مقتطفات من كتاب قطاف المعازف(12)

سنة النّشر 2008

ما برح الفنّان صلحي الوادي يؤكّد أنّ يجب أن ينهض الفنّ الموسيقيّ في البلاد العربيّة، على قواعد العلوم الموسيقيّة، وقد دأب في أن يفنّد آراء أولئك الأشخاص، الذين يدّعون زوراً بإحاطتهم بشؤون فنّ الموسيقا، حينما زعموا أنّ يتهيّأ للفنّ الموسيقيّ في البلدان العربيّة، التّطوّر من دون أن يستند ذلك الفنّ على المبادئ العلميّة، فقال الموسيقار صلحي الوادي رادّاً على هؤلاء الأفراد حججهم المتهافتة "إنّني غير مقتنع بأنّ على الموسيقا العربيّة أن تبقى بغير علوم، إنّني غير مقتنع بآراء بعضهم بأنّ هناك تناقضاً بين العلوم وبين الموسيقا العربيّة، فقد كانوا يقولون أنّه إذا علّمت عازفاً عربيّاً النّوتة، فإنّه يفقد عفويّته لذلك عليك أن تعلّمه سماعيّاً، إنّني لست مقتنعاً إطلاقاً بأنّ على الموسيقا العربيّة أن تبقى بدائيّة، ومقتنع تماماً بالمقابل بأنّ أيّ تطوّر للموسيقا العربيّة، يجب أن ينطلق من توسيع قاعدة علميّة للموسيقيّين العرب... وما هو موجود من الموسيقا العربيّة هو ألحان غنائيّة، لا تتضمّن العلوم الموسيقيّة الضروريّة لنمو أيّ فنّ موسيقيّ، علم الهارموني، وعلم التّوزيع الأوركستراليّ بصورة هارمونيّة، إنّها أمور شبه مفقودة تماماً في الموسيقا العربيّة، التّقنيّات عند العازف العربيّ محدودة، لأنّ المتطلّبات التي يضعها الملحّن أمامه محدودة جدّاً، فلا نقلّل بالتّالي من أهمّيّة أن نرفع تقنيّات العازف، لكي نصل إلى موسيقا أجمل. هذه العمليّة ضروريّة للغاية، من هنا نبدأ، إنّ الممثّل يدرس اللّيونة الجسديّة، رغم أنّها لا علاقة مباشرة لها بوجوده على المسرح، لكنّها تمكّنه من تحريك جسده بشكل مقنع ومناسب أمام المشاهد، العازف المتطوّر يفتح خيال الملحّن المتطوّر، والملحّن المتطوّر حينما يتعامل مع عازف جيّد لتقديم أعماله، فإنّه يفتح المجال أمام خيال المستمع، الحلقة مرتبطة بوجود ملحّن دارس متعلّم يتعامل مع عازف قدير تقنيّاً، وجمهور واع ومدرك ناقد يميّز بين ما هو جيّد وما هو سيّئ في الفنّ، عندها نبدأ الخطوات الأولى الحقيقيّة في التّطوير"(12).



إنّ النّتاج الأدبيّ الذي قدّمه الكاتب ميخائيل نعيمة، توزّع بين أنواع شتّى من الكتابات، التي اندرجت في أجناس أدبيّة متنوّعة، مثل القصّة القصيرة، والمسرحيّة والرّواية، والقصائد الشّعريّة، وكانت مؤلّفاته في تلك الأنواع الأدبيّة، تختلف فيما بينها في مقدار العدد، فهو كتب العديد من الأعمال القصصيّة، بينما أنجز رواية واحدة أطلق عليها اسم "مذكرات الأرقش"، وكان ألّف مسرحيّة "الآباء والبنون"، بالإضافة إلى مسرحيّة "أيّوب"، وقد أنتج مجموعة شعريّة واحدة، وكان عنوانها هو "همس الجفون"، وقد نظّم أيضاً قصيدة "النّهر المتجمّد"، وكتب مقالات فكريّة متنوّعة، ثمّ عندما أمضى العقد السّابع من سني حياته، كتب في جنس أدبيّ إضافيّ، هو السّيرة الذّاتيّة، إذ قرّر أن يتحدّث عن الوقائع التي تضمّنتها سيرة حياته، خلال مدّة بلغت سبعين عاماً، وكان مقدار تلك المدّة الزّمنيّة التي تكلّم عن الأحداث التي اشتملت عليها، هو عنوان سيرة حياته التي كتبها، إذ أطلق على ذلك العمل الأدبيّ اسم "سبعون"، وقد كتب أيضاً بلغات عديدة، وهي العربيّة والرّوسيّة والإنجليزيّة، وكانت ولادة ميخائيل نعيمة في بلدة بسكنتا، التي تقع على سفح جبل صنين، الذي تحدّث عنه قائلاً: "إلى الشّرق من بيروت، وعلى بعد خمسين كيلومتراً وارتفاع ألفين وسبعمئة متر، ينتصب جبل صنين _ أشهر جبال لبنان وأجملها"(1)، وأمّا موقع مدينة بسكنتا، فكانت توجد في سفوح ذلك الجبل "غابات شاسعة من الصّنوبر ومن تحت تلك الغابات تنتثر بيوت بسكنتا"(2)، وكان تاريخ مولده في شهر تشرين الأوّل عام 1889، وقد عني النّقّاد والباحثون بالنّظر في مؤلّفاته الأدبيّة، التي كانت إحدى الخصائص التي اتّصفت بها، هي تجرّدها عن "أيّ تعصّب مذهبيّ ودينيّ"(3)، وقد حرص على أن يكون في الأعمال الأدبيّة التي كتبها، دقيق الوصف، وعميق التّصوير، في معالجته المواضيع التي تناولها في مؤلّفاته الأدبيّة المتنوّعة.

