مقتطفات من رواية أناشيد الألم (20)

سنة النّشر 1987

يطبق الضّلال على ذلك الإنسان الذي يرمق وجه تلك الفتاة، فيحسب أنّ ظلال الشّقاء التي تخيّم على قسمات محيّاها، هي دلائل البهجة التي يتصوّرها في مخيّلته، ويظنّ أنّ معالم العذاب التي تجلّل ملامحها، هي مخايل المسرّة التي يتوهّمها في ذهنه، فيتخبّط ذلك الإنسان في الجهالة التي تتّضح جليّاً في أحكامه التي يطلقها عليها، إلّا أنّي لم أغفل عن سيماء ذلك العذاب والشّقاء اللذين يغشيان سحنتها، فباتت تأصرني على نادية تلك الأشجان التي تسري في نفسها، كما تفتن آيات الجمال ودلائل البهاء في معالم الطّبيعة ألباب القوم، وتستهويهم مناظرها الخلّابة.

وجدتها منشرحة النّفس منطلقة الوجه، كأنّ لم يكن قد ألمّ بها الهمّ أو طرأ عليها القلق، فبتّ أتنهّد بأنّة الشّكوى عوضاً عنها، وأصدر زفرة الحسرة بدلاً منها، وألجّ في تأثّري وانفعالي إلى أقصى مدى، وأنا أحسب أنّني كلّما ماجت في نفسي المشاعر، وهاجت في بالي الخواطر، أبدّد آنئذ كربها، وأفرّج عنها غمّها، فأثارت في نفسي بواعث القلق، وشرع يتهلّل وجهها فرحاً وسروراً.

والتفتت إليّ قائلة:

كبّدتك عناء المساهمة في الحديث الدّائر بيننا، وأصبحت مرتهنة بذلك المعروف الكريم، والخير العميم، اللذين بذلتهما لي في إصغائك وتأثّرك الجليّين، ولم أكن لأصادف في إنسان آخر سواك، مثيلاً لهذا الشّعور الذي أبديته لي.

ألقت إليّ بعباراتها، وقد رأت على وجهي دلائل الانفعال الذي أثار مشاعري، فقلت لها:

جهدت في أن أواري ذلك الإحساس الصّادق الذي انتابني، وتلك العاطفة الصّريحة التي اعترتني، لتغدو فعالي في الأيّام القادمة، الشّواهد على هذا الشّعور الذي أمحضك إيّاه.

مضينا في مسيرنا وقد أصبحنا متآلفين برابطة وثيقة بعدما تجاذبنا أطراف الحديث، وكأنّه قد تمّت لنا أسباب التّعارف فيما بيننا منذ زمن بعيد، ولا عجب في ذلك الأمر، فكان كلّ منّا، يرى خيال الآخر في طيف أحلامه، فيما انصرم من الأيّام، من دون أن يراه عياناً ويشاهد ملامحه، في زمن اليقظة، حتّى جرى لقاؤنا الآن، في هذا الوقت الحاليّ الذي نظر فيه كلّ منّا إلى سيماء الآخر، وأبصر هيئته، فلم يشعر أحد منّا بأسباب الوحشة، أو يحسّ بدواعي التّناكر تجاه من يداوله الكلام في هذه اللّحظة.



