مقتطفات من رواية أناشيد الألم (15)

سنة النّشر 1987

قطعنا في مسيرنا مسافة طويلة، فلم أتنبّه لمضيّنا في هذا المشي على الأقدام فوق الأرصفة الممتدّة، إلاّ بعد حين من الوقت، فبدأت أعتذر عن مسايرتي لها، فتفوّهت بكلمات تزاحمت على أسلة لساني متدافعة، كأنّها تنبئ بحالة مشاعري المتناقضة، وخواطري المتعارضة، بعد أن أمسيت حائراً بين رجيتي أن أواصل المسير معها، وخشيتي من أن أثير سأمها وضجرها، فقاطعت كلامي قائلة:

هوّن عليك، وخفّف عنك وطأة التماس العفو عن محادثتك معي، فقد رفهّت عنّي في مجاراتك لي، وبدّدت بكلامك كربة وحشتي.

وبدأت أفضي إليها بجليّة شؤوني، ممّا تتطلّب دواعي التّعارف الإفصاح عنه، فلا أربع عن السّرد، وأسترسل في الحديث عن أحوال نفسي، فألمح في محاسن وجهها ما تخلّفه كلماتي في نفسها من الأثر، فكان يرتدّ صداها ويظهر تأثيرها، بضحة وجلاء في أساريرها، بعدما تبلغ مداها في أعماق نفسها، فيدفعني إنصاتها لكلامي، إلى الاستمرار في الحديث، مثلما يحضّ نفوذ البلاغة الإنسان، على إظهار مكامن شعوره، بلا لبس أو إبهام في الكلام، فقلت لها:

أمضيت ثلاثة عقود من السّنوات التي جهدت خلالها، في أن أواظب على أن أتمسّك بأهداب الخصال السّامية والشّمائل الرّفيعة، التي تخلّقت بها في حداثة سنّي، وأصبحت في هذا الأوان الحاليّ، أتهيّأ لأن أخوض في مستهل العقد الرّابع من سنين العمر، وأنا أستحضر تلك الآمال التي ملأت خيالي، فكانت طوال تلك السّنوات الغابرة، ترفع نظري مطامحُ نفسي إلى مراتب المجد والسّؤدد،حتّى خلت أنّني أصبحت خطير الشّأن ورفيع المكانة، ووثّق في ذهني هذا الاعتقاد، توطّد مخايل آمالي في تلك الذّرى الشّاهقة ورسوخها فيها أمداً طويلاً، فتحرّرت من وثاق الرّتابة الذي كان يغلّ قدراتي في أيّام شبابي، وأعتقتني من ذلك القيد، أحلامي الجامحة المحلّقة في مخيّلتي، وأطلقتني من عقال السّآمة، نظراتي الطّامحةُ إلى تلك الرّغائب الرّفيعة، وسعيت في أن أهوء بنفسي إلى تلك المعالي، إلاّ أنّني لم ألبث أن أحطّ بدرجة وطيئة ومرتبة منخفضة، وتعاورتني أحداثُ الدّهر وغيرُه، حتّى خلت الأرض تميد بي، وتقسّمتني الهموم، وتصرّفت بي الأحوال، فنضوت عن كياني برد الهمّة، وخلعت على نفسي ثوب الخمول، واستبدلت تلك الاستكانة الدّائمة بتوقّد العزيمة وبمضاء الإرادة، وواظبت على أن أترفّع عن دنايا الأمور وسفاسف الأعمال، وأصبحت أزدري بعضاً من مطامحي، من دون أن يتسبّب تقصيري عن إدراكها بأن أسفّه شأنها وأستخفّ بأمرها، وإنّما لاختلاف ذلك المنظار الذي أرنو من خلاله إليها، فبتّ أنظر إليها بعين التّرويّ والتّدقيق وأقدّرها بمعيار النّضج والوقار، ولم يكن ينتابني القلق، أو تساورني الحيرة، في مضيّ على ذلك المسعى في أن أمحّص تلك الأماني التي كانت تنبعث في نفسي، وأتممت دراستي الجامعيّة وحصلت على إجازة في الهندسة المعماريّة، وولجت معترك الحياة، وخضت في تياراتها الهائجة وخضمها المائج، وانطلقت في مناكبها بنفس ملولة، وهمّة فاترة، فأخوض في غمار العمل من دون أن أظفر بمغنم، بيد أنّ ذلك الإخفاق في أن أبلغ مأربي، لم يفتّ في عضدي، فواصلت الدّأب في أن أؤدّي مهامّي في العمل، الذي أنهمكت فيه رضي النّفس دمث الطّباع.

