مقتطفات من رواية أناشيد الألم (3)

سنة النّشر 1987

وأسير في مدارج الطّرقات حتّى أصل إلى حديقة المزرعة، فتلوح أمامي ممرّاتها التي انتشرت فيها البرك الصّغيرة، وما فتئت أنوار المصابيح تدرأ فيها وهّاجة، فكان يشعّ نورها ساطع الضّياء، يقشع أدجان الظّلام المتكدّسة فوق أرجاء تلك الحديقة.

عجباً!... لِمَ أرنو إلى ذلك السّاري وأخالسه النّظر، وقد عهدت نفسي تعزف عن الأشياء فيما حولها، فتسلك سبيل التّأمّل، وتقصد مدارج الخيال، فلا يخفّض من عليائها وضر، أو يحطّ من سنائها وطر، وأبصرت محيّا فتاة في ميعة الشّباب، تخطو متخايلة في مهبّ الرّيح، وهي تشتمل بممطرها الأزرق، وانسدلت ذوائب شعرها تنوس فوق جبهتها النّاضرة، وطفق يرشق وجهها رذاذ المطر الواكف، فتصخد تلك القطرات المتطايرة زفرة حارّة اندفعت من ثغرها، وجلّل أساريرها وجوم يقبس من الشّجون جذوتها، ومن الوداعة صفوتها، ولم يلبث أن تبدّد منكفئاً إلى قرارة نفسها، أيخامرها نفور من سطوة تلك الأجواء الصّاخبة، أم تبسر وجهها إصدافاً عن ذاك الغريب الذي تلقاه.

 

(10) تبسر وجهها: تقطّب وجهها.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم(2)

 

سنة النشر 1987

أرضبت السّماء منهلّة بوابلها المدرار، فانساحت القطرات الجارية في رفاض الدّروب الممتدّة، وأسري في أجنان اللّيل أنشد لذّات المسرّات البهيجة، فما يحوم حولي من أسراب الكآبة الخفّاقة في تلك الأجواء، يحلّ بنفسي بهجة وافرة، وغبطة غامرة، وأطوف في طرقات مدينة دمشق، أطمح ببصري إلى مفاتن أبنيتها الجهيرة، ونفائس صروحها الشّامخة، التي كلّل طلولها سديم شفيف، وقد غشت الفسح المنبسطة بين أحيائها، حدائق هادئة، تشملها دعة العزلة، وسكون الوحشة، وبدت متجرّدة عن زينتها، فهجرها روّادها، وصدف عنها ألّافها، ونفحت الرّيح الهفّافة بين أفنان أشجارها العارية، فارتأدت متمايلة، وانتثرت حبيبات البرد المسجورة فوق الأغصان، لتتقاطر فوق الأعشاب المقرورة.

وأسير متّئد الخطوات، أطىء بقدميّ أرتالاً مكدّسة من الأوراق اليابسة الصّفراء، فتتصدّع في هشاشة، وتستحيل إلى نتف منثورة، تتايع بأشلائها ريح نائجة، وألمح المارّين يخبطون دربهم على عجلة، ويسرون في شدوف اللّيل المدلهمة، وتهدر السّيّارات صاخبة، يندفع الزّبد من أعطافها متطايراً، كآذيّ يمخر في عباب اليم، وأتوغّل في مجاهل الوحشة واجم النّفس، ساكن الخاطر، لا أظفر بخلّ أهمس إليه بجلاجل نفسي، أو أطرح عليه خواطر فكري، وكنت ألفي فيما خلا من الأيّام ثُلّة من السّمّار تجالسني في أماسي الشّتاء الباردة، فأمحضهم المودّة، وأقبل عليهم منشرح النّفس لأن أمضي في لقائي معهم، على نقاء المعاشرة وصفاء المخالطة، وكنت عندما أهمّ بالبوح أمامهم بمكنون نفسي ودفين سرّي، سرعان ما أثني نفسي محجماً عن إظهار تلك المعاني الفريدة، والأماني الطريدة، ولا أزيل عن نفسي دواعي ذلك العزم على أن أواري أفكاري، فلا أبدي لأولئك الأصحاب صفحة خواطري، ولا أظهرهم على دواعي سرّي، أو أطلعهم على خوافي أمري، وأخال صورتهم إليّ، لم تكن ترتكز إلّا على أوهام عابرة وأهواء متقلّبة. أأنشد مودّة امرئ في ظلمة اللّيل وما برحت أجفو الأصدقاء في غائرة النّهار.

