مقتطفات من رواية أناشيد الألم (30)

سنة النّشر 1987

دخلنا المطعم وانتبذنا إلى ناحية قصيّة، وجلسنا حول مائدة منزوية الموقع، وانسدلت نحونا الأضواء خافتة، تحبك حولنا أستار البهجة والغبطة، وبدأت تفد إلينا الألحان الهامسة، فنعمنا بدفء هذا المطعم، الذي أثار الهدوء السّائد فيه أفكارنا، ودبّت في نفسينا المشاعر المتّقدة، تلفح بحرّها أوصالنا المرتعدة، فتغمرها بالسّكينة والطّمأنينة، وأقبل إلينا النّادل، فأملينا عليه أصناف الطّعام التي تخيّرناها، ثمّ انصرف يستطلع رغائب سائر الوافدين إلى هذا المطعم.

رغبت في أن أناقلها الحديث، فلم يحل هذا الهدوء المستشري بيننا، دون استئنافي الكلام، فقلت لها:

يتيه في غواية الضّلالة من يعتقد أنّ حيازة بصيرة الذّهن وفطنة العقل، تغني عن الاستناد إلى دلائل الشّعور والعاطفة، وتلك الخصائص يوائم بعضها بعضاً، من دون أن يتأتّى لأفانين الغيّة وطرائق العميّة، أن توقع الإنسان الذي يأتمّ بسنن العاطفة، في مهاوي الخسران ومزالق البطلان، وأجواء تلك العاطفة الرّحبة، وعالمها الفسيح، يملأ النّفس. ويحيد عن السّداد من يغفل عن تلك المشاعر، ويهمل المشورة التي تسديها إليه، وقد أتيح له أن يستفتيها في معالجة معضلاته، ويسترشدها في سعيه إلى أن ينال مآربه، فكانت تلك العواطف، تمالئ الإنسان على التّبصّر في تلك الوقائع التي ما برح يتصدّى لها.

لم أكد أفرغ من كلامي، حتّى رغبت في أن تأخذ بالحديث، فقالت لي:

طالما كنت أعوّل على الشّعور الصّريح والتّأثّر الصّادق اللذين كانا يعترياني، حينما نظرت في مجريات الحياة التي كنت أمرّ بها، ولن تتجاذبني الحيرة والشّكوك، ولن تتنازعني هواجس الفكر، حينما أستقصي سريرة نفسك وأتبيّن حقيقة طويّتك، وألّا تشاطرني الاعتقاد بأنّ من يجهد ذهنه ويكدّ فكره، في استبصاره تلك الشّؤون التي يتقلّب ويتصرّف فيها، يخفف الوطأة عن مشاعره، فيطيب نفساً، فإذا ما استندنا إلى فطنة الذّهن، في تطرّقنا إلى شؤوننا المتنوّعة، فإنّنا نبلغ في أيسر سبيل السّكينة والطّمأنينة، فمن المجدرة أن نصغي إلى نصح أولئك النّبهاء، الذين يوردون أقوالهم، التي ينكرون فيها على الإنسان، استرشاده بعواطفه، في سعيه إلى معالجة تلك المواضيع التي تعنّ له ظاهرة في واقع الحياة، ويخوّلون إلى حصافة الذّهن ورجاحة العقل، التّدبّر في تلك المسائل التي يقلّب النّاس فيها النّظر.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (29)

سنة النّشر 1987

تمهّلت في أن أسرد حديثي، كي لا تغيب عنها خواطري التي تضمّنتها أقوالي، وكنّا قد غادرنا حديقة المزرعة، وأخذنا نمشي على الأرصفة، التي صادفنا فيها المارّة الذين كانوا يحثّون خطاهم في سيرهم، وكانت نادية تصغي إليّ بانتباه، وتفطن لفحاوي العبارات التي تفوّهت بها، وتدرك مغازي كلامي الذي نطقت به، وما لبثت أن اندفعت في الحديث، فقالت لي:

يشقي النّفس ذلك التّباين الحاصل بين الذّهن والمشاعر، والفكر النّابه الذي يتّسم بالإدراك والوعي، يؤازر ببراهينه دلائل ذلك الشّعور الذي يخامرنا، فإن حلّت بينهما القطيعة، فيمضّ النّفس عندئذ شدّة الشّكّ الذي يمازجها، وطغيان الوساوس التي تداخلها، فإن تفتّحت براعم الحيرة والظّنون في أكناف العواطف، فلا تقتلع جذورها إلاّ ريح الذّهن المجلجلة.

اعتراني الإعجاب بجزالة آرائها، وطلاقة لسانها، وتيقّنت بأنّها ارتوت من ينابيع المعرفة، التي اغترفت منها فيضاً غزيراً من الحكم، فسحّت في ذهنها سيول الهداية، فنمّت أفكارها ووثّقت آراءها، وامتدّ شرود ذهني فترة من الوقت، إلى أن نبّهتني بإيماءة من يدها، إلى رذاذ المطر الواكف، الذي بدأ ينزل، فتنبّهت من غفلتي، وفتحت مظلّتي، لنحتمي بها من الأمطار المتساقطة، والتحمت كفّي بمقبض المظلّة، التي قرّبتها إلى نادية، وأنا أخصّها بنصيب وافر من الرّعاية التّامّة، والحماية الوافية، وقد شرعت ريح هوجاء تنازعني تلك المظلّة، فاقتحمنا في سيرنا جدر العواصف الشّديدة، وانطلقنا ندلف بين ردغ الوحل، فشقّ علينا أن نمشي في طريقنا الموحل، إلّا أنّنا امتلكنا زمام أمرنا، بعد أن أفاضت النّشوة على نفس كلّ منّا النّشاط والحماس، فتحضّنا على المسير من دون أن نضيّع منها النّزر اليسير، وهي تمدّ من أمد تلك السّعادة التي تغمرنا، وتراءت لنا من بعيد أنوار مشعّة، تنتشر من مطعم منعزل عند ناصية الطّريق، فأشرت عليها بأن نعرّج عليه، ونلوذ به ليكون لنا موئلاً نأمن فيه، ونحترز به من غائلة ذلك البرد القارس ونفحات الرّيح المقرورة، فوافقتني على اقتراحي، وامتدّ طغيان السّكون بيننا، فلا يفسده إلّا زمجرة تلك الرّيح الصّاخبة، ولا يعكّره إلاّ تلك اللّجّة المنبعثة من حفيف الأشجار، وهدير السّيّارات.



