مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (2)

سنة النّشر 2008

                      شموخ الإبداع وسمو الرّسالة

                             الموسيقار صلحي الوادي

                           التّواضع الخلاّق والإخلاص الصّادق

ترسخ سمة الأصالة في الأسلوب، الذي ينتهجه الفنّان الفذّ في إنجازه أعماله الفنّيّة، التي تؤثّل فيها تلك الأصالة طابع التّميّز الذي يفرد نتاج ذلك الفنّان عن البدائع الفنّيّة التي يبتكرها سائر الفنّانين، فكأنّما تتزيّا شخصيّته برداء فنّيّ          قشيب، موشّى بالخرز الفريد، ومرصّع بالشّذر النّادر، فيصبح ذلك الفنّان نسيج وحده في إبداعه روائعه الفنّيّة، ويغدو منقطع النّظير بين أقرانه من  الفنّانين، وتقي ذلك الفنّان المتفرّد في مكانته الفنيّة، سمةُ الأصالة التي يتميّز بها أسلوبه الفنّيّ، من أن يتردّى في مهاوي تقليد أساليب الفنّانين، الذين يطالع أعمالهم الفنّيّة، فيتمثّل ذلك الفنّان الأصيل نتاج سائر الفنّانين، من دون أن يسلك تلك الأساليب ذاتها التي صاغوا عليها أعمالهم الفنّيّة، التي يقف عليها ذلك الفنّان  الفذّ، الذي تردّه أيضاً تلك الأصالة عن وقوعه في زلّة الارتهان بالمعايير الباطلة الشّائعة، التي قد يسعى بعض النّاس إلى أن يقيّم بها الأعمال الفنّيّة، فتجنّبه تلك الأصالة الأخذ بالمقاييس التي تخالف قواعد الفنّ الرّفيع، فلا يتقيّد ذلك الفنّان البتّة بها، مهما كان انتشار تلك المعايير واسعاً بين الأقوام.

لا يأخذ الفنّان الأصيل بسنن التّميّز عن سائر الفنّانين تصنّعاً أو تكلّفاً، فهو لا يتقصّد أن يأتي بالنّتاج الطّريف الغريب، والعمل الملغز العجيب الذي يعيي الفكر ويحيّر الخاطر، من دون أن يفضي بمن يتأمّل ذلك النّتاج الفنّيّ إلى التّقلّب في نعماء الفنّ الرّفيع، فإذا عمد ذلك الفنّان إلى أن يؤكّد تفرّد نتاجه الفنّيّ عن سائر أعمال الفنّانين، إلاّ أنّه يأبى أن يتّبع سبيل الشّذوذ عن النّهج الفنّيّ القويم، فكثيراً ما يلتبس على أولئك الأشخاص الذين يتكلّفون السّعي إلى إبداع الأعمال الفنّيّة، طابع تلك الأصالة التي تفتقدها شخصيّاتهم، فيظنّون ظنّاً خاطئاً أنّهم لن يتيسّر لهم أن يعبروا عن تلك الأصالة التي يدّعون امتلاكها، إلاّ إذا تنكّروا لمبادئ الفنّ، الذي لا يبرحون يشتطّون في خروجهم على أسسه المثلى، ويتمادون في معارضة سننه الرّشيدة، من دون أن يعلموا أنّ سمة الأصالة إذا كانت راسخة في شخصيّة الفنّان، فلن يتأتّى لها أن تنطلق من إسار الخفاء الذي يحجبها، إلاّ إذا استرشد ذلك الفنّان بأنوار مبادئ الفنّ، ومضى في إنتاجه أعماله الفنّيّة على هدي تلك القواعد الفنّيّة القويمة، فتتبدّى تلك الأصالة حينئذ جليّة وتتكشّف ظاهرة في ذلك النّتاج الفنّيّ الذي يبتدعه ذلك الفنّان.