غير الدّهر: أحواله وأحداثه المتغيّرة.

     تقسّمت الهموم فلاناً: وزّعت خواطره، وشتّتت خواطره.



تميّز المجتمع العربيّ منذ القدم بالعلاقات الاجتماعيّة الكثيرة التي كانت تفصح عن رفعة النّضوج الفكريّ والوعي الرّاسخين عند العرب منذ الزّمن القديم، وقد نشر تقويم (مفكّرة أو روزنامة) الهاشميّ في هذا اليوم الحاليّ خبراً ظهر فيه بعض من معالم الحياة الاجتماعيّة عند العرب في غابر الأيّام، حيث أورد ذلك التّقويم الهاشميّ ذلك الخبر في سنته الحاليّة وهي المائة في عمر هذا التّقويم، وفي هذا اليوم الأحد 19 جمادى الأولى 1439 هجريّ، الموافق ل4 شباط (فبراير) 2018 غربيّ، وكان عنوان ذلك الخبر هو شابّ خدّاع وأمّا نصّ الخبر فكان تضمّن الكلمات التّالية:

قال المغيرة بن شعبة:

ما خدعني أحد قط إلّا شابّ من بني الحارث فإنّي خطبت امرأة منهم، فقال: أيّها الأمير لا خير لك فيها، فإنّي رأيت رجلاً قد خلا بها يقبّلها، ثمّ بلغني أنّه تزوّجها.. فأرسلت إليه، فقلت له في ذلك. فقال: بلى، رأيت أباها يقبّلها.

(والمغيرة أحد دهاة العرب المعروفين).

 

إنّ هذا الخبر الذي أورده التّقويم الهاشميّ عن الحادثة التي رواها المغيرة بن شعبة، تضمّنت معاني عديدة، وإذا ذكرت صفة المغيرة بن شعبة بأنّه كان "أحد دهاة العرب المعروفين"، فإنّ تلك الحادثة التي رواها، تبيّن أنّ فوق كلّ داهية أدهى، وكان سياق الأحداث التي رويت في هذا الخبر، تطابق معنى المثل المعروف عند العرب وهو "أرسلته خاطباً فتزوّج"، وهو مثل يُضرب لمن أُرسل في حاجة فقضاها لنفسه، ويُضرب أيضاً لمن يطلب القليل فيظفر بالكثير، والأمثال هي تستخلص من الخبرات والتّجارب التي تظهر في حياة الشّعوب، وتلك الأمثال كثيراً ما تعبّر عن طبيعة تلك العلاقات التي تنشأ في المجتمعات، وتبيّن أيضاً حقائق الحياة التي يعيشها النّاس.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (14)

سنة النّشر 1987

ما لبثت أن أطبقت فاهي محتبساً في الكلام، لا أنبس بزجمة ولا أهمس بكلمة، وشرعت حلكة المساء ترخي سدولها على أرجاء مدينة دمشق وطرقاتها، وامتدّ السّكون بيننا، فهدأت نفسي، وزال اضطرابي، وسعيت في أن أشحذ ذهني، باحثاً عن عبارة ألفظها، وأشقّ بها حجب ذلك السّكون السّائد بيننا، إلّا أنّي لم أفلح في مسعاي، والتفتت إليّ وقالت:

أراك الآن مضيت في طيّ الأحلام ومجال الأفكار، وربّما تكون الهواجس قد انتقلت من خاطري إلى فكرك.

أطربتني ملاحة عبارتها وظرافة كلماتها، فاستحوذت على إعجابي تلك الدّعابة التي أفصحت عنها، وهي تسعى في أن تلأم بين أفكارنا بحبال الخواطر، فاهتاجت في نفسي النّشوة وقلت لها:

إنّ هذا السّكون الذي يعمّ ملامحي ويغشى أساريري، لا يدلّ على ذهول الفكر ولا يشير إلى هدوء النّفس، وإنّما أمسكت عن الكلام خشية أن تشوّش كلماتي انتظام خواطرك التي ترد على فكرك، فحري بي أن ألتمس هذا الهدوء وألتزم ذلك السّكون تجلّة لك، من دون أن أسهو عن الهواجس التي تخطر على بالي.

لا أنبس بزجمة: الزّجمة: النّبسة والكلمة.