تنوّعت أشكال النّشاط البدنيّ الذي يبذل فيه الإنسان مقداراً محدّداً من الجهد في أثناء تنفيذه الحركات الجسميّة، التي تميّز ذلك النّشاط البدنيّ، و"تؤدّي العضلات الهيكليّة ذلك النّشاط الحركيّ"، حيث يتطلّب تحقيق ذلك النّمط من النّشاط "إنفاق كمّيّة من الطّاقة تتجاوز ما يصرف من الطّاقة في أثناء الرّاحة"، ويندرج في عداد أنواع ذلك النّشاط البدنيّ "أشكال الرّياضة والتّمارين الرّياضيّة وأنشطة أخرى تنطوي على حركات بدنيّة، والتي تتمّ في إطار اللّعب والمشي"، ويتبيّن في هذا التّعريف الذي أوردته آنفاً، أهمّيّة اللّعب الذي عرّف بأنّه نشاط عفويّ حرّ لا ينضبط بقواعد تنظّمه، وإذا نظّم ذلك النّشاط الحرّ وفق أسس محدّدة وأدرجت فيه أيضاً خصائص معيّنة، نبلغ حينئذ نشاط الألعابGames، التي اعتبرت "أحد أشكال الظّاهرة الحركيّة أو النّشاط البدنيّ"، وتلك القواعد التي تنظّم أنشطة الألعاب، هيّأت ذلك الشّكل من النّشاط الحركيّ ليصبح "أكثر تنظيماً من اللّعب"، فيتعيّن طابع تلك الألعاب، بصيغة متطوّرة عن التّعريف الذي يحدّد فيه نشاط اللّعب "لأنّه عندما يتّصف اللّعب ببعض الخصائص والسّمات يصبح ألعاباً"، ويعتبر وجود تلك الخصائص التي تتميّز بها الألعاب، شرطاً أساسيّاً في تحديد صفتها، وقد كان أبرز تلك الخصائص، هو قابليّة تلك الألعاب "للتّكرار حيث يمكن إعادة نفس النّشاط غير مرّة"، فالألعابهي نمط من الأنشطة التي تجري في نطاق محدّد، ومحكم الضّبط بالقوانين التي تنظّم نشاط تلك الألعاب، التي يقتضي تحقّقها أن يشارك فيها لاعبان اثنان في أقلّ تحديد، ويفضي مجرى تلك الألعاب إلى نتيجة محدّدة تكون خاتمة لهذا النّشاط، وهي تعيّن باحتمالات الفوز والخسارة أو التّعادل.

عنت الدّراسات التي تناول فيها الباحثون نشاط الألعاب، بإظهار الخصائص التي تتميّز بها تلك الألعاب، وكان عالم الاجتماع والأنثروبولوجيّ والنّاقد الأدبيّ كايوا، ذهب إلى أنيحدّد أهمّ خصائص الألعاب الأساسيّة في "السّلوك الوصفيّ، وهذا يعني إمكان وصفها لمن لا يعرفها، حتّى يمكن أن تكرّر إلى عدد من المرّات ويتضمّن الوصف قواعدها بالطّبع"، وقد عرّفت أيضاً الألعاب بأنّها "اشتراك عدد من الأفراد في نشاط اجتماعيّ منظّم بهدف اللّعب"، فنشاط الألعاب حدّد باللّعب الذي "يجري في خلال إطار اجتماعيّ، أي يجب أن يتمّ مع فرد آخر على الأقلّ، على عكس اللّعب الذي يمكن للطّفل أن يمارسه مع نفسه أو مع دميته أو كرته"، فنشاط الألعاب يجري وفق قواعد وأسس معيّنة سلفاً، حيث تنصّ تلك القواعد على تحقيق المكسب والخسارة في تأدية تلك الألعاب، وقد اعتبر ثبات القواعد والأسس والأنظمة التي تحدّد مجرى وقائع اللعبة، شرطاً ضروريّاً لتحقيق طبيعة هذه اللّعبة التي تجري في نطاق منضبط في تحديده، ولو لم تكن تتّصف تلك القواعد بالثّبات، لانتفت حينئذ خاصيّة الشّكل الذي تتميّز به كلّ لعبة عن سائر الألعاب، وفكرة ذلك الثّبات، تأكّدت في المبدأ المتداول بكثرة عند النّاس، وهو ينصّ على عدم استطاعة اللّاعبين تغيير قواعد اللّعبة، في أثناء ممارسة نشاط تلك اللّعبة، إذ كان أيّ تغيير يطرأ على تلك القواعد، يتسبّب بتبديل خصائص الشّكل، التي تتميّز بها تلك اللّعبة.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (19)