يستمسك الفنّان النّابغ بعروة الأصالة صوناً وحفظاً لطابع الإبداع الفنّيّ، الذي جُبلِت عليه شخصيّته الفنّيّة، وهو ينافح ويذود عن أصالته الفنّيّة الذاتيّة، من دون أن تفتر عزيمته أو توهن إرادته، ليشدّد منعة رسالته السّامية التي يروم تحقيقها في هذه الحياة التي يعيشها، فلا تنفصم أبداً الرّابطة الوثقى التي تؤلّف بين وجود ذلك الفنّان وممارسته نشاطه الفنّيّ، فيندفع في تحقيق القيم الفنّيّة التي تنصّ عليها مبادئ الفنّ، لأنّه يأبى أن يتنكّر لحقيقة أصالته الشّخصيّة المتميّزة، التي تحوط بروزه في مناشط الإبداع الفنّيّ، وهو ينتحم أيضاً على تحقيق رسالته النّاشبة جذورها في مبادئ وقيم الفنّ الأصيل، والتي غدت صوى هادية لتلك السّنن التي تمضي فيها عمليّة إبداعه الفنّيّ، الذي يتمخّض عن الأعمال الرّائعة، التي توثّق ارتباطه بهذا العالم الذي يحيا فيه، بل إنّ ذلك الفنّان يسدي إلى سائر النّاس صنيعاً حميداً، إذ أشركهم معه في الشّعور بذلك الارتباط الوثيق بذلك العالم، الذي ينضوي إليه أولئك القوم، أوليس النّتاج الفنّيّ الرّفيع يرهف شعور الإنسان الذي يتذوّقه، وينير بصيرته التي تتطلّع لاستكناه حقيقة هذا العالم، الذي يعيش فيه ذلك الإنسان، الذي ما إن يتأتّى له أن يلمّ بكنهه حتّى تنشأ بينه وبين هذا العالم تلك الوشائج، التي لا يهي مطلقاً رباطها الذي يجمع بينهما، فتتبدّد متلاشية بينهما دواعي التّناكر، الذي كان حال دون أن تقوم تلك الرّابطة المتينة التي تؤلّف بين هذا الإنسان وذلك العالم.



كنت أمضي أوقاتاً طويلة مع أفراد أسرتي في مناقشة المسائل والقضايا الكثيرة والمتنوّعة، التي تتّصف بأهمّيّة بارزة في حياة النّاس، وأذكر أنّي قد تحاورت في أحد الأيّام مع والدي، في مسألة مراحل الحياة التي يمرّ بها البشر، فقال لي والدي حديثاً طويلاً عبّر فيه عن رأيه في هذا الموضوع، وأورد الآن من كلام والدي، بعضاً من الكلمات والعبارات التي كان ذكرها، إذ قال والدي: إنّ سنّة الحياة، أن يمرّ الإنسان بمراحل عديدة خلال العمر الذي يعيشه، إلّا أنّه يستطيع في بعض الأحيان، أن يمتلك قدراً معيّناً من استطاعة التّحكّم في تحديد المدّة، التي تستمر فيها مرحلة محدّدة، فإذا نظرنا في مرحلة الشّباب، فإنّ الإنسان يستطيع بقدر محدّد من الاستطاعة، أن يعيّن طول الفترة الزّمنيّة، التي يستغرقها هذا الطّور من أطوار الحياة التي يمرّ بها النّاس، وتظهر قدرة الإنسان على التّحكّم في تحديد طول هذه المرحلة، بحسب أحوال المعيشة والعادات الصّحّيّة والغذائيّة التي يتّبعها، فيستطيع أن يوسّع أمد مرحلة الشّباب، الذي يتميّز بخصائص، تعلو في نظر النّاس.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (36)

سنة النّشر 1987

لم يكن يتاح أن أقيم لمشاعري سدّاً، ولم يتأت لي أن أضع لها حدّاً، فكانت تقلّني أجنحة الخيال وتنطلق بي في لجّة الحبّ، حتّى أدرك تلك الذّرى السّامقة، في مراتب الوجدان ومراقي الكيان، وما إن أتبوّأ تلك القلال الشّامخة، وأعتلي تلك السّدّة الرّفيعة، حتّى تميد بي نشوة العشق، وتنبعث في نفسي نزيّة الشّوق، فأهوى إلى قيعان سحيقة، وأتردّى في وهاد عميقة، وأغضّ طرفي عن حلم غابر، وأصرف نفسي عن مطمح دابر، وربّما ألفيت في عشرتي مع نادية، المؤالفة والمؤانسة اللتين تلطّفان وطأة وحشتي، ونحن نخوض في غمار الحياة، إلاّ أنّي ما برحت أروغ عن هذا الاعتقاد، حتّى أحاطت بنفسي حبائل العاطفة وأشراك الهوى، فبدأت أذعن لهذا الخاطر، وقد كان تفرّد فكري بالآراء والمعتقدات التي اعتنقتها، سدّ المعابر التي تصلني بالأشخاص الآخرين، الذين يتذرّعون بعلائق الفكر، إلى أن يوثّقوا عرى الألفة بينهم وبين سائر النّاس، فانطلقت في مدارج العاطفة، حتّى ألفيت نفسي أعيى بالإحاطة بحقيقة تلك الدّوافع، التي تحفز المشاعر إلى أن تنبعث في ثورانها المضطرم، وأعجز عن أن أدرك تلك الطّرائق، التي توطّد بها نفوذها على النّفس، فكنت أتيه في رحاب تلك العاطفة، من دون أن أحدّد وجهة، أسعى إلى أن أبلغها، وكان أفضل لي وأليق بي، أن أقحم نفسي في أصقاع الذّهن البارد، وأكناف الخاطر الفاتر، عوضاً من أن أرتاد حمم اللّواعج المحتدمة، التي تزكي لهيبها العواطف الجيّاشة، ولم أهتد إلى سواء السّبيل، فباتت تنازعني رغائب شتّى ومآرب عديدة، من دون أن أضبط أمري وأبتّ قراري.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (35)

