تعدّدت تلك الغايات التي رمى إلى أن يدركها أولئك الكتّاب، الذين أخذوا في تقديم مؤلّفاتهم الرّوائيّة، في ذلك الأوان الذي بدأ فيه ظهور الرّواية العربيّة في العصر الحديث، ويكاد أن يكون أبرز هدف، وضعه في اعتباره عدد غير قليل من أولئك الكتّاب، هو تقريب ذلك الجنس الأدبيّ النّثريّ إلى ذائقة الفرد العربيّ، وقد لجأ بعض هؤلاء الكتّاب إلى الموروث الأدبيّ، ليمتح منه الموضوعات والطّرائق الأدبيّة، التي يستند إليها في سعيه إلى تحقيق غاياته الأدبيّة، فعمد هؤلاء الكتّاب إلى أن يكتبوا الرّواية بأسلوب أدبيّ، يشابه جنس المقامات التي تفرّد العرب وتميّزوا بها، وقد ثبت في تاريخ الأدب العالميّ أنّ المقامات، هي جنس أدبيّ عربيّ صرف قحّ وقائم بذاته، وقد ألمعنا إلى تأثّر الكتّاب العرب بجنس المقامة، من دون أن ينسجوا رواياتهم على منوالها حذو النّعل بالنّعل، إذ كانت عناصر أعمالهم الرّوائيّة، تحتفظ بطابع خاصّ، يميّزها عن شكل المقامة الأدبيّة، فكان العديد من أولئك الكتّاب العرب في المراحل الأولى من فترة ظهور الرّواية، يعتمد على التّاريخ العربيّ، ليغترف منه ويقتبس الموضوعات والوقائع التي صبّها في قالب روائيّ، كان أقرب إلى الكتابة التّاريخيّة منه إلى جنس الرّواية، إذ كان بعض تلك الأهداف التي وضعها أولئك الكتّاب نصب أعينهم، هو إحياء مآثر العرب في العصور التاريخيّة الغابرة، وإظهار الأحداث التي يتضمّنها ذلك التّاريخ العربيّ، حتّى تراجعت عند البعض من هؤلاء الكتّاب، مكانة الرّواية في حدّ ذاتها، حيث استخدمت وسيلة لتقديم المعلومات التّاريخيّة، من دون أن يراعوا تحقيق الخصائص التي تتميّز بها الرّواية، إلّا أنّه على الرّغم من أنّ تلك الأعمال السّرديّة النّثريّة التي أنجزوها، لم تتحقّق فيها خصائص الرّواية الفنّيّة، فإنّها قدّر لها أن تشدّ انتباه النّاس إلى عالم الرّواية.

إنّ أولئك الكتّاب الذين نشروا رواياتهم في أولى المراحل الزّمنيّة التي ظهرت فيها الرّواية، لاحت في خواطرهم الفكرة التي صوّرت لهم صعوبة تقبّل الأشخاص في البلاد العربيّة هذا الجنس الأدبيّ، الذي طرأ على أولئك النّاس في عصرهم الحديث، فأراد الكتّاب العرب في ذلك الأوان الباكر الذي ظهرت فيه الرّواية، أن يسبكوا أعمالهم السّرديّة في صيغ نثريّة، كان يألفها ويعتاد على مطالعتها هؤلاء النّاس، فكانت المقامة والسّير، في عداد أبرز الأجناس الأدبيّة العربيّة، التي سعى أولئك الكتاب، إلى الاستفادة من خصائصهما السّرديّة، في إنجاز أعمالهم الرّوائيّة، إذ بحثوا عن المدخل الموطّأ، الذي ييسّر للنّاس دخولهم عالم الرّواية، والفكرة التي لاحت في فكرهم، هي الاستناد إلى مخزون التّراث الأدبيّ، الذي كان النّاس يطالعونه، وأمّا الأدباء الذين عمدوا إلى أن يترجموا الرّوايات الأجنبيّة في تلك الفترة، التي ابتدأ فيها انتشار الأعمال الرّوائيّة بين النّاس، فإنّ بعضهم عمد إلى أن يطعّم الرّوايات التي كان يترجمها، بأبيات من الشّعر العربيّ، وكانوا يعالجون أحداث الرّواية وفق رؤيتهم إلى تلك الرّواية، فكانوا يعدّلون في النّصوص الرّوائيّة، ويحوّرون الوقائع،ونشأت طريقة التّرجمة بتصّرف التي كان يتّبعها بعض الكتّاب، وكان ذلك المسلك الذي اتّبعوه في تناولهم ذلك الجنس الأدبيّ السّرديّ، يوضّح نظرة أولئك الكتّاب في طبيعة وخصائص الرّواية.

