تواصلت في المجتمعات الإنسانيّة خلال حقب التّاريخ المتتالية، مساعي النّاس في تطوير الوسائل، التي كانوا يتذّرعون بها إلى السّيطرة على الظّواهر البيئيّة الحادثة في ذلك الوسط الذي يعيشون فيه، وعمل أيضاً هؤلاء الأفراد من البشر، على تنظيم الطّرائق التي سلكوها في مزاولتهم أنشطتهم المتنوّعة، وكانت حصيلة جهود الأقوام المبذولة، غدت معلماً حضاريّاً يميّز ذلك المستوى الذي أدركوه في معيشتهم، وكانت المبتكرات الحضاريّة تستند إلى تقدّم وارتقاء الفنون والمعارف عند تلك الشّعوب، وقد استطاع النّاس الذين انضووا إلى العالم الإسلاميّ في أثناء دهور ممتدّة طويلة، أن يثروا المجتمع الإنسانيّ بمنجزات علميّة خصبة، ومبادئ فكريّة ثرّة، في مجالات عديدة من معالم النّشاط البشريّ، فكثير من صنوف العلم، ومبتكرات الفكر، نسب تحقّقها وانطلاقتها إلى تلك الحضارة العربيّة الإسلاميّة المزدهرة، وإذا كانت تلك الحضارة التي تحقّقت في العالم الإسلاميّ، قد توسّعت أنوارها وامتدّت في هذا العالم إلى مناطق شاسعة، فإنّ أنوار تلك الحضارة الغرّاء، ما زالت ساطعة أيضاً في أزمان التّاريخ المتتابعة، وما فتئ ألقها متّقداً حتّى عصرنا الحاليّ، لأنّ كثيراً من مظاهر التّقدّم التي نراها الآن، لم تكن لتتحقّق لولا إنجازات تلك الحضارة العربيّة الإسلاميّة، وقد كانت "كثرة المتعلّمين ونبوغ العلماء والأدباء من الملامح المميّزة للحضارة العربيّة الإسلاميّة، التي كانت سيّدة العلم والأدب في عصرها، وكانت مدنها مراكز الإشعاع الفكريّ للعالم كلّه"(1)، فكانت تستند إلى منجزات الحضارة العربيّة الإسلاميّة، كثير من التطّورات الحاصلة عند شعوب شتّى في هذا العالم.

توسّعت الأنشطة الفكريّة التي زاولها النّاس في أثناء عهود الحضارة العربيّة الإسلاميّة، حيث كانت "تتجلّى الحياة الثّقافيّة في المدينة الإسلاميّة في عدّة مؤسّسات منها: أعمال تعلّم القراءة والكتابة والدّين، ومنها مجالس العلماء ودكّاكين الورّاقين ومنها المدارس والمكتبات"(2)، فاتّضح الاعتناء في تلك المدن الإسلاميّة بتعليم القراءة والكتابة، وتجلّت فيها أيضاً المهامّ التي حقّقتها دكاكين الورّاقين، التي يقتضي الإحاطة بالأعمال التي أنجزت فيها، إدراك شؤون تلك المرحلة من تاريخ تلك الحضارة، وهي السّنوات التي قامت فيها تلك الحوانيت، فإن كانت إحدى المهامّ المنجزة في دكاكين الورّاقين، هي عمليّات نسخ الكتب، فإنّه يجب كي ندرك طبيعة ذلك النّشاط، أن نتبيّن أدوات الكتابة التي كانت يستخدمها العرب خلال تلك الحقب القديمة، حيث اندرج في أدوات الكتابة القلم الذي كانوا "يصنعونهمنالقصب...وأمّاالحبروهوالمدادفالظاهر أنّهمكانوايصنعونهمن مسحوقالفحم،أومنالهبابمذاباًفيسائللزجكالصّمغأونحوه"(3)، وأمّا القرطاس الذي استخدم لتسجيل الكتابة فيه، فإنّ "أقدم ماكتبفيهالعربمن أوّلالإسلامالرّقّوهيالجلود،وكتبوا أيضاًعلىالأقمشةوأشهرهانسيجمصريّ كانوايسمّونه القباطيّ،وعليهكتبتالمعلقاتالسّبعقبلالإسلام،وإذاتعذّرذلك كتبواعلى الخشبأوالعظامأوعلىقطعالخزفأوعلىالأحجارأونحو ذلك"(4)، فكان العرب يستخدمون الأدوات التي كانت متوفّرة في الأماكن التي نشؤوا فيها، من دون أن يفوّتوا عليهم فرص اكتشاف الموادّ التي يتسّر لهم الكتابة فيها.