سنة النّشر 1987

أنتشت بذور العاطفة، وتفتّحت براعمها في نفسي منذ شرخ شبابي، وخفقت ألوية الهوى في صدري، الذي هبّت فيه رياح الغرام، فعصفت في كياني الأعاصير الهوجاء، وقلعت دعائم سكينتي التي تبدّدت في مهبّ تلك الزّوابع النّافخة، واختلجت في صدري غمرات العشق، إلّا أنّني لم أحِدْ عن نهج الهيام؛ ولم أسفّ إلى الملاذّ الدّنيئة في عالم ذلك الغرام العارم، وقد سنّت شرائع الأخلاق القواعد، التي تحدّ بها غلواء المشاعر، وأوجبت الأعراف الطّرائق التي تضبط بها سورة العواطف الجامحة، وأحاطت النّفس بسياج الفضائل، التي خطّت حدود الاستقامة، وتخوم الرّشاد، وطوّقت رغائب الإنسان بدلائل الهداية، التي إن أعرض النّاس عنها ترامت أحوالهم إلى الخسران، وآلت مساعيهم إلى الخذلان، وألمح بعض الأقوام، يصدف عن غمرات العاطفة وبرحائها، فلا أجد أمارة على إثارة ظاهرة في تلك الطّرائق الرّتيبة السّاكنة، التي اعتادوا أن يسلكوها، في سعيهم إلى أن يخوضوا في خضم هذه الحياة؛ وطالما كان أفراد من هؤلاء الأقوام، يتردّون متعثّرين، إذ يقعون ضحايا محاولتهم استجلاء تلك الملاذّ الكامنة في أكناف العواطف، فيدأبون في أن يتنّسموا رحيق الهوى، وعرفه الطّيّب العطر، فإن أسكر حواسهم، بدلاً من أن ينبّه نفوسهم إلى مآثر البرّ، تقع فعالهم في حمأة الفساد السّافر والضّلال الظّاهر، وينزلقون إلى درك الخطايا والرّذائل؛ فمن دلائل الأنفة والعزّة، أن ندنو من نيران الغرام المتّقدة، من دون أن تلذع أيدينا سياط شعلها المتأجّجة، ولا تلفع جباهنا ألسنة لهبها المتوهّجة، ولِمَ أكترث لتلك العاطفة، وقد نضبت في نفسي جداول الأمل، وجفّت مسايل الرّجاء، وغدوت على مرّ الأيّام، أوهن قدرة على مسايرة تلك اللّواعج التي تبهظ النّفس، وأوهى عزيمة على مجاراة ذلك الجوى الذي يفدح الحسّ.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (1)

سنة النّشر 2008

المقدّمة

أسهب النّاس كافّة في عصور شتّى في الحديث عن شدّة تأثير الموسيقا الطّاغي في نفوس البشر، الذين كثيراً ما تؤكّد أغلبيّتهم عجزها عن أن تفي ذلك التّأثير حقّه، من البيان والإيضاح، إذ اعتقد أفراد تلك الأكثريّة من هؤلاء النّاس، أنّ ليس في وسعهم، أن يصفوا وصفاً دقيقاً تلك الآثار التي تحدثها الموسيقا في نفوسهم، وإذا تجاوزت حاليّاً البحث في أمر ذلك الاعتقاد، الذي وقر في أفئدة أولئك النّاس، الذين شاعت بينهم تلك الفكرة، التي تصوّر عجزهم عن أن يجلوا ذلك المدى، الذي يبلغه تأثير تلك الموسيقا في أنفسهم، فإنّي أجتزئ الآن، بأن أؤكّد أنّ أحد الأسباب، التي حفزتهم إلى تكوين تلك الفكرة الرّاسخة في عقولهم، يتمثّل في افتقار أولئك النّاس إلى مقاليد التّعبير عن ذلك الانفعال، الذي تثيره في نفوسهم تلك الموسيقا، وعلى قدر قوّة ذلك الاعتقاد الرّاسخ في أفئدة هؤلاء النّاس، فإنّهم يظنّون أيضاً ظنّاً قويّاً، أنّ تلك المسائل التي تفرّعت عن قضايا الفنون المتنوّعة، قد بتّ فيها وحسم النّقاش في أمرها، إذ اعتقدوا أنّ الأبحاث الفكريّة المنجزة، التي تطرّق فيها البحّاثة إلى الخوض في غمار تلك القضايا، قد قتلتها خُبْراً، وأشبعت معالجتها، وإذا كان يتركّز اعتقاد النّاس خصوصاً في تلك القضايا التي تتّصل بشؤون الفنّ الموسيقيّ، فإنّ هيهات أن تسفر قضايا ذلك الفنّ عن كافّة سرائرها الخبيئة، ولن تهيّئ مسائل ذلك الفنّ لمن يطّلع عليها، أن يهتدي في يسر إلى أن يستخلص من مناقشته قضايا ذلك الفنّ الموسيقيّ، الرّأي المرجوح الذي يبلوّر المسائل التي تتعلّق بشؤون ذاك الفنّ الموسيقيّ.