ابتدأت مسيرة التّرحال عن بلده، منذ سنوات صباه، حيث سافر إلى مدينة النّاصرة في فلسطين عام 1902، ثمّ سافر إلى أوكرانيا عام 1906، الذي ظلّ مقيماً فيها حتّى عاد إلى لبنان عام 1911، وقد غادر في ذلك العام نفسه متوجّهاً نحو الولايات المتّحدة الأميركيّة، لإكمال دراسة الحقوق فيها، وبعد مضيّ عشرين عاماً، أنهى رحلة التّطواف، وعاد إلى مسقط رأسه في لبنان عام 1932، حيث تحدّث عن الإحساس الذي خامره في أثناء رحلة العودة إلى بلده، إذ قال: "إنّ شوقي إلى لبنان، وأنا عائد في طريقي إليه من أمريكا، كان أكثر بكثير من شوقٍ إلى أهل ومنبت، أو إلى تراب وسماء، وهواء وماء، ومسارح الطّفولة والصّبا والفتوّة"(4)، وعندما تكلّم عن جبل صنين بقمّته المرتفعة، ذكر أنّ "صنين متّكأ السّماء"(5)، وقد وصف الشّعور الذي انتابه في سعيه إلى ذلك الجبل، فقال "عيناي تكادان تقفزان من وجهي، وقلبي يكاد يطير من بين ضلوعي، إنّي أودّ لو أُدرك تلك القمّة الحبيبة قبل أن تُدركها الشّمس، فأتبرّك بلمس خمارها الأبيض. وأفتح صدري لأنفاسها المثلوجة، المنعشة، وأُطلّ من فوقها على الشّخروب ومن فيه وما فيه"(6)، وقد لحظ تأثير مرور تلك السّنوات الطّوال، في نفسه، وعاين ذلك التّبدّل الذي طرأ عليه، حيث ذكر "كنت أعلم أنّ الذي عاد منّي إلى هذه الأصقاع في أيّار سنة 1932، هو غير الذي نزح عنها في تشرين الثّاني سنة 1911، إلّا أنّ السّلك الخفيّ الذي أدعوه "أنا" والذي لا زال يربط هذا العائد بذلك النّازح، هو السّلك الذي ما انفكّ يغريني بفتوحات لن تتاح لي إلّا في خلوة طويلة هيّأتها لي هذه الجبال"(7)، وقد ظلّ يقيم في ذلك المكان الأثير لديه، حتى وافته المنيّة في الثّاني والعشرين من شهر شباط عام 1988، بعد أن عاش تسع وتسعين عاماً، أي ما يقارب القرن الكامل من مقدار الزّمن.

كان ميخائيل نعيمة يقصد مع عائلته في فصل الصّيف قرية الشّخروب، التي كانت على مقربة من بلدة بسكنتا، حيث كان موقعها "على بعد خمسة كيلومترات إلى الشّرق من بسكنتا ويرتفع عنها ثلاثمائة متر"(8)، وقد ذكر أنّه كانت "تكثر في الشّخروب الصّخور من شتّى الأحجام والأشكال"(9)، وفي حديثه عن رحلة عمره، اعتبر الشّخروب "محطّة من أهمّ محطّاتها، فهو كان، وما برح، "الجُرد" الذي إليه نلجأ في الصّيف لنستغلّ من ترابه ومائه وهوائه ما استطعنا من العافية وضروريات العيش. وقد شاء لي ربّان حياتي أن أستغلّ منه ما هو أثمن حتّى من العافية ومقوّمات العيش"(10)،  وقال في سياق حديثه عن وقائع حياته، بعد أن عاد إلى بلدته بسكنتا، آئباً من أمريكا أنّه قد "انتقلت العائلة في ذلك الصّيف، على عادتها في كلّ صيف، إلى الشّخروب، فكان لا بدّ لي من خلوة غير الكوخ أنصرف فيها إلى التّأليف والتّأمّل. ولذلك بنيت لي خيمة من أغصان الشّجر في فسحة من الأرض تكتنفها الصّخور العالية في القسم الشّماليّ من الشّخروب. وصنعت لها بيدي طاولة صغيرة للكتابة ومقعداً"(11)، وقد تابع حديثه عن ماجريات الأيّام التي كان يمضيها في ذلك المكان، فقال "في تلك الخيمة كنت أصرف نهاري فلا أنحدر إلى البيت إلّا في أوقات الأكل والنّوم، وإلّا لاستقبال زائر، أو لمساعدة أبي وأخي في أعمال الحقل على قدر طاقتي إذا لم يكن لديّ أعمال كتابيّة"(12)، وقد أطلق عليه الكاتب توفيق عوّاد لقب ناسك الشّخروب.

كان تربط ميخائيل نعيمة بتلك الأصقاع التي تستلقي على سفوح جبل صنين، علائق متينة ما برحت ترسخ ثابتة، وتحدّث عن الموقع الذي تحلّ به في نفسه، حيث قال "لبسكنتا والشّخروب أثر في حياتي لا أستطيع حصره وتحديده، فلا بدّ من كلمة، ولو عابرة، عنهما"(13)، وفي جليّة الأمر، كانت له كلمات عديدات عابرات، توزّعت في عدّة مناسبات وأحاديث ومؤلّفات، إذ كان يتحدّث عن هذين الموقعين المتجاورين مكاناً، والمتّحدين في نظر ميخائيل نعيمة، وقد صعب عليه تحديد تأثيرهما في حياته، ربّما لأنّ أثرهما كان شديد الاتّساع، وقد شدّه إليهما أوثق الرّوابط وأمتن العلائق، وذلك الالتصاق القويّ الذي اتّسم به ارتباطه بهذين المكانين، ربّما صعّب عليه أن يفرد لهما حيّزاً خاصّاً بهما، في حديثه عن وقائع حياته، لأنّه قد يكون تعذّر عليه، أن يميّزهما في ذلك المزيج الذي ضمّ نفسه مع هذين المكانين، وكانت حياة ميخائيل نعيمة، قد حفلت بالمواقف الفكريّة والشّخصيّة، التي لا ريب في أنّها تهيّئ لدراسات الباحثين والنّقّاد، الموضوعات الأدبيّة والفكريّة، التي هي جديرة بأن تكون محطّ البحث والدّراسة الجادّين.



