مقتطفات من رواية أناشيد الألم (13)

سنة النّشر 1987

أثار إحساسها ارتعاش صوتي وتهدّجه حينما تحدّثت إليها، وانسلّت نظراتها من عينيها السّاجيتين تنبئ بحقيقة شعورها، فكأنّما خطّت خواطرها على صفحة رقراقة ورقعة برّاقة، وتقاطرت كلماتها نحوي فصيحة العبارة جهيرة النّبرة، فقالت:

"عذراً إن أقلّني شرود ذهني إلى مطرح قصيّ، أسرح فيه بأفكاري بعيداً، وتفي نظرة عابرة واحدة ألقيها عليك بأن أكشف بها عن طويّة سريرتك ونيّة نفسك، من دون أن تنتابني الحيرة في استجلاء حقيقة دخيلتك، إلّا أنّي كنت أتفكّر في أحلام كانت طائفة بخيالي، وما برحت تشرق صورها في ذهني، وتتّضح معالمها في خاطري، فنبّهتني من سهوتي، واستطعت أن أمتلك زمام أمري، بعد أن تفلّتت منّي أعنّة الأفكار المنطلقة في مهبّ تلك الأحلام، إلى أن استرجعتها وحذت على قيادها.

أنصت لصوتها الخريد الذي رقّقت نبراته خواطرها المسترسلة في منطقها السّلس، فعبّرت عن شعورها من دون أن يشوب مقالها الغموض أو الإبهام، فإن ذهلت عن مفردات عباراتها تنطبع نغمة كلماتها في ذهني، فأتلقّف ذلك النّغم العذب، الذي هيهات أن يمحى أثره في حسّي، وابتهجت وأنا أصغي إلى ألفاظها، فكأنّها صدى مرتد لأفكاري ووصف دقيق لأحوالي، فأوضحت جليّة أمري حينما أستغرق في التّأمّل، وأشارت إلى تلك السّمات التي تتميّز بها نفسي في شرودها، فبيّنتها بأجمل وصف، وأفصحت عنها بكلماتها التي سبكتها في أكمل رصف، من دون أن أدرك من قبل، الشّرحَ المماثلَ لذاك الإيضاح الذي انطوى عليه حديثها، على الرّغم من محاولاتي الدّؤوبة في صياغة التّعبير الذي كنت أرمي إليه، إلّا أنّ جهودي المبذولة كانت تذهب سدى، فلا أتمكّن من أن أعثر على التّعابير المناسبة، وتوجّهت إليها بالحديث قائلاً:

ينتابني أسف شديد على تكديري صفاء فكرك، الذي تتوارد إليه خواطرك، وإنّي أعنّف وأبكّت نفسي على تعكيري هدوء بالك، الذي كانت تلوح فيه هواجسك.

صوت خريد: ليّن عليه أثر الحياء.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (12)

سنة النّشر 1987

ألفتني أقبل نحوها، فتمهّلت في سيرها واتّأدت في خطوها، وعلت محيّاها دهشة تراءت لي على قدر من التّصنّع والمراءاة، ثمّ ما عتّمت أن انبسطت ملامحها، فقلت لها محيّياً:

طاب مساؤك آنستي.

جهرت نظراتها بمعالم الحيرة، وأشرعت فيها نحوي أسنّة الشّكّ وسهام الرّيب وهي تحدّق إليّ، واعتلجت الظّنون في خاطرها، فبادرتُ إلى الحديث قبل أن يتّضح لي رأيها الصّريح، لأذود عن طهارة نفسي ونبالتها، وقد أدمت شغاف فؤادي وقرحت جوانحي تلك النّظرات التي رشقتني بها، فخاطبتها قائلاً:

ألتمس منك الصّفح إن أنحيت باللاّئمة على تصرّفي، الذي قد تسمينه بالرّعونة، وعسى أن تتبيّني في تلك النّدامة التي تعتريني في هذه اللّحظة، صدق الاحترام الذي أخلصه لك، وإنّي لأنصرف عنك أسيف النّفس، كليم الفؤاد.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (11)

سنة النّشر 1987

خطرت تلك الهواجس في بالي حتّى أصبحت مهفوت الفكر متحيّر الخاطر، وأكاد أمجّها وأنفر عنها في البدء، إلاّ أنّي أعود وأفتن بها، فأردّ لها وقارها، وهكذا نفسي تتبّع مسارب الخيال وتسهو عن مشاعب الواقع، وإن لججت في الإيغال في أرجاء هذا الخيال، أجد نفسي وقد أشرفت في مدية طوافها على وقائع هذه الحياة وحقائق أحداثها.