إنّ في وسعي أن أؤكّد أيضاً أن بعض قضايا أصناف الفنون المتنوّعة، تظلّ أوجه عديدة منها مبهمة، إذ استعصى على النّاس أن ينيروها تمام الإنارة، في مناقشتهم مسائل تلك الفنون المتنوّعة، وإذا كان بعض من القضايا الفنّيّة قد حسم الجدل فيها منذ أمد بعيد، فإنّ سائر قضايا تلك الفنون المتنوّعة، ما زال يستعصي على النّاس أن يقرّوا رأيهم فيها، وإذا سلّم أولئك الأفراد بذلك المآل الذي صارت إليه تلك القضايا التي لم يبتّ في شأنها، فإنّهم سرعان ما يسمونها بالعسر، ويكادون يسلون عنها من دون أن يلتفتوا إليها، حتّى أنّهم إذا اتّفق لهم أن يقفوا عليها ذات مرّة، فغالباً ما يفجأ هؤلاء النّاس وجود ذلك النّوع من القضايا، التي علّق الحكم في شأنها، وعلى قدر إحساسهم الشّديد بتلك الفجاءة التي أخذتهم، فإنّهم يتوغّلون في تضخيم ذلك العسر الموهوم، الذي يسمون به تلك القضايا التي قد باغتهم وجودها، وإذا أحجمت الآن عن البحث في الأسباب، التي تدفع أولئك النّاس إلى أن يدهشوا من وجود تلك القضايا الفنّيّة، التي علّق الحكم فيها، وقد هالت ضخامتها المزعومة أولئك النّاس، مثلما فجأهم وجودها، فإنّي ركّزت اهتمامي في هذا الكتاب، بعرض ومناقشة بعض من تلك المسائل التي تتعلّق بشؤون الفنّ الموسيقيّ، على أنّي وطّدت عزمي على أن أخوض في مناقشة سائر تلك القضايا في كتب أخرى، آمل أن أخطّها في قادم الأيّام.

إنّي أعتقد أنّ الشّروع في البحث المعمّق في شؤون الفنّ الموسيقيّ الجادّ، ينزع من مسائل ذلك الفنّ سمة العسر، ويرفع عنها غشاية الغموض، وذاك الجدل الذي يدور بين النّاس في شأن تلك القضايا الفنّيّة، يؤكّد قدرة أولئك القوم على إنارة مسائل ذاك الفنّ الموسيقيّ، وقد ضممت إلى هذا الكتاب أيضاً المقالات التي كنت نشرتها في الصّحف منذ سبعة عشر عاماً، وقد تحدّثت عن شؤون الفنّ الموسيقيّ الجادّ في تلك المقالات، التي ائتلفت مع الأبحاث التي أنشرها أوّل مرّة في هذا الكتاب، الذي أقدّم على صفحاته بعض قضايا الفنّ الموسيقيّ، وإنّي على يقين من أنّ تأمّل النّاس في تلك القضايا، سيحفّزهم إلى الإسهام في إيضاح وتبيين كافّة أوجه مسائل ذاك الفنّ الموسيقيّ الجادّ، ولم أكد أستعدّ لتنفيذ طباعة هذا الكتاب، حتّى كان حدث أليم قد وقع في عالم الفنّ وحياة النّاس قاطبة، وإذا لم أستطع أن أفي حقّ هذا الحدث الجلل، في أن أسهب مستفيضاً في التحدّث عنه في هذا الكتاب، فلأنّي لم أكد أفرغ من تهيئة هذا الكتاب للطّباعة، حتّى أصاب حدث فاجع البلاد العربيّة التي نُكِبت في وفاة الموسيقار صلحي الوادي، بعد أن حال المرض الذي ألمّ به دون أن يواصل مزاولة نشاطه الفنّيّ الموسيقيّ، طيلة السّنوات الخمس الماضية، إلّا أنّ الفقيد الكبير الذي فُجع الناس بوفاته أيضاً في أقطار الدّنيا قاطبة، أشاد بناء فنّيّاً ضخماً، وأنشأ مؤسّسات فنّيّة شامخة ستصمد راسخة في الحياة الفنّيّة، وإذا كانت إحدى المزايا الجليّة التي تتحلّى بها المؤسّسات العظيمة، تتمثّل في استمرار بقائها وثبات دوامها، مهما تعرّضت للمحن والهزائز، حتّى وإن انقطع بانيها عن أن يشرف شخصيّاً عليها، وتلك الميزة التي ذكرتها آنفاً، على الرّغم من أنّها تعتبر معروفة في بدائه العقول، ولا يجد الإنسان داعياً إلى أن يثبتها، فإنّها تؤكّد عظمة الشخص الذي بنى تلك المؤسّسات، وأقام هذا البنيان الفنّيّ المنيف، وإن كانت الإفاضة في الحديث عن الأعمال الجليلة، التي أنجزها المرحوم الموسيقار صلحي الوادي، لا تسعها المجلّدات العديدة الضّخمة، فإنّي أعتزم على أن أعاود الخوض في الحديث عن تلك الأفعال المجيدة، في الأيّام القريبة القادمة.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (34)