كثرت الأحاديث عن الرّهبة التي تنتاب الطّلّاب، عند تأديتهم فروض الامتحان الدّراسيّ، ولم يجد الأشخاص الذين يروون تلك الأحاديث، سنداً يدعم أقوالهم، ويعضد جهودهم في وصفهم ذلك الذّعر الذي يستولي على الطّلّاب، إلّا في تلك الأقوال التي يدلي بها القادة الحربيّون، الذين خاضوا أشرس المعارك وأعنفها، إذ ذكر أنّ نابليون بونابرت كان يخشى كثيراً الدّخول في أجواء الامتحان، وكان يقول أنّه لو خيّر بين أن يدخل في ساحة المعركة وتأدية الامتحان، لاختار أن يخوض غمار المعركة، وقد روي أنّه قال أنّ أهون عليه أن يخوض مائة معركة، على أن يدخل في أجواء امتحان دراسيّ واحد، وإذا راجعنا الأقوال التي تبيّن المكانة التي يحلّ بها الامتحان عند النّاس، نلحظ العبارة التي ما برحت تجري على ألسنتهم، وهي "عند الامتحان يكرم المرء أو يهان"، فإذا كانت هذه الأقوال الرّائجة تبرز حالة الخوف من الامتحان، والتي يقع فيها الطّلبة، فإنّ كلّ الفحاوى والمعاني التي تتضمّنها تلك الأحاديث، كانت منقطعة الصّلة بتلك الحالة التي أمرّ بها، عند تأديتي امتحاناتي الدّراسيّة، التي كنت أخوضها واثقاً بنفسي ثقة عالية.

دأبت في أن أؤدّي الاختبار الدّراسيّ، منشرح الصّدر، ومطمئن البال، وإذا تجاوزت الحديث حاليّاً عن مؤهّلاتي واستعداداتي الشّخصيّة، التي هيّأت لي مواجهة أجواء الامتحان من دون أن يعتريني الوجل، فإنّه كان للأساتذة الذين تلقّيت منهم العلم، في مدرسة اللّاييك، فضل واضح في تعزيز تلك الثّقة بالنّفس، التي كانت تملأ كياني في مواجهة الامتحان، فعلاوة على التّهيئة الجيّدة، التي كانت تتوفّر للطّالبات والطّلّاب، لتلقّي دروسهم في هذه المدرسة، من الأساتذة الأكفاء، الذين أخلصوا في أداء مهامّهم التّدريسيّة، فإنّ الطّرائق التّربويّة التي كانوا يتّبعها هؤلاء الأساتذة، كانت تعزّز في نفوس الطّالبات والطّلّاب الثّقة بمؤهّلاتهم واستعداداتهم الشّخصيّة، وتحول دون أن تصيب نفوسهم الرّهبة والفزع من أجواء الامتحان، وإذا كان هؤلاء الأساتذة الأجلّاء، وفّقوا في تهيئة الطّالبات والطّلابّ لمواجهة الاختبارات الدّراسيّة، إلّا أنّ تلك الحالة التي يمرّ بها الطّالبات والطّلّاب، لا تنفي وقوعهم في حالة القلق، والتي كانت تتسبّب بنشوئها، الطّريقة التي يحدّد بها، مصائر أولئك الطّلبة، بعد تأديتهم امتحانات الشّهادة الثّانويّة "البكالوريا"، فشأن هذا القلق، يختلف عن حالة الخوف من الامتحان الدّراسيّ، الذي يعنى به بتحقيق عمليّة سبر المعلومات التي يحصّلها الطّلبة، لأنّ مصير الطّالب في حياته المقبلة بعد تأدية فحوص الشّهادة الثّانويّة "البكالوريا"، يتحدّد بطريقة قاطعة باتّة، من دون أن يتاح له الفرص، التي يستكشف فيها آفاق تلك الأنشطة، التي يرغب في أن يرودها في قادمات الأيّام.

أرفق بهذه المقالة صورة أظهر فيها جالساً في أحد المقاعد التي تبدو في جهة يمين هذه الصّورة، وتحديداً كان ترتيب المقعد الذي كنت أجلس عليه، هو الثّاني بعد المقعد الأوّل الذي يظهر في مقدّمة صف المقاعد، التي تبدو في جهة يمين الصّورة، وقد كنت أؤدّي الامتحانات في نهاية العام الدّراسيّ 1975_ 1976، وكانت إحدى الجرائد التي تصدر في دمشق، نشرت هذه الصّورة، في شهر أيّار عام 1976، فظللت أحتفظ بتلك الصّورة في أرشيفي الخاصّ، مدّة زادت عن الاثنين والأربعين عاماً، ويظهر في هذه الصّورة العديد من طلّاب الصّفّ العاشر في مدرسة اللّاييك،وترتيب هذه الصّورة، هو السّابع في مجموعة تلك الصّور التي عمدت إلى أن أنشرها، وقد كنت ظهرت في تلك الصّور السّبعة، بسبب وجودي في الأنشطة التي كانت الجرائد تتحدّث عنها، في تغطية صحفيّة حوت تلك الصّور التي كنت ظاهراً فيها.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (11)

