مقتطفات من رواية أناشيد الألم(2)

 

سنة النشر 1987

أرضبت السّماء منهلّة بوابلها المدرار، فانساحت القطرات الجارية في رفاض الدّروب الممتدّة، وأسري في أجنان اللّيل أنشد لذّات المسرّات البهيجة، فما يحوم حولي من أسراب الكآبة الخفّاقة في تلك الأجواء، يحلّ بنفسي بهجة وافرة، وغبطة غامرة، وأطوف في طرقات مدينة دمشق، أطمح ببصري إلى مفاتن أبنيتها الجهيرة، ونفائس صروحها الشّامخة، التي كلّل طلولها سديم شفيف، وقد غشت الفسح المنبسطة بين أحيائها، حدائق هادئة، تشملها دعة العزلة، وسكون الوحشة، وبدت متجرّدة عن زينتها، فهجرها روّادها، وصدف عنها ألّافها، ونفحت الرّيح الهفّافة بين أفنان أشجارها العارية، فارتأدت متمايلة، وانتثرت حبيبات البرد المسجورة فوق الأغصان، لتتقاطر فوق الأعشاب المقرورة.

وأسير متّئد الخطوات، أطىء بقدميّ أرتالاً مكدّسة من الأوراق اليابسة الصّفراء، فتتصدّع في هشاشة، وتستحيل إلى نتف منثورة، تتايع بأشلائها ريح نائجة، وألمح المارّين يخبطون دربهم على عجلة، ويسرون في شدوف اللّيل المدلهمة، وتهدر السّيّارات صاخبة، يندفع الزّبد من أعطافها متطايراً، كآذيّ يمخر في عباب اليم، وأتوغّل في مجاهل الوحشة واجم النّفس، ساكن الخاطر، لا أظفر بخلّ أهمس إليه بجلاجل نفسي، أو أطرح عليه خواطر فكري، وكنت ألفي فيما خلا من الأيّام ثُلّة من السّمّار تجالسني في أماسي الشّتاء الباردة، فأمحضهم المودّة، وأقبل عليهم منشرح النّفس لأن أمضي في لقائي معهم، على نقاء المعاشرة وصفاء المخالطة، وكنت عندما أهمّ بالبوح أمامهم بمكنون نفسي ودفين سرّي، سرعان ما أثني نفسي محجماً عن إظهار تلك المعاني الفريدة، والأماني الطريدة، ولا أزيل عن نفسي دواعي ذلك العزم على أن أواري أفكاري، فلا أبدي لأولئك الأصحاب صفحة خواطري، ولا أظهرهم على دواعي سرّي، أو أطلعهم على خوافي أمري، وأخال صورتهم إليّ، لم تكن ترتكز إلّا على أوهام عابرة وأهواء متقلّبة. أأنشد مودّة امرئ في ظلمة اللّيل وما برحت أجفو الأصدقاء في غائرة النّهار.

(1) أرضبت السّماء: أنزلت المطر

(2) الرّيح الهفّافة: السّريعة المرور في هبوبها

(3) تتايعت الرّيح بالورق: ذهبت به

(4) غائرة النّهار: نصف النّهار