اندفعت فئة من الأفراد في العصور الغابرة، في أن تستكشف مجاهل الأرض، التي بدأ يتوغّل فيها أولئك الرّحّالة جوّابو الآفاق، الذين عمدوا إلى أن يسجّلوا أوصاف الأماكن التي اطّلعوا عليها، بعد أن ظلّت أصقاع الأرض المترامية الأطراف، في الأزمنة القديمة، مبهمة الأرجاء، ومعتمة الأنحاء، يكاد لا يبين أغلب أجزائها لبصائر النّاس، الذين عاشوا في حيّز محدّد على وجه البسيطة، ثمّ بدأت تتراكم ملاحظات أولئك الرّحّالة المستكشفين عن معالم الأرض شيئاً فشيئاً، حتّى بدأت تصبح تلك الكتابات المسجّلة، أحد الرّوافد التي تمدّ مبحث الجغرافيا، بالمعلومات التي تعرض على بساط البحث، حيث يدرس علم الجغرافيا "كوكب الأرض بكافّة ظواهره الطبيعيّة والبشريّة"، وتنحدر كلمة جغرافيا(geographica)  من اللّغة الإغريقيّة، وهي تعني في اللّغة العربيّة "وصف الأرض"، وقد نبغ العرب في ميدان علم الجغرافيا، الذي كان المسلمون يطلقون عليه أسماء عديدة، مثل علم الأطوال والعروض، وعلم تقويم البلدان، وعلم المسالك والممالك، وقد بحث العلماء العرب في كتبهم التي ألّفوها، في مظهر الكون وتركيبه العامّ، وكانوا أطلقوا على أبحاثهم التي تناولوا فيها وصف البلدان، والمناطق، اسم علم الأقاليم، وعلم عجائب البلدان، وعلم البلدان، وأمّا دراساتهم التي عالجوا فيها مسائل المناخ، فإنّهم أطلقوا عليها اسم علم الأنواء، وأطلقوا على أبحاثهم في الظّواهر الفلكيّة، اسم علم الهيئة، واستعمل العرب كلمة صورة الأرض، وهم عنوا بها مصطلح الجغرافيا، وكان إخوان الصّفا أوّل من استخدم كلمة جغرافيا في رسائلهم، وفسّرت بأنّها تعني صورة الأرض، وقد ألّف الخوارزميّ كتابه صورة الأرض، وهو أبرز المؤلّفات الجغرافيّة، والذي كان تأثيره بارزاً في أبحاث الجغرافيّين، الذين أعقبوا هذا العالم المسلم.

وضع الجغرافيّون المسلمون خطوط الطّول والعرض، في تعيينهم المواقع الجغرافيّة، وقد استطاع أولئك الجغرافيون أن يرسموا خارطة للأرض في عهد المأمون، أطلق عليها اسم الخريطة المأمونيّة، وهي كانت ملوّنة، حيث قسّم العالم فيها، إلى سبعة أقاليم بحسب خطوط الطّول ودوائر العرض، وظهرت فيها صور الأفلاك والنّجوم والبرّ والبحر والمدن، واعتمد الجغرافيّون المسلمون، في دراساتهم البلدان، على طرائق المعاينة، وزيارة تلك المناطق، التي يرغبون في دراستها، إذ كانت سجلات الرّحلات التي أنجزوها، تبيّن المناطق الشّاسعة التي جابوها، حيث استكشفوا واستطلعوا فيها، تضاريس تلك البلدان التي زاروها، وقد تفرّد العرب بوضع المعاجم الجغرافيّة، فكانوا سبّاقين دون سائر الأقوام والأمم، إلى إنجاز هذه المآثر المعرفيّة القيّمة، وقد أطلق الجغرافيون العرب والمسلمون أسماء كثيرة على الخرائط، التي كانوا يضعونها، مثل الصّورة، ولوح التّرسيم.

تنوّعت المواضيع التي عالجها الجغرافيّون في أبحاثهم التي أجروها، وقد أدّى تعدّد مسائل تلك الدّراسات، إلى أن يقسّم علم الجغرافيا إلى أنواع مختلفة، مثل الجغرافيا الطّبيعيّة، التي تدرس فيها الطّبيعة بتكويناتها الجيولوجيّة، بالإضافة إلى الظواهر النّاشئة فيها، سواء كانت جويّة أو نباتيّة أو حيوانيّة، وتندرج الجغرافيا الفلكيّة أيضاً في عداد أقسام علم الجغرافيا، وقد كنت أشرت إليها آنفاً، في حديثي عن الجغرافيّين العرب المسلمين، وموضوعها هو دراسة حجم الأرض وشكلها وكرويّتها وحركتها، والعلاقة التي تربطها بالكواكب الأخرى، وأضيفت أيضاً الجغرافيا البشريّة، والاقتصاديّة وجغرافيا السّكّان والجغرافيا السّياسيّة، إلى أقسام الجغرافيا، التي كانت تواكب حياة النّاس المتطورّة، وتلازم حوائج الإنسان المتشّعبة والمتزايدة، فتعدّدت أقسام الجغرافيا، مع ازدياد الظّواهر الحادثة في الأرض.