سنة النّشر 1987

وقع كلامها في نفسي وأثّر فيها أشدّ التّأثير، ولشدّ ما تألّمت وأنا أنصت لها، وكثيراً ما سمعت خلال السّنوات الماضية من عمري، أمثال تلك الأحاديث التي تنطق بها النّفوس الشّجيّة، فتخلّف في حسّي من أشكال التّأثّر والانفعال، أكثر ممّا تطبعه في ذهني من دلائل الحكمة والعظة، فيعمدني ألمها ويشقيني ضناها، لما أجده في نفسي من الأشجان المشابهة لتلك الأحزان، التي تصوّرها لي في تلك الأحاديث التي استمعت إليها، فأصغيت إلى العبارات التي تفوّهت بها نادية، وأنا أتدلّه لخطبها العظيم ومصابها الأليم، ولا أعزو شدّة تأثّري إلى شناعة تلك الأحداث وفظاعة تلك الوقائع التي جرت لها، وإنّما بعث انفعالي مقدار ما خلّفته هذه الأحداث في نفسها من الأثر، وما تصبّه في كيانها من دفقات الشّقاء، وما أظهرته في محيّاها من مخايل الألم والحزن، وكانت تتحدّث بلهجة رقيقة النّبرة بيّنة الحسرة، من دون أن تخالطها شائبة من معايب النّفس اليائسة ونقائصها المستهجنة، فلم ترتهن بمذلّة الشّكوى والتّذمّر، فتجلّدت وتصبّرت على تلك الرّزايا التي منيت بها، وطفق يبشّ وجهها متهلّلاً بابتسامة حالمة، تضيء فيها معالم المسارّ والبهجة، فتزيح أنوارها أدواء النّفس اليائسة وتزيل علل الحياة البائسة، وأتأمّل حيران هذه المفارقة العجيبة، وأكاد أسخر من تناقض فحاويها واختلاط معانيها، عندما تغدو ترنيمة الفرح، رجع الهمهمة الخافتة التي تنطلق من أعماق النّفس، وحينما تصبح أغرودة السّعادة صدى النّجوى الشّجيّة، التي ينطوي عليها الصّدر.

تدلّه: ذهب قلبه من همّ ونحوه.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (18)

سنة النّشر 1987

شحذت ذهني وأرهفت سمعي إلى ألفاظها الرّقيقة، وائتلفت حواسي كلّها محتشدة لتلقّي تلك العبارات والإيماءات التي تفصح عنها، وقد كانت تثير في مشاعري من قبل الاضطراب، بينما أسدلت الآن عليها ظلال السّكينة والهدوء، وهي تتهيّأ للحديث، وحمدت تمهّلها في انطلاقتها في الكلام، حتّى أصبح على أتمّ عدّة، وأكمل تأهّب للإصغاء إلى تلك الهمسات التي تنسكب من ثغرها، وقالت لي:

نشأت في حجر عائلتي، التي اكتنفتني ظلال رعايتها الوارفة أنا وإخوة ثلاثة، وكانت والدتي على الرّغم من تقدّمها في السّنّ، تحتفظ موهة وجهها بأثارة من ملاحة قسمات محيّاها، وأمارة من رواء ملامحها في إبّان فترة شبابها، فتدلّ بها على تلك الجهارة التي اتّسمت بها في عنفوان شبابها، فلم تعبث بتلك الأسارير يد الزّمن، وأنت في غنى عن أن تعوّل على حدّة البصيرة، وشدّة الانتباه كي تتخيّل هيئة ذلك الوجه، وما كان عليه من البهار في سالف الأيّام، وكنت أزهو مفتخرة حينما كان بعض الأقرباء يفاضل بين قسامة ملامحي وصباحة وجهها في إبّان فترة شبابها، فلا آبه للقرار القاطع الذي يستخلصونه من هذه المناقشة الدّائرة بينهم، وإنّما أفخر بمضمون ذلك الحوار الجاري في هذا النّقاش، ولا غرو من مسارعتها إلى أن تنفرد بإعطائي ذاك الاسم الذي أودعته في صفحة حياتي الأولى فأسمتني نادية، وكان والدي يكدّ في عمله على الرّغم ممّا لازمه من العلل والأسقام، وإن أغلقت دونه في كثير من الأحيان مسالك الفرجة، من غير أن يستطيع أن ينتهجها، إلّا أنّه لم ينغمس في ترداد كلمات التذمّر والشّكوى من ألم البلوى، وأتممت دراستي في المرحلة الثّانويّة، ورغبت في المثابرة على متابعة دراستي الجامعيّة.

تهدّج صوتها في ارتعاش بيّن، عندما بلغت هذا الحدّ من الحديث، وحفزني ذلك التّأثّر الذي طغى في نبرات كلماتها، على الإصغاء لها بانتباه، ثمّ ما لبثت أن تابعت حديثها قائلة:

لا أجزم بوجود رابطة تجمع بين فحوى الكلام الذي سأفضي به إليك، ومضمون الحديث الذي ذكرته آنفاً، ولن تثبت عندي حقائق تلك الأحداث التي مررت بها، قبل أن تمضي الأيّام وتنقضي الأعوام، على تلك الوقائع، وكانت نشأت في نفسي، عندما كنت في عنفوان الشّباب، بواعث العاطفة، بعد أن آنست في نفسي الميل نحو شابّ، خيّل إليّ أنّي ألقى عنده صدى عواطفي المشبوبة، وأصبحت أنشغل بمشاعري المتّقدة، من دون أن يبادر بتصرّف، أو ينطق بكلمة، يؤجّج بهما أحاسيسي ويلهب حماسي، حتّى تبيّنت في وقت لاحق، أنّهقد نشأت بيننا أسباب ذلك التّعارف، الذي لم يبلغ مرتبة التّآلف، فعمدت إلى أن أواري مشاعري، وأكتم عواطفي، من دون أن يجهر سرّها، ويتّضح أمرها، ثمّتقدّم إليّ في هذه الفترة من سنوات شبابي، أحد الأشخاص وفاتح أهلي برغبته في أن أشاركه تليَّة رحلته في هذه الحياة، فلم يجدا لي سبباً إلى رفض طلبه، فتباحثا معه في شأن الخطبة، بيد أنّني آثرت التّمنّع عن الموافقة وسلكت نحوهم سبيل المماحكة، وما فتئت تدور فيما بيننا المداولات، والمجادلات المتعدّدة، حتّى أذعنت لمشيئة والديّ، وقد كنت نشأت على إبداء البرّ والطّاعة لهما.

توقّفت عن الكلام، قاصدة أن تحدّج ببصرها في أفق ذلك الماضي الذي تستحضر منه تلك الأحداث التي تتذكّرها، ورأيتها تهمّ بمواصلة كلامها، بعد أن تهيّأت لتلقّي تلك الذّكريات التي تنثال على ذهنها، وأخذت في استئناف كلامها فقالت:

وانسقت مع مسار تلك الوقائع المستجدّة في حياتي، بعدما أطاحت آراء والديّ الحصيفة بالحجج الواهية التي أدليت بها، ولم أكن أدّخر في جعبتي لذلك النّقاش العسير الذي خضت غماره معهما، إلّا ضآلة المعرفة، وقلّة الحيلة، اللتان كانتا حصيلة خبرتي اليسيرة بالأحداث التي تظهر في مجرى الحياة، فلم يعتدّا بتلك الآراء التي أبديتها لهما، وطالت فترة الخطوبة، وقد قرّرت في أثنائها أن أنقطع عن متابعة تحصيلي الدّراسيّ، نزولاً عند رغبة ذاك الرّجل، الذي كنت أتهيّأ لأن أصبح في جناح رعايته وأغدو ثويّته، وقد كان ألحّ عليّ بأن أتوقّف عن مواصلة الدّراسة، وعزمت على أن أتجرّع غصص الكدر والغمّ، وخالطني الأمل في أن يسيغها ذاك الصّبر الذي لذت به، وما لبثت أن انبعثت في نفسي دواعي الرّيب في دخلة ذلك الرّجل، الذي سبرت نواياه في غضون مرحلة الخطوبة، وقد بدأ يتحرّر من إسر ملاحة وجهي الزّاهي، التي كانت تستميله إليّ، وتخلّص من قيد رشاقة قدّي، التي كانت تجذبه نحوي، من دون أن ينفكّ من الوثاق الذي يقيّده بمطامع الأهواء الجشعة، فبات يرى في ضنك معيشتنا معابة تنتقص من وجاهته، وتبدّت خبايا طويّته باتّضاح نوايا نفسه، فانتفل من وعوده، وتنصّل من عهوده، التي اغتررت بها، ثمّ انفصمت عرى علاقتنا، فأصبحت نفساً مسلوبة الرّجاء، منهوبة الأمل، ومثلما تطغّى الرّيح السّفواء التي تذعذع التّراب، وتذروه في أعاصيرها العاتية، بدّدت تلك الصّلة المنصرمة، أمانيّ في مهبّ تلك الغموم التي خيّمت على نفسي، وكما تمحق الأحلام تباشير اليقظة، ألفيت كلّ شيء غدا خراباً وأصبح يباباً، وعلى الرّغم من مرور سنتين على تلك الوقائع التي سردتها، إلّا أنّي لم أجد في غضون ذلك الزّمن الماضي، ظرفاً مناسباً لإكمال تحصيلي الدّراسيّ فيه، فالتزمت بالعمل في إحدى الدّوائر العامّة الحكوميّة، وأصبحت لا أملك بغية في حاضري، ولا أطمح إلى بلوغ رجيّة في غدي.

