أعلنت اللّاعبة السّويسريّة مارتينا هينغيز اعتزالها اللّعب في مباريات لعبة كرة المضرب، وقد اهتمّت وكالات الأنباء العالميّة والأقنية الفضائيّة بتغطية ذلك الحدث الرّياضيّ، وكانت مارتينا هينغيز بدأت مزاولة لعبة كرة المضرب، قبل ثلاثة وعشرين عاماً، وقد وصفت بأنّها معجزة هذه اللّعبة، ولا أريد أن أتحدّث حاليّاً عن مسيرتها الرّياضيّة، والبطولات التي أحرزتها، وسأقتصر في كلامي عن نشاط هذه اللّاعبة الرّياضيّة، على الحديث عن إحدى تلك المزايا التي اتّسمت بها سيرة هذه اللّاعبة العالميّة، وهي تحديداً التّأثير الذي ساهمت في تحقيقه هذه اللّاعبة، في انتشار ونجاح النّشاط الرّياضيّ الأنثويّ في هذا العالم، وموضوع الرّياضة الأنثويّة، غالباً ما يمرّ مرور الكرام في أوساط المجتمعات العربيّة، نظراً لتلك المصاعب الكبيرة والضّخمة التي تواجه الرّياضة الأنثويّة في تلك المجتمعات، التي تكاد يغيب عنها، الكثير من أنشطة تلك الألعاب الرّياضيّة التي تزاولها النّساء، وقد كنت قبل مدّة تزيد على العشرين سنة، لاحظت وتابعت مسألة ذلك التّأثير الذي أحدثته مارتينا هينغيز في مجال الرّياضة الأنثويّة، وهو موضوع يبحث في نطاق دراسات علم الاجتماع، بالإضافة إلى نطاق الأبحاث الرّياضيّة، والنّتائج التي يأتي بها نشاط هذه اللّاعبة، يتخطّى المجال الرّياضيّ، حيث يشمل ميادين عديدة في حياة النّاس بالمجتمعات الإنسانيّة.

 

شاركت لاعبات كثيرات في العديد من أقطار العالم، اللّاعبة مارتينا هينغيز في إحداث ذلك التّأثير المهمّ في النّشاط الرّياضيّ الأنثويّ، وقد قرّرت هذه اللّاعبة العالميّة أن تعتزل لعبة كرة مضرب، في توقيت اختارته بدقّة بعد أن تسنّمت ذرى القمّة في ملاعب الكرة الصّفراء، فقرّرت أن تعتزل في هذا الأوان، كي تحافظ على تألّق صورتها في أذهان أفراد جمهور الرّياضة، الذين استمرّوا طيلة تلك الأعوام الماضية على أن يشجّعوها في المباريات التي كانت تؤدّيها، والكلام عن قرار اعتزال مارتينا هينغيز، مهمّ في حدّ ذاته، لأنّه حدث رياضيّ عالميّ، وهو يتجاوز الميدان الرّياضيّ، إلّا أنّه لا بدّ من أن يثير ذلك الحدث الرّياضيّ أيضاً، البحث في موضوع ضرورة العناية بمسائل وقضايا الرّياضة الأنثويّة، ولا سيّما في المجتمعات التي تقلّ فيها أنشطة الرّياضة الأنثويّة، مثل هو شأن المجتمعات العربيّة، التي يجب أن تتاح فيها للفتيات والنّساء فرص مزاولة الأنشطة الرّياضيّة، ولا شكّ في أنّهنّ يستطعن حينئذ أن يحققن النّجاح الكبير في البطولات العالميّة، بعد أن يتمهّد لهنّ سبل الاستمرار على ممارسة تلك الألعاب الرّياضيّة.



تعمد الاتّحادات الرّياضيّة العالميّة، إلى أن تراعي تحقيق التّكافؤ بين اللّاعبين المتبارين في البطولات التي تنظّمها، وتفصح تلك الاتّحادات عن دأبها في تنفيذ الشّروط التي تعتقد أنّها تهيّئ لتحقيق العدالة بين أولئك الرّياضيّين المتنافسين، وقد نحا الاتّحاد الدّوليّ لكرة القدم، إلى أن يعلن المساعي التي يأتيها في إقامة تلك العدالة بين الفرق المتبارية في المنافسات الكرويّة الدّوليّة، وبغضّ النّظر عن تلك الحالات، التي يبرز فيها التّعارض بين السّعي إلى تحقيق العدالة بين المتنافسين الرّياضيّين، ومحاولة إدراك ذلك الاتّحاد الدّوليّ الكرويّ الغايات التي يتطلّع إليها، وقد كنت تحدّثت عن ذلك الموضوع سابقاً، فإنّ العديد من أفراد الجمهور الذي يتابع المباريات الكرويّة، يقبل على مشاهدة تلك المنافسات، مشدّداً اعتقاده بجدارة فريق كرويّ محدّد، بأن يفوز في تلك المباريات التي يخوضها، ويستند هؤلاء الأفراد من الجمهور، إلى ذلك التّصوّر المسبق الرّاسخ عندهم، في تقديرهم ذلك المآل الذي ستستقرّ عليه تلك النّتيجة، التي يتوقعّون أن تنتهي إليها المباراة الكرويّة التي يشاهدونها، وقد كان بالحريّ أن تدرك تلك المجموعة من الجماهير، أنّ النّتيجة تتحقّق في الملعب تحديداً في أثناء مجرى المباراة التي يتابعونها، ولا تتعيّن وفق ذلك التّصوّر الذي يتكّون عندهم لذاك الفريق، الذي يرغبون في أن يكون هو الفائز في ذلك التّنافس الرّياضيّ، فنتيجة المباراة مقيّدة حقّاً بأقدام اللّاعبين، لأنّها تتحدّد وفق الأداء الرّياضيّ الذي ينجزه أولئك اللّاعبون المتبارون، ولا تتعيّن بحسب تلك التّكهّنات التي يطلقها قبل بدء المباراة الرّياضيّة، أفراد الجمهور الذين يشجّعون فريقاً محدّداً، وهم تلك الفئة من المشجّعين الذين غالباً ما يشكّكون في عدالة نتيجة المباراة الرّياضيّة، إذا لم تكن تطابق فحاوى ذلك التّصوّر الذي حدّدوا به مسبقاً، ذلك الفريق الذي يظنّون أنّه هو الفريق الحقيق بأن يفوز في ذلك التّباري الرّياضيّ.