سنة النّشر 1987

تطرّقنا إلى تلك الأحاديث التي تنفكّ فيها القيود عن الذّهن، ليبدو فيها الفكر بيّن المعالم، وتظهر النّفس جليّة الطّويّة، فاستدلّ كلّ منّا على أحوال جليسه، بأنوار الخواطر التي تلمع في آفاق فكره ورحاب ذهنه، وتعرّف كلّ منّا على دخيلة محاوره، بسنا تلك الهواجس التي تنطوي نفسه عليها، فاهتدى كلّ منّا بذلك الضّياء النّاصع، واللّمعان السّاطع، اللذين أنارا تلك المشاعر، التي تختلج في قرارة نفس ذلك المؤانس الذي بدّد وحشته.

عمدنا إلى أن ننهض عن مقاعدنا، لنهمّ بمبارحة هذا المطعم، ولم نكد نشرع في أن نسير على الرّصيف، حتّى وشكان ما باغتتنا ريح صرصر، فتدانينا وكأنّنا سعينا في أن نتقارب في مسيرنا، كي نطرح عنّا ذلك الفزع الذي دهمنا وألمّ بنا، بعد هذه السّكينة التي أخلدنا إليها، وتعجّلنا في المشي، وسايرتها حتّى بدأت مشارف بيتها تلوح لنا من بعيد، فودّعتها بكلمات جاهرتها فيها برجيتي أن أراها عن قريب، فأكّدت بابتسامة نيّرة، وعدَها بتحقيق رغبتي في أن ألتقي بها، وسرت عائداً إلى منزلي، فأخذت تشتدّ عليّ وطأة البرد القارس، فأيقنت بأنّي أمشي بمفردي، بعد أن كان يثير السّير مع نادية في نفسي، المشاعر الحارّة والأحاسيس الدّافئة، فعمدت إلى استحضار صورتها في ذهني، فأحسست عندئذ بالدّفء والطّمأنينة.

ارتميت على سريري فاتر الهمّة، منطفئ الحماس، وتبصّرت في مشاعري التي حرّرت إرادتي من تلك القيود التي كبّلتها، وأعتقت نفسي من عبوديّة الشّهوات، وخلّصتها من الارتهان بتوافه الأحداث؛ وأرى سائر الأنام، يقبسون من مسارج العاطفة لهبها المتوهّج، ليوقدوا به نيران حماسهم، فيسعون في أن يثيروا عزائمهم الخادرة، ويبعثون مرائرهم الفاترة، فألفيت أولئك النّاس في تهالكهم على ثمار تلك العاطفة، كأنّهم يستعيضون بها عن مغانم سلبت منهم، وعن مكاسب حجبت عنهم، فينعمون بهناءة تلك المشاعر الحانية، حتّى تدهمهم دجم العشق وغمرات الولع، فيهنون في استكانة ذليلة، ويبثّون الشّكوى، وينفثون النّجوى، وهذا شأن الإنسان، تقلّه أحلامه إلى سعير جواه، وتطرح به يقظته إلى قيظ تلك الوقائع التي تطرأ عليه.