(1) أرضبت السّماء: أنزلت المطر

(2) الرّيح الهفّافة: السّريعة المرور في هبوبها

(3) تتايعت الرّيح بالورق: ذهبت به

(4) غائرة النّهار: نصف النّهار



أغضفت دياجر الغسق حالكة السّجوف، فادلامّت في خدرها أعنان السّماء، ونفجت الرّيح السّاهجة، تهبّ نائجة وتعصف زافية، وتجفل السّحب الهتن، التي افترّ في خصاصها البرق الوبّاص، الذي أضاءت أنواره المتلألئة السّاطعة، أثباج الغمائم المدرارة التي انداحت في أديم السّماء، وما لبثت قنن الجبل السّامقة أن اشرأبت إلى ذلك الضّياء الذي توهّج متّقداً بين تلك المزن الثّرّة.

اشتدّ عصف الرّيح التي هاجت في مهبّها روائح ذكيّة العرف، فأتنشّقُ شذا ذلك الطّيب المنتشر، وأستاف أريجه العطر، وما برحت الغيوم تطبق السّماء، التي أسهو إلى أصقاعها الممتدّة، فتجيش في نفسي تباريح الجوى، فأتوجّس أنّة خافتة، تناغم خواطر فكري، وهواجس صدري، وأصغي مستمعاً إلى جرس تلك الآهة الشّجيّ، ورجعها الخفيّ، فتستحرّ في نفسي تلك اللّواعج محتدمة، فأزحر متنهّداً، وأزفر متأوّهاً، ولا يلبث أن يخضّل مقلتيّ سيلان مذارفي، فيتهاتن فوق وجنتي الدّمع السّفوح متساتلاً متقاطراً، وتخطّ على خدّي تلك العبرات المتقاطرة خطوطاً نديّة، سرعان ما تستحيل إلى مسارب تجري بمساحيق الدّموع، فتتكشّف في ملامحي، سجايا نفسي الوادعة، وتظهر في معارفي، خفايا مشاعري المتدافعة، وأرقأ دموعي، وأكفكف عبراتي، بعد أن انسرت عنّي حواز الفؤاد، فتستروح نفسي في فيضان مدامعي، وجريان تلك العبرات الهاطلة والقطرات السّائلة على عارضيّ، ويهدأ خاطري بانطلاق تلك الزّفرات الحارّة من حنايا صدري، فتعاودني السّكينة، وتثاوبني الطّمأنينة، فلا يغضّ من أنفة المرء ولا يحطّ من عزّة نفسه، هوانه الصّاغر، إن تضرّع في أكناف الطّبيعة ومحرابها شاكياً، ولا يهدر كرامته ولا يبخس قدر كبريائه، اتّضاعه الذّليل، إن جثا في قعور المغاور وأحضان الوديان باكياً.

(1) أغضفت: أظلمت

(2) فادلامّت: اشتدّت سوادها في ملوسة

(3) خدرها: الخدر، الظّلمة

(4) الوبّاص: البرّاق اللّون

 

(5) تهاتن الدّمع: قطر



وصف ناقد عربيّ بارز قصائد أحمد شوقي بأنّها تشبه "القصور المشيّدة"، وهذا النّاقد هو محقّ في ذلك الرّأي الذي صرّح به، فأسلوب شاعرنا يتّسم بالجزالة، وعباراته مترابطة بإحكام، وتتميّز بالجرس الموسيقيّ العذب، وأمّا خياله فكان خصباً، ولاغرابة من أن يتحدّث ذلك النّاقد ذاته عن شعر أحمد شوقي فيذكر أنّه "متحف لصور"، وإذا كانت الأغراض الشّعريّة قد تعدّدت وتنوّعت في تلك القصائد التي صاغها أحمد شوقي، فإن اقتصرنا على النّظر في قصائد الغزل أو النّسيب، التي كتبها، فإنّنا نعثر فيها على الفكرة العميقة، والشّعور المرهف، والعواطف المتّقدة، والصّور البديعة، وهذه السّمات تتجلّى في قصيدته التي نشرها أحد مواقع التّواصل الاجتماعيّ على الأنترنت، بيد أنّ ما يلفت النّظر في تلك البادرة الحميدة، والتّصرّف الطّيّب، الذي صدر عن ذلك الموقع، هو أنّه أرفق تلك القصيدة بصورة الأميرة فوزيّة فؤاد، التي وصفت بأنّها جميلة الأميرات، وأميرة الجميلات، وأعتقد أنّ المغزى واضح والمقصد جليّ من ذلك الرّبط بين معاني ومضامين هذه القصيدة الغزليّة، وتلك الأميرة الحسناء.