 

انتشر الاعتقاد بين الكتّاب أنّ القرّاء العرب، في باكورة ظهور الرّواية في الوطن العربيّ، يؤثرون تلك الأعمال التي تتضمّن عناصر التّشويق والإثارة، إلّا أنّ في جليّة الأمر، فإنّ هؤلاء الكتّاب، لم يتبيّنوا بدقّة حقيقة الذّائقة الفنّيّة عند النّاس، إذ لا ريب في أنّ العديد من الكتّاب قد بالغ في تقدير عزوف النّاس عن الأعمال الرّوائيّة الرّفيعة، لأنّه عندما توفّرت لهؤلاء القرّاء، فرصة الاطّلاع على الرّوايات الأجنبيّة التي نقلت من اللّغات الأجنبيّة بترجمة دقيقة محكمة وأمينة، وهي كانت أعمال أدبيّة رفيعة في مستواها الفنّيّ النّاضج، ظهر تقبّل النّاس ذاك النّمط من نتاج ذلك الجنس الأدبيّ، وهو الرّواية التي تميّزت بمقوّماتها الفنّيّة العالية، وقد تحقّق نمو الذّائقة الفنّيّة عند القرّاء العرب، باطّلاعهم على تلك الرّوايات المترجمة، بالإضافة إلى بعض الأعمال الرّوائيّة التي أنجزها الكتّاب العرب، الذين راعوا في كتاباتهم الرّوائيّة، الخصائص الفنّيّة التي تتميّز بها الرّواية الفنّيّة، فلم تسهم الرّوايات التي قدّمها الكتّاب العرب في الزّمن الذي سبق ظهور تلك الرّوايات المترجمة، في تنمية الذّائقة الفنّيّة التي كان يمتلكها القرّاء العرب، الذين تمكّنوا من أن يميّزوا بين المستويات المختلفة التي تحلّ بها الأعمال الرّوائيّة، بعد أن توسّعت عندهم فرص الاطّلاع على الرّوايات الأدبيّة الفنّيّة، إذ كان احتفاء القرّاء بالنّتاج الأدبيّ الرّفيع مميّزاً، ويستلفت النّظر، وقد ظهر جليّاً أنّ القرّاء العرب كانوا يألفون بيسر فنّ الرّواية الرّفيع.



