ "التّأليف الموسيقيّ عندنا فلا شكّ في انحدار مستواه، وأستطيع أن أقول مطمئناً أنّ الأكثريّة من مؤلّفينا الموسيقيّين غير مثقّفة فنّيّاً، وقد يبدو هذا القول غريباً، ولكنّ يكفي أن يدرك القارئ أنّ "العالِم" من مشاهير الملحّنين هو من يعرف التّدوين الموسيقيّ، وقراءة المدوّنات (النّوتة)، مع أنّ هذه من الأوّليّات التي يجيدها تلاميذ المدارس الابتدائيّة في البلاد المتقدّمة! أمّا الباقون، وهم كثيرون فحتّى هذه الأوّليّات لا يعرفونها. ومن المؤسف حقّاً أنّ جهود هؤلاء المؤلّفين الموسيقيّين جميعاً لا تنصرف إلى التزوّد بالعلم الصّحيح، وحسبهم تلك الثّروات الضّخمة التي تنهال عليهم، ففيم الحاجة إلى العلم إذن، ما دامت الغاية قد تحقّقت؟ قد يكون هذا الحكم قاسياً، وقد تكون لهجته عنيفة، ولكنّي أقولها صراحة: إنّنا في حاجة إلى جيل آخر من الموسيقيّين "العلماء" بالمعنى الصّحيح لهذه الكلمة، يقضي الواحد منهم سنوات طويلة من عمره في  دراسة شاقّة مضنية، يجني ثمرتها في النّهاية، ولا يتوقّف عن تحصيل المزيد من العلم طوال حياته مهما أصاب من نجاح.. فالفنون اليوم لم تعد تلقائيّة، ولم تعد الفطرة السّليمة تجدي فتيلاً إن لم تصحبها دراسة عميقة، والعلم قد تغلغل في كلّ نواحي حياة الإنسان حتّى في نتاج خياله.. فمن من موسيقيّينا الحاليّين أدرك ذلك؟ ومن منهم عمل على تحقيق هذا الهدف؟ إنّ فنّ الصّوت _ وهو أرفع الفنون وأعمقها _ له مجالات واسعة، وتشكيل الأصوات له إمكانيّات لا تنفد، ولكنّنا في مصر لم نفد من هذه الإمكانيّات الضّخمة إلاّ على نحو ساذج، بل على نحو يكاد يكون بدائيّاً، ألحان تسير على وتيرة  واحدة، آلات قليلة تسير كلّها في تيّار واحد وليس لها إلاّ بعد واحد، إيقاع سطحيّ راقص.. إلى آخر العيوب الكثيرة التي ترجع كلّها إلى سبب واحد هو الافتقار إلى العلم... أمّا عيوب الأداء في موسيقانا فلا تقلّ أبداً عن عيوب التّأليف، إذ أنّ الأمرين في الحقّ مرتبطان. ويوم توجد الموسيقا الرّفيعة، فلا بدّ أن يرتفع الأداء إلى مستواها، أمّا حين تمضي الأمور بلا رقيب، وحين تنعدم المسؤوليّة فستعمّ هذه الصّفة الجميع!".



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (15)

سنة النّشر 2008

إنّ المبادئ العلميّة التي يستند إليها الفنّ الموسيقيّ، تؤسّس الرّكائز التي تدعم تطوّر ذلك الفنّ، وكان الفنّان صلحي الوادي يلحّ على الأخذ بتلك الأسس العلميّة، كي يتيسّر لأبناء الأمّة العربيّة أن يطورّوا موسيقاهم العربيّة، وقد استخلص الموسيقار صلحي الوادي من تاريخ  الحضارات عبراً جلّى، إذ رأى "... أنّه من المعروف ضمن كافّة مراحل مسيرة الحضارة الإنسانيّة، إنّ فنّ الموسيقا هو آخر فنّ يتطوّر في أيّ مجتمع لأنّه الأصعب، ولأنّه يحتاج إلى تقنيات مجرّدة ( التّقنيّة للتّقنيّة)، فإن عدنا للحضارة الأوروبيّة نجد أنّ مايكل أنجلو ودانتي وشكسبير كانوا في زمن لم يبرز فيه موسيقيّ يذكر على مستواهم، وكان على الموسيقا أن تنتظر 200 عام بعد عصر النّهضة كي تتحرّك باتّجاه هذه الذّروة".