اجتمعت في وسط هذه اللّوحة، الزّهور في إضمامةٍ، التفّت فيها تلك النّباتات الزّاهية على بعضها البعض، وتكاثف بريق تلك الزّهور، التي انطلقت منها أشعّة ظلّت تتموّج، حتّى أدركت المنطقة العليا، حيث لاحت في ذلك القسم من اللّوحة، الألوان الغامقة، وقد ظهرت الزّهور مضيئة، ولامعة وبرّاقة، وكان توالي أمواج ذلك البريق، أكّد دوام تألّق تلك الزّهور، وأثبت أيضاً استمرار فيضان ذلك اللّمعان المنبعث من الألوان الدّافئة، التي توزّعت في وسط اللّوحة، فكانت دفقات ذلك البريق، الذي امتدّ سناه اللّامع من وسط اللّوحة، تمتدّ كشلال ينهمر مندفعاً، ليجابه ذلك القتام الذي أظهرته الألوان الدّاكنة، فاخترق ذلك البريق المشعّ من الزّهور، كثافة تلك الألوان الغامقة، بعد أن ظلّت دوائر ذلك البريق المتوهّجة، تتّسع حتّى تصل إلى تلك الأماكن الدّاكنة في أعلى اللّوحة.

مازجت الألوانُ الدّافئة السّاطعة التي ميّزت هيئة الزّهور، الألوانَ الغامقة التي كانت درجة تشبّعها، تلائم تلك الألوان الزّاهية التي حقّقت الانسجام معها، فكان تآلف تلك الألوان، أكّد الثّبات والاتّزان في مركز هذه اللّوحة، وقد ظهر ذلك التّوازن أيضاً، في مساحة تلك اللّوحة بأكملها، وعلى الرّغم من ذلك التّباين، في درجة إشعاع الألوان الموزّعة على سطح اللّوحة الواسعة، فإنّه قد تحقّق التّوازن الرّاسخ في هذه اللّوحة، التي تميّزت بالانسجام اللّونيّ، الذي أظهر الوحدة التّشكيليّة بكلّ المعاني التي تضمّنتها تلك اللّوحة، فتبدّى التّوازن الذي تحقّق في هذه اللّوحة، بدقّة محكمة، وكانت وفرة حلقات ذلك البريق المنطلقة في تواليها الممتدّ من طاقة تلك الأزهار، تثبت دلائل الخصوبة، وعوامل النّماء المنغرسة في أعطاف تلك الزّهور، وتوزيع المناطق التي بدت فيها الألوان الغامقة، حول إضمامة الزّهور، أعطى اللّوحة توازناً وثباتاً، وقد كان ذلك القسم الذي ظهرت فيه تلك الزّهور، يفيض بالحيويّة المستمرّة.

إنّ تدقيق النّظر في انطلاق تلك الحلقات المشعّة، التي انبثقت من الزّهور، يدفع إلى البحث عن السّند الذي استند إليه فيضان ذلك البريق الوهّاج، الذي ظهر في حلقات متتالية، أبرزت سمة التّجدّد في عمليّة انبعاث ذلك اللّمعان الدّائم، فكانت دلائل التّشكيل الجماليّ الذي لاحت فيه تلك اللّوحة، تحفزنا إلى النّظر في أرجاء هذه اللّوحة، التي ظهرت فيها خصائص التّوازن، وكانت الألوان الغامقة التي ظهرت فيها تدرجات اللّون البني، أبرزت سمة الاستقرار، حيث أكدّت الألوان الباردة أيضاً في أسفل اللّوحة، خاصّة الرّسوخ والاتّزان، لأنّ تلك المنطقة بخاصّة، ستكون بمثابة الأساس، الذي تنهض عليه طاقة تلك الزّهور، وقد لاءمت ألوان تلك المنطقة في أسفل اللّوحة، ألوان سائر الأقسام، وكنّا عندما لاحظنا أنّ وسط اللّوحة، كانت يمور بالحيويّة، وينبعث منه البريق اللّامع، الذي ما برحت تتدفّق مسايله المستمرّة، فإنّ كلّ تلك المعالم التي استغرقت نظرنا، كانت القرائن على حضور عنصر في هذه اللّوحة، هو طاغ في تأثيره، وراسخ في مكوثه بهذه اللّوحة، وإن كان رقيقاً في مظهره، ولطيفاً في هيئته، وذلك العنصر يلوح أيضاً بين أعطاف تلك الأزهار، ويظهر في أرجاء فسحات البريق اللّامع، وهذا العنصر الذي تميّزت أيضاً به تلك اللّوحة، هو المرأة، فهي الينبوع الذي كان يفيض بألق الإشعاع المندفع المتجدّد، فظهرت المرأة في أطواء تلك الأمواج المتدافعة البرّاقة، وبوجود تلك المرأة الأنثى، اكتملت عناصر هذه اللّوحة، التي إن اختلفت تلك المعاني التي كانت تفصح عنها، إلّا أنّ الارتباط بينها قد تحقّق،فكانت الأنثى هي الأصل الثّابت والرّكيزة الرّاسخة، اللذين استندت إليهما الزّهور النّاضرة الألوان.