تسعى اتّحادات الألعاب الرّياضيّة الدّوليّة في أن تحفز أفراد الجمهور، إلى متابعة مباريات البطولات الرّياضيّة العالميّة التي تقيمها، وتضع تلك الاتّحادات في اعتبارها، أن تدفع ذلك الجمهور الذي يقبل على مشاهدة منافسات تلك البطولات الرّياضيّة، إلى أن يستمرّ على متابعة مباريات تلك البطولات بأكملها، وقد تحدّثت في سالف الأيّام، عن الطّرائق التي تنفّذها الاتّحادات الرّياضيّة في تنظيمها مباريات البطولات العالميّة الرّياضيّة التي تقيمها، وقد بيّنت المسلك الذي يتّبعه الاتّحاد الدّوليّ لكرة القدم "الفيفا"، في إقامة البطولات الكرويّة العالميّة، وتتّضح الغاية التي يرمي إلى أن يدركها ذلك الاتّحاد، في مستهلّ الأعمال التي ينفّذها، في تنظيم البطولات الكرويّة، وتحديداً في ذلك الأوان الذي يجري فيه توزيع الفرق الرّياضيّة على المجموعات المختلفة، التي تتنافس فيها المنتخبات الكرويّة العالميّة، وهو يحرص إلى أن يحول دون أن يحدث في البطولة التي يقيمها، النّهائيُّ المبكّرُ، ويقصد بتلك العبارة التي ترد أحياناً على ألسنة الجمهور ونقّاد الرّياضة، أنّ فريقين قويّين التقيا مع بعضهما البعض في إحدى مراحل البطولة، قبل الدّور الأخير الذي يصل إليه عادة الفريقان المتنافسان على إحراز لقب البطولة، ويدرك الاتّحاد العالميّ لكرة القدم "الفيفا"، النّفوذ الذي تتمتّع به الفرق القويّة، في جذب الجمهور إلى متابعة المباريات التي تؤدّيها، ويراعي ذلك الاتّحاد العالميّ "الفيفا"، أن يجنّب الفرق الكرويّة القويّة من أن تلتقي بعضها بعضاً في المراحل الأولى من البطولة، فمصلحة ذلك الاتّحاد الرّياضيّ التي تتحقّق في وصول الفريق الأقوى إلى المراحل النّهائيّة، تطابق المنفعة التي تتحقّق عند الجمهور، برؤيته الفرق القويّة في المراحل النّهائيّة من البطولة التي يتابعها.

يدأب الاتّحاد الدّوليّ الكرويّ لكرة القدم، في أن يمنع حصول ذلك النّهائيّ المبكّر في البطولات التي ينظّمها، كي يتأكّد من تحقّق استمرار الجمهور على متابعة مباريات البطولة، ولكنّ حساب الحقل لا ينطبق على حساب البيدر دائماً، إذ قد تبرز فرق مغمورة ناشئة قصيرة الباع في منافسات البطولات العالميّة، إلّا أنّها تتمكّن من أن تقلب موازين ذلك الاتّحاد الدّوليّ لكرة القدم، وتحقّق ذاتها، وتطيح كلّ التّوقّعات التي كان يضعها ذلك الاتّحاد الدّوليّ في حسبانه، وتفوز على الفرق القويّة في المباريات التي تتلاقيان فيها، فتثبت تلك الفرق المغمورة أنّ لكلّ مجتهد نصيب، ومن جدّ وجد، ولأنّ هذه الحالة التي ذكرتها آنفاً، تحدث في العديد من الأحيان في البطولات العالميّة، فإنّ بعض الأفراد الذين يدقّقون في الأفعال والقرارات الصّادرة من ذلك الاتّحاد الكرويّ العالميّ، قد يتحسّب لأن يحابي ذلك الاتّحاد الفرق القويّة، ليمهّد لها السّبيل إلى إدراك مراحل متقدّمة في البطولات العالميّة التي يقيمها، كي يطمأن بال أعضاء ذلك الاتّحاد، باستمرار الجمهور على متابعة مباريات البطولة، وهو يتّبع طرائق تُعتبر مشروعة في سعيه إلى الحيلولة دون حدوث ذلك النّهائيّ المبكّر، وتحديداً في إنجازه عمليّة توزيع المنتخبات القوية على المجموعات المختلفة، في ذلك الأوان الذي يجري فيه القرعة بين الفرق المتنافسة، إلّا أنّ وقائع البطولات العالميّة الرّياضيّة، تحول في أحايين عديدة دون أن يستمرّ تأثير هذه القرعة الموجّهة، إلى فترة تتخطّى المرحلة الأولى من تلك المنافسات الرّياضيّة، لأنّه قد تبرز فرق ناشئة تحقّق نتائج مفاجئة في تلك المرحلة المبكّرة من البطولات العالميّة، وغالباً ما يكون الاتّحاد الدّوليّ لكرة القدم، ضعيف الحيلة في معالجة النّتائج الطّارئة على منافسات البطولة، وبخاصّة في تلك المراحل الأولى من ذلك التّباري الكرويّ، إذ طابع المفاجأة من البديهيّ أنّه يغلب على نتائج المباريات التي لم يكنّ يتوقّع تحقّقها.