اتّخذت الدّراسات الجغرافيّة، السّمة العلميّة، إذ اتّبعت فيها طرائق القياس والتّحليل والرّبط، وقد أفرزت للجغرافيا نطاقات محدّدة، انحصر فيها موضوع الدّراسة، وكان تحديد ذلك المجال الجغرافيّ والنّطاق الإقليميّ المعيّن، كي تتحقّق دقّة وصف وتحليل وتشخيص أسباب الظّواهر التي تدرس، فبعد أن يحدّد ذلك المجال الجغرافيّ، كانت توضّح وتفسّر الرّوابط الحادثة بين العناصر الطّبيعيّة والبشريّة المتنوّعة، فعنت الجغرافيا بدراسة المظاهر جميعها النّاشئة على سطح الأرض، سواء أكانت طبيعيّة أم بشريّة، وتنقسم الجغرافيا، إلى قسمين أساسيّين، يختلفان عن بعضهما البعض، بالطّريقة والنّهج اللذين يتّبعان في دراسة الظّواهر المحدّدة، ويطلق على القسم الأوّل، اسم الجغرافيا العامّة، التي تشتمل على سبيل المثال، على أنواع الجغرافيا الطّبيعيّة والبشريّة والاقتصاديّة، بينما كان القسم الثّاني، هو الجغرافيا الإقليميّة، ويطلق اسم إقليم على "مجال من الأرض ينفرد ببعض المزايا والمقوّمات، تجعله وحدة متكاملة، وتميّزه عمّا يجاوره من مجالات، ويمتدّ بنفس الدّرجة التي تمتدّ بها هذه الخصائص وهذه المميزات"، وتتحدّد طبيعة الاختلاف بين هذين الفرعين، بقواعد الدّراسة التي تطبّق فيهما.

تحدّدت أبحاث الجغرافيا العامّة، بدراسة القوانين التي تتحكّم بأنماط الظّواهر المتنوّعة، بينما عنت الجغرافيا الإقليميّة، بإبراز المزايا التي ينفرد بها كلّ نطاق، أو مجال إقليميّ، "فتحلّل الجغرافيا العامّة العلاقات والارتباطات، لأنّها تضع كلّ عنصر في قالبه العامّ خلال الدّراسة، غير أنّها لا تقارن أيّ ظاهرة إلّا بظاهرة مماثلة لها، تذكر تحت نفس العنوان، بينما تختصّ الجغرافيا الإقليميّة بالبحث عن العلاقات والارتباطات، التي تصل بين الظّواهر القائمة في الإقليم الواحد، وتقارن بينها رغم التّباين في طبيعتها وأنماطها، ويكون هذا لإبراز الانفراد الذي يتميّز به الإقليم مع الأقاليم الأخرى"، فحدّدت الجغرافيا الإقليمية بأنّها "البحث الترّكيبيّ لقطعة من مجال الأرض, ومهمّتها ليست بوضع كشف عام لمكوّنات هذه القطعة، بل مهمّتها هي البحث عن الطّريقة، التي نظم بها هذا المجال، وكيفيّة استغلال الإنسان له"، والكرة الأرضيّة، التي كانت موضوع الدّراسة عند الجغرافيّين، خلال أزمنة ممتدّة، هي ثالث كواكب المجموعة الشّمسيّة، وقد وضعت على سطح الكرة الأرضيّة، مجموعة من الخطوط تُعرف بخطوط الطّول ودوائر العرض، التي هي عبارة عن خطوط وهميّة تقسّم سطح الكرة الأرضيّة، ويبلغ عدد دوائر العرض 180 دائرة، ويُعتبر خط الاستواء هو دائرة العرض الرّئيسيّة، وتبلغ درجته صفر، وهو يقسم الكرة الأرضيّة إلى نصفين اثنين، أحدهما هو النّصف الشّماليّ من الكرة الأرضيّة، وهو النصف الذي يقع شمال خطّ الاستواء، وتبلغ دوائر العرض في هذا الجزء 90 دائرة عرض، بينما يقع القسم الثّاني، في النّصف الجنوبيّ من الكرة الأرضيّة؛ وهو النّصف الذي يقع جنوب خطّ الاستواء، وتبلغ دوائر العرض في هذا الجزء 90 دائرة.