تعدّدت الدّلائل على الموادّ التي كان يعتمدها العرب في عمليّة الكتابة، في العهود الغابرة، حيث كانوا"يستخدمون الرّقّ قبل ظهور الإسلام وغيره من موادّ الكتابة لتدوين النّصوص التّجاريّة والإداريّة إلخ"(5)، وقد كان العرب يحرصون على البحث عن المادّة المناسبة، التي تحفظ الكتابة التي تخطّ فيها، وعندما "فتح العرب مصر اتّخذواالبردي فكانأكثرمكاتبات الأمويّينعلىالبرديوالقباطيّ"(6)، وقد كان العرب يختارون أنواعاً متعدّدة من الموادّ ليستخدموها في كتاباتهم التي ينجزونها، وقد ظلّوا يكتبون حتّى "أواخردولةالأمويّينعلىالجلودوالرّقوقدروجاً،فكانت دفاترالحكومةعبارةعن لفائفمنالجلد"(7)، وتبيّن في تلك العهود التي تنوّعت فيها أدوات الكتابة المستخدمة، أنّ العرب "حتّى القرن الثّامن الميلاديّ مثلهم مثل بقيّة الشّعوب في ذلك الوقت، غالباً ما يستعملون الرّقّ للكتابة، ثمّ أخذوا يستعملون ورق البرديّ بعد فتح مصر. ولكنّ القفزة التي حدثت لاحقاً في إنتاج الكتاب لم تكن ممكنة لولا ظهور مادّة جديدة ورخيصة للكتابة وهي الورق"(8)، وكان في ذلك الأوان الذي ظهرت فيه مادّة الورق، قد بدأ يتحقّق توسّع العرب في إنتاج الكتب والمؤلّفات العديدة، التي كان يبلغ حجمها حدّاً كبيراً من الضّخامة.

لم يجد العرب مادّة تفضل الورق في احتواء تلك المعلومات التي أفرغوها فيها، ولم يكونوا اطّلعوا حتّى مستهلّ نشوء الدّولة الأمويّة على طرائق إنتاج الورق، حيث ظلّ في ذلك الأوان الورق "سرّاً من أسرار صناعة الصّين ويستورد منها"(9)، وكانت بداية معرفة العرب بسرّ صناعة الورق "بعد فتح سمرقند سنة 93/712 في آخر أيّام الوليد بن عبد الملك، عن طريق أسيرين صينيّين"(10)، وعلى الرّغم من إحاطة العرب بتلك الحقائق التي كانت من قبل أسراراً خفيّة، إلّا أنّ  كانت عمليّة إنتاج مادّة الورق في أثناء قيام الدّولة العبّاسيّة "غير معروفة الصّناعة. ولكنّ تعطين الكتّان وتشكيل عجينة منه تنتهي إلى أوراق ما لبث أن شاعت"(11)، وبدأ العرب في ذلك الأوان يدركون أهمّيّة استخدام الورق في الكتابة،بعد أن أخذه العرب "عنصناعةالصّين،لأنّ الصّينيّينبرعوافيصناعةالورققبلالميلاد، وكانتهذه الصّناعة منتشرةفيبلادهم،فلمّافتحالمسلمونسمرقندأخذوهاعنهم، لكنّهملم يجتهدوافيتعاطيهاإلّافيإبّانالدّولةالعبّاسيّة،إذضاقتالرّقوقوالجلود عن المكاتباتوالمراسلاتوالسّجلات،فأشارالفضلباصطناعهفأنشؤواله المصانعفي بغدادوالشّاموغيرهمامنعواصمالإسلام"(12)، فكان تطوّر الأنشطة التي زاولها العرب في أشكالها المتعدّدة، هو الدّافع الأبرز الذي حثّ العرب على البحث عن الموادّ، التي تسدّ حاجتهم إلى التّوسّع في تسجيل تلك المناشط، في الكتب التي قرّروا أن ينجزوها.