 

إذا كنت في مناقشتي تلك الحالة التي قد يراعي فيها الاتّحاد الدّوليّ الفرق الكرويّة القويّة، سايرت أولئك الأفراد الذين تذهب بهم الظّنون كلّ مذهب، فإنّ ذلك النّهائيّ المبكّر، الذي يتخوّف ذلك الاتّحاد الرّياضيّ الكرويّ العالميّ، من أن يتحقّق فعلاً في تلك البطولات التي ينظّمها، قد يتضمّن في ذاته الكثير من دواعي الإثارة، التي تحثّ الجمهور على متابعة مباريات البطولة، وخصوصاً إذا تسبّبت بحدوث ذلك النّهائيّ الذي يأتي قبل أوانه، الفرق الحديثة العهد بشؤون تلك المنافسات الرّياضيّة الدّوليّة، فتحقّق تلك الفرق المغمورة مصلحة ذلك الاتّحاد الدّوليّ لكرة القدم، بطريقة غير مقصودة، إذ تحافظ على مستوى عال من الإثارة في مباريات تلك البطولة، على الرّغم من أن بروز تلك الفرق كان مفاجئاً لأفراد الجمهور ولاتّحاد الكرّة الدّوليّ، الذي لا يجب أن يخامر أعضاءه حينئذ، القلق على مصير تلك البطولة التي يديرونها، لأنّ النّتائج المفاجئة التي انتهت إليها المباريات التي حقّقت الفوز فيها الفرق المغمورة، ستؤجّج حماس ورغبة الجمهور في رؤية المباريات، وتثير اهتمامه لمتابعة المنافسات إلى المراحل النّهائيّة لتلك البطولة التي يتابعها، فالبطولة لم تنته في ذلك النّهائيّ المبكّر، وهي ستستمرّ وقد يتحقّق في مباريات المراحل التّالية المتبقّية فيها، النّجاح المنشود في حضّ أفراد الجمهور على مواصلة متابعة مباريات هذه البطولة، وأعتقد أنّ هذه الحجج التي أوردتها، تثبت أنّ ميل الاتّحادات الرّياضيّة إلى محاباة الفرق القويّة، إن كان تحقّق فعلاً، ليس هو الطّريقة المثلى التي تكفل بنجاح البطولات الرّياضيّة، وخاصّة أنّي أوضحت أنّه لا توجد دواعي راجحة وبواعث وجيهة، إلى نشوء تلك المحاباة التي كان يخشى بعض النّاس، أن تشوب القرارات والإجراءات، التي تنظّم بها الاتّحادات الرّياضيّة الدّوليّة البطولات العالميّة.



إنّ الأعمال الفنّيّة التي يبتكرها الفنّانون، تتّصف بخصائص محدّدة، تميّزها عن سائر المنتجات التي يصنعها البشر، وتلك الخصائص المميّزة التي تفرز النّتاج الفنّيّ، من سائر المصنوعات المنتجة، تمنح ذلك العمل الذي يتّصف بها، الطّابعَ الفنّيَّ، الذي تتميّز به تلك الأعمال التي يبتكرها الفنّانون، وإذا كانت الأعمال الفنّيّة المتنوّعة، تجمع بينها سمات فنّيّة مشتركة، إلّا أنّ الفنّانين يختلفون في اتّباع الطّرائق التي ينتجون فيها أعمالهم الفنّيّة، حيث يعزى ذلك الاختلاف الذي ينشأ بينهم آنئذ، إلى تنوّع الموادّ التي يصنع بها أولئك الفنّانون مبتكراتهم الفنّيّة المتباينة، فيختلف الفنّانون في الطّرائق التي يعالجون فيها الموادّ المتنوّعة التي تبنى بها أعمالهم، حيث يراعي كلّ فنّان في مزاولة عمله الفنّيّ، تلك المبادئ الخاصّة، التي تقتضي تحقّقها طبيعة تلك الموادّ التي يصنع بها عمله الفنّيّ، وكان النّتاج الرّوائيّ حلّ بمصافّ الأعمال الفنّيّة، بعد أن تميّز بخصائص محدّدة، أهّلته لينضوي إلى نطاق الأعمال الفنّيّة، فلا تختلف الرّواية عن سائر أنواع النّتاج الفنّيّ، في وجوب تميّزها بسمات محدّدة تمنحها الخاصّيّة الفنّيّة التي تتميّز بها، فالرّواية هي جنس أدبيّ، يتّسم بخاصّيّة السّرد النّثريّ، الذي يتوجّب أن يتميّز بمقوّمات محدّدة، كي يتاح لتلك الرّواية، أن تنضوي إلى ميدان الفنون، وتلك المقوّمات التي أوجب أن تتّسم بها الرّواية، تنعت بصفة الفنّيّة، حيث تصبح تلك المقومات الفنّيّة، هي المعيار الذي يسبر به بنيان الرّواية، لتبيان حقيقة أهليّتها لأن تنضم إلى زمرة الأعمال الفنّيّة، فالنّتاج الرّوائيّ في شكله السّرديّ، إن افتقر إلى تلك المقومات الفنّيّة، حيل دون أن يندرج في عداد الأعمال الفنّيّة، وهذا المعيار كان له اعتبار بارز في ميدان الأدب العربيّ، وفي نطاق دراسات النّقد الأدبيّ، التي كانت ينظر فيها إلى تلك الأعمال الرّوائية التي أنجزها الكتّاب العرب.