اعتبر الجغرافيّون خطّ الاستواء هو دائرة العرض الرّئيسيّة، وهم أوجدوا خمس دوائر عرض أساسيّة، على سطح الأرض، وهي بالإضافة إلى خطّ الاستواء، مدار السّرطان، ومدار الجدي، والدّائرة القطبيّة الشّماليّة، والدّائرة القطبيّة الجنوبيّة، وأمّا خطوط الطّول التي تصّور الجغرافيّون وجودها على سطح الكرة الأرضيّة، فهي أنصاف دوائر وهميّة تحيط بالكرة الأرضيّة، حيث توصل بين القطب الشّماليّ والقطب الجنوبيّ، ويبلغ عددها 360 خطّ طول، وقد تصوّر الجغرافيّون أيضاً، وجود محور الأرض، وهو الخطّ الوهميّ الواصل بين القطبين الشّمالي والجنوبيّ للكرة الأرضيّة، ويتّخذ ذلك المحور، شكل خطّ مستقيم يمتدّ داخل الأرض، ولا يمرّ على محيطها، مثل هو شأن خطوط الطّول والعرض، وكان دوران الأرض حول محورها، يسبّب بحدوث اللّيل والنّهار.

إنّ هذه المفاهيم الجغرافيّة التي ذكرتها سابقاً، توضّح مسائل كثيرة، اهتمّ الجغرافيّون بدراستها، وهي تبيّن طبيعة وخصائص تلك القضايا التي تعالج في نطاق علم الجغرافيا، ولعلّ الفكرة الهامّة التي تستخلص من النّظر في تلك المفاهيم السّابقة، هي أنّ "مفهوم الإقليم نسبيّ واجتهاديّ إن لم نقل ذاتيّ"، وقد ذهب بعض الباحثين في نطاق العلاقات بين الدّول، إلى الاعتقاد بحصول عدم التّكافؤ، بين منطقتين إقليميّتين محدّدتين بمجالين جغرافيّين، هما الشّمال والجنوب، حيث ظهر الاختلاف بينهما، وحدّد أولئك الدّارسون خصائص الدّول التي تنضوي إلى هاتين المنطقتين الإقليميّتين، فاعتقدوا بوجود دول متطوّرة وغنية هي بلدان الشّمال، وتقابلها دول فقيرة، هي بلدان الجنوب،وقد تعدّدت المظاهر الدّيمغرافية والاجتماعيّة والاقتصاديّة، النّاجمة عن اختلال التّكافؤ بين هذين الإقليمين، بحسب اعتقاد أولئك الباحثين الذين درسوا أحوال دول هذين الإقليمين، وقد اعتقد العديد من الباحثين أنّ هذا التّقسيم الجغرافيّ، الذي أنتج إقليمي الشّمال والجنوب، هو "تقسيم تقريبيّ إلى حدّ بعيد"، حيث اعتقدوا بأنّ ذلك التّقسيم يفتقر إلى الدّقة المطلوبة، في إيضاح التّباين بين هذين المنطقتين الجغرافيّتين.

تعدّدت تلك الأبحاث الجغرافيّة التي اتّضحت فيها، حالة غياب الموضوعيّة في الطّريقة التي اتّبعها الباحثون في إنجاز دراساتهم، إذ نحا بعض الباحثين إلى أن يقسّم مناطق ومساحات الكرة الأرضيّة، إلى أقاليم جغرافيّة متعدّدة، ويكاد يكون أشهر عمليّات ذلك التّقسيم، هو الحديث عن إقليمي الشّرق والغرب، وهذا التّقسيم هو مستحدث وطارئ على الأبحاث الجغرافيّة والتّاريخيّة، إذ نشأ في العصر الحديث، فلم يكن يوجد ذلك التّقسيم من قبل، وكان الحافز على إيجاد تلك الأقاليم المتنوّعة، هو قناعة فئة من الباحثين بأنّ الإقليم الجغرافيّ، الذي يتّصف بخصائص بيئيّة وطبيعيّة محدّدتين، يمتلك نفوذاً وقدرة على التّأثير في تكوين طبائع وأخلاق وأجساد النّاس.

ما برح يشتدّ ذلك التّنافس الحاصل، بين منتخبات البلدان المشاركة في منافسات لعبة كرة القدم، التي تجري في البطولات العالميّة، ونلحظ شدّة ذلك التّباري خصوصاً في مباريات بطولات كأس العالم لكرة القدم، حيث كانت الدّول تتناوب فيما بينها، في إحراز لقب البطولة في هذه المنافسات العالميّة، وقد كانت تلك المنافسة، تنحصر بين منطقتين جغرافيّتين، حيث كانت قارة أوروبا ومنطقة أمريكا الجنوبيّة، تسيطران على منافسات كأس العالم لكرة القدم، فلم تخسر لقب البطولة، هاتان المنطقتان الجغرافيّتان منذ إنشاء مباريات بطولة العالم في هذه اللّعبة الرّياضيّة، بل لم يتمكن أيّ فريق خارج أوروبا وأمريكا اللّاتينيّة، من أن يتأهّل إلى اللّعب في المباراة النّهائيّة في هذه البطولة العالميّة، حتّى أنّ غالبيّة مباريات هذه البطولة العالميّة، قد أقيمت في أوروبا وأمريكا اللّاتينيّة، ما عدا خمس مرّات، جرت مباريات البطولة النّهائيّة، خارج هاتين المنطقتين الجغرافيّتين، حيث جرت مرّتين في المكسيك، ومرّة واحدة في كلّ من الولايات المتّحدة الأمريكيّة، ودولة جنوب أفريقيا، حيث أقيمت تلك البطولة في عام 2010، أوّل مرّة في القارة الأفريقيّة، وجرت مرّة واحدة أيضاً، في دولتي كوريا الجنوبيّة واليابان في عام 2002، عندما أقيمت أوّل مرة تلك البطولة في القارة الآسيويّة.