الموهة من الوجه: رونقه وحسنه.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (17)

سنة النّشر 1987

وما لبثت أن مدّت بصرها إلى ناحية بعيدة ورنت إلى أديم السّماء، وأبصرت في عينيها وميضاً برّاقاً، فبانت تلك العينان كلؤلؤتين درّيّتين تلمعان في دجنة حالكة، وتوارد إلى ذهنها خاطر عاقها عن الكلام وصرفها عن الحديث حينما همّت بمخاطبتي، فتروّت متمهّلة، إلاّ أنّه لم يغب عنّي ذلك الأمر الذي خالج فكرها وخامر ذهنها، فاتّضحت مخايله في نظراتها، وأفصحت عنه نأمة زفراتها، وجهرت بحقيقته تلك الإيماءة التي جلّلت ملامح وجهها، فدلّت بأتمّ وصف، على ذلك الخاطر الذي لاح في بالها. وقلّما يعنى النّاس بأن يحيطوا بهذا الحديث المسترسل، الذي تنطق به قسمات الوجه ونظرات الأعين، فيسهون عن فرائده، ويلقون سمعهم إلى لهجة الكلام المخادعة، فيحسبون أنّهم يتلقّفون الحقيقة الصّرفة من لسان صادق، بينما يكون يلهج بأضاليل الكلمات وحيل التّعابير، ثمّ شرعت تخاطبني بلهجة صافية النّبرة:

أخشى أن تضلّ في تقديرك جليّة أمري، فتلقي عليّ الظّنون التي لا تتيح لك أن تدرك حقيقة حالي، ويستلزم تبديد ذلك التّخوّف الذي يساورني، أن أبوح إليك بحقيقة نفسي وأجاهر بصريح شأني، إلاّ أنّني سأوجز في مقالي، فلن يخالط نفسك الضّجر حينما تصغي إلى حديثي.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (16)

سنة النّشر 1987

أصغت إلى حديثي بأذن واعية، وذهن متوقّد، فدفعتني إلى البوح بالكلام من دون أن يرتج مقالي أو يعقد لساني، وأنا كنت بطبعي أعجز عن أن أسرد تلك الخواطر التي كاشفتها بها الآن، فغدا نفوذ تأثيرها في نفسي يمتدّ إلى ذهني، وكنت فيما مضى من الزّمن، عندما أذكر الأفكار التي تلوح في بالي، تحلّ خواطري بعبارات مشوّشة الكلمات، ومضطربة الألفاظ، ثمّ تابعت حديثي قائلاً:

حسبك من هذه الخواطر ما أفضت به إليك، فإن كنت لا أقدر على كتمانها، فإنّي لا أجد في نفسي ميلاً إلى سردها، فأمسك عن البوح بها، وأرتدّ إلى الصّمت.

ولم أكد أنهي حديثي حتّى أخذت تخاطبني بلهجة رصينة، فقالت:

رأيت في كلامك، صورة نفسك، التي تبيّنتُ معالمها، ووقفت على خلجاتها، فأحاط بها فكري، واستقرّت بذهني أفكارك النّيّرة التي أفصحتَ عنها، فأشرقت في ضيائها أنوار بصيرتي، ووسّعت آفاق تفكيري، فكانت جليلة النّفع عظيمة الوقع في نفسي.

ثارت في نفسي نشوة الزّهو والعجب بعد إطرائها حديثي، وسوّغت لي دواعي الخيلاء الظّنّ أنّ لأحداث حياتي مغزى كنت أجهل قدره، وتشتمل على حكمة نفيسة لم أدرك شأنها الجليل فيما مضى من الأيّام، ثمّ استأنفت حديثها، فخاطبتني قائلة:

تشعّب حديثنا حتّى غاب عن خاطر كلّ منّا، أن يعرّف الشّخص الآخر باسمه.

وسرعان ما أجبت طلبها متبّعاً نهج الدّعابة في حديثي، فقلت لها:

إن رغبت في أن تطبعي أحرف اسمي على جرس صوتك، فعليك بأن تدعيني بباسم.

تلقّت حديثي، وهي تصغي بانتباه إلى كلماتي، ثم أخذت تكلّمني قائلة:

أخال أنّك في غنى عن معرفة حقيقة أحوالي، لتغدو بمنجاة من أن تغشى نفسك غمامة الملل وسحابة السّأم، ولن تهبك تلك المعرفة نفعاً ولن تمنحك فائدة.