إنّ الأحداث التي أفضى إليها ذلك التّصرّف الذي أتاه لاعب منتخب الأورغواي تجاه أحد لاعبي الفريق الإيطاليّ، لم تتمّ فصولاً، فما زالت الأنباء تأتي متواترة، لتصف مجرى الوقائع المتتالية، التي اتّخذتها مسألة ذلك الفعل الذي جاء به لاعب منتخب الأورغواي، عندما احتكّ بلاعب منتخب إيطاليا، في إحدى مباريات بطولة كأس العالم لكرة القدم، التي تجري في هذا الأوان في عام 2014، في المدن البرازيليّة، والأخبار جاءت متسارعة، لأنّ الأحداث توالت في عجلة ظاهرة، فذكر في التّقارير الصّحفيّة، أنّ اللّاعب الأوروغويانيّ قدّم اعتذاراً، إذ عبّر عن ندمه على ارتكابه ذلك الخطأ ضدّ اللّاعب الإيطاليّ، وسلوك الاعتذار في حدّ ذاته هو فضيلة رفيعة، نوّه به كثيراً، المصلحون الاجتماعيّون والمفكّرون، وهو أيضاً سلوك، كان يفتقده أشخاص عديدون طوال التّاريخ البشريّ، ويجب ألّا يستخفّ أحد من النّاس بهذه القيمة العالية من القيم الأخلاقيّة، التي تتأصّل في سلوك الاعتذار، الذي يُحتّم ألّا يقلّل من أهمّيّته أيضاً.

إنّ الأحداث المتسارعة التي أعقبت وقائع مباراة منتخبي إيطاليا والأوروغواي، قد أفضت إلى ذلك المآل الذي تبدّى في موقف الاعتذار، الذي اتّخذه لاعب منتخب الأورغواي، وقد يخطر في ذهن بعض النّاس، التّساؤل عن سبب وصفي تلك الأحداث، بأنّها حلّت متسارعة، ولا ريب في أنّ الإجابة عن هذا السّؤال، يتكفّل بها التّاريخ، الذي يخبرنا بأنّه ما زالت توجد قضايا ومسائل عالقة بين الشّعوب، لم تغلق ملفّاتها بعد، وهي ظلّت على هذه الحالة مدّة بلغت أحياناً مئات السّنوات، وبعض تلك القضايا والمشاكل ظلّت مدداً أقلّ، في حالة انتظار ذلك الأوان الذي تحسم فيه، وأمّا علّة ذلك التّأجيل في حسم تلك الخلافات النّاشبة بين عدد من شعوب العالم، فهي انتظار سلوك الاعتذار الذي كان يطالب بعض أطراف ذاك الخلاف، أن يبدر من خصومهم الذين يجابهونهم في تلك القضايا التي يتنازعون فيها، والأمثلة التّاريخيّة كثيرة، وبعض تلك القضايا أصبحت أزمة مستفحلة أحياناً، ولكنّ تاريخ الرّياضة نفسه، يخبرنا عن مسائل لم تحسم وقضايا لم تغلق، بسبب انتظار النّاس أن يعمد الرّياضيّون الذين ارتكبوا المخالفات في ميادين الرّياضة، إلى الاعتذار عن ارتكابهم تلك الأخطاء التي بدرت منهم، وإذا كان الشّيء بالشّيء يذكر، فإنّه يكاد يكون المثال الأشهر في هذا الموضوع، هو مثال اللّاعب الأمريكيّ اللّاتينيّ الذي تحدّثت عنه في مقالتي السّابقة، وقد اخترت هذا المثال، لأنّه كان اسم هذا اللّاعب، مدار أشهر قضية، ظلّ يتناقش فيها النّاس منذ أمد بعيد، بسبب امتناعه عن تقديم الاعتذار عن ذاك الخطأ الذي ارتكبه ضد أحد لاعبي دولة أوروبيّة، في إحدى المباريات النهائيّة في بطولة كأس العالم في عام 1986، والتي جرت في المكسيك.

ما زال أفراد عديدون من شعب تلك الدّولة الأوربيّة، التي ارتكب ضد منتخبها الوطنيّ لكرة القدم، ذلك اللّاعب الأمريكيّ اللّاتينيّ مخالفة صريحة، يؤاخذون ذلك اللّاعب الذي ينتمي إلى أحد منتخبات دول أمريكا الجنوبيّة، وما برحوا ينحون عليه باللّائمة لارتكابه تلك المخالفة، وهؤلاء الأشخاص لن يغفروا له خطأه الذي اقترفه، إلّا إذا قدّم اعتذاره لارتكابه ذلك التّصرّف الخاطئ، وكي أكون دقيقاً في حديثي، فإنّي أذكر هذا الكلام استناداً إلى معلومات، اطّلعت عليها منذ وقت ليس بعيداً، والأخبار التي أتيح لي أن أتابعها وأستقيها من عدّة مصادر متنوّعة، لم تظهر حدوث أيّ تغيير في الموقف الذي اتّخده ذلك اللّاعب الأمريكيّ الجنوبيّ، في امتناعه عن الاعتذار إلى أفراد ذلك الشّعب الأوروبيّ، وكي أكون أكثر دقّة أيضاً، فإنّي أذكر أنّه توجد فئة من مواطني تلك الدّولة الأوروبيّة، ما زالت تشدّد بقوّة مؤاخذتها ذلك اللّاعب الأمريكيّ اللّاتينيّ، لعدم اعتذاره عن الخطأ الذي ارتكبه، ولا أدري إن كان ينتاب نفوس بعض أفراد ذلك الشّعب الأوروبيّ، شعور غير الإحساس بالمؤاخذة، التي أنا متيقّن بأنّ فئة من أفراد ذلك الشّعب عبّرت عنها صراحة.