كان الموسيقار صلحي الوادي كثيراً ما يدعو إلى الاعتماد على المبادئ العلميّة الموسيقيّة، التي ينهض عليها فنّ الموسيقا، بيد أنّ كان يؤكّد أيضاً أن يجب على المؤلّف الموسيقيّ، أن يعتمد في استيعاب تلك القواعد العلميّة على بصيرته الذّاتيّة النيّرة، وإدراكه الواعي، وفهمه المتعمّق في تلك الأسس العلميّة، كي يتهيّأ لذلك المؤلّف أن يبدع الأعمال الموسيقيّة الرّائعة، وقد اعتقد الموسيقار صلحي الوادي اعتقاداً راسخاً أنّ الملحّن "... لا بدّ من أن يدخل في عمله قواعد علميّة موسيقيّة، ويجب أن يكون استخدامه لتلك المبادئ العلميّة وفق تصوّراته الشّخصيّة، فلا تتمثّل عمليّة التّلحين بمجموعة من التّنظيرات يضعها الملحّن في أعماله، فينتج بعد ذلك العمل الموسيقيّ، ولكنّ على الملحّن أن يتعلّم التّقنيات الموسيقيّة كلّها، ثمّ يستوعبها ليتمكّن من إظهارها إلى العالم في صورة ذاتيّة، وكأنّما تصبح تلك النّظريّات موضوعة من قبل ذلك الملحّن، حيث تمتزج معها شخصيّته الفنّيّة".



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (14)

سنة النّشر 2008

إنّ ذلك النّداء النّصوح الذي جهر به الموسيقار صلحي الوادي، لا تبرح تشتدّ أصداؤه المتعالية، لترشد العمّه الذين يخوضون غمار النّشاط الموسيقيّ، ولتنبّه أولئك الغرر من غفلتهم، إذ مازالوا يخبطون خبط عشواء في ممارستهم ذلك النّشاط الموسيقيّ، وليوقظ ذلك الدّعاء الجهير أولئك الجهّال من تلك الغواية، التي أوغلوا فيها منذ أمد بعيد، دائبين في ألّا يلتفتوا إلى تلك النّصائح التي يخلصها لهم النّبهاء الثّقات، الذين عمد أولئك الغرر إلى أن يناصبوهم العداء، وإنّ الإنسان ليأخذه العجب العجاب، حينما يرى أصحاب البدع الموسيقيّة السّاقطة يتصامّون عن تلك النّصائح، ويجعلونها دبر آذانهم، فيعرضون عنها عن جهالة، وسأبيّن بعد قليل العلل والبواعث، التي تدفع أولئك الأشخاص المتنكّبين عن النّهج الفنّيّ الموسيقيّ القويم، إلى الإحجام عن أن يمتثلوا تلك النّصائح التي تلقى عليهم، وقد دأب هؤلاء الجهّال في أن يتطاولوا على أولئك النّصحاء النّبهاء، وأن يشنّوا عليهم حملاتهم ساعين إلى أن يطمسوا بعجيجهم المنكر، وضجيجهم الشّديد، تلك النّصائح التي محضها لهم أولئك الثّقات الأجلّاء.