يوفّر النّادي الرّياضيّ لأعضائه الذين ينتسبون إليه، الوسائلَ اللّازمة لتنمية قدراتهم على تطوير المؤهّلات التي يمتلكونها، ويهيّئ لهم الرّعاية الصّحّيّة والاجتماعيّة الواسعة، وتذهب بعض التّعاريف إلى تحديد النّادي بأنّه "هيئةأهليّة تمارسالنّشاطالرّياضيّ"، ويُعرّف النّاديّ الرّياضيّ أيضاً بأنّه "جمعيّة يؤسّسها مجموعة من الأفراد الذين تجمعهم غايات مشتركة"، وتندرج في عداد تلك الغايات، رغائب أعضاء النّادي في استثمار وقت الفراغ، وتنمية ثقافة التّربية البدنيّة، وإتاحة سبل التّرويح عن النّفس لأولئك المنتسبين إلى ذلك النّادي، بالإضافة إلى تعزيز مزاولة الألعاب الرّياضيّة المتنوّعة، التي تستأثر باهتمام أولئك الأعضاء، فإن ذكرت بعض الأمثلة عن تلك الأهداف المشتركة، التي تؤلّف بين أعضاء النّادي، وهي تحدّد بالقواعد التي تقوم عليها فكرة تأسيس ذلك النّادي، الذي تتّسع عنده المهامّ المختلفة، التي يضطلع بتحقيقها، بعد أن ينشأ، وتمارس فيه الأنشطة المتنوّعة، فالنّادي يسهم في أن ينمّي شخصيّة كلّ من أفراد تلك المجموعة من النّاس، التي انضوت إلى النّادي، وتراعى في تحقيق تلك التّنمية، أن تكون شاملة جميع أوجه الأنشطة التي يزاولها الفرد في المجتمع، كالأنشطة الاجتماعيّة والثّقافيّة والفكريّة المتنوّعة، فضلاً عن النّشاط الرّياضيّ، الذي هو العمل الأساسيّ الذي يضطلع بالنّهوض به النّادي، الذي يسهم في تحقيق عمليّة اكتشاف المواهب الرّياضيّة عند الأفراد الذين انتسبوا إليه.

يذهب تعريف آخر إلى أن يصف النّادي بأنّه "هيئة رياضيّة لها شخصيّة اعتباريّة مستقلّة، وتعتبر من الهيئات الخاصّة"، ويراعى عند تأسيس النّادي عدد الأعضاء الذين يجب أن ينضووا إليه، كي يتاح قيام ذلك النّاديّ الرّياضيّ، حيث تضع بعض التّعاريف، رقماً محدّداً، يجب ألّا يقلّ عنه عدد أعضاء ذلك النّادي، عند تأسيسه، ويؤكّد تعريف آخر، سمة الاستقلاليّة والطّوعيّة، في فكرة تأسيس النّادي، الذي يحدّده بأنّه "جمعية أهليّة يكوّنها مجموعة من الأفراد بإرادتهم المنفردة"، وقد كنت أواظب على أن أتابع العديد من الأنشطة الرّياضيّة، في أنواع شتّى من الألعاب، التي كانت تتبارى فيها الأندية الرّياضيّة.