إنّ ظهور هيئة الأنثى قد كمّل أيضاً الخصائص الفنّيّة التي تميّزت بها هذه اللّوحة، ولم يكن يخفى على النّظرة الفاحصة المدقّقة، مغزى اندماج هيئة المرأة، في صيغة التّشكيل الفنّيّ الظّاهر في هذه اللّوحة، حيث اندرج مغزى ذلك الظّهور في عداد المعاني الجماليّة، والفحاوى الفكريّة، التي انطوت عليها هذه اللّوحة الفنّيّة، إذ ظلّت أطياف المرأة تلازم هيئة الزّهور، فبَاتَ في وسعنا أن نقول أنّ الزّهرة هي الأنثى، والأنثى هي الزّهرة، حتّى يكاد يتعذّر علينا التّمييز بينهما في هذه اللّوحة، وقد كان حضور المرأة أيضاً ظاهراً، في مراحل انطلاق البريق المشعّ الصّادر من الزّهور نحو الفضاء الفسيح المتّسع، فاكتملت في الوقت ذاته، بوجود المرأة، عناصر اللّوحة والكون معاً.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (28)

سنة النّشر 1987

وصلت إلى حديقة المزرعة، وقد جهدت في أن أكون السّبّاق إلى أن أقبل على ذلك الموعد، الذي تعاهدنا على أن نلتقي فيه، فتوخّيت أن أبكّر في المجيء إلى تلك الحديقة، لأمهّد لنفسي سبيل التّلاؤم مع أجوائها، وكي تزول عنّي تلك الرّهبة التي تعتريني، ويتبدّد ذلك الوجل الذي ينتابني من جراء قدومي إلى ذلك الموعد، وألفيت نادية تقبل إليّ من الجهة المقابلة، فرأتني على هذه الهيئة التي اتّخذتها في تأهّبي لأن ألاقيها، وألفيتها تطبع على خدّيها ابتسامة حيّية، ولاحت على ثغرها سيماء الخفر، فتبادلنا التّحية، وبادرت إلى الكلام بلهجة رقيقة، فقالت:

أرى ببيّنة ثابتة، حرصك على إنجازك وعدك ووفائك به، وأتأكّد بدليل وثيق، من مراعاتك تحقيق عهدك على القدوم إلى هذه الحديقة، ولم أكن أذهب في قرارة نفسي إلى الظّنّ بأنّك ستخلف ذلك الميعاد، الذي كنّا ضربناه.

سارعت إلى أن أقاطع كلامها خشية أن تسترسل في حديثها، فتصوّر لي تأصّل تلك الخصال الحميدة في نفسي، قبل أن تتحقّق بأثبات الحجّة الدّامغة، من صحّة ذلك الرّأي الذي كانت اعتقدته، وقلت لها:

لن يخيب ظنّك في تثبتّك من إيفائي بتلك العهود التي اتّخذها.

أطبق الصّمت بيننا بعد أن تعجّلنا في الحديث، فكأنّنا نتمهّل عن عمد في أن نخوض في الكلام، ونتريّث في أن نتفوّه بالألفاظ، كي يتبدّد ذلك الاضطراب الذي يعترينا، إلاّ أنّ ظلّ الارتباك يلازمنا فترة من الوقت، وكان يرتعج البرق في السّماء مضيئاً، ويهتك أزيز الرّعد أستار السّكون، فكنّا غافلين عن تلك الأجواء لا نكترث بما يجري في حواشي السّماء وأفقها، بينما كنّا نواصل التّجوال في حديقة المزرعة، وبدأ تلوح في خاطري تلك الصّفات الجليلة التي نعتَتني بها منذ انطلاقها في الكلام، فرغبت في أن أشير في حديث عارض، إلى فحوى أقوالها التي خاطبتني بها، فقلت لها:

دأبت في أن أتروّى في الوقائع التي كانت تبرز لي في مجرى الحياة، وأعكف على أن أسبر أغوار النّتائج التي كانت تفضي إليها الأحداث التي تطرأ عليّ، فأنظر في تلك الماجريات، ملتمساً صواب الرّأي، وسداد المنطق، من تلك الهداية التي تهيّئها لي عواطفي المضمرة ومشاعري المستعرة، فلا تخدعني المظاهر بأضاليلها، ولا تستميلني بأباطيلها، وتلك الحالة التي أستمرّ عليها، تندر بين النّاس، الذين تكون المشورة التي يستخلصونها من ثنايا الذّهن، أرسخ عندهم من دلائل العاطفة، ومنطق العقل أفصح بياناً من هواجس الصّدر، ويحدث المصاب الجسيم عند أولئك الأقوام، عندما تنفصم الرّوابط المؤلّفة بين الفكر والعاطفة، وتنغلق السّبل النّافذة بينهما، فتنفكّ عرى التقائهما، وتنحلّ عقد التئامهما، فيذعن هؤلاء النّاس لأحد هذين الطّرفين، من دون أن يعوّلوا على الطّرف الآخر الذي يقابله.



نشأ والدي وعمّي في كنف جدّي وجدّتي اللذين تعهّدا ولديهما بالرّعاية الحانية، وأسديا إليهما العناية الصّالحة، فعكفا على أن يحوطاهما بالتّربية القويمة، ويهيّآ لهما أسباب التّنشئة الفضلى، وقد حرصا على أن يغرسا في شخصيّتهما المبادئ الخلقيّة المثلى، فسهرا على أن يعدّا لهما، سبل التّحصيل الدّراسيّ العلميّ اللّائق، وأن ينمّيا في نفسيهما محبّة الفنون الرّفيعة الرّاقية، فكان والدي وعمّي، بالإضافة إلى تفوّقهما في دراستهما، يتذوّقان بشغف شديد، روائع الأعمال الفنّيّة المتنوّعة، ويحرصان على متابعة وحضور الأنشطة الفنّيّة، وقد ذكرت سابقاً أنّ والدي إحسان هلال درس في مكتب عنبر، وهو تخرّج طبيباً في الجامعة السّوريّة، وقد تنقّل في أثناء مزاولته العمل الطّبّيّ، ومتابعته دراساته الطّبّيّة العليا، في دول العراق ومصر وفرنسا وكندا، وكان عمّي، تابع تحصيله الدّراسيّ في مدرسة اللّاييك، ثمّ درس الهندسة المدنيّة في بيروت، وفي هذه الصّورة التي أقدّمها برفقة هذه المقالة، ظهر جدّي سعيد هلال، يتوسّط ابنيه، والدي إحسان هلال الذي يظهر في جهة يمين الصّورة، وعمّي الذي يظهر في جهة يسار الصّورة، ويرجع تاريخ هذه الصّورة إلى وقت قريب من ختام سنوات عشرينيّات القرن العشرين، إذ التقطت هذه الصّورة الضّوئيّة، قبل مائة سنة، يعني قرن كامل من الزّمن، وكان والدي وعمّي في حداثة سنّهما، وأوّل صباهما، وكان جدّي يجلس وقوراً على كرسي، بينما كان يقف إلى القرب منه، والدي وعمّي، حيث كان انتظم عقد اجتماعهم، بعد أن ضمّتهم معاً أواصر الألفة، وربطت بينهم وشائج المحبّة.