رسخ في أذهان العديد من النّاس، الاعتقاد بأنّ الأعمال التي أوكلت على النّساء مهمّة تنفيذها، تنحصر في نطاق المنزل، الذي كثيراً ما كان يوصف بأنّه مملكة المرأة، وقد شاعت في مجتمعات كثيرة، تلك الفكرة التي استند إليها هذا التّشبيه، الذي جرت فيه عمليّة المماثلة بين بنيان المملكة، والمثوى الذي تقيم به المرأة، التي اعتبرت ملكة متوّجة على عرشها في منزلها، حتّى بات غالباً ما يفرض على تلك المرأة البقاء ضمن ذلك المنزل الذي تؤوي إليه، بيد أنّ النّساء عزمن على تخطّي ذلك النّطاق الضّيّق الذي لزمنه منذ أمد طويل، فقرّرن أن ينطلقن إلى الخوض في ميدان العمل خارج إطار المنزل، ليزاولن مهناً متنوّعة، بعد أن كانت في أزمنة مضت، تقصر أغلبيّة النّساء على الاكتفاء بممارسة الأعمال المنزليّة، من دون أن يتاح لهنّ المجال، لمزاولة المهن خارج المثوى الذي يحللن به، فرغبت النّساء في أن يفكّكن القيود، التي كانت تضيّق عليهنّ مجال العمل، فأكدن عزائمهنّ على مساهمتهنّ في القيام بأود عوائلهنّ، ونبذن عمليّة تقسيم العمل، الذي بني على أساس اختلاف الجنس، حيث حصر نطاق عملهنّ في المنزل، ورفضن الإقرار بالمآل الذي كان انتهى إليه فرز الأعمال التي يزاولها النّاس، إذ كانت تنصّ تلك النّتيجة، على إلزام النّساء بتأدية أعمال محدّدة، من دون أن يتاح لهنّ أن يستبدلن بها مهناً أخرى، قد يرغبن في أن يزاولنها.

اعترضت مصاعب متعدّدة سبيل المرأة إلى مزاولتها العمل خارج المنزل، حيث جابهتها مشاقّ كثيرة، طالما نوقشت في أبحاث عديدة، وإذا تجاوزنا الحديث عن المتاعب التي تعانيها المرأة، في أثناء أداء مهامّها في ميدان العمل الذي انطلقت إليه، فإنّه برزت مشاكل أخرى استهدفت تلك المرأة، إذ لم تقتصر المصاعب التي تجشّمتها النّساء، على تلك المشاكل التي نتجت عن ميدان الأعمال التي زاولتها خارج المنزل، فكانت تلك المتاعب المستجدّة والمصاعب المستحدثة، نجمت عن إلزام المرأة بالنّهوض بعبء طارئ، ألحق إلى مجموعة أثقال تلك المصاعب التي كانت تقاسيها في ميدان العمل، وذلك العبء الجديد هو الفرض الذي أجبرت فيه على تأدية مهامّ منزليّة، بالإضافة إلى تحقيق شروط مزاولتها عملها خارج المنزل، ففرض على المرأة أن تحقّق التّوازن بين هاتين المهمّتين اللّتين تصدّت لأن تنجزهما، إذ أوجب عليها أن توازن بين تنفيذ أعمالها المنزليّة، وتحقيق متطلّبات عملها الذي تزاوله خارج إطار مأواها.

عمد أفراد كثيرون إلى أن يثيروا مسألة تحقيق ذلك التّوازن، الذي تحدّثت عنه آنفاً، وكانت آراء النّاس الذين تطرّقوا إلى مناقشة تلك المسألة، قد توزّعت في مذاهب شتّى، وقد قصدت مجموعة من الأشخاص، إلى أن توقع في وهم المرأة، فكرة عجزها عن تحقيق ذلك التّوازن، واشتطّ هؤلاء النّاس في ادّعائهم بقلّة حيلة المرأة، في تحقيق مهامّها المتعدّدة التي توزّعت في موقعين مختلفين، وقد كان أحدهما هو المنزل، بينما كان يمتدّ الموقع الآخر، خارج حدود المأوى الذي تحلّ به تلك المرأة، فاعتقد أولئك الأشخاص أنّ المرأة ليس في وسعها أن تحقّق التّكافؤ بين كلتا المهمّتين، وأنّها لا تستطيع أن توازن بين أعباء العمل الذي تزاوله خارج المنزل، وأثقال المهامّ المنزليّة التي كانت تؤدّيها، وإذا بحثنا في تلك الآراء التي أفصح عنها هؤلاء الأفراد، الذين اتّخذوا تلك الوجهة من النّظر في مناقشة تلك المصاعب، التي تواجه المرأة في ميدان العمل الذي تزاوله، فإنّنا نتبيّن أنّهم ألقوا تبعات انطلاق المرأة إلى مزاولة العمل خارج المنزل، على المرأة نفسها، وعمدوا إلى أن يعظّموا مسؤوليّة المرأة عن نشوء تلك المصاعب، التي تتعرّض لها، بينما يتّضح لمن يتروّى في مسألة تلك المصاعب المستحدثة، أنّ عائلة تلك المرأة، تتحمّل قدراً معيّناً من المسؤوليّة عن بروز تلك المصاعب الطّارئة، التي تتعرّض لها المرأة، في أثناء مزاولتها عملها خارج المنزل.