سنة النّشر 2008

لم يأل الفنّان صلحي الوادي جهداً في حثّه أولئك الأشخاص، الذين يمارسون النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ في البلدان العربيّة، على الأخذ بمناهج العلوم الموسيقيّة لتطوير الموسيقا العربيّة، وقد هداهم السّبيل القويم إلى إدراك تلك الغاية الجليلة، إذ أخلص لهم النّصيحة قائلاً "لا شكّ في أنّ الوسيلة الوحيدة التي تسمح بارتقاء الآلات العربيّة وعازفيها، وبالتّالي بالموسيقا العربيّة ككلّ هي الوسيلة العلميّة، وهذه الوسيلة تفرض وجود مناهج تتدرّج بطلّاب هذه المعاهد، من لحظة البدء حتّى سبع أو عشر سنوات من الدّراسة، نحن أحياناً لا ندرك أهمّيّة الهمّ الأكاديميّ في تدريس الآلات الموسيقيّة، وبغياب مناهج كهذه تبقى دراسة الآلات الموسيقيّة العربيّة فوضويّة، تعتمد على اجتهادات شخصيّة، وغالباً مزاجيّة لا تؤدّي إلى التّقدّم المنشود الذي نطمح إليه، نعرف أنّ لغتنا العربيّة متقدّمة بين لغات العالم، ونعرف كيف أنّ مناهجها تبدأ من الأحرف ثمّ الكلمات، ثمّ صياغة الجمل الصغيرة ثمّ الإنشاء، ويأتي بعد ذلك ما تستطيع أن تخلقه موهبة الكاتب في شعره أو نثره، ولكنّ لا يوجد لهذا مرادف في الموسيقا العربيّة، وكأنّنا نأتي بالطّفل بدون علم، ونقرأ له قصيدة للمتنّبي، ونطلب منه أن يحلّلها، أو يعرف البحر الشّعريّ الذي نظمت فيه، أصرّ على ضرورة استخدام المناهج في المعاهد، قبل البدء بتدريس أيّة آلة موسيقيّة".

دأب الموسيقار صلحي الوادي في أن يكون سبّاقاً إلى تحقيق فحوى تلك الدعوة إلى الأخذ بمناهج العلوم الموسيقيّة، حيث مهّد لأصحاب المواهب الموسيقيّة أن يحصّلوا العلوم الموسيقيّة في المعهد العربيّ للموسيقا بدمشق، والمعهد العالي للموسيقا، فكانت مبادرته إلى إدراج العلوم الموسيقيّة في المنهاج  الدّراسيّ، الذي يتّبعه طلبة هذين المعهدين، قد تمثلّت فيها مصداق تلك النّصيحة التي أولاها إلى أولئك الأشخاص، الذين يمارسون النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ، إذ طابقت هذه الأقوال التي أدلى بها، تلك الأفعال التي أتاها الفنّان صلحي الوادي، الذي بات ذلك السّلوك الذي صدر عنه قدوة حسنة، يتحتّم أن يأتمّ به أولئك النّصّاح الذين يسدون المواعظ إلى سائر النّاس، وقد أكّد الموسيقار صلحي الوادي أنّ "منذ تأسيسه (المعهد العربيّ للموسيقا) عام 1960، والمعهد يسعى للارتفاع بمستوى الموسيقا العربيّة، من خلال تقديم العلوم الموسيقيّة للشّباب العرب السّوريّين، وانطلاقاً من هذا، فإنّنا نرى أنّ ما ينقص الموسيقا العربيّة منذ أزمنة بعيدة، هو العلوم الموسيقيّة التي استطاعت من خلالها باقي الأمم، أن ترتفع في الموسيقا إلى سويّة الفنّ الراقي والجيّد... وهذا النّقص في العلوم الموسيقيّة لدينا، أثّر تأثيراً سلبيّاً على الموسيقا في منطقتنا العربيّة، ومن هنا فإنّنا انطلقنا من فهم أنّ أيّ معهد للموسيقا، يتمّ إنشاؤه في قطرنا يجب أن يضع أمام عينيه _ كهدف أوّل _ التّربية الثّقافيّة العلميّة والإنسانيّة الموسيقيّة... فإذا قلنا أنّ الهدف الأساسيّ للمعهد العربيّ للموسيقا، هو رفع مستوى الموسيقا العربيّة، فإنّ ذلك يتمّ عن طريق التّعليم الموسيقيّ الحديث والعصريّ، وبالتّالي المساهمة في إنشاء فرق موسيقيّة شرقيّة وغربيّة لتقديم الموسيقا بصورتها اللّائقة... أقول  شرقيّة  وغربيّة، مع أنّني لست مقتنعاً تماماً بهذا الفارق بين الموسيقا (الشّرقيّة) والموسيقا (الغربيّة)، فأنا من الذين يؤمنون أنّ الموسيقا هي لغة إنسانيّة، لها لهجتها الخاصّة، وليست هي لغات لها قواعد مختلفة، لأنّ قواعد الموسيقا واحدة مهما اختلفت البيئة، سواء أكانت صينيّة أم تركيّة، وعلينا أن نتعلّم تلك القواعد كي نتحدّث هذه اللغة الإنسانيّة، ونعطيها لهجتنا ونكهتنا الخاصّة".



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (10)

سنة النّشر 2008

تأمّل الموسيقار صلحي الوادي ببصيرته النّافذة في أحوال الفنّ الموسيقيّ في البلاد العربيّة، فتمكّن من أن يشخّص بدقّة الدّاء الذي حاق بتلك الموسيقا العربيّة، ولم يكن أيضاً عسيراً عليه مطلقاً في أن يتوفّق في أن يصف الطّباب النّاجع لتلك العلّة التي نزلت بالفنّ الموسيقيّ العربيّ، فأدّى الفنّان صلحي الوادي واجبه كاملاً، وأنجز بحثه تماماً في شؤون تلك الموسيقا العربيّة، فإذا كان أفراد الشّعب العربيّ يسعون دائبين إلى تحقيق النّهضة الحضاريّة في الأقطار العربيّة، في العصر الحاليّ، إذ باتت الرّغبة في المضيّ في ذلك السّعي، هاجساً يلوح دائماً في خواطر أولئك النّاس كافّة، فإنّ الموسيقار صلحي الوادي أرشد أولئك القوم إلى النّهج الذي يجب عليهم أن يتّبعوه، كي يتأتّى لهم أن يطوّروا الفنّ الموسيقيّ في أقطار الوطن العربيّ، حيث كان يؤكّد أيضاً "إذا أردنا أن تكون النّهضة التي نتحدّث عنها ثورة حقيقيّة في عالم موسيقانا، فعلينا قبل كلّ شيء أن نسلك طريق العلم والمعرفة، ولا يختلف موسيقيّان اثنان بين العرب، أنّ ما ينقص موسيقانا العربيّة هو العلم  بمعناه الأكاديميّ".