ارتدى كلّ من أفراد عائلتي، جدّي ووالدي وعمّي، بدلة تتكوّن من ثلاث قطع، وفي تاريخ اللّباس، حدّد الزّمن الذي بدئ فيه ظهور هذا النّوع من الأزياء، في النّصف الثّاني من القرن الرّابع عشر، إذ سجّل ظهور البدلة في ذلك الأوان في انكلترا،إلّا أنّه كان تقليد ارتداء البدلة الرّجاليّة في شكلها المعهود، قد بدأ في القرن الثّامن عشر في فرنسا، حيث انتشرت درجة "موضة" ارتداء السّترة والصّدار والسّروال، التي صنّعت من أقمشة مختلفة، وكانت ألوان تلك القطع من الأزياء مختلفة أيضاً، والتّطوّر البارز الذي حصل في نمط تلك البدلة، تحقّق في العام 1860، الذي أصبحت فيه قطع البدلة، تصنع من نسيج واحد، فأصبحت تلك القطع كلّها متطابقة في نوع النّسيج وفي اللّون الواحد، ومنذ عام 1890، أصبحت "البدلة لباساً محترماً يرتديه الرّجال"(1)، وإذا استعرضنا الصّفات التي كانت يصف بها النّاس في القرن التّاسع عشر، البدلة التي كانت بدأت تظهر في البلاد العربيّة والشّرقيّة في ذلك الأوان، فإنّنا نجد أنّها وصفت أحياناً بالزّيّ الحديث، وأحياناً أخرى قدّمت بأنّها زيّ أفرنجيّ، وتارة كانت تستبدل بالكلمة الأخيرة وهي أفرنجيّ، كلمة أوروبيّ، التي لها المدلول ذاته في وصف تلك الأزياء الجديدة، التي وصفت أيضاً أنّها زيّ أوروبيّ، وتعدّد تلك الصّفات، يظهر أنّ ذلك اللّباس، اعتبر زيّاً جديداً عند النّاس في مجتمعات الدّول الشّرقيّة والعربيّة، وكان العرب في الأزمان الغابرة القديمة، يعتنون بتحقيق أناقة ونظافة الثّياب التي يرتدونها، وكانوا يهتمّون أيضاً بالتّعطّر بأطايب الرّوائح.

اعتاد النّاس في البلدان العربيّة على اكتساء الثّياب العربيّة، حتّى حلول القرن التّاسع عشر، الذي بزغت فيه بواعث التّبدّل والتّحوّل في أشكال وهيئات وطرز الملابس، في تلك المجتمعات العربيّة، إذ بدأ يتّضح في ذلك الأوان "تأثير الغرب على الملابس الشّرقيّة التّقليديّة"(2)، وتنوّعت دواعي ذلك التّحوّل الطّارئ على أنواع الملابس، التي كان يرتديها النّاس آنذاك، وقد تبدّت السّمة الغربيّة، في بواعث ذلك التّبدّل الحادث في نوع اللّباس في المجتمعات العربيّة، فكانت المصادر التي انبعثت منها أسباب "ذلك التّأثير في طرز الملابس الشّرقية"(3)، هي خارجيّة المنشأ، حيث اتّخذت تلك المصادر مظاهر اقتصاديّة واجتماعيّة وسياسيّة متنوّعة، وفي بحث عني فيه بدراسة أنواع اللّباس المنتشر في البلدان العربيّة والشّرقيّة، في الفترة التي تمتدّ من منتصف القرن التّاسع عشر حتّى منتصف القرن العشرين، اتّضح أنّه "في خلال المائة سنة الأخيرة، بدأ النّاس يتخلّون بالتّدريج عن الملابس الواسعة الفضفاضة، ويتحوّلون إلى ارتداء الملابس الغربيّة جاهزة التّفصيل"(4)، وهذا التّحوّل الملاحظ، قد امتدّ على فسحة زمنيّة واسعة ورحيبة، إذ "كان التّحوّل بطيئاً في أوّل الأمر، ولم يحدث في كلّ الأقاليم وبين شعوب المنطقة في نفس الوقت"(5)، فحدث ذلك التّبدّل تدريجيّاً، سواء أكان جرى قياس ذلك التّبدّل، بحسب الزّمن، أو بمقدار الانتشار في البلدان أو الأقاليم، وكان أفراد النّاس، يختلفون في إقبالهم على ارتداء الأزياء الجديدة، التي وصفت بأنّها ملابس غربيّة.

إنّ نشوء الأنشطة الجديدة في المجتمعات العربيّة، خلال القرن التّاسع عشر، أسهم أيضاً في ظهور عوامل التّبدّل الحاصل، في نوع اللّباس الذي يرتديه النّاس، فكان الرّجال "أسرع من النّساء في التّخلّي عن الملابس التّقليديّة"(6)، وإذا دقّقنا النّظر في الأقوال والملاحظات، التي ذكرها الباحثون الأجانب، فإنّنا نتبيّن أنّ اللّباس الغربيّ، كان يناسب طبيعة الأعمال المستحدثة التي كان يزاولها الرّجال، ولم تكن تقتصر الدوافع إلى ارتداء اللّباس الغربيّ، على الرّغبة في مسايرة المظاهر الغربيّة في ارتداء الزّيّ الأوروبيّ، فاقتضت تلك الأنشطة الطّارئة على المجتمعات العربيّة والشّرقيّة، التّخلّي عن اللّباس الشّرقيّ التّقليديّ، ويثبت هذا الرّأي، الذي ذهبت إلى أن أؤكّده، مبادرة الرّجال إلى ارتداء ذلك الزّيّ الغربيّ، قبل أن تبدأ النّساء في ارتداء الأنواع الجديدة من الأزياء الغربيّة، فكان الرّجال أكثر تعرّضاً لتلك الأحوال المستجدّة في المجتمعات العربيّة، وكان أعداد الأفراد الذين يرتدون هذا الزّيّ الجديد، قليلة خلال القرن التّاسع عشر، في البلدان العربيّة، لكنّ "بعد الحرب العالميّة الأولى أخذ التّحول إلى الزّيّ الغربيّ يتمّ بسرعة فائقة(7)، ولم يكن انتشار تلك الملابس الجديدة في كل المناطق على السّواء، إذ اتّضح أنّه "بعيداً عن المدن الكبرى، ما زالت الملابس التّقليديّة شائعة الاستخدام"(8)، إلّا أنّ على مدى امتداد عوامل انتشار الزّيّ الغربيّ في البلدان العربيّة، كان النّاس في المناطق التي يتاح لها أن تدركها بواعث ذلك الانتشار، يبدؤون في استخدام تلك الأزياء الجديدة، فكانت الملابس التّقليديّة قد بدأت "تتضاءل في كثير من الأماكن، وحتّى في المجتمعات البدويّة، بدأت الملابس الأوروبيّة تحلّ محلّ الملابس التّقليديّة بالتّدريج"(9)، وقد سجّل الرّحالة الغربيّون، معالم التّبدّل الذي كان طرأ على نوع الثّياب في البلدان العربيّة، واهتمّ أيضاً المؤرّخون العرب والأجانب، بتتبّع دلائل ظهور الثّياب الغربيّة في المجتمعات العربيّة والشّرقيّة.