تنوّعت تلك المغازي التي تضمّنتها النّتائج، التي أفضى إليها البحث في تاريخ مباريات كأس العالم لكرة القدم، وسأتحدّث عن تلك المغازي لاحقاً، في الأيّام القادمة، ولكنّ إذا اعتقد بعض النّاس، أنّ هذا التّحديد الجغرافيّ، الذي ضمّ قارة أوربا بالإضافة إلى بلدان أمريكا اللّاتينيّة، يتّسم بالخصائص الحقيقيّة الواقعيّة، فإنّه عندما كنّا تبيّنا، أنّ خطوط الطّول والعرض هي خطوط وهميّة على سطح الأرض، فإنّ تقسيم مناطق النّفوذ الكرويّ إلى منطقتين اثنتين جغرافيّتين، وفقاً لخطوط محدّدة على سطح الكرة الأرضيّة، قد يدفع بعض الأفراد، إلى الاعتقاد بأنّ الخطوط الوهميّة الموجودة على سطح الكرة الأرضيّة، تمتلك نفوذاً قويّاً في تحديد الدّول المتفوّقة في منافسات لعبة كرة القدم، وقد يتصوّر أيضاً أنّ تلك الخطوط الوهميّة، قد امتدّت حتّى ظهرت على سطح كرة القدم، فأصبحت حالة تلك الكرة، مثالاً يوضّح طبيعة وخصائص الأقاليم الجغرافيّة، الموجودة على سطح الكرة الأرضيّة، وإذا كنت ذكرت آنفاً، بأنّي سأتحدّث في الزّمن القادم، عن خصائص وطبيعة ذلك التفوّق الذي حقّقته دول أوروبا وأمريكا اللّاتينيّة، في بطولات كأس العالم لكرة القدم، فإنّي لن أستبق الحكم على اعتقاد أولئك الأفراد، الذين يقتنعون بوجاهة فكرة تقاسم مناطق النّفوذ الكرويّ، بين هاتين المنطقين الأوروبيّة والأمريكيّة اللّاتينيّة، لأنّنا في هذه المرحلة من هذا البحث، لا نريد أن نذكر النّتيجة، التي يجدر بأن تستخلص من النّظر في تاريخ منافسات تلك البطولة العالميّة، ولا سيّما أنّنا لم نقدّم بعد، ذلك البحث في شؤون تلك المنافسات الجارية في بطولات كأس العالم لكرة القدم.



ضمّت أحياء مدينة دمشق القديمة، بيوتاً عريقة البنيان، وبهيّة العمران، واسم العائلة التي تسكن في هذا البيت الظّاهر في هذه اللّوحة، هو مذكور في العبارة التي كتبت للتّعريف بهذا المنزل، الذي كان موضوع هذه اللّوحة، والعبارة هي: باحة دار آل العرند في الشّاغور، بينما كان التّاريخ الذي رسم فيه الفنّان عزّ الدّين همّت هذه اللّوحة هو عام 1989، وكان مولد الفنّان التّشكيليّ همّت في مدينة دمشق، التي نشأ فيها، وأحبّ حاراتها القديمة، التي اغترقت معالمها نظره، وملأت فكره، وقد رغب الرّسّام التّشكيليّ عزّ الدّين همّت في أن يكون موضوع هذه اللوحة التي قدّمها، هو معالم بيت آل العرند، الذي طالما كنتُ أتردّدُ إليه، وأزوره مع أفراد أسرتي، منذ كنت صغير السّنّ، حيث كان يصطحبني والدي ووالدتي معهما، عندما كانا يقصدان هذا البيت الذي تتأصّل فيه طابع العراقة، وذلك المنزل هو مشيّد في حيّ الشّاغور، ويجمع بين آل العرند وأسرتي، أمتن الرّوابط العائليّة، وتصلنا بهم أوثق وشائج القرابة الرّاسخة، وقد دامت الألفة النّاشئة بيننا وطيدة ثابتة.

أتاحت لي، صلة القرابة النّاشئة بين آل العرند وعائلتي، أن أزور مع أفراد أسرتي هذا المنزل العريق، الذي كنت أفتن فيه، بصياح الدّيكة في الصّباح الباكر، وكثيراً ما تنشّقت أريج الياسمين الذي كانت تعبق بها الباحة، التي ظهرت فيها بحرة جميلة، وقد ازدانت أرجاء تلك الباحة بالورود الفوّاحة، وكان عائل أسرة آل العرند، هو عبد الرّزّاق العرند، الذي هو ربّ هذا المنزل العريق، وقد كان يكنّى بأبي فارس، وهو أحد المجاهدين القدماء الذين قارعوا الانتداب الفرنسيّ، وكان مقداماً شجاعاً له صولات وجولات في ميادين البطولة، وقد تحدّثت كتب تاريخيّة عديدة، عن تلك المآثر التي حقّقها، حيث نوّه باسمه في تلك الكتب، وهذه حالة بيوتات العزّ، التي جمعت بين جمال البناء العمرانيّ، وكمال الخصال الرّفيعة، التي اتّصف بها السّكّان الذين كانوا يقطنون في منازل الكرم والأصالة.