كانت الأميرة فائزة فؤاد عضواً ناشطة في جمعيّة الهلال الأحمر المصريّة، وهي الابنة الثّالثة للملك فؤاد الأوّل والملكة نازلي وشقيقة الملك فاروق‏، وقد شبّهت الأميرة فائزة "بنجمات هوليوود"، حيث ذكر أنّها تشبه "في ملامحها وحياتها نجمات الشّاشة الفضّيّة"، وعندما سافرت الأميرة فائزة إلى تركيا في عام 1954، "عرض عليها لتمثّل هناك ولكنّها رفضت"، وكانت هجرتها إلى الولايات المتّحدة الأمريكيّة، بعد أن وجدت  نفسها في باريس "مفلسة تماماً فلم تتمكّن من تحمّل تكاليف المعيشة في باريس، فرحلت إلى كاليفورنيا لتعيش مع والدتها الملكة نازلي وأسرة أختها‏ الأميرة فتحية، حيث أعدّ لها مقرّاً في حديقة منزلهما في بيفرلي هيلز وقد كانت الأميرة فائزة "تهتمّ بشؤون مصر وقرّرت جمع تبرّعات لضحايا الزّلزال الذي ضرب مصر عام 1992، كما كانت للأميرة أنشطتها الخيريّة في كاليفورنيا وبفضل هذه الأنشطة تمّ افتتاح فرع الهلال الأحمر المصريّ، في الولايات المتّحدة الأمريكيّة"، وقد عرض عليها منتجو السّينما في أمريكا "إنتاج فيلم يسرد قصّة حياتها"، ولم يقدّم هؤلاء السّينمائيّون طلبهم عبثاً، إذ كان يغلب الطّابع الدّراميّ على سيرة حياة الأميرة فائزة، ولن يشقّ على أولئك السّينمائيّين رؤية تلك السّمة الدّراميّة، إن كانوا اهتمّوا بملاحظة أحداث حياة الأميرة فائزة، ولا ريب في أنّه لا يتعذّر على من يمتلك النّظر الدّقيق، العثور على السّمة الدّراميّة في سير كلّ النّاس، في أغلب الأحوال، وخصوصاً إذا لم تكن تتّسم حياتهم بالرّتابة، وإن كان يحتمل أن يتفاوتوا فيما بينهم، بالمقدار المحدّد من الطّابع الدّراميّ، الذي تتّسم به حياة كلّ منهم.

كثر عدد أولئك الأثرياء المعجبين بالأميرة فائزة فؤاد، وهم كانوا "تقدّموا إليها، لكنّها رفضتهم جميعاً"، وكانت نشرت في وسائل التّواصل الاجتماعيّ، صورة تظهر فيها الأميرة فائزة فؤاد، والرّسّام سلفادور دالي الذي هو أحد أبرز الرّسّامين السّيرياليّين، وقد التقطت هذه الصّورة في عام 1957،‏ ويعمد الرّسّامون السّيرياليّون إلى أن يعبّروا في لوحاتهم عن "العقل الباطن، والأحلام وعن كلّ شيء غريب ولا شعوريّ"، والسّيرياليّة أي ما فوق الواقعيّة، هي مذهب حديث في الفنّ والأدب، تهدف إلى "الخروج عن الأمر الواقع كما اعتاده البشر، لكنّها في الوقت نفسه تتّخذ من هذا الواقع منطلقاً لكلّ الآفاق الجديدة التي تسعى لبلوغها، حتّى لو اتّخذت شكل الشّطحات التي لا تخطر ببال متلّق"، وإذا كانت السّيرياليّة، حدّدت بأنّها "تتعامل مع اللّاواقع، فلذلك لكي تلقي بنظرة جديدة على الواقع نفسه، بحيث تعمّق من معرفتنا به"، وقد كانت الغاية التي قصد إليها مذهب السّيرياليّة هي "تمزيق الحدود المألوفة للواقع عن طريق إدخال علاقات جديدة، ومضامين غير مستقاة من تقاليد سابقة، ترسّبت تحت وطأة المظاهر الخارجيّة للحياة والمجتمع، ذلك أنّ هذه العلاقات والمضامين الجديدة مستمدّة من الأحلام، سواء في اليقظة أو المنام، بحيث تتجسّد هذه الأحلام والخواطر والأوهام والشّطحات، والهواجس المجرّدة في أعمال أدبيّة وفنّيّة"، وكان الرّسامون السّيرياليّون قد اعتمدوا في لوحاتهم التي أنجزوها، على "الأشياء الواقعيّة التي استخدموها كرموز للتّعبير عن أحلامهم والارتقاء بالأشكال الطّبيعيّة إلى ما فوق الواقع المرئي"، وكان الرّسامون السّيرياليّون يستندون أيضاً إلى الأحلام، التي كانوا يستمدّون منها تلك المعاني التي كانوا قصدوا إلى التّعبير عنها في أعمالهم الفنّيّة.