لم يكد يرى الفنّان صلحي الوادي تردّي أحوال الفنّ الموسيقيّ في البلاد العربيّة، حتّى بادر إلى أن يبيّن سبل النّهوض والخلاص من الإسفاف والتّردّي، اللذين أهبطا الفنّ الموسيقيّ في الأقطار العربيّة، من مراتب الرّفعة والسّموّ، إلى ذلك الدّرك الوطيء، الذي يتمرّغ فيه فنّ الموسيقا، ولم يجد الفنّان صلحي الوادي بدّاً من أن يذكر تلك النّصائح، التي أقلّتها نبرات جهيرة، وحملت دعواته لفظات مرفوعة لتلتقطها الأسماع، وتدركها البصائر، فصدر ذلك الكلام النّصوح، عن نفس أمضّها نزول النّكبات بأذواق النّاس وأحاسيسهم الجماليّة، وقد تخدّر وعيهم الجماليّ، بعد أن عطّلت مبادئ الفنّ وشرائعه، فحزّ في صدر الفنّان صلحي الوادي، تردّي الفنّ الموسيقيّ في البلاد العربيّة في هوّة الإسفاف، فانبعثت في نفسه تلك الدّوافع التي حثّته على الذّود عن أحاسيس وأذواق النّاس في الوطن العربيّ، فجهد دائباً في أن يردّ عن مبادئ الفنّ الموسيقيّ، غائلة الغرر المتطاولين على أسس الفنّ الرّفيع، وقد آلمه تفشّي آفة الجهل عند أصحاب البدع الموسيقيّة الباطلة، فاندفع يدحض حججهم، ويفنّد أقاويلهم، إذ أبطل دسائسهم الماكرة، وأحبط مكائدهم الخدّاعة، وكان الموسيقار صلحي الوادي يدرك تلك العوائق، التي تعترض دون أن يأخذ بتطبيق المبادئ العلميّة، التي يستند إليها الفنّ الموسيقيّ الجادّ، أولئك الأشخاص الذين يمارسون النّشاط الموسيقيّ، فلم تغب عن ذهنه تلك الموانع، إذ ذكر "إنّ تبنّي حضارة موسيقيّة مبنية على العلم، في مجتمع موسيقيّ يعتبر أنّ الموسيقا العربيّة والعلوم شيئان متناقضان، عمليّة صعبة بالضّرورة، وتحتاج إلى الكثير من الدّأب والتّفاني  والمثابرة".



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف(13)