إنّ تلك الحادثة، التي كان بدأ العرب فيها اطّلاعهم على طرائق تصنيع الورق، كان "لها ما يؤكّدها في المصادر الصّينيّة"(13)، وتلك الواقعة التي كان تحدّث عنها المؤرّخون العرب، حدّدت "بداية إنتاج الورق في العالم العربيّ. وكما يروي هؤلاء المؤرّخون فقد اندلع في صيف سنة 751م نزاع بين قبيلتين في آسيا الوسطى وطلبت حينئذ كلّ قبيلة المساعدة من جيرانها، الأولى من العرب والثّانية من الصّينيّين. وقد انتهت حينئذ المعركة بين هاتين القبيلتين بفوز القبيلة التي يدعمها العرب، ممّا أدّى إلى أسر العرب لبعض الصّينيّين الذين كانوا يعرفون سرّ إنتاج الورق. وقد اقتاد العرب هؤلاء الأسرى إلى مدينة سمرقند، حيث أسّسوا بمساعدتهم أوّل معمل لصنع الورق، وخلال فترة قصيرة أصبحت هذه المدينة معروفة بورقها الممتاز الذي كانت تنتجه وتصدّره إلى كثير من البلاد العربيّة"(14)، وهذه الحادثة التي رويت نقلاً عن كتب المؤرّخين العرب، تظهر حرص العرب على الاستفادة من الوسائل المادّيّة المتقدّمة، التي تيسّر لهم تحقيق تلك الأعمال التي ينجزونها، ولم يكونوا يهدرون تلك الفرص التي يتيح لهم فيها، تحقيق تلك الفائدة التي سعوا إلى أن يدركوها، فكان الشّغف بالمعارف المتنوّعة، والرّغبة الأكيدة في تطوير مستوى تلك الأنشطة التي يزاولونها، يحدّدان الطّرائق التي يتصرّفون فيها مع سائر النّاس، حتّى مع الأسرى الذين كانوا يقعون في أيديهم، ولا عجب في أن يتصرّف العرب مع هؤلاء الأسرى بتلك الطّريقة من المعاملة، التي تبرز الهاجس المعرفيّ والثّقافيّ والإنسانيّ الذي كان يخطر ببال العرب.

بدأ اهتمام العرب بصناعة الورق بعد أنّ توطّد قيام الدّولة العبّاسيّة، فعندما "استوزر أبوالعبّاسالسّفّاحخالد بنبرمك،غَيَّرخالدالدفاترمنالأدراجإلى الكتب، فظلّتأعمالالحكومةتُدوَّنفيكتبمنالجلد،إلىأنتصرّفجعفر بنيحيى البرمكيّبالوزارةفيأيّامالرّشيدفاتّخذالكاغد (الورق)، فتداولهالنَّاسمن بعده، وظلّوامعذلكأجيالًايكتبونعلىالجلودوالقراطيسوالورقالصّينيّ والتّهاميّ والخراسانيّ،فضلاًعنالكاغديصنعونهكراريسأودفاتر،وكانبعضهم يفضّل الرّقاعللكتابةعليها،كالفارابيّمثلًافقدكانتكتاباتهأكثرهاعلىالرّقاع"(15)، ففي ختام القرن الثّامن الميلاديّ، بدئ في "إنتاج الورق في بغداد نفسها بينما اشتهرت دمشق بسرعة كمركز معروف لإنتاج الورق. ففي دمشق بقي ينتج لوقت طويل أفضل نوع من الورق، وبقي هذا يصدّر إلى عدّة بلدان أوروبيّة حيث كان يشتهر باسم مصدره (الورق الدّمشقيّ)"(16)، فكانت صناعة الورق، انتقلت من العرب، إلى سائر شعوب العالم، إذ أخذ الأوروبيّون عن العرب تلك الصّناعة "لأنّ أهل أوروبا لمّا أفاقوا من سباتهم في الأجيال الوسطى استخدموا الكاغد الشّاميّ وكان اسمه عندهم "Charta Damascena"، وانتقلت صناعة الورقإلىأوروبابطريق الأندلس،فقدكانللعربمصانعلصناعةالورقفيشاطبةوبلنسيةوطليطلة،فلمّا دخلتالأندلسفيحوزةالإفرنج،استبقواتلك المصانع،ثمّنقلتمنإسبانياإلى سائرممالكأوروبا"(17)، فوجدت في الأندلس الكثير من حوانيت الورّاقين، الذين دأبوا في أن ينسخوا كتباً غزيرة في أصناف شتّى، من مذاهب الفكر والعلوم المتنوّعة.

انتشرت مصانع كثيرة للورق في المدن الإسلاميّة، حيث مهّد ذلك الانتشار إلى نمو وازدهار تجارة الكتب، وإذا تتبعنا رحلة انتقال الورق إلى بلدان المغرب العربيّ فإنّنا نجد أنّه "عبر المغرب وصل إنتاج الورق أخيراً إلى أوروبا، وبالتّحديد إلى إسبانيا. وفي الواقع فإنّ أوّل إشارة حول هذا نجدها لدى الإدريسيّ، الذي يذكر سنة 1150م، مدينة شاطبة (ياتيفا اليوم) في قالانسيا حيث الورق "الذي لا يوجد له مثيل في العالم المتمدّن" والذي يصدّر ل"الشّرق والغرب"(18)، وكان وصول الورق إلى بلدان المغرب العربيّ، تحقّق بعد أن وصل إلى دمشق، حيث أصبح النّاس يرون الورق "فجأة مع الهاربين من الشّام يظهر في قرطبة والأندلس"(19)، وتابعت مادّة الورق انتشارها في القرن الثّالث عشر الميلاديّ، حيث "انتشر أخيراً الورق خارج العالم العربيّ _ في أوروبا. ففي ذلك الوقت تقريباً انتهى احتكار العرب لإنتاج الورق والإتجار به، بعد أن بقي في أيديهم حوالي 500 سنة"،فأقيم في أوروبا أوّل معمل للورق في بولونية الإيطاليّة عام 1293م، وفي عام 1309م لوحظ بدء استخدام الورق في إنكلترة، فأخذ يتسارع في ذلك الأوان انتشار المعرفة في أوروبا، التي سعت بلدانها إلى اللّحاق بركب الحضارة الذي كان شقّ طريقها العرب، قبل عدّة قرون من بداية نهوض أوروبا من غفوتها التي كانت راقدة فيها.