لا مشاحّة في أنّ للعرب إبّان الحضارة العربيّة الإسلاميّة، سابقة في تحقيق التّطوّر في العلوم الموسيقيّة، بيد أنّهم انقطعوا في العهود التّالية عن أن يواصلوا تحقيق ذلك التّطوّر في العلوم الموسيقيّة، فأخذوا عندئذ يرجعون القهقرى، بينما أخذت أوروبا بزمام ذلك التّطوّر إذ انضوت إلى موكب النّهوض الحضاريّ، الذي انبثق منه السّعي إلى إدراك ذلك التّطوير في علوم الموسيقا، وقد بيّن الموسيقار صلحي الوادي أنّ "التّطوّر العلميّ في الغرب لا نجد له مرادفاً في الحقبة التاريخيّة ذاتها لدى العرب، الذين كانوا أسبق من الغرب لكنّهم زالوا من الصّورة في ما بعد، أكرّر أنّ هذا لا يمسّ الموسيقا فقط، إنّما علوم أخرى، وكلّ ما بنى الإنسان من حضارة".



تعدّدت مظاهر الأمّيّة بحسب تنوّع واختلاف تلك المواقع، التي كانت تظهر وتستشري فيها، فحدّدت أنواع تلك الأمّيّة على سبيل المثال، بالأمّيّة الهجائيّة أو الأبجديّة، والأمّيّة الوظيفيّة، والمعرفيّة، والفنّيّة، والثّقافيّة، إلّا أنّه برز في الآونة الأخيرة مصطلح الأمّيّة الحديثة، أو الأمّيّة الألكترونيّة، وهي أطلقت على من لا يجيد استخدام الحاسب "الكمبيوتر" في القرن الواحد والعشرين، وتوجد أيضاً حالة الأمّيّة المتفشّية عند المتعلّمين، وهم الأشخاص الذين حازوا على شهادات دراسيّة كالشّهادة الجامعيّة، وينطبق أيضاً على هذا النّوع من الأمّيّة، مصطلح الأمّيّة الثّقافيّة، التي تعتبر في نظر العديد من المفكّرين أسوأ أنواع الأمّيّة، وكان العرب منذ قديم الزّمان، يحضّون على طلب العلم، وقد قال الشّاعر العربيّ "العلم يبني بيوتاً لا عماد لها... والجهل يهدم بيت العزّ والكرم"، وما برحت الأجيال منذ زمن سحيق البعد، تتناقل عبارة "من علّمني حرفاً صرت له عبداً"، ويتّضح في هذه العبارة، أنّ موضع العبوديّة يعبّر عن الاحترام، والعرفان بالجميل، والإقرار بالتّوقير وتأكيد التّقدير، والتّنويه بفضل المعلّم، والإخلاص له، فحظي مسعى طلب العلم بمكانة بارزة سامية في تراثنا العربيّ الزّاهي.

عرّفت هيئة الأمم المتّحدة الأمّيّة بأنّها "حالة الشّخص الذي لا يُجيد القراءة والكتابة"، ثمّ أصدرت عام 1971 تعريفاً آخر جاء فيه "يعتبر غير أمّيّ كلّ شخص اكتسب المعلومات، والقدرات الضّروريّة، لممارسة جميع النّشاطات التي تكون فيها معرفة حروف اللّغة ضروريّة، لكي يلعب دوره بفعّاليّة في جماعته، ويحقّق في تعلّم القراءة والكتابة والحساب، نتائجَ تمكّنه من الارتقاء بنفسه وبالجماعة التي ينتمي إليها، كما تسمح له بالمشاركة النّاشطة في حياة بلده"، ويعني التّعريف الذي وضعته هيئة الأمم المتّحدة أنّ الأمّيّة "هي عدم القدرة على قراءة وكتابة جمل بسيطة في أيّة لغة"، وقد حدّدت غياب تلك القدرة، بعدم التمّكّن من "أساسيّات القراءة والكتابة، وليس للمستويات المتطورّة منهما".

إنّ قضية محو الأمّيّة اعتبرت "عنصراً جوهريّاً في أهداف الأمم المتّحدة للتّنمية المستدامة"، وكانت منظّمة اليونسكو أعلنت في دورتها الرّابعة عشرة، في أثناء مؤتمرها العامّ الذي عقد في 26 تشرين الأوّل/ أكتوبر 1966، "يوم 8 أيلول/ سبتمبر من كلّ عام يوماً دوليّاً لمحو الأمّيّة، بغرض تذكير المجتمع الدّوليّ بأهمّيّة القرائيّة للأفراد والمجتمعات، ولتوكيد الحاجة إلى تكثيف الجهود المبذولة، نحو الوصول إلى مجتمعات أكثر إلماماً بمهارات القراءة والكتابة"، وكان الاحتفاء بأوّل يوم دوليّ لمحو الأمّيّة في عام 1967، ومنذ ذلك التّاريخ "لم تزل الاحتفالات تقام في كلّ أرجاء العالم، حيث يتاح للبلدان والشّركاء الدّفع قدماً بجدول الأعمال الخاصّ بمحو الأمّيّة، على الصّعد الوطنيّة والإقليميّة"، وما برح يتّسع نطاق مشاركة النّاس في الاحتفاء بالجهود المبذولة في مكافحة الأمّيّة، وأخذت تزداد أيضاً الأهداف التي يتطلّع أولئك النّاس إلى أن يدركوها، في سعيهم إلى التّحرّر من ربقة الأمّيّة، وأغلال الجهل.