دأبت في السّير تقلّني تلك الأحلام الدّافئة، إلى أن أبصرتها تخطو في دربها تجاهي، فاعتراني من الرّبكة والحيرة، ما أخلّ بتدبيري وشوّش تفكيري. أجل أنّني ألمحها تلك الفتاة ذات الممطر الأزرق، وبدا لي وجهها الأبلج وضّاح الأسارير، وزها فيه بهاء ملامحها، وأبصرت اختلاج شفتيها وهما تحجبان تلك الابتسامة المضيئة التي يشعّ نورها من مبسمها، وينطلق إلى وجنتيها، وطالعْتُ تلك النّظرات التي تفصح عن خوافي أمرها، فألفيتها تسمو بنظرها إلى أديم السّماء كأنّها ترنو إلى مطمح رفيع وأمنية جليلة، ثمّ ألقت إليّ بنظرة، ولم تلبث أن أنحت بصرها عنّي، وبدأَتْ تتدبّر في تلك الهواجس التي تخطر في بالها، وشرعتُ أتبصّر في شأن تلك الفتاة، فترجّعت في صدري تلك الخواطر التي تسوّغ لي الاقتراب منها بحيل شتّى، وسبل عدّة، وأنا امرؤ حذر الطّبع من تلك العلاقات الطّارئة، فلا أقحم نفسي في هوراتها المائجة، ولا أتردّى في تياراتها الهائجة، فأحجم عن الخوض في غمارها مكتفياً بما ابتلى به من برحاء العاطفة، وأقنع بما تكشفه لي من سرائر الخلق ودخائل المشاعر، إلاّ أنّه ترفّعت أهوائي عن هذه الوضاعة وتنزّهت عن تلك السّفاهة، فبتّ أتودّد إليها مقتدياً بسنن الفضيلة، ومسترشداً بهداها القويم، وملتمساً لعلاها الكريم، فاتّجهت إليها وقد دفعني إلى الاقتراب منها بأس أجهل باعثه، ولم أكن لأتّسم بهذه الجراءة والجسارة إن اتّجهت إلى غير تلك النّحيّة في التصرّف، أو قصدت غير هذه الوجهة، فبتّ شخصاً طوع تلك الإرادة المبهمة تسيّرني وتذهب بي إلى حيث تشاء.

مهفوت الفكر: المتحيّر.

 

ترجّعت: تردّدت.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (10)

سنة النّشر 1987

لا مرية في أنّ الأجرام المادّيّة تخلّف أثراً من أجسامها في مختلف المطارح، التي تستقرّ بها، وتمكث فيها، وذهبت إلى الاعتقاد بأنّ كيان النّفس البشريّة، يودع أيضاً أثره في الأماكن التي يمرّ بها الإنسان، وهذا الأمر لا يقيم النّاس له علّة، ولا يفقهون له حجّة، وشأن المرء أن يستظهر بدلائل عقله، في سعيه إلى أن يتبيّن أشكال الأشياء التي توجد حوله، وفي تقصّيه حقائق الوقائع التي تحدث في مجرى حياته، من دون أن يعوّل على بصائر شعوره، إلاّ أنّه كثيراً ما يسهو عن أشياء تطبع صورها في باصرته، إلاّ أنّها لا تخلّف أثرها في شعوره، وربّما أنّه يرى الأشياء حينما يحسّ بآثارها في طيّات شعوره، فلِمَ أشعر بأنّي أرى تلك الفتاة ذات الممطر الأزرق التي صادفتها البارحة، وأنا أمشي الآن بحذاء سور حديقة المزرعة، فأرى ملامحها في أثناء مسيري على امتداد الرّصيف، ويسترعي سمعي نأمة أنفاسها، ووقع أقدامها على قارعة الطّريق، وأنظر إليها وهي تسير على مقربة منّي.

هكذا الأمر، فإنّ النّفس تخلّف في الأماكن آثاراً تبذّ بضحتها وجلائها، العلامات التي تخّلفها في المواضع الأجرام المادّيّة، ويمهّد للنّاس السّبيل إلى إدراك حقائق تلك الآثار التي يصادفونها، رهافة شعورهم، ولطافة إحساسهم، وهيهات أنّ أتّسم بتلك الصّفات، وقد سكن في نفسي الشّعور فاتراً، ولم تكن رؤيتي لخيال تلك الفتاة، إلّا لسطوع أضوائه، وتوهّج أنواره البرّاقة، فأثارت حسّي الخامل، ونبّهت شعوري الغافل، فأنّى اتّجهت بخاطري، أو التفتّ بناظري في هذا المكان، ألق أشعّته اللّامعة، فيسبل لوامع سناه فوق فؤادي المفتون، ويلفع جسدي بوهج أنواره، فأغفل عن قرّ البرد، وأذهل عن نفح الرّيح القارسة.