سنة النّشر 2008

عبّر الموسيقار صلحي الوادي صادقاً عن اعتزازه الشّديد بتطوّر العلوم الموسيقيّة، والذي حقّقته تلك الحضارة العربيّة الإسلاميّة، وإذا كان أنحى باللّوائم على أولئك الجهّال، الذين عاثوا فساداً في شؤون الفنّ الموسيقيّ في العصور، التي تلت حقبة تلك الحضارة النّيّرة الغرّاء، فإنّه هدف إلى أن يبيّن في ضحة تلك العوائق، التي تعترض دون أن يتمكّن أبناء هذه الأمّة العربيّة في العصر الحاليّ، من أن يجدّدوا تحقيق أمجادهم الغابرة، في النهوض بشؤون الفنّ الموسيقيّ، وقد تمثّل أبرز تلك العوائق في كون غالبيّة أولئك الأفراد، الذين يمارسون النّشاط الموسيقيّ، قد تنكّبوا عن منهج العلوم الموسيقيّة، والذي كان يرى الفنّان صلحي الوادي أنّه السّبيل الأمثل والأوحد، الذي يؤدّي إلى إدراك تلك الغاية الجليلة، التي تتجلّى في تطوير فنّ الموسيقا في البلاد العربيّة، إذ قال في حديثه عن أحوال الفنّ الموسيقيّ في بعض دول العالم  "لقد تطوّرت الموسيقا في العالم كثيراً، وبرز الكثير من الملحّنين في تركيا وكذلك في اليابان، لكنّ هذا يعود بنا إلى شيء أساسيّ، فالأكاديميّة الموسيقيّة في أنقرة والتي كانت تضمّ بين أساتذتها الملحّن الألمانيّ هندمث، والملحّن الهنغاريّ بارتوك، كان لا بدّ أن تخرّج عدداً من الملحّنين المهمّين، أمثال ملحّن اسمه عدنان سايغون في تركيا، الذي أوصل طابع الموسيقا الشرقيّة الجيّدة إلى أنحاء العالم، وموسيقاه تعزف حتّى اليوم في أمكنة عديدة، هناك بعض الملحّنين المصريّين منذ أكثر من جيل مضى كأبي بكر خيرت، قاموا بمحاولات إنّما كانت محاولاتهم محدودة بسبب نقص في الرّؤية لما هو حداثة. موسيقانا نامت لفترة طويلة، فحين كانت موسيقا الدّنيا كلّها تمرّ في عصر النّهضة وعصر تطوّر، دخلنا نحن عصر سبات موسيقيّ، لذلك فإنّ الوصول إلى لهجة القرن العشرين، دون المرور بعصر نهضة في وعينا، عمليّة ليست سهلة على الإطلاق. وبشكل محدّد أكثر، أقول إنّني لا أرى في أيّة موسيقا عربيّة مقوّمات الموسيقا التي تصل إلى العالميّة، ربما يساء فهم طرح الموضوع بهذه الطّريقة، لهذا أقول ماذا يحدث في المسرح العربيّ، هل هناك نصوص مسرحيّة عربيّة قابلة للتّقديم على المسرح العربيّ، يعود تاريخها إلى أكثر من 50 أو 60 عاماً. هل هناك فنون تشكيليّة تذكر، ولا أقصد ذلك الذي يتبدّى عبر أشكال هندسيّة، أقصد بمعنى الرّسم. ليس لدينا لوحات تذكر يعود تاريخها إلى أكثر من 70 أو 80 سنة، هذا كلّه نعترف به، إنّما عندما نعود للموسيقا فإنّنا نريد أن نعتقد، أو نتوهّم بأنّ لدينا تراث، لدينا تراث غنائيّ تماماً كما لدى الفنانّين التّشكيليّين تراث هندسيّ، لكنّ هذا بالذّات ليس هو الموسيقا بكامل مفهومها ومضمونها، إنّه عامل من العوامل التي تتكوّن منها الموسيقا وليس كلّ ما يجب... ليس في كتاب الأغاني سطر واحد من النّوتة الموسيقيّة، والموسيقيّ يتعامل مع النّوتة كما يتعامل المسرحيّ مع النّصّ  المسرحيّ، كيف أستطيع أن أدرّس طالباً يعزف وضعاً لإسحاق وهو يغنّي، يقول أبو الفرج كان إسحاق يبدأ بعلامة منخفضة، ثمّ يصعد إلى علامة عالية، ثمّ ينزل إلى النّصف فيكون أثر ذلك على الجمهور أن يبكي أو يفرح، كيف لي أن أعيد عمليّة عزف هذا المقطع، أنا كموسيقيّ أتعامل مع صفحة تدعى نوتة موسيقيّة، إن وجدت، وإذا لم توجد هذه النّوتة أعتبر أنّه ليس لديّ قاعدة لتدريس هذه المادة... حتّى سيّد درويش كان لا يقرأ النّوتة، لقد غنّى بعض أغانيه بعض الإيطاليّين أو غيرهم الموجودين في مصر، فنوّتوا له إيّاها، أغان جميلة حتماً لكنّها لا تدفع المسألة باتجاه مفهوم التّطوّر الموسيقيّ، ولا الوصول إليه ولا حتّى بداياته. بداية التّطوّر تأتي مع تعميق العلوم الموسيقيّة، ويسعدني أن يكون لدى العرب عدد من المعاهد الموسيقيّة الممتازة كمعهد القاهرة وتونس وكذلك بغداد.... إنّها معاهد تعلّم الموسيقا ضمن مفهوم العلوم الأكاديميّة العالميّة، لقد تأخّرنا كثيراً كثيراً لكنّنا الآن إذا افترضنا أنّنا بدأنا، نقول أنّه من هنا تبدأ البداية الجادّة لتطوير الموسيقا وليس قبل ذلك".



تنشأ عند المسنّين الحاجات العديدة، التي تلقى مسؤوليّة تلبيتها، على عاتق الأفراد كلّهم في المجتمع، بحسب الموقع الذي يشغله كلّ فرد، في تلك المجموعة البشريّة التي ينضوي إليها، فيمكن لكلّ إنسان أن يساهم في السّعي إلى تلبية تلك الحاجات، حيث يناط بالأفراد كافّة في المجتمع، مهمّة تحقيق تلك المساعي التي توفّر للمسنّين الفرص التي ينعمون فيها، بإدراك تلك الحاجات التي يتطلّعون إليها، ويجب على النّاس أن يحيط علمهم بخصائص عمليّة رعاية المسنّين، التي تشمل تحقيق مهامّ عديدة، ويلزم أن يتأصّل في سلوك الأفراد، الاستعداد لتأدية تلك الأعمال، التي تندرج في أنشطة رعاية المسنّين، إذ تتّضح في أذهان النّاس، أهمّيّة اتّباع الطّرائق التي تفضي إلى تلبية حاجات المسنّين، وقد أصبح في عالمنا المعاصر، تقرّ قوانين في العديد من دول العالم، توجب تطبيق قواعد محدّدة، تهيّئ تحقيق فرص رعاية المسنّين المثلى، حيث بات يتحقّق في هذا العصر الحاليّ، زيادة أعداد الأفراد الطّاعنين في السّنّ.