تعدّدت أسباب انتشار الزّيّ الغربيّ في البلدان العربيّة والشّرقيّة، خلال القرن التّاسع عشر، وأذكر على سبيل المثال، قيام الثّورة الصّناعيّة في أوروبا في منتصف القرن الثّامن عشر، وهي قد سببّت بتطوير صناعة النّسيج، التي مكّنت المنسوجات المصنّعة في أوروبا، من أن تنتشر باتّساع في البلدان العربيّة والشّرقيّة، فكان انتشار تلك الأزياء الأوروبيّة، نجم عن تأثير عامل اقتصاديّ في مقوّمات صناعة الملابس في البلاد العربيّة، التي كان الزّيّ فيها في القرن التّاسع عشر مزيجاً من الثياب المحلّيّة والأوروبيّة، إلى أن أتيح للأزياء الأوروبيّة أن تنتشر، وتتمكّن من الحلول بتلك المجتمعات العربيّة والشّرقيّة، وبخاصّة في نهاية القرن التّاسع عشر، ومستهلّ القرن العشرين، وقد كان باحثون أجانب، أوردوا أسباب انتشار الملابس الغربيّة في البلاد العربيّة، وفصّلوا حديثهم عنها، إلّا أنّ بعد أن كانوا يذكرون تلك البواعث، كانوا يركّزون على فكرة التّقليد، التي شاعت في كتاباتهم، فكانوا يتحدّثون عن الفئات التي بدأت في ارتداء الثّياب الغربيّة، في مستهلّ ظهور الزّيّ الغربيّ في القرن التّاسع عشر، أنّهم كانوا يقلّدون الأوروبيّين في الطّريقة التي يتّبعونها في ارتداء الثّياب، وإن جازت فكرة التّقليد في نطاق محدود عند فئات النّاس، لأسباب معروفة وجليّة، فإنّ الاعتقاد بأنّ سبب انتشار تلك الثّياب كان يقتصر على دافع التّقليد، يجانب الصّواب، ويخالف الرّأي الصّحيح.

إنّ أحد الأسباب التي أدّت إلى اعتماد النّاس الزّيّ الأوروبيّ، هو ملاءمة ذلك النّوع من اللّباس، لأنماط الأنشطة الجديدة التي قامت في البلدان العربيّة، ووجود الحاجات والأسباب المتنوّعة لارتداء ذلك الزّيّ الأوروبيّ، يبطل فكرة التّقليد، ويبرز حجّة بارزة، تؤكّد الرّأي الذي ذهبت إليه، وهو الحالة التي لاحظها الكتّاب الأجانب أنفسهم، وهم سجّلوها في كتاباتهم، إذ ذكروا أنّه "من بين ملابس الرّجال التّقليديّة، التي قاومت التّغيير كان هو لباس الرّأس، فكان من المعتاد أن نرى الرّجال في ملابسهم الأوروبيّة، يرتدون الطّاقية أو الطّربوش أو الكافيّة"(10)، وهذه الملاحظة التي كان أوردها الباحثون الأجانب، يؤكّد اعتزاز النّاس في البلدان العربيّة بأزيائهم التّقليديّة، وهم اضطرّوا إلى مواكبة التّطوّر الحاصل في اللّباس، بسبب عوامل موضوعيّة، اشتدّ تأثيرها في العادات التي يتّبعها النّاس في البلاد العربيّة في اختيار أزيائهم، وقد ذهبت آراء بعض الباحثين الأجانب إلى أن تعتبر ذلك التّمسّك باللّباس العربيّ، هو نمط من معالم المقاومة، التي لا تخرج مدلولات الكلمة في السّياق الذي وردت فيه، عن الفكر الرّائج عند عدد من المستشرقين، ففي ذلك التّاريخ الذي ارتدى فيه أفراد أسرتي، جدّي ووالدي وعمّي البدلات الحديثة، كانت بدأت يتّسع ظهور هذا النّوع من اللّباس، الذي كان يتدرّج في الانتشار خلال النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر.

تجلّت دلائل الأناقة في الهيئة التي ظهر فيها أفراد أسرتي، الذين حرصوا على مراعاة شروط تحقّق تلك الأناقة في الثّياب التي يكتسونها، فارتدى جدّي ووالدي وعمّي بدلات أنيقة، لاءمت مقاساتها قوامهم، وناسبت أشكالها أجسادهم، وقد أكّد طابع الأناقة الذي ظهر فيه والدي وعمّيّ، منديل القماش الذي لاح في جيب بدلتيهما، ومنديل الجيب الذي نشاهده الآن بكثرة، كان قد بدأ في الانتشار، خلال بداية القرن العشرين، في ذلك الأوان الذي استخدمه والدي وعمّي، وقد بيّن الباحثون في تفاصيل الثّياب، القواعد التي يجب أن تراعى في اختيار أنواع المناديل المناسبة للبدلات الرّجاليّة، وقد نسب تاريخيّاً ظهور هذا المنديل إلى الحضارات الشّرقيّة في البلاد العربيّة، فسجّل ظهوره في عهد الفراعنة، وقد انتشر في العصور الوسطى خلال عصر النّهضة، حيث كان يستخدم لخصائصه العمليّة، قبل أن يعتمد في تزيين الملابس، وبعد أن تعدّدت أسباب استخدام المنديل في حالات متعدّدة من الأنشطة العمليّة، أخذ يتجرّد من سمة الاستخدام الوظيفيّ والعمليّ، وأصبح يستعمل لذاته في هيئته، من دون أن يعتبر أداة، يستخدمها النّاس في تنفيذ مهامّ عمليّة.