انطرحت على بساط البحث في الأوساط الأدبيّة، مسألة تحديد ظهور أولى الأعمال العربيّة السّرديّة، التي تمتلك مقومات الرّواية الفنّيّة، وأخذ العديد من الأفراد الذين اهتمّوا بمتابعة الأعمال النّثريّة السّرديّة، في أن يدلوا بدلوهم في ذلك النّقاش الأدبيّ الدّائر، وقد صدرت في سورية خلال عام 1937، رواية اتّسمت بالخصائص الفنّيّة، التي تؤهّلها لأن تندرج في ميدان الأدب الرّوائيّ الذي تأسّس على قواعد فنّيّة، وهذه الرّواية الصّادرة في العقد الرّابع من القرن العشرين، حظيت باتّفاق أغلبيّة النّقّاد على أحقّيّتها بأن تتّسم في سورية، بالرّيادة الزّمنيّة في ميدان الأدب الرّوائيّ، الذي يراعى في تحديده، استخدام المقاييس التي تسبر بها، حقيقة القيمة الفنّيّة التي تتمتّع بها الأعمال السّرديّة الرّوائيّة، التي ترشّح للإدراج في نطاق أدب الرّواية الفنّيّة، وكان ذلك العمل الأدبيّ الرّوائيّ، الذي نال لقب الأسبقيّة إلى الدّخول في نطاق الرّواية الفنّيّة في سورية، هو رواية نهم التي كتبها الرّوائيّ العربيّ السّوريّ شكيب الجابريّ، إذ لبّت تلك الرّواية التي نشرها ذلك العام، الشّروط التي يتوجّب تحقّقها في العمل النّثريّ السّرديّ، كي يتّخذ طابع الرّواية الفنّيّة.

إنّ طبيعة الشّكل التي تنصبّ فيه أحداث الرّواية، يتيح أن يتناول في ذلك العمل السّرديّ، القضايا والمسائل المتنوّعة التي تنشأ في المجتمع، وإذا كان لوحظ التّأخّر في ظهور الرّواية الفنّيّة في الأدب العربيّ، فإنّ المجتمعات العربيّة، كانت مهيّأة خلال القرن التّاسع عشر، لظهور ذلك الجنس الأدبيّ السّرديّ، وهو الرّواية، بيد أنّ وجود ذلك الاستعداد في طبيعة المجتمع، لتقبّل ذلك الجنس الأدبيّ الرّوائيّ، يتوجّب أن تسايره عمليّة التّهيّؤ عند الأفراد الذين ينضوون إلى ذلك المجتمع، لاستقبال ذلك الفنّ الرّوائيّ، الذي سيكون ظهوره حديث النّشأة في ذلك الأوان، وإذا كان شكل هذا الجنس الأدبيّ، وهو الرّواية، يتيح للكتّاب إدراك العديد من الأهداف، التي يحدّد أحدها في معالجة المسائل والمواضيع، التي ينشغل النّاس بالتّصدّي لها، فلا ريب في أنّه سيكون من الأولى بأولئك النّاس، أن يتلقّوا ذلك النّتاج الأدبيّ الذي يعرض عليهم، ويخصّص لهم، فإذا اتّفق على الإقرار بأنّ ذلك الجنس السّرديّ الرّوائيّ، يلائم في صيغته الفنّيّة المنجزة، عمليّة معالجة المواضيع والمسائل النّاشئة في المجتمع العربيّ، فيتبع  حصول ذلك الاتّفاق، النّظرُ في استعداد النّاس لتلقّي ذلك النّوع الأدبيّ الرّوائيّ.

كان أفراد الجمهور في المجتمعات العربيّة، يمتلكون حسّاً نقديّاً ناضجاً، في تذوّقهم الرّوايات الفنّيّة المحكمة السّبك، ومتينة النّسج، وكانت الذّائقة الأدبيّة عندهم، ما تبرح تواصل تطوّرها ونموها، وقد دلّ على حالة أولئك القرّاء، تقبّلهم تلك الرّوايات الأجنبيّة المترجمة، والتي كانت على سويّة فنّيّة عالية، وباعتقادي لو أتيح لأولئك النّاس، تلقّي الرّوايات الرّفيعة المستوى في زمن مضى، لكان جرى تجاوبهم مع ذلك الفنّ الرّوائيّ، بحسب ما تقتضيه عمليّة التّذوّق الفنّيةّ النّاضجة، التي تتناول الأعمال الأدبيّة الرّفيعة، وكان الكتّاب طبّقوا منذ زمن بعيد، قواعد الفنّ الرّوائيّ الرّفيع، وإذا أردنا أن نحيل ذلك الافتراض، إلى تلك اللّحظة التّاريخيّة التي تقارب منتصف القرن التّاسع عشر، إذ بدأ الاهتمام بتتبّع ظهور الأعمال السّرديّة النّثريّة، فإنّنا لا نقلّل من أهمّيّة الأعمال التي كتبت خلال القرن التّاسع عشر، ولكنّ ذكرت ذلك الافتراض، كي أبيّن أنّ زمن نشوء الرّواية الفنّيّة في الأدب العربيّ، كان يمكن أن يتحقّق في وقت مبكّر، من دون الانتظار حتّى حلول سنوات النّصف الأولى من القرن الفائت.