لا ريب في أنّ اللّاعب الأوروغويانيّ قد أتى التّصرّف الجيّد في اعتذاره إلى اللّاعب الإيطاليّ، وهو أعلن توبة نصوحاً، وعبّر عن ندمه عن ارتكابه ذلك الخطأ، وإذا كان لاعب منتخب الأورغواي تصرف بتلك المبادرة الحسنة، فإنّ اللّاعب الإيطاليّ فعل تصرفاً حميداً أيضاً، إذ أنّه أعلن قبوله ذاك الاعتذار، الذي عبّر عنه ذلك اللّاعب، الذي ارتكب ضدّة الخطأ في المباراة الرّياضيّة، التي جمعت بين منتخبي بلديهما بكرة القدم، واللّاعب الإيطاليّ غفر لخصمه ذلك الخطأ الذي ارتكبه ضدّه، ولا ريب في أنّ تصرف هذين اللّاعبين، يعبّر عن القيم الرّياضيّة المثلى، التي يجب أن تتأصّل في نفوس النّاس كافّة، وإذا تحدّثت عن سلوك الاعتذار، فأعتقد أنّه يجب أن يتنبّه النّاس في المجتمع العربيّ، إلى القيمة الأخلاقيّة الرّفيعة التي يتّسم بها ذلك النّمط من السّلوك، كي تتعزّز عندهم الرّكائز الأساسيّة التي تنهض عليها الرّوح الرّياضيّة، فتلك المعاني التي ينطوي عليها ذلك التّنافس الجاري بين اللّاعبين، هي غزيرة ومتنوّعة، ويجب على من يتابع تلك المباريات الرّياضيّة، ألّا تغيب عن ذهنه المتنبّه واليقظ، تلك المغازي التي يتضمنّها ذلك التّباري الرّياضيّ.



يسعى اللّاعبون المتبارون في المنافسات الرّياضيّة، إلى تحقيق الفوز ببطولات الألعاب التي يجدّون في مزاولتها، ولا يقتصر تحقّق جدارة اللاعبين الرّياضيّين بالظّفر بألقاب التّفوّق الرّياضيّ، على تلك النّتيجة المرغوبة التي يصلون إليها في المباريات الرّياضيّة التي يخوضونها، إذ يُضاف إلى تنفيذ شرط تحقيق تلك النّتيجة، التي تفصح عن فوزهم في التّنافس الرّياضيّ، مراعاتُهم قواعد التّباري الذي يجمع بين المتنافسين الرّياضيّين، فإن أدرك أحد المتبارين الرّياضيّين الفوز في المباريات التي يخوضها، بينما كان يحجم عن أن يطبّق قواعد التّنافس، التي تنصّ عليها قوانين تلك اللّعبة الرّياضيّة، التي يتبارى في بطولاتها، فإنّه يفرغ حينئذ ذلك الفوز الذي يحقّقه من كلّ المضامين، والمعاني الرّياضيّة التي ينطوي عليها، ويظهر مسعاه آنئذ، مناقضاً ومعارضاً تلك المبادئ الرّياضيّة، التي حاول في أن يتنافس في ميادينها.