لم تكن تغيب عن أذهان النّساء اللواتي خضن في ميدان العمل، فكرة تحقيق التّوازن بين المهامّ المتنوّعة التي كنّ يؤدَينها، وقد عانى عدد من أولئك النّساء مشاقّ محاولتهنّ تحقيق ذلك التّوازن بين أعمالهنّ المتنوّعة التي يزاولنها، وفكرة ذلك التّوازن في ذاتها، تظهر في حياة كلّ النّاس الذين تتعدّد عندهم المهامّ والأنشطة التي يمارسونها، والنّساء والرّجال، جميعهم سواء في سعيهم إلى تحقيق ذلك التّوازن، حينما تتعدّد تلك الأنشطة المتنوّعة التي يدأبون في أن يزاولوها، فلا غرابة في أن تهتمّ النّساء، بمعالجة ذلك التّوازن بين المهامّ التي تصدّت لأن تنجزها، إلّا أنّ الأمر الذي يستلفت النّظر، ويحيّر الفكر، هو اتّخاذ فكرة ذلك التّوازن طابع المشكلة التي تؤرّق النّساء وتنغّص عليهنّ صفو العيش، فمهمّة تحقيق التّوازن بين العمل خارج المنزل، والأعمال المنزليّة، لا تنفرد المرأة بتحقيقها، دون الرّجل، الذي يجب أيضاً أن يحقّق ذلك التّوازن، ولا يفترض أن يتنصّل سائر أفراد الأسرة من أداء المهامّ المنزليّة، التي يجب أن يساهموا جميعهم في النّهوض بها، وقد اتضّحت في سيرة العديد من النّساء اللواتي زاولن أعمالاً مهنيّة مختلفة خارج منازلهنّ، أنّهنّ خضن ميدان العمل، باذلات جهدهنّ في أن يفين بتحقيق شروط النّجاح في مزاولة أعمالهنّ المهنيّة، وقد رغبن في أن يسهمن في تلبية حوائج عوائلهنّ، وهنّ أحسسن بوطأة أعباء تحقيق عمليّة التّوازن بين الأعمال المتعدّدة التي ما برحن يزاولنها.

توزّعت الأعمال التي أدّتها النّساء، في أنماط شتّى من الأنشطة المهنيّة، إلّا أنّه على الرّغم من تنوّع تلك المهن التي اضطّلعت النّساء بأن تزاولها، فقد تشابهت وتطابقت تلك المصاعب التي كنّ يتعرضن لها، وكان أبرز الأسباب التي هيّأت لبعض النّساء الانطلاق بيسر إلى ميدان العمل، هو الوسط العائليّ الذي توفّر فيه وسائل الدّعم الذي استندت إليه تلك النّساء، حيث كان أفراد أسرهنّ يهيّؤون لهنّ المجال الملائم الذي تخمد فيه حدّة تلك المصاعب، التي كانت تعترض سبيل المرأة إلى تحقيق ذلك التّوازن بين المهامّ التي تنفّذها، وقد تعدّدت معالم تلك المساندة التي نالتها النّساء من أفراد أسرهنّ، وكان في عداد وسائل الدّعم الذي أمدّت العائلات به النّساء اللواتي ينضوين إليها، تمهيد الأهل لفتياتهنّ سبل تحصيل المؤهّلات والاستعدادات، التي تكون ذخراً لهنّ حينما يكبرن، وينطلقن إلى ميدان العمل خارج المنزل، فكان أهاليهنّ يدركن أهمّيّة عامل تلك الاستعدادات، التي يجب أن تتوفّر لفتياتهنّ، حتّى عندما يكنّ في مقتبل العمر، ويعشن في كنف أهاليهنّ، وتتعدّد أشكال تلك الاستعدادات، التي يجب أن تتوفّر عند تلك الفتيات، وعلى سبيل المثال يندرج في عداد تلك الاستعدادات، مسألة التّحصيل الدّراسيّ، بالإضافة إلى تنمية مهاراتهنّ الشّخصيّة المتنوّعة، التي تمتلكها تلك الفتيات، فعند تلك المرحلة من سنوات العمر الباكر، تبرز أهمّيّة وعي الأسرة، في إدراك مسؤوليّات العمل التي ستلقى على عاتق بناتهنّ، عندما يزاولن مهناً خارج المنزل، ويبرز نمط آخر من معالم ذلك العون الذي تتلقّاه من أفراد الأسرة، أولئك النّساء اللواتي ينطلقن إلى ميدان العمل، حيث يجب أن يتضافر أفراد الأسرة، على تنفيذ المهامّ، التي يتيسّر لكلّ منهم أن ينفّذها، فيسهمون جميعهم في تأدية تلك الأعمال المنزليّة.