بدأ تفتّح وعي النّاس على الرّواية الأدبيّة الفنّيّة، منذ العقود الأولى من القرن العشرين، وارتفع مستوى الذّائقة الأدبيّة عند النّاس، إلى أن بلغ حدّاً، اعتبره الكتّاب ركيزة ثابتة، يركن إليها، في مسعاهم إلى خوض ميدان الكتابة السّرديّة الفنّيّة، التي كان يتمخّض عنها نتاج أدبيّ روائيّ، يغاير في مظهره، الشّكل الذي اتّخذته الرّوايات الصّادرة في مراحل زمنيّة خلت، وقد بيّنت سابقاً أنّ غياب الشّكل الفنّيّ عن العمل النّثريّ السّرديّ، يحول دون أن تحقّق الرّواية تلك الفوائد الأدبيّة، التي كانت معقد رجاء، ومحطّ آمال مجموعة الأفراد الذين ارتبطوا بعلائق متنوّعة بنشاط الإنتاج الأدبيّ الرّوائيّ، وعندما أدرك الكتّاب الذين زاولوا الكتابة الرّوائيّة، أهمّيّة التّأثير الذي تحدثه الرّواية في نفوس وأذهان النّاس الذين يطالعونها، بعد أن آنس الكتّاب، من جمهور النّاس، التّفاعل مع تلك الرّواية التي كانوا يتلقّونها، برزت عندئذ، تلك اللّحظة التّاريخيّة الفارقة، التي كانت موعد ظهور الرّواية الفنّيّة، وكان الرّوائيّ شكيب الجابريّ، قد امتلك ناصية الصّياغة الفنّيّة السّرديّة، فقدر على إنجاز مهامّ الكتابة الرّوائيّة الفنّيّة، وتمكّن من أن يتبيّن مستشرفاً، الحاجات والمسائل التي تلحّ على الأشخاص في المجتمع الذي يعيش فيه، وعزم على أن ينتهج سبيل ذلك النّمط من الكتابة الأدبيّة السّرديّة، التي كانت تستوفي معايير إنتاج الرّواية الفنّيّة.

أخذ ذلك الجنس الأدبيّ الرّوائيّ، يشقّ طريقه الذي يفضي إلى أن يدرك النّاس الذين كانوا يتقبّلونه، حيث كانوا يتابعون النّتاج الأدبيّ الذي ينتشر بينهم، وكان الكاتب شكيب الجابريّ حدّد تلك المهامّ التي سعى في أن ينفّذها، منذ أن أخذ في خوضه ميدان الكتابة الرّوائيّة، وهو نشر روايته نهم، التي اتّسمت بخصائص الرّواية الفنّيّة،فاعتبر رائد الرّواية الفنّيّة في سورية، وتبوّأ أيضاً مكانة بارزة في نطاق الأدب العربيّ الرّوائيّ، وهو أدرك قوّة تأثير الرّواية، ووعى أحوال النّاس الذين يعيشون في المجتمع العربيّ، وكان تمكّن من الأداة التي كان يستخدمها، وهي اللّغة، في صياغة عمله الرّوائيّ، وقد أدلى بحديث، هو دليل كاشف وهاد إلى كثير من المسائل الأدبيّة، التي طالما ناقشها الأشخاص الذين عنوا بالنّظر في القضايا الأدبيّة، حيث قال: "وما أردت من كتاب "نهم" سوى أن يخلق لي قرّاءً وجمهوراً. كنت أريده أن يكون قنبلة تهزّ العالم العربيّ ليلتفت إليّ العدد الأكبر من كلّ قطر، لتؤمن بي النّفوس الناشئة فأسير بها في الفكر حيث أريد"(1)،  فكانت رواية نهم هي باكورة الأعمال الأدبيّة الرّوائيّة التي كتبها شكيب الجابريّ، وهو كان مدركاً النّفوذ الذي تحوزه الرّواية الفنّيّة، ومحيطاً بالآماد الذي يصل إليها تأثير ذلك الجنس السّرديّ، في جموع القرّاء الذين يقبلون على مطالعة الرّوايات الأدبيّة.