ملاحظة: العبارات المذكورة ضمن قوسين، هي مستقاة من مواقع على الأنترنت، والتي يندرج في عدادها موقع هيئة الأمم المتّحدة.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (9)

سنة النّشر 2008

ألحّ الموسيقار صلحي الوادي دائماً على ذكر تلك المبادئ العلميّة، التي يرتكز عليها فنّ الموسيقا الجادّة، لأنّ الغالبيّة العظمى من الأعمال الموسيقيّة العربيّة، تردّت في الوقت الحاليّ في هوّة الضّعة والصّغارة، لافتقار هذه الأعمال الموسيقيّة العربيّة إلى تلك المبادئ العلميّة، التي يجب أن تستند إليها، وقد ظلّ الفنّان صلحي الوادي يشيد بتلك المكانة الرّفيعة، التي حلّت بها الحضارة العربيّة في تاريخ الإنسانيّة، حيث كان ينوّه دائماً بنبوغ العلماء والفلاسفة العرب، وخصوصاً أولئك العلماء الأفذاذ الذين برّزوا في العلوم الموسيقيّة، فقد قال الموسيقار صلحي الوادي "عندما نعود إلى التّاريخ نجد أنّ العرب كان لهم أثر كبير على تقدم الحضارة الإنسانيّة، بما فيها العلوم الموسيقيّة.. فحين اعتمد العرب إبّان نهضتهم في القرن السابع الميلاديّ العلم كوسيلة للتّطوّر، استطاعوا أن يضعوا بصمة عربيّة على الحضارة الإنسانيّة.. كان منها وجود معهد للموسيقا في وقت مبكّر.. يفهم دورها السّامي وينشرها كما يقول أحد المؤرّخين الموسيقيّين البريطانيّين.. بحيث كانت الموسيقا تمارس كعلم وفنّ راق ضمن المجتمع في ذلك الوقت... وقد ترجم العرب ما كتبه الإغريق عن النّظريّات الموسيقيّة، وأفادوا منها.... وقد نقلت تلك التّرجمات إلى أوروبا بعد ذلك بقرون عديدة، هذه النّظرة.. لم تكن تخصّ الموسيقا فقط.. بل كانت تمثّل سياسة الدّولة تجاه كلّ العلوم الإنسانيّة.. وقد استمرّت هذه النّظرة لفترة طويلة تصل بين العصرين "الأمويّ والعباسيّ"، هذه الفترة الذّهبيّة التي نستطيع أن نقول أنّ حضارة العرب ولدت بها.. ثمّ تلاشت.. ما حدث بعد ذلك.. أنّه دخلت إلى المجتمع نظرة ضيّقة على إثر ردّة جعلت الكثير من الفنون، كالموسيقا والشّعر والفنون التّشكيليّة تنحسر.. وينظر إليها وإلى من يمارسها نظرة دونيّة، وكأيّ شيء يمنع أو يحظر..، دخلت الموسيقا الأماكن غير الصّالحة صحّيّاً لممارستها.. وصارت تعامل كالخمر والغلمان والجواري..  وأصبحت اعتباراً من القرن العاشر وسيلة للتّرفيه والتّسلية.. وبعيدة عن السّموّ الرّوحيّ والعلم، ونظرة الاحترام الأولى التي عوملت بها؟.. ومع انتشار الدّولة العثمانية لم تتبدّل الأمور إطلاقاً، وبقي العرب لأكثر من خمسمائة عام بعيدين عن الحضارة والعلوم، وترسّخت أكثر فأكثر فكرة أنّ الموسيقا لا تختلف عن وسائل اللذّة الممنوعة.. بل تلتقي معها..، في هذا اليوم ما زلنا نرى ترسّبات ثقيلة لهذا الواقع، عبر 80 % ممّا يتعرّض له الشعب العربيّ من وسائل إعلامه المسموعة والمرئيّة.. الموسيقا ما زالت تقدّم كملهاة لا تعتمد العلم كأساس.. ولا فكرة الفنّ كفكرة سامية".

استفاض الموسيقار صلحي الوادي في ذلك الحديث، الذي تطرّق فيه إلى الموازنة بين الحالة التي كانت عليها الموسيقا إبّان الحضارة العربيّة الإسلاميّة، وشأن الفنّ الموسيقيّ في الوقت الحاليّ، وقد تحدّث الفنّان صلحي الوادي مراراً كثيرة عن تلك العهود التي تطوّرت فيها الموسيقا العربيّة، فكان يؤكّد دائماً أنّنا "إذا عدنا في الواقع إلى مطلع الحضارة العربيّة الإسلاميّة، وبحثنا من خلال ذلك في العصرين الأمويّ والعباسيّ، نجد اهتماماً أساسيّاً في العلوم الموسيقيّة. آنذاك نشأت نهضة موسيقيّة كان لها أثر كبير في الغرب عبر انتقالها إلى إسبانيا، ثمّ إلى وسط أوروبا. كما أنّ الكثير من الاصطلاحات الموسيقيّة التي نراها في الكتب وندرسها، بوسعنا أن نجدها ضمن اللّغة العربيّة، ولكنّ حدثت ردّة في التّاريخ العربيّ، ردّة عامّة ليس ضدّ الموسيقا فحسب، إنّما ضدّ حقول أخرى كالجبر والرياضيات مثلاً".