لم تكن النّساء يتوانين في أن يبذلن جهودهنّ في تنفيذ الأعمال المنزليّة، التي كانت تبلغ قدراً كبيراً من التنوّع والكثرة، حيث كانت ذكرت دراسة أجراها أحد مراكز الأبحاث في إحدى الدّول الأجنبيّة، أنّ المرأة في المنزل تزاول حوالي "37" سبعاً وثلاثين مهنة، فربّة المنزل تؤدّي عدداً كبيراً من الأعمال في منزلها، وإن عمدت النّساء إلى أن يفصحن عن مكابدتهنّ المشاقّ، في تأدية أعمالهم المنزليّة في بعض الأحيان، إلّا أنهنّ لم يكنّ ينوين أن يمهّد لهنّ السّبيل إلى النّكوص عن مزاولة النّشاط المهنيّ خارج المنزل، بل إنّهن كنّ يوضّحن تلك المعاناة التي يكابدنها، حتّى يندفع سائر أعضاء الأسرة، إلى أن يساهم في الأعمال المنزليّة، وما برحت النّساء تؤكّد عزائمهن على مجابهة تلك الصّعاب التي يتعرّضن لها، غير آبهات بشدّتها الكبيرة، وغير مكترثات لوطأتها الثّقيلة عليهنّ، وقد استطاع بعض النّساء أن يحقّق ذلك التّوازن بين تأدية المهامّ المنزليّة ومزاولة الأعمال المهنيّة، إلّا أنّ لا يتيسّر أن يقاس أحوال سائر النّساء، على حالة النّجاح الذي أدركنه أولئك النّساء في تحقيقهنّ ذلك التّوازن، لأنّ نساء عديدات، لم يكنّ يحصلن على وسائل المساندة التي تهيّئ لهنّ أن يتخطّين تلك العوائق، التي اعترضت مجرى الأعمال التي يزاولنها، وإن كان يتاح أن تستخلص العبر والخبرات، من حياة أولئك النّسوة اللواتي حقّقن ذلك التّوزان.

تعدّدت تلك المشاكل التي تتسبّب بإحباط عمليّة التّوازن، التي دأبت المرأة فيأن تحقّقها في توزيع جهودها، على هاتين الوجهتين من ميادين تلك الأنشطة التي تزاولها، وإن كان يجب ألّا تتعرّض النّساء أساساً لأعباء عمليّة تحقيق ذلك التّوازن، لأنّه يكاد أن يكون بعض تلك الأثقال، قد افتعل حدوثه، كي يتسبّب بتضييق نطاق الأعمال التي ترغب النّساء في أن يزاولنها، وقد كنّ دائماً يرغبن في تأكيد رغائبهنّ في أن يخضن ميدان العمل، من دون أن تنحصر مهامّهنّ التي يؤدّينها في نطاق الأعمال المنزليّة، وإذا كانت الأسباب التي تؤدّي إلى الإخلال بتحقّق عمليّة التّوازن بين نشاط المرأة المهنيّ، وحياتها الأسريّة، هي عديدة، فإنّ المرأة إذا لم تحصل على وسائل المساعدة من أفراد عائلتها، فإنّ الأعباء ستزداد وطأتها عليها في محاولتها تحقيق ذلك التّوازن، وستتفاقم آنئذ حدّة المشاقّ التي تقاسيها المرأة، وستواجه بمفردها تلك الصّعاب، التي لن يتأتّى لها أن توهن عزائم النّساء على تخطّي كلّ المشاكل، التي تعترض سبيلهنّ إلى مزاولة الأعمال المتنوّعة.