إنّ الخصائص الفنّيّة التي اتّسمت بها رواية نهم، هيّأت لذلك العمل الأدبيّ الروائيّ، أن يكون في طليعة الأعمال السّرديّة التي شقّت طريق الرّواية الفنّيّة في الأدب العربيّ، وأدرك شكيب الجابريّ طابعالعمل الرّوائيّ، الذي يتيّح للكاتب أن يعالج في نصّه السّرديّ المسائل التي تنجم بارزة في المجتمع، وهو اختار الأدوات الأدبيّة التي تلائم تلك المرامي التي قصد أن يدركها، وإذا كان الرّوائيون العرب، قد أحاطوا بطبيعة الرّواية، التي يجدون فيها المجال واسعاً، ليعالجوا فيها المسائل، التي كانوا قد عزموا على أن يتناولوها في أعمالهم الرّوائيّة، إذ سلكوا نهج الكتابة الرّوائيّة، جادّين ومنهمكّين في إدراك الأهداف، التي كانوا وضعوها نصب أعينهم، وقد توثّقت عند الأديب الرّوائيّ شكيب الجابريّ، ثقته بقدرته على تحقيق النّجاح في التّعبير عن تلك المسائل البارزة في مجتمعه، ولم تكن لتنشأ تلك الثّقة، لولا اقتناعه في قدرة الرّواية الفنّيّة، علىالتّأثير في جموع القرّاء، وهو امتلك الأدوات الأدبيّة، التي تهيّئ له تحقيق تلك الأهداف، التي تطلّع إليها وتحدّث عنها في تلك العبارات التي أوردتها آنفاً، ولا ريب في أنّه على قدر إدراكه تلك الآماد التي تبلغها الرّواية، في استمالة القرّاء إلى تلك المسائل المعروضة ضمن ذلك العمل النّثريّ السّرديّ، كان يقينه بأهمّيّة تحقيق تلك الخصائص الفنّيّة التي تميّز العمل السّرديّ الرّوائيّ، وقد كان على ثقة أيضاً، بقدرة النّاس على التّفاعل مع الرّوايات الأدبيّة التي يقدمّها إليهم.



عجائب التّاريخ

توجد صدف عجيبة ومفارقات غريبة، في كثير من أوقات الأحداث التي تجري في حياة البشر، سواء ارتبطت تلك الغرابة بأوقات المولد أو الوفاة، أو بالوقائع الجارية التي سجّلت في ذاكرة التّاريخ.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (33)

سنة النّشر 1987

أدركت مغزى كلامها الذي سردته، فقلت لها:

إنّ هذه الأماني لا تجترّ الضّرر ولا تجلب السّوء إلينا، والرّجاء لا يزيّف الأشياء، ولا يزوّر الوقائع التي نمرّ بها، وإنّما يمهّد لنا السّبيل الأمثل، إلى أن نلمّ بها، من دون أن تتدافعنا الظّنون، في سعينا إلى أن ندركها، فهو يضيء غياهب المدارج التي نسلكها، فلا يتيسّر لتلك الأماني أن تنتهج سبيل المخادعة، وتتّبع طريق المدالسة، ولا تمّوه علينا الأرزاء والبلايا التي قد تحيق بنا، ولا تخفي عنّا شرور تلك الوقائع ومضارّها، وهي لا تجتثّ المصائب الحاصلة، ولا تقتلع النّوائب الواقعة، ولا تنحي بصرنا عن النّوازل التي قد تلمّ بنا، ولا توقعنا في الوهم، إذا دهمنا الشّرّ المستطير، فنظنّ أنّ رفّت علينا السّعادة، ونتصوّر أنّنا نظفر بآلاء نعمها، ونهنأ بعطاء كرمها، ولا تسدل تلك الأماني فوق الكرائه ستاراً كثيفاً، ولا ترخي عليها خماراً سميكاً، ولا تحجب عنّا إلّا الضّرر الزّائف، الذي نتخيّل أنّه ستلحقه بنا تلك الدّواهي، فتلطّف آنئذ من تأثيرها في نفوسنا، وتجنّبنا الوقوع في رطمة تلك الأوهام الخادعة، فتظهر لنا حقيقة تلك البوائق الصّرفة، التي نطّلع عليها بمعاينة دقيقة، بعد أن تتيح لنا وسائل المعرفة، أن نستكشف كنه تلك الطّوارئ التي تدهمنا، وأدهش من شأن أولئك النّاس، الذين يتطيّرون جزعين من طواف أخيلة تلك الآمال بفكرهم، فيصيبهم الفزع من أن تختلّ عقولهم وتعتلّ أذهانهم، إن لازمت نفوسهم، وهي إن أقبلت عليهم، فتثير مرائرهم، من دون أن تخفى عليهم وقائع الحياة في حقائقها المرّة، ومحاسنها العابرة، وأنحو إلى أن أغبط أولئك الأقوام الذّين يخوضون في نطاق الأحداث، التي تلوح في مجرى حياتهم، من دون أن يلتفتوا إلى يقظة شعورهم النّقي، الذي تثيره في كيانهم، أطياف تلك الأماني الحائمة، فلا يميّزون نعم الأشياء من نقمها، ويمسون مترفين بجهالة نفوسهم، ومتنعّمين بضلالة فكرهم.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (32)