يبيّن التّبدّل الحاصل في استخدام المنديل، تغيّر وجهة نظر النّاس إلى الأشياء التي يستخدمونها، والتّبدّل الواقع في فكر الأفراد، في طريقة تعاملهم مع تلك الموادّ التي يستعملونها، فبعد الاستخدامات العمليّة التي كان يكرّس لها ذلك المنديل، بدأ يكتسب دلائل أخرى، فذكر أنّه"بدأت المرأة تستعمله لحماية رأسها من أشعّة الشّمس أو من المطر، كما بدأت ترشّه بعطرها المفضّل وتحمله معها دائماً كعنوان لمركزها الاجتماعيّ. وكانت نساء المجتمع المخمليّ والأرستقراطيّ يحملن منديلين، واحداً يظلّ مخفياً للاستعمال الشّخصيّ، والثّاني يكون مزركشاً ومطرّزاً للتّباهي فقط"(11)، وقد اتّخذ استخدام هذا المنديل، خصائص بعيدة عن الوظيفة العمليّة التي كانت تحدّد لهذا المنديل، فإنّه نال دلائل معنويّة، تتخطّى مفهوم الاستخدام العمليّ، إذ ذكر أنّه "مع الوقت اكتسب وظيفة رومانسيّة إذ يقال إنّ نابليون بونابرت، كان يحمل معه منديلاً خاصّاً بزوجته جوزفين كلّما باعدت بينهما الظّروف"(12)، وقد اتّسع نطاق استخدام ذلك المنديل، وعلت مكانته في الفترة التي حدّدت بين "عشرينيّات إلى خمسينيّات القرن العشرين"(13)، وإذا كان الباحثون حدّدوا الزّمن، الذي بدأ فيه ارتفاع تلك المرتبة عند النّاس، فإنّ ذلك الوقت الذي عيّنه أولئك الباحثون، يرجع بنا إلى الزّمن الذي اجتمع فيه أفراد عائلتي، أمام عدسة آلة التّصوير الضّوئيّ، وقد كان ذلك الوقت هو قبل أن ينتهي العقد الثّاني من القرن العشرين الماضي، فكانوا في ذلك التّصرّف الذي بدر منهم، سبّاقين إلى استيعاب التطّور الحاصل في هذا العصر الحديث، وكانوا مدركين تماماً مسار تاريخ الأزياء، ومحيطين بالطّريقة التي يتحقّق بها الارتقاء في عمليّة ارتداء الملابس، وتمكّنوا من أن يتعرّفوا على المسلك الذي ينتهجه عالم الأناقة، وهم تحلّوا بالذّوق الفطريّ الرّفيع، الذي نمّته تجارب الحضارة التي استطاعوا أن يحصّلوها.

استخدم النّاس المنديل منذ الزّمن القديم، وقد تبيّنّا تنوّع تلك الأهداف، التي رموا إلى أن يدركوها في استعمالهم ذلك المنديل، إلّا أنّ كانت الانطلاقة الجديدة في استخدام ذلك المنديل، حدثت في ذلك الأوان الذي التقطت تلك الصّورة التي ظهر فيها أفراد عائلتي، الذين كانوا في طليعة الأفراد الذين أحاطوا بذلك التّطوّر في عالم الأزياء، وتتّضح دلائل هذه الأسبقيّة الزّمنيّة، التي حقّقها أفراد أسرتي، قياساً إلى أوضاع الأزياء في أقطار العالم، وكان أفراد عائلتي مبادرين وسبّاقين إلى مواكبة معالم التّمدّن والحضارة المستجدّة، وهم ظهروا في هذه الصّورة مرتدين كلّهم الصّدار فوق القميص،وفي الفترة بين أوائل القرن العشرين، حتّى مطلع سنوات الخمسينيّات من ذلك القرن، كان انتشر هذا النّوع من الثّياب، وهو الصّدار ضمن الأزياء التي كان يرتديها الرّجال، بيد أن هذه الصّورة ما زالت تتضمّن معنى فريداً أيضاً، لمّا أتحدّث عنه بعد، وهو ارتداء والدي وعمّي ربطة عنق الفراشة "وهي تسمّى باللّغة الفرنسيّة: بابيون"، ونستطيع أن نتصوّر شكل تلك الرّبطة، من الاسم الذي أطلق عليها، إذ انطبق مدلول ذلك الاسم على الشّكل الذي اتّخذته تلك الرّبطة، وأصبح يرتدي تلك الرّبطة الفنّانون ونجوم المجتمع في أقطار شتّى في العالم.

إنّ العائق البارز الذي يواجه الباحث في أنواع الأزياء في المجتمعات العربيّة والشرقيّة، هو ندرة المصادر التي تتحدّث عن أنماط تلك الأزياء، وبخاصّة الثّياب الجديدة التي تظهر في تلك البلدان العربيّة، وأغلب المعلومات عن تلك الأزياء العربيّة والشّرقيّة القديمة، هو موزّع في كتب متنوّعة، سواء أكانت مجلّدات المعاجم اللّغويّة، أم مؤلّفات الرّحالة، وإذا كانت حالة تلك المعلومات الشّحيحة والمتناثرة، تتسبّب بنشوء مصاعب جمّة تعترض سبيل البحّاثة في شؤون تلك الأزياء العربيّة والشّرقيّة، فإنّ هذه المصاعب هي أشقّ وأعسر، في حالة البحث في ظهور أنواع الأزياء الجديدة في تلك المجتمعات العربيّة.