تتبدّى في المجتمعات العربيّة مفارقة جليّة، فعلى الرّغم من وجود البواعث الملائمة، لحثّ النّاس على أن يولوا عمليّة رعاية المسنّين، العناية المناسبة لها، حيث تبرز في طليعة تلك الدّوافع، التّعاليم الدّينيّة، ثمّ مجموعة القيم الخلقيّة والمواعظ النّظريّة، التي تنمّي وعي النّاس في أهمّيّة عمليّة رعاية المسنّين، بيد أنّ موضوع تلبية حاجات المسنّين في المجتمعات العربيّة، يكاد أن يكون غائباً في أغلب الأنشطة المتنوّعة في تلك المجتمعات، ولنأخذ على سبيل المثال بعضاً من تلك الأنشطة، فبادئ ذي بدء، نلحظ قلّة عناية بعض الباحثين العرب، بمعالجة مسائل موضوع رعاية المسنّين، في دراسات نظريّة، وتكاد بعض قضايا المسنّين الهامّة، تكون غائبة عن بساط البحث والدّراسة عند الباحثين العرب، ثمّ إذا نظرنا في الإجراءات العمليّة والقواعد التّنفيذيّة، قلّما نرى تطبيق عمليّ، يحقّق الغايات التي تنصّ عليها، مسألة رعاية المسنّين، وعندما تنشأ مسائل واهتمامات واسعة الانتشار عند أفراد المجتمع، إذ تشمل جموع كثيرة من النّاس، نستطيع عندئذ أن نتحدّث عن بدء ظهور سمة ثقافيّة، يتميّز بها ذلك المجتمع، وإذا نظرنا في شؤون المجتمع العربيّ،  فإنّ ثقافة رعاية المسنّين، هي غالباً ما تكون موضوعاً غائباً عن أذهان العديد من النّاس في المجتمعات العربيّة، على الرّغم من أنّ تلك المجتمعات، يتوفّر فيها المناخ النّفسيّ، الذي يهيّئ النّاس لتحقيق أهداف رعاية المسنّين، فكان يتوقّع ويؤمل أن يكون شأن تلبية حاجات المسنّين، أفضل من الوضع الحاليّ الذي أمسى واقعاً فيه.

إنّ الحديث عن ثقافة رعاية المسنّين، لا يقتصر على شؤون العواطف ومشاعر الحنو والشّفقة، التي قد يمضي النّاس في المجتمعات العربيّة على هديها، في تعاملهم مع المسنّين، لأنّ حاجات المسنّين أصبحت في عصرنا الحاليّ، هي مسائل اجتماعيّة، تفسّر بلوائح قانونيّة، توجب حقوقاً شخصيّة يجب أن تراعى، والتّمييز بين هذين الحالين هو أمر في غاية الأهمّيّة، لأنّ الاقتصار على الاستناد إلى المشاعر والمواقف الشّخصيّة، لا يفي بتحقيق أهداف رعاية المسنّين في المجتمعات المعاصرة، ما دامت القوانين التي تكفل بتهيئة الفرص، التي تتحقّق فيها حاجات المسنّين، تكون غائبة، أو ربّما تكون موجودة، ولكنّ تظلّ قوانين صوريّة شكليّة، ففكرة الاعتماد على محاسن الأخلاق، وطيب العشرة وحسن المخالطة، في معالجة شؤون رعاية المسنّين، لا تجدي نفعاً إن لم يردف ذلك السّلوك الحسن، بالقواعد القانونيّة، التي تترجم حالة تلك المشاعر، إلى أحداث عمليّة ملموسة، بكل أبعادها الواقعيّة.