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (8)

سنة النّشر 2008

لا مرية في أنّ ذلك التّطابق الحاصل بين آراء الموسيقار صلحي الوادي، والصّيغة الفنّيّة التي ألّف فيها أعماله الموسيقيّة، يعزا إلى خصلة الصّدق الذي يتحلّى به الفنّان صلحي الوادي، والصّدق هو قيمة أخلاقيّة رفيعة، وقد عرّف الفيلسوف نيقولاي هارتمان الصدق "بأنّه اتّفاق المرء مع فكره أو اعتقاده الرّاسخ، إنّه قدرة الإنسان على أن يبرهن على هذا الاتّفاق، فهو يحمل مسؤوليّة فعل هذا"، ويرى أيضاً ذلك الفيلسوف "أنّ التّعبير الصّادق خير بالنّسبة للشّخص الآخر لأنّه يستطيع الاعتماد عليه، وبالتّالي فإنّه خير أعلى ويفوق التقدير"، ويؤكّد د. محمود سيّد أحمد مسترشداً بآراء هارتمان أنّ "ليست الكلمة هي الصّورة الوحيدة للتّعبير عن الصّدق والكذب، فهناك أيضاً صدق الفعل وصدق السّلوك، فالمرء يمكن أن يكذب عن طريق فعل ما".

تحدّث الموسيقار صلحي الوادي صادقاً عن آرائه، إذ قال كلاماً صريحاً عن المبادئ الفنّيّة التي اعتمدها في تأليفه الأعمال الفنّيّة الموسيقيّة، التي أصبحت مصداق اعتناقه والتزامه تلك المبادئ، فلا نجد مطلقاً تناقضاً بين آرائه الفنّيّة والأعمال الموسيقيّة التي ألّفها، وإنّي أعتقد أنّ صفة الصّدق الذي تتحلّى به شخصيّة الفنّان صلحي الوادي، تعدّ إحدى الأسس الوطيدة التي ارتكز عليها نشاطه الفنّيّ الموسيقيّ الذي مارسه، ويرى الموسيقار صلحي الوادي أنّ "الموسيقا هي لغة إنسانيّة لها لهجتها الخاصّة، وليست هي لغات لها قواعد مختلفة، لأنّ قواعد الموسيقا واحدة مهما اختلفت البيئة سواء أكانت صينيّة أم تركيّة،.. وعلينا أن نتعلّم تلك القواعد كي نتحدّث هذه اللّغة الإنسانيّة ونعطيها لهجتنا ونكهتنا الخاصّة "، وقد حدّد الفنّان صلحي الوادي تلك المبادئ التي يجب أن ينهض عليها الفنّ الموسيقيّ إذ قال "حين أتحدّث عن الموسيقا المتكاملة فأنا أشير إلى موسيقا تحتوي على العناصر التّالية: اللّحن،  والإيقاع والانسجامات الصّوتيّة "هارموني"، والتّشابك اللّحنيّ " كاونتربوينت"، والتّوزيع الأوركستراليّ، والهندسة الشّكليّة "فورم"، وأيّة موسيقا لا تحتوي على هذه العناصر بتناسق مقبول، لا أستطيع أن آخذها مأخذ الجدّ".



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (8)

سنة النّشر 2008

لا مرية في أنّ ذلك التّطابق الحاصل بين آراء الموسيقار صلحي الوادي، والصّيغة الفنّيّة التي ألّف فيها أعماله الموسيقيّة، يعزا إلى خصلة الصّدق الذي يتحلّى به الفنّان صلحي الوادي، والصّدق هو قيمة أخلاقيّة رفيعة، وقد عرّف الفيلسوف نيقولاي هارتمان الصدق "بأنّه اتّفاق المرء مع فكره أو اعتقاده الرّاسخ، إنّه قدرة الإنسان على أن يبرهن على هذا الاتّفاق، فهو يحمل مسؤوليّة فعل هذا"، ويرى أيضاً ذلك الفيلسوف "أنّ التّعبير الصّادق خير بالنّسبة للشّخص الآخر لأنّه يستطيع الاعتماد عليه، وبالتّالي فإنّه خير أعلى ويفوق التقدير"، ويؤكّد د. محمود سيّد أحمد مسترشداً بآراء هارتمان أنّ "ليست الكلمة هي الصّورة الوحيدة للتّعبير عن الصّدق والكذب، فهناك أيضاً صدق الفعل وصدق السّلوك، فالمرء يمكن أن يكذب عن طريق فعل ما".

تحدّث الموسيقار صلحي الوادي صادقاً عن آرائه، إذ قال كلاماً صريحاً عن المبادئ الفنّيّة التي اعتمدها في تأليفه الأعمال الفنّيّة الموسيقيّة، التي أصبحت مصداق اعتناقه والتزامه تلك المبادئ، فلا نجد مطلقاً تناقضاً بين آرائه الفنّيّة والأعمال الموسيقيّة التي ألّفها، وإنّي أعتقد أنّ صفة الصّدق الذي تتحلّى به شخصيّة الفنّان صلحي الوادي، تعدّ إحدى الأسس الوطيدة التي ارتكز عليها نشاطه الفنّيّ الموسيقيّ الذي مارسه، ويرى الموسيقار صلحي الوادي أنّ "الموسيقا هي لغة إنسانيّة لها لهجتها الخاصّة، وليست هي لغات لها قواعد مختلفة، لأنّ قواعد الموسيقا واحدة مهما اختلفت البيئة سواء أكانت صينيّة أم تركيّة،.. وعلينا أن نتعلّم تلك القواعد كي نتحدّث هذه اللّغة الإنسانيّة ونعطيها لهجتنا ونكهتنا الخاصّة "، وقد حدّد الفنّان صلحي الوادي تلك المبادئ التي يجب أن ينهض عليها الفنّ الموسيقيّ إذ قال "حين أتحدّث عن الموسيقا المتكاملة فأنا أشير إلى موسيقا تحتوي على العناصر التّالية: اللّحن،  والإيقاع والانسجامات الصّوتيّة "هارموني"، والتّشابك اللّحنيّ " كاونتربوينت"، والتّوزيع الأوركستراليّ، والهندسة الشّكليّة "فورم"، وأيّة موسيقا لا تحتوي على هذه العناصر بتناسق مقبول، لا أستطيع أن آخذها مأخذ الجدّ".