رجّحت أغلبيّة آراء الباحثين موعد ظهور ربطة عنق الفراشة، في النّصف الأوّل من القرن التّاسع عشر في أوروبا، ويقود تتّبع مسار نشوئها، إلى مرحلة نهاية القرن التّاسع عشر، حيث انتشر فيها استخدام ربطة عنق الفراشة عند النّاس في أمريكا، ثمّ لوحظ في مطلع القرن العشرين، ظهورها في احتفالات اجتماعيّة مشهودة، ثمّ بدأت في الانتشار مع توالي سنوات القرن العشرين، وها قد وصلنا مرّة أخرى إلى الزّمن الذي ظهر فيه  أفراد عائلتي أمام عدسة آلة التّصوير الضّوئيّ، التي التقطت لهم تلك الصّورة الضّوئيّة، حيث بدأ يزيد استخدام ربطة عنق الفراشة في أرجاء العالم، حتى توسّع انتشارها في منتصف القرن العشرين، بعد حوالي مدة تقارب الثّلاثين سنة، من الزّمن الذي التقطت فيه الصّورة، التي ظهر فيها أفراد عائلتيّ، الذين كانوا سبّاقين أيضاً إلى مجاراة تلك المستجّدات في عالم الأزياء، وهم ما برحوا يعتزّون بالطّابع العربيّ في أزيائهم، وقد تبدّى ذلك الاعتزاز في وضعهم الطّربوش على رؤوسهم، فكانوا يحرصون في ارتدائهم ثيابهم، على إظهار طابع الزّيّ العربيّ الأصيل، الذي طالما افتخروا بالتّعبير عنه.

كانت علائق الوئام تجمع بين أفراد عائلتي، بالإضافة إلى الانسجام الفكريّ الحاصل بينهم، واستمرّت تتوثّق الرّوابط بينهم، على مرّ الأيّام حيث ازدادت قوّة ومتانة، وتبيّن هذه الصّورة التي قدّمتها، وقائع تاريخيّة عديدة، حتّى باتت تختزل صفحات طوالاً من سجلّات التّاريخ، وقد كان حديثنا عن الثّياب التي ارتداها أفراد عائلتي، حديثاً ذا شجون، تشعّب في مسائل عديدة، وإذا كان المثل الأجنبيّ يقول إنّ الصّورة تعادل ألف كلمة، فإنّ هذه الصّورة التي ظهر فيها أفراد عائلتي، تعادل ألف كتاب، وقد تميّزوا بتبصّرهم في ذلك التّبدّل الذي طرأ على أنواع اللّباس الذي يرتديه النّاس، وكانوا يتابعون ببصيرة نافذة، تغيّر أنواع اللّباس الذي بدأ يروج في مستهلّ القرن العشرين، وعلى الرّغم من أنّ والدي وعمّي كانا في باكورة الصّبا، في ذلك الوقت الذي التقطت فيه هذه الصّورة الضّوئيّة، إلّا أنّهما ما برحا يؤكّدان مع جدّي أيضاً، تمشّيهم مع التّبدّل الجاري في أنواع الثّياب، وقد رغبوا في أن يثبتوا أيضاً مقدار اعتزازهم الكبير باللّباس العربيّ.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (27)

سنة النّشر 1987

أزف موعد لقائي مع نادية في أصيل هذا اليوم، وتعمّدت ألّا أرقب عقارب السّاعة وهي تلفّ شراع الزّمن، وتطوي صفحة الأيّام التي تمضي من العمر، لتأخذ في إلقاء مرساة الذّكرى، وتبدأ بفرش بساط الحنين، وهي تقتات من أوقات السّعادة وأزمنة الشّقاء على السّواء، إلّا أنّها لا تمضي فيهما على وتيرة واحدة، فألفيها تجرز هنيهات سعادتي في لمحة البرق، وتتمهّل في التهام ساعات شقائي، ويقف الإنسان حيال الزّمن خالي الوفاض، فشأن النّاس أن يتبحّروا في غمار الأحداث التي تتقاذفهم بين أمواجها الهادرة، وكان نبّهني إلى اقتراب ذلك الموعد شعور خفيّ، أثاره اتّقاد عواطفي، واستعار الوله في نفسي، فأقيس ما يفصلني عن هذا الموعد من ساعات ودقائق، بما يلجّ بنفسي من الشّوق، وما يتأجّج في صدري من اللّوعة، فكانت تحتدّ حدمة تلك الصّبابة، التي ما إن بدأت تعدو طورها، وبدأ يتأجّج فورانها الهادر، حتّى التفت إلى السّاعة، فوجدت قد حان ميقات ذهابي إلى الموعد، فخامرني العجب من هذا التّوافق الحاصل، وهيّأت نفسي لأنطلق إلى المكان الذي تعاهدنا على أن نلتقي فيه.

كانت السّماء متجهّمة ومتلبّدة بالغيوم، وامتدّ نظري إلى أقاصي أرجائها، فآنست في اكفهرار تلك الغمائم دلائل على اليمن، فقد حلّ لقاؤنا الأوّل بمهبّ الرّيح الهوجاء، ونضحتنا السّماء بوابل الأمطار الهاطلة، وأرعشت زفراتنا سياط البرد القارسة، واقشعر جسدانا من القرّ الخاشف، فهل يداخلني الجزع، ويخامرني الفزع من تلك الأكداس من السّحب الماطرة.

تجرز: تأكل بسرعة.



ترتفع في مقدّمة هذه اللّوحة شجرة، ظهر جذعها راسخاً في الأرض، التي تضرب فيها جذور هذه الشّجرة، التي لاحت منفردة في موقعها، وهي تتوسّط المساحة الأماميّة من اللّوحة، وقد غلب على هيئة تلك الشّجرة خاصّيّة الثّبات، بينما كانت أغصانها تمتدّ متشابكة مع بعضها البعض، وكانت تتوالى درجات خضرة أوراق الأغصان في قمّة هذه الشّجرة، التي علتها زرقة السّماء الصّافية المحيطة بتلك الشّجرة، التي امتدّت أفنانها ساعية إلى أن تطال أعنان السّماء، وأبرزت الأوراق الخضراء على الأغصان، سمتي الخصب والنّماء، بينما ظهر امتداد اللّون الأخضر إلى بداية المساحة التي حلّت فيها السّماء الفسيحة، فأنشأ مزيج هذين اللّونين الأخضر والأزرق، طابع الحيويّة التي تميّزت بها المنطقة العليا في هذه اللّوحة، وهي قد شغلت على حدّ التّقريب، ثلث مساحة هذه اللّوحة، وظهر لون الأزرق خفيفاً في درجات تشبّعه في نواحي متفرّقة في السّماء، وبخاصّة في المنطقة التي ظهر فيها الأفق البعيد في خلفيّة هذه اللّوحة، التي تضمّنت معاني عميقة، آمل أن أتحدّث عنها في الأيّام القادمة.