أتيح لي في مجرى حياتي الشّخصيّة، أن ألتقي بكثير من الأفراد المسنّين، وكنت أرى تلك الحاجات التي تنشأ عندهم، وربّما تكون المعلومات النّظريّة التي حصّلتها، عن طبيعة تلك المرحلة من العمر التي يعيشونها، هيّأت لي أن أعالج حاجات هؤلاء المسنّين، معالجة فعّالة ناجعة مفيدة، ومن دون أن أتحدّث عن طبيعة القيم الخلقيّة التي رسخت في نفسي، بالإضافة إلى حقيقة التّنشئة الأسريّة، وخاصّيّة الطّرائق التّربويّة، التي صاغت صفاتي الخلقيّة، وسمات شخصيتي الاجتماعيّة، فلا أريد أن أتكلّم عن هذه الصّفات الشّخصيّة، لأنّها قد تعبّر عن حالة فرديّة ذاتيّة، وإن كان يحتمل أن تكون شائعة ومنتشرة عند سائر النّاس، إلّا أنّ يظلّ لنشوء الوعي الفكريّ والنّظريّ، بطبيعة الخاصّيّة الحقوقيّة التي تتّسم بها حاجات المسنّين، الأهمّيّة المميّزة أيضاً، وتنمية هذا الوعي، تستند إلى عمليّة التّثقيف الفكريّ، التي يجب أن تكون متاحة للنّاس كافّة، وقد لاحظت أنّ المسنّين يتّصفون بدماثة الخلق، ولطافة التّصرّف، وهم في كثير من الأحيان، يحجمون عن أن يفصحوا عن حاجاتهم، وهذه الحالة النّفسيّة عند المسنّين، تكاد تغيب عن نظر العديد من النّاس، فإذا كان المسنّون يعرضون عن المطالبة بتحقيق رغائبهم، فما هو عدد السّنوات التي يجب أن تمرّ، حتّى نصل إلى ذلك اليوم، الذي يراعي النّاس فيه، ضرورة تنعّم المسنّين بحقوقهم الشّخصيّة، ولا ريب في أنّ تنمية هذا الوعي الحقوقيّ بحاجات أولئك المسنّين، يجب أن تتمّ في مجتمعات العالم كلّها، وإن كانت تلك المجتمعات قد تتفاوت فيما بينها، في درجة تطوّر نشوء هذا الوعي الذي أشرت إليه آنفاً.

كنت أسير ذات يوم في أحد أحياء مدينة دمشق، في أثناء فترة النّهار، وعندما قرّرت أن أعبر الشّارع عند إشارة المرور الضّوئيّة، ألقيت نظرة على عدّاد الثّواني الموجود على إشارة المرور، ووجدت أنّه بإمكاني أن أعبر الشّارع، إذ قدّرت أنّ مدّة الوقت المتبقّية ريثما يظهر اللّون الأحمر، تكفي لفترة المسير التي أصل فيها إلى الجهة الأخرى في الرّصيف المقابل الذي كنت أقصده، وبينما كنت أسير في ذلك الشّارع، حيث كانت أرتال السّيّارات واقفة، بانتظار تبدّل ألوان إشارة المرور، حيث تنظّم عمليّة ظهور الأنوار الملوّنة، حركة المرور في الشّوارع الحديثة، رأيت في الرّصيف المقابل الذي كنت أتّجه نحوه، سيّدة عجوزاً تتّكئ على عكّاز كانت تمسكها بيدها، وقد اتّضح تقدّمها في العمر، وخمّنت أنّها لن تستطيع السّير بخطوات متتابعة منتظمة، حيث اعتقدت أنّها اعتادت أن تتّئد في سيرها، وتمشي متمهّلة وببطء، ونظرت إليها ووجدتها ما زالت واقفة عند الطّرف الآخر، وهي تقدّر في فكرها، إمكانيّة عبورها الشّارع، بيد أنّ اللّحظات التي ظهر فيها تردّدها في اتّخاذ قرارها في عبور الشّارع، طالت حتّى أنّها ظلّت واقفة في مكانها، حتّى اتّضح عزمها على أن تظلّ مستقرّة في موقعها، من دون أن تعمد إلى عبور ذلك الشّارع.