لم يكن يغيب العديد من موادّ الكتابة عن المدن الإسلاميّة في مستهلّ عمليّة انتشار الورق فيها، فكانت أنشئت معامل الورق في مصر، التي لم يكن يتأتّى لمادّة الورق إلّا أن تقضي "بالتّدريج على استعمال البرديّ"(20)، وفكرة التّدرّج التي لاحظها المؤرّخون، لها أسباب وجيهة تفسّرها، حيث أن ذلك الاختراع الجديد الحاصل، لم يكن ليقضي تماماً للوهلة الأولى من نشوئه، على سائر الموادّ القديمة، التي ظلّ العرب يكتبون عليها، في حالات يتفاوت فيها، مقدار استخدام تلك الموادّ، ففي "العالم الإسلاميّ لم يلغ الورق فوراً استعمال الرّقّ كمادّة للكتابة، إذ بقي يستعمل لفترة أخرى لكتابة القرآن كما بقي ورق البردي يستعمل لفترة أخرى أيضاً. ففي بغداد نفسها، وهي أكبر مركز لإنتاج الكتاب في العالم العربيّ حينئذ، لم يظهر أوّل كتاب على الورق إلّا سنة 870م. وفي الواقع فقد استمرّت المنافسة بين ورق البردي والورق الجديد حتّى القرنين 12_13م، حين أنهى الورق الجديد تماماً استعمال ورق البردي للكتابة"(21)، وقد تبيّن أنّه في مصر كانت قد "صمدت صناعة البردي في تنيس والفسطاط وأسيوط فترة طويلة، حتّى استسلمت لصناعة الورق"(22)، إلّا أنّ اشتداد الحاجة العمليّة إلى استخدام الورق، يسّرت للعرب العدول عن استخدام سائر الموادّ القديمة، التي كانت مقاومتها في خوض غمار المنافسة مع الورق، تضعف بالتّدريج مع نمو المعلومات والكتابات، التي ارتئي أن تدوّن في الكتب، والسّجلات المتنوّعة.

كان اطّلاع العرب على مادّة الورق، وإحاطتهم بسر الطّريقة التي تصنّع بها، هو "ثورة في الفكر الإنسانيّ الذي عجز حتّى هذا التّاريخ، عن أن يوجد وسيلة أحسن من البردي والجلود والنّسيج للكتابة"(23)، وفي الأوان الذي ظهر فيه الورق في المدن الإسلاميّة، في أوائل العصر العبّاسيّ "كان الفكر العربيّ الإسلاميّ ينفتح بها على العلوم والآداب، فجاءته الوسيلة التي جعلت هذا التّفتّح انقلاباً أساسيّاً في حفظ الأفكار وتداولها بطريقة سهلة ورخيصة، وانتقل الورق بسرعة إلى بغداد أوّلاً فصارت تصنعه إلى دمشق"(24)، وكان الفضل البرمكيّ حينما أدخل مادّة الورق "إلى بغداد سنة 178/ 794، وإلى الدّواوين فيها وبدّل وسائل الكتابة الأخرى، كان ذلك يعني أنّ عصراً جديداً قد تفتّح للفكر الإنسانيّ. وجعل ذلك حركة التّرجمة وحركة التّأليف، تأخذ حركيّة كبيرة كان منها عصر التّرجمة المأمونيّ، وظهور كبار المؤلّفين والمؤلّفات ذات الأجزاء الضّخمة"(25)، وإنّ كان عمد العرب إلى أن يحصلوا من الصّين على مادّة الورق، إلّا أنّهم استندوا أيضاً إلى نتاج الورق الذي كانوا يصنّعونه في مدنهم، فعلى الرّغم من "أنّ سمرقند ظلّت مصدراً للورق الجيّد، ومن أنّ ورق الجريد وجلود الكراريس تستجلب من الصّين، إلّا أنّ الورق الإسلاميّ هو الذي تحمّل ضغط الثّقافة العربيّة النّاشئة في المدن"(26)، فكانت صناعة الورق النّاشئة في تلك المدن الإسلاميّة، تسهم في أن تلبّي حاجة النّاس إلى الورق، حيث أراد العرب أن يصبّوا نتاج فكرهم، وثمار معارفهم وعلومهم وفنونهم، في أوعية صنعوها بأياديهم، وأنشؤوها بأنفسهم، إذ كانوا أبدعوا في مزاولة أنشطة متعدّدة، في أثناء عصور الحضارة العربيّة الإسلاميّة التي تعدّ بحقّ من أرقى الحضارات التي نشأت في تاريخ البشريّة.