رفض الرّسّامون السّيرياليّون أن تفسّر عمليّة تنفيذ أعمالهم الفّنيّة، بطغيان الجنون الذي يصيب قدرات الإنسان العقليّة، وكان سلفادور دالي قال ذات مرّة: "هناك فرق وحيد بيني وبين رجل مجنون هو أنّي لست مجنوناً"، وكان الرّسّامون السّيرياليّون يؤكّدون أنّ "بالإمكان جمع عناصر غير متجانسة طبيعياً في نفس الإطار، للحصول على نتائج غير منطقيّة ومذهلة"، وقد كان سلفادور دالي يتميّز "بأعماله الفنّيّة التي تصدم المشاهد بموضوعها وتشكيلاتها وغرابتها، وكذلك بشخصيّته وتعليقاته وكتاباته غير المألوفة، والتي تصل حدّ اللّامعقول والاضطراب النّفسيّ"، وقد ذكر أنّ في "حياة سلفادور دالي وفنّه يختلط الجنون بالعبقريّة، لكنّ دالي يبقى مختلفاً واستثنائيّاً في فوضاه، وفي إبداعه، وفي جنون عظمته، وفي نرجسيّته الشّديدة"، وكان الرّسامون السّيرياليّون، يستمدّون مضامين أعمالهم الفنّيّة من "تداعي الخواطر الذي لا يخضع لمنطق السّبب والنّتيجة"، وكان سلفادور دالي في المظهر الذي يبدو فيه "يتميّز بغرابة أطواره من حيث ملابسه الغريبة التي كان يلبسها وشعره الطّويل"، وإذا كانت الحياة التي عاشها ذلك الفنّان هي "عالم من الفن والإبداع والجنون وكثير من النّرجسيّة" فإنّ ذلك الانطباع الذي تكوّن عند النّاس لم يكن يغيب عنه إذ قال: "ليس من الضّروريّ بالنّسبة للجمهور أن يعرف ما إذا كنت أمزح أو أتكلّم بجدّيّة، تماماً كما أنّه ليس من الضّروريّ بالنّسبة لي أن أعرف أنا شخصيّاً"، وكان الرّسّام سلفادور دالي يعرّف السّيرياليّة قائلاً: "السّيرياليّة هي أنا"، وإنّي أعتقد، أنّه يوجد في بعض التّصرّفات التي بدرت من سلفادرو دالي، قدر من التّكلّف، وبالإمكان أن نقول أنّه يوجد أيضاً، مقدار من المبالغة في اصطناع ذلك المظهر الغريب، الذي كان يعمد إلى أن يبدو فيه على مرأى من النّاس.

كانت محاولة الرّسّام سلفادور دالي الظّهور في تلك الهيئة التي كان تلفت الأنظار إليه عندما يقابل النّاس، قد صعّبت تحقيق عمليّة اكتشاف الفارق بين سمتي العفويّة والتّصنّع، في تلك التّصرّفات التي كان يأتيها، وإذا كنت تحدّثت عن موضوع الأحلام، التي تعتبر ركيزة أساسيّة يستند إليها الفنّانون السّيرياليّون في تنفيذ أعمالهم الفنّيّة، فإنّه قد أطلق على الأميرة فائزة فؤاد، لقب "فتاة الأحلام في كاليفورنيا وذلك لحسن جمالها"، ونسبة الأشخاص وحتّى الأشياء إلى الأحلام، هو أمر ذائع ومنتشر في تقاليد ومكوّنات الثّقافة الأمريكيّة، مثلما هو شأن العديد من الثّقافات الأخرى في هذا العالم، وعندما شاهد الفنّان سلفادور دالي الأميرة فائزة فؤاد، وقد التقطت صورة تظهر ذلك اللّقاء الذي رأى فيه الأميرة فائزة، أيقن بأنّ أحد الأحلام التي تتمثّل لعقول النّاس أثناء النّوم، قد تحقّقت في الواقع، عندما رأى تلك الأميرة، التي وصفت بأنّها فتاة الأحلام، وربّما أصبح وهو السّيرياليّ الذي يمتلك خبرة واسعة في هذا المذهب الفنّيّ، يعجز في قرارة نفسه عن أن يميّز بين الواقع والخيال، ويعسر عليه أن يفصل بين الحقيقة والحلم، إلّا أنّه تبيّن أنّ ماجريات الحياة تتضمّن مواقف يتحقّق فيها بالفعل الحلم.