تلوين زيتيّ، قياس 50×70




مقتطفات من رواية أناشيد الألم (26)

سنة النّشر 1987

شرعت ظلمة اللّيل تسدل سجوفها لتغلّف رقيع السّماء بحلكتها الدّامسة، وبدأت أتململ على سريري، عكر المزاج، ضجر الخاطر، وقد كنت أجد متعتي، وتتحقّق سعادتي في سنوات شبابي، في أن أجلس متأمّلاً في سريرة نفسي في هدأة اللّيل، تحت جنح الظّلام وستور القتام، فأتبصّر في تلك العواطف المندفعة في نفسي، وأتفكّر في تلك الخصال الرّاسخة في خلقي، وأنقّب عن اللّواعج المحتدمة في فؤادي، وأقلّب تلك الهواجس التي كانت تعنّ بفكري، وأمّا الآن، فقد انصرم ذلك الزّمن الذي انبعثت فيه تلك الخواطر، التي لاحت في فكري، حينما كنت في شرخ الشّباب، إذ كنت أستدلّ بتلك الأفكار، التي كانت خطرت على بالي، في ذلك الزّمن الغابر، في تقدير شأن تلك الطّبائع التي كنت تخلّقت بها، واتّسعت حاليّاً خبرتي، التي آزرت تأمّلي في حوادث تلك الأوقات الدّابرة، التي مررت بها، ونمت معرفتي التي أيّدت حكمي على تلك الهواجس التي كانت طرأت عليّ، في تلك الأيّام الفائتة، وازدادت حصافتي وتوثّق إدراكي، فدأبت رحب الفهم في نبش السّجايا الدّفينة، والأحاسيس المتوارية في نفسي، فرأيت شهوات جيّاشة وأهواء طائشة، كنت أحسب أنّي براء من أدوائها، وخليّ من علاّتها، وقد حجبتها عنّي غفلة تأفِن فطنـتي، فليت أستار الظّلمة ولجت في أعماق نفسي لتحجب تلك السّجايا والطّبائع، فأظلّ أنغمس في ضلالة الصّبا، وغرارة الشّباب، فكنت في حداثة سنّي أطمح بنظري إلى المراتب الرّفيعة، التي يستقرّ بها أخيار الأعفّاء وأفاضل البررة، وقد رأيت نفسي الآن أقع في مثالب الأهواء ومعايب النّزوات.

لم أعنّف نفسي وأبكّتها، وأنح عليها باللّوائم، إلاّ كي أردّ إليها نقاء الطّويّة، وأسدّد ميولها، وأقوّم خصالها، فأمحق الأهواء الهوجاء في مهدها، وإن منيت باللّغب الواصب والعناء الدّائم، في هذا المسعى الذي أروم أن أحقّقه.

لغب الرّجل: تعب وأعيا أشدّ الإعياء.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (25)

سنة النّشر 1987

جزت فسحة البناء الذي أقطن فيه، فألفيت ليلى تقف في المدخل مع بعض أترابها، وقد تداخلت أصواتهنّ في نقاش دائر فيما بينهنّ، واشتدّت لجّتهنّ حتّى طغت على وداعة مظهرهنّ ولطافة هيئتهنّ، ولمحتني ليلى حينما أقبلت من بعيد، فشرعت تخفض صوتها وتخفت بكلامها، ثمّ ما لبثت أن أطبقت فاهها صامتة، فتداولت الحديث معهنّ بالإيماءة، وتبادلته بالنّظرات، وهي ترنو إليّ ساجية الطّرف، خفرة الملامح، وانبعث في أثناء مروري بالمدخل، صوت جاري صالح، الذي خاطب ابنته قائلاً:

ليلى، أسرعي في العودة إلى المنزل، لقد عيل صبرنا في ترقّب مجيئك.

تراءى لي أنّه أصاب شاكلة الصّواب في قوله الذي تفوّه به، فمن لا ينفد صبره في انتظار تلك الفتاة، وأربك ليلى ذلك اللّوم الذي أنحي عليها لتلكّئها في العودة، وتمهّلها في الرّجوع إلى مسكنها، فتضرّجت وجنتاها، واعتراها الاضطراب والارتباك، فودّعت لدّاتها وأجابت نداء والدها، معلنة عزمها على المجيء إلى المنزل، فظهرتُ بهيئة جادّة لأموّه عليهم انفعالي، وتأثّري من هذا المشهد الذي حضرته، ورأيتها قبل أن تدخل دارها، تلتفت وتنظر إليّ بنظرات حيّية، ثمّ تهلّل وجهها، وأشرقت على أساريرها ابتسامة مضيئة، فلم تتأت لها تلك الطّلاقة والجرأة على التّعبير عن مشاعرها، إلاّ حينما تأهّبت للولوج في منزلها، وهي تتخطّى عتبة الباب، وأيقنت بأنّه سيحدّ نظراتي عنها جدار سميك وحجاب كثيف.

إنّ الإفصاح بعفويّة التّصرّف عن المشاعر التي تمازجها معالم البراءة والطّهارة، يوقّد وهج تلك المشاعر، فتثقب أنوارها ويسطع ضياؤها إلى أبعد مدى، وتنفذ أشعتها المتلألئة حجب الزّمن وأستار العدم، فمراءاة الإنسان ومخادعته في تعبيره عن مشاعره، تكدّران أحاسيسه وتبدّدان حرارتها، وتعيقانها عن الانتشار وتحدّانها عن الاستمرار.