اعتنى العرب بصناعة الورق، الذي أولوه اهتمامهم، وأقرّ باحثون وكتّاب ومفكّرون أجانب، بفضل العرب، وأسبقيّتهم في تطوير تلك الصّناعة، وقد ذكر عالم النّفس الاجتماعيّ، والمؤرّخ غوستاف لوبون في حديثه عن انتشار الورق في المدن العربيّة، أنّ "العرب... جعلوا يستخدمونه بدلاً من الرّقّ (الجلود والأقمشة)"(27)، وقد نوّه ذلك المؤرّخ الفرنسيّ أيضاً بالصّنيع العميم الذي أسداه العرب إلى شعوب العالم، إذ "لولا فضل العرب على صناعة الورق لضاعت مؤلّفات الحضارة القديمة"(28)، وكان العرب قد طوّروا طرائق تلك الصّناعة، إذ صنعوا "الورق من الحرير، ثمّ اكتشفوا طريقة صنعه من القطن وبلغوا فيها من الإتقان والجودة، ما لم يسبقهم أحد إليه، وقد أنشؤوا المعامل العظيمة في بغداد ودمشق والقاهرة وشاطبة وبلنسية وطليطلة وغيرها، ونشروا صناعة الورق في أقطار العالم، وهم الذين اخترعوا صناعة الورق من الكتّان والنّيل والخروق البالية"(29)، فلم ينكر الباحثون الأجانب،  تلك المساعي الطّيّبة التي حقّقها العرب، حيث كان بعضهم منصفاً في تقدير الجهود التي بذلها العرب في تطوير صناعة الورق، ونظراً لدقّة عمليّة إنتاج الورق، لم يكن يتأتّى لأصحاب الضّمائر الحيّة، أن ينكروا مساعي العرب العظيمة في تطوير تلك الصّناعة، وقد تابع المؤرّخ غوستاف لوبون حديثه فقال: "إنّ الفضل في اختراع الورق من الخرق البالية يعود كلّه إلى العرب، فقد كان ذلك صعباً جدّاً لما يتطلّبه من التّراكيب الكيماويّة، والأعمال اليدويّة العديدة"(30)، فكان العرب يتقنون تنفيذ تلك الصّناعة، محقّقين الشّروط المثلى في إنتاج الورق، الذي يلائم التّطوّر الذي أنجزوه في نطاق المعارف والمناشط الإنسانيّة العديدة.

عمد بعض الباحثين الأجانب إلى الإشادة بنجاح العرب، في تنفيذ عمليّة إنتاج الورق، وقد بيّن العلّامة سديو، المساعي التي حقّقها العرب في صناعة الورق فذكر أنّ "العرب أنشؤوا في إسبانيا معامل لصنع الورق من الأقمشة البالية. واستعمل ورقهم هذا في القرن الثّالث عشر في قسطيلة، ثمّ نقل منها إلى فرنسا وإيطاليا وانكلترا وألمانيا، إلّا أنّ ورق العرب يفوق ورق الإفرنج لمعاناً ولطافة كما يفوقه بتزويقه وجمال لونه"(31)، فالعرب أسهموا في جلب منافع جمّة ومكاسب وفيرة إلى أفراد البشر قاطبة، فإن أقرّ غوستاف لوبون بفضل العرب، حيث بيّن في كلامه التي ذكرته آنفاً، مساعي العرب في أن يحولوا دون ضياع مؤّلفات الحضارة القديمة، إلّا أنّ لم يقتصر نشاط العرب، على مهمّة حفظ مؤلّفات القدامى في الحضارات الإنسانيّة، لأنّ العرب "كانوا في القرون الوسطى ممثلي حضارة الأمم وناشري لواء العلم في الكون. كبحوا جماح الجهل الذي ضرب أطنابه في أوروبا، إثر غزوات أمم الشّمال واحتفظوا بأرث اليونان والفرس العلميّ، وزادوا عليه من أوضاعهم مبتكرات كثيرة، وقطعوا مراحل جديدة في درس الطّبيعة، وامتازوا بجميع الصّفات التي تؤهّلهم إلى السّير في مقدّمة الأمم، فتفرّدوا بنشاط عجيب وتساهل غريب، وميل طبيعيّ إلى الحرّيّة والحضارة والعمران، وكانوا يأتون البلاد المحتلّة بلغة بديعة وعلوم راقية، ومبادئ سامية وخيال واسع وعدل تامّ"(32)، فكان العرب انهمكوا في مواصلة تطوير الأنشطة التي يزالونها، وأغنوا التّراث الإنسانيّ بحصيلة معتبرة من الاختراعات والمنجزات المبتكرة.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (24)