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (7)

سنة النّشر 2008

أردف الموسيقار صلحي الوادي على توفيقه لممارسة نشاط تلك الرّعاية التّربويّة، نجاحَه في قيادة الفرقة السّيمفونيّة الوطنيّة السّوريّة، مثلما كان نبغ أيضاً في قيادة فرقة موسيقا الحجرة، والتي أحدثت قبل قيام تلك الفرقة السّيمفونيّة الوطنيّة، فأقبل الفنّان صلحي الوادي على قيادة هذه الفرقة السّيمفونيّة مسترشداً ببصيرته النّافذة، وحاشداً لإنجاز هذه المهمّة الفنّيّة قدراته، ومؤهّلاته الفنّيّة الرّفيعة، فتمكّن من أن يَسِمَ قيادته لهاتين الفرقتين، بطابع شخصيّته الفنّيّة، بعد أن أخذ لتلك القيادة أهبتها، واستمدّ عدّتها من صميم قدراته الفنّيّة، التي ظلّت ابتكاراتها تترامى إلى الرّفعة والسّموّ، مهما اختلفت أنواع النّشاط الموسيقيّ الذي يمارسه الفنّان صلحي الوادي، الذي نبغ أيضاً في توزيعه الموسيقيّ لمؤلّفات كبار الموسيقيّين، الذين عزفت أعمالهم الموسيقيّة فرقة موسيقا الحجرة، والفرقة السّيمفونيّة الوطنيّة السّوريّة، وقد طبع في عمليّة التّوزيع الموسيقيّ خصائص إبداعه الفنّيّ، إذ برع الموسيقار صلحي الوادي في توزيع قطع المواسم لتشايكوفسكي، وأربع قطع موسيقيّة لموسورسكي، ومتتاليات لجان فيليب رامو، وافتتاحيّة لإيزيك غرانادوش.

إنّ تلك المناشط التي أوجزت الحديث عنها، تري للإنسان الذي يتأمّل فيها مليّاً، المآثر الفنّيّة الجليلة التي تلوح تترى، حتّى يكاد لا يملك ذلك الإنسان نفسَه عن سعيه في أن يحيط بها علماً، فما إن يقف على أولى تلك المزايا التي يتاح له أن يتبيّنها، حتّى تحضّه تلك المزيّة على مواصلة البحث، وتحفزه إلى الاستمرار على استقصاء سائر المزايا،  فلا يلبث أن يزداد شغفه بمتابعة ذلك التّأمّل، فيلفي نفسه يخلو على تبيان تلك المزايا مهما امتدّ به ذلك البحث، الذي يكشف عن نصاعة النّبوغ ووجاهة الإبداع، ورفعة السّجايا الحميدة، وإذا شرع ذلك المتأمّل في أن يروي وقائع ذلك النّشاط، فإنّه يقبل على الإفاضة في ذاك الحديث باشاً لإيراده، ومتحمّساً لسرده، فإذا قدّر عليه أن ينقطع عن ذكر هذا الحديث بعض الوقت، وقسِرَ على أن يكفّ عن الاسترسال في ذلك الكلام، فلا بدّ حينئذ من أن يكابد ذاك الباحث، مشاقّ الانقطاع عن إيراد ذلك الحديث، فيسعى إلى أن يصرم إفاضته في الكلام، ويردّ أفكاره عن انطلاقتها، كي يتوقّف عن الاسترسال في حديثه، الذي يشقّ عليه كثيراً أن يقلع عن متابعته، ويعزّ عليه أن يكفّ عن أن يخبر عن مزايا وخصائص ذلك النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ، الذي تأخذ وقائعه الألباب، وتستلب الأفئدة.

إذا كنت تحدّثت بإيجاز عن ذلك النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ، الذي زاوله الفنّان صلحي الوادي، إلّا أنّي آمل أن أعاود هذا الحديث، وأن أفصّل كلامي عن هذا النّشاط في وقت قادم قريب، فأعلّل نفسي الآن بانشراحها بتلك الأمنية، عن الأسى على ذلك الإيجاز في الكلام، بيد أنّي أعمد حاليّاً إلى أن أتبسّط قليلاً في الحديث عن نشاط فنّيّ ذي شأن رفيع، وأعني تحديداً ذلك النشاط الذي يتمثّل في عمليّة التّأليف الموسيقيّ، والتي أتاها الموسيقار صلحي الوادي، إذ ألّف أعمالاً موسيقيّة عديدة، وهو قد تحدّث عن نشاطه في عمليّة التّأليف الموسيقيّ، في حوارات صحفيّة عديدة أجريت مع الموسيقار صلحي الوادي، إذ أورد فيها آراءه في عمليّة التّأليف الموسيقيّ، وكانت أصداء تلك الآراء جميعها، تردّدت في تلك الأعمال الموسيقيّة التي ألّفها، فجلت مؤلّفاته الفنّيّة الموسيقيّة أيضاً المبادئ، التي استند إليها في إنجازه تلك القطع الموسيقيّة البديعة، فذاعت تلك المبادئ الفنّيّة في قالب موسيقيّ بين النّاس، الذين استشفّوا أيضاً من خلال تلك الأعمال الموسيقيّة آراء الموسيقار صلحي الوادي، الذي لم يحد قط عن نهج الأسس والقواعد العلميّة الموسيقيّة المثلى، في تأليفه أعماله الفنّيّة الموسيقيّة.