سنة النّشر 1987

اقترب منّا النّادل حذراً في خطوه، فدعانا بسيره المتّئد والمتمهّل، إلى الإمساك عن مواصلة الحديث الدّائر فيما بيننا، وشرع يضع أمامنا على المائدة صحاف الحساء واللّحم المشويّ وبعض الفطائر، ثمّ انصرف عنّا، فرمقتها وهي تقدّ قطع اللّحم، وتدني الملعقة إلى فمها، فألوك طعامي وأنا أخالسها النّظر، إلى أن تشابكت نظراتنا، فأغضيت طرفي عن بصرها الثّاقب، وتشاغلت بالطّعام الموضوع أمامي، فقرّبت الملعقة إلى فاهي، لأرشف ما تحتويه، فوجدتها فارغة، قد تقاطر الحساء منها على الصّحن، فلم أنتبه لذلك الأمر إلاّ بعد برهة من الزّمن، واستسغنا هذا الطّعام الذي كنّا نمضغه، وما إن أشرفنا على الانتهاء من تناوله، حتّى التفتت إليّ وقالت:

خليق بنا أن ننعم بطيب هذا الطّعام فترة طويلة، من دون أن نضيّع لذّته في أجواء المجادلة والمناقشة.

راقني مغزى كلامها، وما لبثت أن علت الابتسامة وجهي، وأجبتها قائلاً:

عسى أن تورف ظلال ذلك الهناء إلى أبعد مدى، حتّى تشمل سائر حواسنا.

بدت معالم الفخر على وجهها، الذي طفح عليه البشر، بعدما أذعنت لمشيئتها، وقالت:

لا ضير من خداع نفسينا، بتلك الأماني اللّطيفة، فنقرّ بها حتّى تشملنا السّعادة، وتغمرنا بهنائها.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (31)

سنة النّشر 1987

هممت مراراً بأنّ أكفّها عن استرسالها في الحديث، فنهاني عن أن أقطع كلامها، إنصاتي لنغية صوتها ونغمة همسها، فأطربت مسامعي وهيّجت مشاعري، وهمت بكياسة عبارتها، وكادت تلك الآراء التي أفصحت عنها، أن تلقي عليّ شباكها، وقد كانت اعتنقتها بإحكام منيع، حتّى دفعتني إلى الحديث، كلماتها التي انتهت إلى سمعي في خاتمة مقالها، فتكلّمت إليها قائلاً:

حالة ذلك الهدوء الذي ننعم به في هذا المكان الذي نجلس فيه، ربّما تلقي في روعك أنّ من الأولى أن نخمد احتدام الشّعور، ونحدّ ضرام العواطف، وقد كان يعترينا ذلك الاضطراب، بينما كنا نسير في مهبّ العواصف الهوج، فرأيت الفارق بين الحالين بسرعة قصوى، فأقرّ ذهنك ذلك الرّأي، واقتنعت بذاك الاعتقاد، إلّا أنّ النّفس في كلا الحالين، تدرك ذلك الهدوء الذي تنشده، وتصل إلى تلك الطّمأنينة التي تلتمسها، فآفاق الذّهن الوسيعة، لا تفي بالإحاطة بكلّ الخواطر التي تلوح في الفكر، وتقصّر عن أن تستوعب المشاعر كافّة التي تنبعث في النّفس، وإن كانت الحكمة هي المرتجى والمبتغى الذي يسعى إليه الفكر، فطالما رامت المشاعر والعواطف أن تركن إلى نباهة وفطنة الإحساس، وقد كانت تلك المشاعر تستقرّ هانئة في رحاب الإيمان، الذي تنفسح أرجاؤه، وتتّسع أعطافه، لتشمل هدايته الذّهن والفؤاد أيضاً، فإن ضاق الفكر عن أن يعي كنه الأشياء، فإنّ بصيرة الإنسان تظلّ تستنير بضياء الهداية التي يبعثها الإيمان، فالشّعور الصّريح يمحض الإنسان المشورة المخلصة، وهو لا يخادع الذّهن ولا يراوغ في نصحه، الذي يسديه إلى النّاس، وإنّي لا أهذي في مقالي ولا أهذر في كلامي، ولا أتفوّه بأقاويل مضلّلة وحجج مخاتلة، فإن كان يجدر بالإنسان ألّا يصغي إلى جلبة أهوائه المتقلّبة، فإنّه ضرب من صور الجحود، أن يتصامّ النّاس عن مشورة ذلك الشّعور الصّافي، الذي ينبعث في نفوسهم، وألّا يهتدوا به، وبالحريّ أن يتقبّلوا ذلك النّصح بالشّكر لا بالحذر، ويجزوا ذلك الشّعور على معروفه، بالثّناء لا بالجفاء.

النّغية: ما يعجب من صوت أو كلام.