سنة النّشر 1987

كانت تردّني مآود الحياة ودواهيها عن مآدب مسارّها، فلم يخامرني من المشاعر إلّا تلك الغموم التي اعتلجت في صدري، فكانت لوعة الحسرة تستعر في نفسي، إلاّ أنّ ما اجتثته يد الدّهر من أزاهير البهجة، نبتت عوضاً عنه في نفسي، أيكة الحكمة وغراس الفطنة، ولم يخالطني القنوط قط، فإن اعتكرت الظّلمة والتجّت العتمة حولي، كانت أنوار الأمل تشرق بين تلك الغياهب الحالكة، لتثير في نفسي دوافع المثابرة على خوض معترك الحياة، فكان تمكّن ذلك الأمل من إثارة عزيمتي، يحاكي قدرة ضياء الشّمس على بعث الانتعاش في أديم الأرض.

عدت إلى منزلي، بعدما فرغت من أداء مهامّ عملي، فسرت الهوينى في دربي، ونسمت حولي الرّيح السّجواء، وتناثر في عرض الطّريق غثاء نديّ، رمت به سيول جارية، وغفلت عن المناظر الخلّابة والمشاهد الفاتنة التي توزّعت حولي، فلا يغترق نظري جمالها، ولا يطربني سحر بهائها، ولا ألمح إلّا صورة واحدة ظاهرة أمامي، فأحدّ إليها النّظر وأنا أتفرّس في تلك الأشكال التي تلوح لناظري، كي أميّز فيها الحقيقة من الخيال.

من شأن العديد من النّاس أن يقارن بين الأشياء المختلفة، ويوازن بين الأشكال المتنوعّة، من دون التّمعنّ في خصائصها المتباينة، والتّروّي في شؤونها المتفاوتة، وقد كانت حالي توافق شؤون أولئك الأشخاص في أحايين كثيرة، فكنت أنسب تارة هيجان مشاعري إلى عصف تلك الرّيح القاصفة في آفاق الأرض، وأقرن طوراً فورة اللّهب المتّقد في نفسي، بثوران تلك الشّهب البرّاقة في أعنان السّماء، فأخال نفسي سليل تلك الموادّ ومن نسل تلك الأجسام التي يشتمل عليها الكون، وما إن أفرغ من إكمال مراحل تجوالي، حتّى سرعان ما ينطرح عنّي العناء والتّعب، ويعود إلى نفسي صفاؤها، وأرجع إلى منزلي مؤجّج الهمّة منشرح الصّدر.

المآود: الدّواهي.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (23)

سنة النّشر 1987

انطلقت إلى مكان عملي في الصّباح، وسرت في الطّرقات، فهبّت نحوي الرّيح البليلة، ووصلت إلى تلك الوجهة التي قصدتها، وأنا موفور الهمّة والنّشاط، فعكفت على الانغماس في تأدية عمليّ، وإنجاز مهامّ وظيفتي، وجهدت في أن أتصامّ عن ذلك الصّخب المجلجل في أعماق نفسي، وقد كانت أصداؤه لا تزال تنتشر في كياني، وأسهو إلى الخرائط المبعثرة والخطوط الدّائرة، فأتيقّن بضياع جهودي عبثاً، فأطوي كلّ الأوراق أمامي، وأجمع شتات خواطري وألأم بين الصّور الظّاهرة في خيالي، فينبّهني واجب العمل إلى أن أكبح جماح شرودي، فأعود تارة أخرى إلى أن أحاول الخوض في تلك الملفّات المنتشرة، فأغوص في محتوياتها، بيد أنّي سرعان ما أتوه في حزم الأوراق التي أطالعها، فأجنح بتفكيري إلى الصّور الماثلة في ذهني، وأعاود تلك المحاولة مراراً وتكراراً على مدار السّاعة. وعندما يقيّض لي أن أستقبل أحد الزّوّار في أثناء فترة عملي، أجلس معه متحدّثاً، وأنظر إليه متنبّهاً، وأنا أخال أنّي أراه في أرجاء ذلك الخيال الذي أسرح فيه، فأحدّق إلى وجهه لأتبيّن هيئته عن يقين وثبات، وأسلك في ممرّ الكلمات ومسار الجمل، فيخامرني الشّعور بأنّي أخطو في طريق وعر، وأتسلّق عقبات كأداء، فأتكلّم معه بعبارات مبهمة، وأنطق بألفاظ عويصة، فيعزو ذلك الغموض الذي يكتنف حديثي، إلى إلحاحي على النّظر إلى تلك الأوراق المبعثرة أمامي، فينصرف عنّي وهو يقدّر عالياً مدى حماسي وغاية انغماسي في العمل الذي أزاوله، فأسخر من ذلك الرّأي الذي يعتقده، وقد كان الظّنّ الذي أوقعه على حقيقة أمري، يناقض صورة تلك الهيئة التي ظهرت فيها، وأودّعه عندما يتمّ زيارته، بابتسامتي الوادعة في مظهرها والسّاخرة  في حقيقتها.