 

ذهب بعض النّقّاد إلى الاعتقاد بأنّ أولى الأعمال الرّوائيّة في الأدب العربيّ، ظهرت في حوالي منتصف القرن التّاسع عشر، حيث كان الكتّاب العرب يزاولون ذلك النّمط من الكتابة النّثريّة، التي اتّخذت شكل السّرد الأدبيّ، إلّا أنّ تلك الرّوايات التي ظهرت في ذلك الأوان، لم تدرج في عداد ذلك الجنس الأدبيّ السّرديّ الفنّيّ، وهو تحديداً الذي كان يعرّف بشكل الرّواية التي تتّسم بمقومات فنّيّة، وإن اعتِقدَ أنّ ظهور ذلك النّمط من الكتابة النّثريّة السّرديّة، في النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر، قد مهّد للجنس الأدبيّ الرّوائيّ الذي تميّز بمقوّماته الفنّيّة، أن يظهر في مرحلة تالية، خلال العقد الثّاني من القرن العشرين، ولكنّ فكرة التّمهيد، التي تحدّث عنها بعض النّقّاد، لا تعني أنّه توجد رابطة في الصّياغة النّثريّة السّرديّة، بين الرّوايات التي ظهرت في هاتين المرحلتين المتعاقبتين، إذ أنّ مقوّمات الرّواية بمظهرها الفنّيّ، تختلف عن خصائص الأعمال الكتابيّة السّرديّة التي ظهرت في المرحلة الأولى، ولكنّ كانت فكرة التّمهيد تنحصر في تهيئة الجوّ الأدبيّ، الذي يتقبّل فيه النّاس ظهور ذلك الجنس النّثريّ الرّوائيّ، وإن كان العديد من النّقّاد قد بيّن معالم ذلك التّباين والاختلاف، بين الرّوايات التي ظهرت في هاتين المرحلتين، إلّا أنّ العديد من القرّاء في ذلك الأوان، الذي يبعد عنّا مدّة زمنيّة تقارب القرن، أدرك أيضاً ذلك الفارق بين روايات هاتين المرحلتين، فكان أولئك القرّاء، يتمتّعون بالآفاق الفكريّة الواسعة، ويمتلكون النّظرة المدقّقة في النّتاج الرّوائيّ الذي يطالعونه، إذ كان هؤلاء القرّاء يفصحون عن رغبتهم في قراءة روايات تتحقّق فيها المقوّمات، التي تؤهّلها لأن تندرج في عداد الأعمال الأدبيّة الفنّيّة، التي كانت تناسب مستوى المرحلة العالية، التي بلغتها عند أولئك القرّاء حاسة التّذوّق الأدبيّ.