اتّضح من شأن تلك العجوز، أنّها قد ركنت إلى حالة الانتظار الطّويلة، على الرّغم من أنّ لون الضّوء الأخضر، كان قد ظهر على إشارة المرور، حيث يتاح آنئذ للمشاة أن يعبروا الطّريق، وعند هذه اللّحظة عندما نظرت إليها، أدركت حالة هذه العجوز على الفور، وكنت ما زلت أسير في ذلك الشّارع، وفهمت على التّوّ طبيعة الموقف الذي تمرّ به هذه السّيّدة العجوز، وألتفتّ فوراً إلى الوراء، نحو الجهة التي أتيت منها، وهي الوجهة التي تنظر إليها تلك السّيّدة العجوز، فلم أجد في تلك النّاحية على إشارة المرور، عدّاد الثّواني، الذي يبيّن المدّة المتبقّية لتبديل ألوان الإشارة، وكان تعذّر على تلك السّيّدة رؤية عدّاد الثّواني، الذي كان موجوداً على الإشارة الضّوئيّة التي كانت تقف بالقرب منها، فاتّجهت فوراً نحو تلك السّيّدة، وألقيت عليها التّحيّة، فنظرت إليّ بنظرات توحي بشعورها بالثّقة والاطمئنان، وهي تنظر نحوي، وخاطبتها قائلاً أنّه يوجد وقت كاف كي تعبر الشّارع بأمان، وأنّ الزّمن المتبقّي، يكفي لعبورها الشّارع، وكي أزيد ثقتها بتلك المشورة التي أخلصتها لها، عرضت عليها أن أسير معها نحو الجهة المقابلة التي كانت تقصدها، فكان يتوجّب عليّ آنئذ، أن أعود أدراجي معها إلى تلك الجهة التي كنت أتيت منها، فشكرتني وتفوّهت ببعض كلمات، عبّرت فيها عن موافقتها على اقتراحي، الذي أفصحت عنه، بينما كانت معالم السّعادة تظهر على ملامحها، وسرت معها في أثناء فترة عبورها الشّارع، ورافقتها طوال تلك المدّة التي استغرقتها عمليّة ذلك المسير، حتّى وصلنا إلى الجهة المقابلة، حيث بدأت تشكرني بكلمات رقيقة، وأعربت عن امتنانها لذاك التّصرّف الذي أبديته نحوها، وودعتها وانصرفت لأتابع طريقي قاصداً إلى عبور الشّارع، بعد أن انتظرت ظهور الضّوء الأخضر على الإشارة الضّوئيّة.

إنّ تلك السّيّدة العجوز، التي رأيتها عند الإشارة الضّوئيّة، لم تطلب منّي أن أساعدها في عبورها الشّارع، إلّا أنّي قدرت مدى حاجتها إلى ذلك العون، فتقدّمت من تلقاء نفسي لتقديم المشورة إليها، وقد رآني لفيف من المارّة، وسائقي السّيّارات، الذين شاهدوا تصرّفي مع ذلك الموقف الذي مرّت به هذه السّيدّة العجوز، وأعتقد أنّ مغزى ذلك التّصرّف الذي أتيته، لم يغب عن أذهانهم، وكثيراً ما كنت أقدّم المساعدة إلى الأشخاص، من دون أن أنتظر منهم التّعبير عن حاجاتهم، وأعتقد أنّه يجب مراعاة رغائب المسنّين، حتّى عندما لا يفصحون عنها، وقد تمنّيت أن تنتشر ثقافة رعاية المسنّين عند النّاس كافّة، لأنّه عندما ترسخ في أذهانهم، الحالة الحقوقيّة التي تنجم عن نشوء الحاجات عند المسنّين، يدرك النّاس أنّهم يحملون المسؤوليّة الأخلاقيّة، بالإضافة إلى المسؤوليّة القانونيّة، في مهمّة تلبية حاجات أولئك المسنّين.