كنت في أحايين كثيرة، عندما ألتقي الأشخاص الآخرين، لا أفاتحهم بذات صدري، ولا أكاشفهم بخواطري، فكنت أواري تلك الأفكار التي ترسّخت في ذهني على الرّغم من سدادها، وأحاول أن أحصر سناها في ذهني، من دون أن يشعّ ضياؤها إلى الأشخاص حولي، إلّا أنّ كان يتأتّى أحياناً لأنوار تلك الأفكار، أن تنسلّ أشعّتها منطلقة من ذهني، فلا تخفى على بصائر الأفراد الذين كانوا يلتقون بي، وكان كثيراً ما يحضّهم ذلك النّور المتّقد في فكري، على الدّنو إليّ والاقتراب منّي، فأردّ عن أفكاري فضول النّاس، وأدفع عنّي تطفّل الأشخاص الذين يلحّون على أن يستطلعوا خواطري، وتنتابني الخشية من أن تكسف ظلال الفضول التي ينشرها أولئك الأشخاص المتطفّلون، ضياء خواطري المتألّق، ويحجبوا نورها المتوقّد، فأحذر من أن يهمد ألقها السّاطع ويخمد ضوؤها المنير، وقد رسخ في ذهني الاعتقاد بأنّ أشعّة النّور اللّامعة الصّادرة عن سرّها المدفون، وأمرها المكنون، يوقد الخيال ويؤجّج الفكر عند الأشخاص الذين يتلقّون تلك الأنوار السّاطعة.

ما برح بريق تلك الخواطر، المنحصر في نطاق ذهني، أنفس عندي من ضياء هواجسي المتوهّج على ألسنة القوم، التي تتعاور تلك الخواطر التي تلوح في ذهني، وقد كان سنا أفكاري النّيّر، أعزّ عليّ من وميض ذلك الإعجاب الذي تفصح عنه نظرات الطّوارف، التي تستطلع تلك الهواجس التي تخطر ببالي، وحسبي أن أقدّم لأفراد النّاس الزّاد الذي يغذّي نفوسهم، وأهبهم القوت الذي ينير عقولهم، من دون أن تكدّر أياديهم ما يحتويه ذاك المرجل المغلي في فكري، ولا يتطاير نحوهم شرر أوار الخواطر المتّقد في ذهني، وإنّي لأبرّئ نفسي من دلائل الصّلف والعجرفة، وأنا أرى في تداني القوم بعضهم من بعض، تحقّق المطلب المرتجى في توطيد الألفة بين النّاس، فإن دأبت في أن أتروّى من مناهل المعرفة الفائضة في متون الكتب وبطون المجلّدات، فإنّ هذا المسعى الذي يبدر منّي، لا يسدّ مسدّ الاتّصال بالنّاس، ولا يغني عن الالتقاء بهم، وألفي بعض النّاس يحصر المنافع التي يريد أن يستحصل عليها، من العلائق التي ينشئها مع الأفراد الآخرين، في المغانم التي يلبّي بها نزواته الطّائشة، ويقصر المكاسب التي يسعى إلى أن يستخلصها من الرّوابط، التي تجمع بينه وبين سائر النّاس، على تلك الفوائد التي توافق بواعث حاجاته المتقلّبة، فتغيب عنه طبيعة تلك الروّابط التي تؤلّف بين النّاس، ويغفل عن مزاياها الجليلة، فكان أولئك الأفراد الذين يرضخون لأهوائهم المتبدّلة، في تلك العلائق التي تربطهم بتليّة البشر، ما يبرحون يسعون إلى أن يوقعوا في مكائد طمعهم وحبائل جشعهم، أولئك النّاس الذين يجتمعون معهم في تلك الرّوابط الواهية.