إنّ أفراد الجمهور، الذين لم يأخذوا بالمعايير الصّحيحة، التي يقيّمون بها أداء اللّاعبين في المباريات التي يتنافسون فيها، كثيراً ما يركنون إلى اعتقادهم المسبق، بتقييم المتبارين الرّياضييّن، بحسب الميل الرّاسخ عندهم إلى فريقهم المفضّل، وهؤلاء الأفراد من الجمهور، يرغبون في أن تكون نتيجة المباراة العادلة وفق اعتقادهم، تطابق رأيهم المسبق، وتوافق ميلهم النّاشئ عندهم، فإن كانت وقائع المباراة التي يتابعها هؤلاء الأشخاص، يجب أن تتحدّد مسايرة ذلك الاعتقاد النّاشئ عندهم، فلا ريب في أنّ تكون تلك المباراة آنئذ، جالبة دواعي السّأم إلى نفوس المشاهدين، الذين يرغبون في رؤية التّنافس الرّياضيّ المثير، حيث تبعث تلك المباراة عندهم الشّعور بالملل، بل أنّ أفراد الجمهور الذين يناصرون مشجّعين فريقاً رياضيّاً محدّداً، يكون استمتاعهم بتحقيق فريقهم النّصر في مباراة متقلّبة في نتيجتها خلال مراحل التّنافس، أكبر من مقدار سعادتهم بفوز فريقهم المفضّل، الذي يلعب في مباراة خالية من معالم التّباري المثير، فالجماهير على اختلاف مشاربها وتنوّع أهوائها وتعدّد ميولها، ترغب في أن تتحقّق الإثارة في التّنافس الرّياضيّ، حتّى لو تسبّب ذلك النّمط من التّباري، بنشوء عوامل المخاطرة والمجازفة في تحديد نتيجة المباراة، التي يرغبون في أن تتعيّن بفوز فريقهم الذي يناصرونه ويشجّعونه، ولا ريب في أنّ الاتّحاد الدّوليّ لكرة القدم، يدرك جيّداً تلك الحالة التي يمرّ بها أفراد الجمهور، إذ يعي أنّ التّباري الرّياضيّ المثير، هو أبرز الدّوافع التي تحثّ الجمهور على متابعة البطولات الكرويّة العالميّة.

 يعنى الاتّحاد الدّوليّ لكرة القدم بأن يجذب الجمهور إلى الملاعب، ليشاهد وقائع تلك المنافسات الجارية بين الفرق الكرويّة، وإن كان ذلك الاتّحاد يسعى في أن يرسخ في تلك المباريات التي تجري في الملاعب، بواعث الإثارة، كي تترامى مساعيه إلى النّجاح في حضّ الجمهور على متابعة المباريات التي ينظّمها، إلّا اّنه يفترض ألّا يكترث ذلك الاتّحاد لتوقّعات الجمهور، ولا يلتفت إلى تصوّر المشجّعين لتلك النّتيجة التي يظنّون أنّها عادلة، لأنّه إن جرت وقائع المباريات وفق ذلك المجرى المحدّد في أذهان أولئك المشجّعين، فإنّ طابع المفاجأة سيضمحلّ، ودواعي الإثارة ستتلاشى غائبة عن تلك المنافسات الكرويّة، وتصبح المباريات آنئذ باعثة حقّاً على الإحساس بالملل، عند أولئك النّاس الذين يبحثون عن المتع التي يبعثها في نفوسهم التّباري الرّياضيّ المثير، وإذا كانت أسباب الخلاف بين جموع الجماهير، تبرز على الدّوام في تحديدهم طابع النّتيجة، التي يرغبون في أن تنتهي إليها تلك المباراة التي يتابعونها، فيجب على أولئك الأفراد من الجمهور، أن يقرّوا بتلك النّتيجة التي تفضي إليها وقائع المباراة التي يشاهدونها، وإن خيّبت تلك النّتيجة الآمال التي كانت تنبعث في نفوسهم، إذ يجب أن يتحلّى بالرّوح الرّياضيّة العالية أفراد الجمهور واللّاعبون معاً، ويتقبّلوا جميعهم نتيجة تلك المباراة التي تجري في ميادين الرّياضة.