تطرقّت في كلامي عن بطولة كأس العالم لكرة القدم، التي تقام حاليّاً في عام 2014، في البرازيل، إلى الحديث عن وقائع المباراة التي جمعت بين منتخبي إيطاليا والأوروغواي، فتكلّمت عن تلك المباراة، قبل أن يصدر الاتّحاد الدّوليّ لكرة القدم "الفيفا" قراره، الذي عالج فيه حادثة جرت بين لاعبين اثنين متنافسين في تلك المباراة، وقد صدرت تصريحات صحفيّة كثيرة وردود أفعال على قرار الفيفا، وقد تعدّدت صفات الأشخاص الذين تحدّثوا عن ذلك القرار، وكان في عداد أولئك الأشخاص أحد لاعبي أمريكا اللّاتينيّة، الذي انتقد قرار الفيفا، وطعن في مقدار تلك العقوبة التي أنزلها الفيفا بلاعب منتخب الأوروغواي، وربّما لا يستغرب النّاس الذين اطّلعوا على أقوال ذلك اللّاعب، الذي ينتمي إلى أحد بلدان أمريكا اللّاتينيّة، أن يصدر ذلك التّصريح منه شخصيّاً، لأنّ ذلك اللّاعب له سابقة في إحدى المباريات التي شارك في اللّعب فيها، خلال بطولة العالم لكرة القدم التي جرت في عام 1986، في المكسيك، حيث خالف في تلك المباراة قواعد وقوانين تلك اللّعبة الرّياضيّة التي يمارسها، وهي لعبة كرة القدم، وهو تصرّف بعمل أصبح شهيراً ومعروفاً، وقد يكون ذلك اللّاعب الأمريكيّ الجنوبيّ، اعتقد أنّه قياساً على ذلك التّصرّف الخاطئ، الذي بدر منه في تلك المباراة التي جمعت منتخب بلاده مع أحد المنتخبات الأوروبيّة، فإنّه يحقّ للاعب أن يتصرّف بالأفعال الخاطئة التي يرغب في أن يأتيها، من دون أن يجازى بالعقوبة المناسبة، وعلماً بأنّ هاتين الحادثتين الرّياضيّتين، اللتين أشرت إليهما آنفاً، جرتا في ظرفين مختلفين ضمن هاتين المباراتين، إلّا أنّهما تشابهتا في اتّخاذهما سمة المخالفة الرّياضيّة.

إنّ اللّاعب الرّياضيّ الذي يصل إلى مرتبة النّجوميّة والشّهرة الطّاغية في الميدان الإعلاميّ، وربّما يكون مجال تلك الشّهرة يمتدّ أيضاً ليصل إلى سائر ميادين الأنشطة الإنسانيّة، فإنّه يجب على ذلك الرّياضيّ المشهور حينئذ أن يراعي طبيعة تلك المكانة التي أدركها، من دون أن يسيء إلى تلك القواعد والمبادئ الرّياضّية التي هي في الأساس الغاية الأصليّة، لكلّ المناشط الرّياضيّة التي تجرى في بلدان العالم، على أنّ الطّامة الكبرى التي ظهرت في التّصريح الذي أدلى به ذلك اللّاعب، لم تكن ترتبط بموقفه الشّخصيّ، الذي بناه ضدّ مقدار هذه العقوبة، بل تضمّن تصريحه أمراً أغرب وأعجب من الموقف الذي اتّخذه، وهو اتّباعه أسلوب التّورية وطريقة التّشبيه، في وصفه طابع تلك العقوبة التي نزلت بذلك اللاّعب المجازى، إذ اتّبع أسلوب السّخريّة، في قوله بأنّ الفيفا يجب عليه أن يرسل ذلك اللّاعب الأوروغويانيّ إلى مكان محدّد، وهو سمّى ذلك المكان بصورة صريحة وعلنيّة في تصريحه.

إنّ النّاس الذين عندهم اطّلاع معمّق على القضايا العالميّة على مدى التّاريخ البشريّ، يدركون بسهولة أنّ ذلك اللّاعب أراد بإيراده اسم ذلك المكان في حديثه، أن يخلط المفاهيم بعضها ببعض، فهو خلط بين مستويات الأنشطة التي يزاولها البشر، ثمّ خلط بين طبيعة القواعد المتنوّعة التي تنظّم أنشطة النّاس، في تلك المستويات المختلفة، وقد يظنّ بعض النّاس أنّ ذلك اللّاعب اتّبع أسلوب التّشبيه، أو عمد إلى أن يستخدم الاستعارات البيانيّة، كي يوضّح حقيقة نقده تلك العقوبة، ولكنّ هذا الظّنّ إن خطر في ذهن بعض النّاس، فهو ظنّ خاطئ وغير صائب، لأنّ ذلك التّشبيه غير ملائم لوصف تلك الحادثة التي جرت في الملعب الرّياضيّ، ولأنّه اختار اسم مكان يحمل معاني تبتعد كثيراً عن موضوع الحادثة، التي جرت في الملعب، وبرأيي الشّخصيّ أنّ الحيلة التي سعى ذلك اللّاعب في أن يطبّقها، تتجلّى في مبالغته الشّديدة في وصفه مقدار العقوبة، كي يقلّل من فظاعة ذلك التّصرّف، الذي بدر من لاعب منتخب الأوروغواي، وإذا كان ذلك اللّاعب الذي ذكر ذلك التّصريح الصّحفيّ، استطاع أن يخدع أحد الحكّام، باتّباعه طريقة في اللّعب، تنافي القواعد والقوانين الرّياضيّة، فإنّي أعتقد أنّه بهذا التّصريح الذي أدلى به، لن يتأتّى له أبداً أن يخدع أحداً من النّاس.