أغضفت دياجر الغسق حالكة السّجوف، فادلامّت في خدرها أعنان السّماء، ونفجت الرّيح السّاهجة، تهبّ نائجة وتعصف زافية، وتجفل السّحب الهتن، التي افترّ في خصاصها البرق الوبّاص، الذي أضاءت أنواره المتلألئة السّاطعة، أثباج الغمائم المدرارة التي انداحت في أديم السّماء، وما لبثت قنن الجبل السّامقة أن اشرأبت إلى ذلك الضّياء الذي توهّج متّقداً بين تلك المزن الثّرّة.

اشتدّ عصف الرّيح التي هاجت في مهبّها روائح ذكيّة العرف، فأتنشّقُ شذا ذلك الطّيب المنتشر، وأستاف أريجه العطر، وما برحت الغيوم تطبق السّماء، التي أسهو إلى أصقاعها الممتدّة، فتجيش في نفسي تباريح الجوى، فأتوجّس أنّة خافتة، تناغم خواطر فكري، وهواجس صدري، وأصغي مستمعاً إلى جرس تلك الآهة الشّجيّ، ورجعها الخفيّ، فتستحرّ في نفسي تلك اللّواعج محتدمة، فأزحر متنهّداً، وأزفر متأوّهاً، ولا يلبث أن يخضّل مقلتيّ سيلان مذارفي، فيتهاتن فوق وجنتي الدّمع السّفوح متساتلاً متقاطراً، وتخطّ على خدّي تلك العبرات المتقاطرة خطوطاً نديّة، سرعان ما تستحيل إلى مسارب تجري بمساحيق الدّموع، فتتكشّف في ملامحي، سجايا نفسي الوادعة، وتظهر في معارفي، خفايا مشاعري المتدافعة، وأرقأ دموعي، وأكفكف عبراتي، بعد أن انسرت عنّي حواز الفؤاد، فتستروح نفسي في فيضان مدامعي، وجريان تلك العبرات الهاطلة والقطرات السّائلة على عارضيّ، ويهدأ خاطري بانطلاق تلك الزّفرات الحارّة من حنايا صدري، فتعاودني السّكينة، وتثاوبني الطّمأنينة، فلا يغضّ من أنفة المرء ولا يحطّ من عزّة نفسه، هوانه الصّاغر، إن تضرّع في أكناف الطّبيعة ومحرابها شاكياً، ولا يهدر كرامته ولا يبخس قدر كبريائه، اتّضاعه الذّليل، إن جثا في قعور المغاور وأحضان الوديان باكياً.

(1) أغضفت: أظلمت

(2) فادلامّت: اشتدّت سوادها في ملوسة

(3) خدرها: الخدر، الظّلمة

(4) الوبّاص: البرّاق اللّون

 

(5) تهاتن الدّمع: قطر