تتعاور: تتداول.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (22)

سنة النّشر 1987

جال في خاطري التّساؤل عن تلك الهمّة التي تثير إرادتي الخادرة وتبعث قواي الفاترة، وجهدت في أن أتبيّن حقيقة تلك الأماني التي طفقت تخادع باصرتي بأضاليلها المعتادة، وتغرّ طرفي بأباطيلها المعهودة، فألمح إشراق آمالي وقد عهدتها فيما مضى من أيامي الدّابرة، تتلاشى هباءً، وتتبدّد ضياعاً، وما برحتْ حتّى هذه الآونة، تتلظّى تلك اللّواعج الملتهبة التي اتّقدت في أيّام لهوي وصبوتي، فتلذع فؤادي، وتزيد حدّة جواي، وانكفأت إرادتي عن لهب العاطفة المتّقدة، وشعلها المضطرمة في نفسي، لتسكن في قرّ الهمود، وبرد الجمود، بينما اندفعت الأهواء المتأجّجة تقود خطاي، ولشدّ ما كابدت طيشها المشتدّ وعانيت نزقها المحتدّ.

إنّي حقّاً لغرّ مفتون بتلك الأوهام التي انطلقت في ذهني، فسعيت في أن أحبط كلّ ظنّ ينبئ بدنوّي من جوى العشق، وأفنّد كلّ الدّلائل التي تنذر بوقوعي في برحاء الهوى، وغمرات الوله، وما إن يخيّل إليّ أنّي تحرّرت من أغلال تلك العاطفة، حتّى أجد نفسي عالقاً بحبائلها، ومكبّلاً بسلاسلها، فتمضّ نفسي حسرة النّدم، وتقضّ أوصالي عبرة السّدم، وما أنفك أذعن لتلك اللّواعج الحارقة وأستكين لتلك العواطف الدّافقة.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (21)

سنة النّشر 1987

بلغنا ونحن نخطو في طريقنا مكاناً قريباً من حيّ المزرعة، فالتفتت إليّ وهي تشير إلى مشارف بيتها التي لاحت من بعيد، فأيقنت بأنّه قد آن للحظات الوداع أن تزيد تأجّج عواطفي المحتدمة، فأخذ فيض الخواطر ينثال على فكري، وهي تتدافع في مسارب الرّجاء والأمل، ولم يكن في وسع كياني الإحاطة بتلك الرّغائب، التي واكبت الأفكار التي لاحت في بالي، وتأتي هذه اللّحظات سريعة الأحداث مقتضبة الوقائع، فلا أذكر كيف حصل افتراقنا، ولا أدري بأيّة لهجة تعاهدنا على اللّقاء بعد غد أمام حديقة المزرعة، وعمدت جاهداً إلى أن أستحضر في ذهني ألفاظنا، وأستذكر كلماتنا التي تفوّهنا بها في لحظة الوداع، من دون أن أتمكّن من أجمع تلك العبارات التي نطقنا بها، فكأنّي كنت أخوض في مسلك شائك. وعدت إلى منزلي وقد تردّدت أصداء الفرح والمسرّة في نفسي. فما أشدّ تقتيرك أيّتها السّعادة السّمحة وأنت تجزلين عطاءك بهذا السّخاء.

تهالكت على فراشي مرتهك المفاصل، موهون الأوصال، وقد وددت أن أتوسّد الأماني العذبة والأحلام الهنيئة، إلّا أنّي ما برحت أتململ متقلّباً فلا أنام أو أغفو، فأظلّ يقظان وأنا أتفكّر في هذا الشّعور الذي طرأ عليّ بغتة في مساء هذا اليوم، وقد ارتعج سنا ضيائه في نفسي، فأثار في كياني الاضطراب، وبعث في جسدي الارتعاش، وقد كان تيّار الحياة في إبّان سنوات شبابي في الزّمن الغابر، يدفع في جريانه ثوران المشاعر، حينما يعتريني، ويبدّد الانفعال الذي كان يشتدّ في نفسي، فكنت أساير بيسر وسهولة لواعج الشّعور التي تتغلغل في كياني، وأدركت أسحار اللّيل متنبّهاً صاحياً، لا تنعم عيناي بغمض، ولا يخمد في ذهني ومض.

رنوت إلى رقيع السّماء الأدجن الذي تناثرت فيه قزع الغمائم، بيد أنّ ما لبثت الرّيح أن هبّت زاجرة تلك السّحائب المبعثرة، وأخذت أغصان الأشجار تنوع في مهبّ تلك الرّيح العاصفة، وانهمرت أضراب المطر متساقطة.