دأب تقويم (مفكّرة أو روزنامة) الهاشميّ في أن يذكر على أوراق التّقويم، بعض الأخبار عن الأحداث التّاريخيّة، وقد نشر في سنته الحالية التّاسعة والتّسعين، في يوم الأربعاء 4 شوّال 1438 هجريّ، الموافق ل28 حزيران (يونيو) 2017 غربيّ، موعظة كان ألقاها الفقيه والمؤرّخ ابن الجوزيّ على ابنه، وكان عنوان الخبر الذي ذكرت فيه عبارات تلك الموعظة، هو "ابن الجوزيّ يعظ ولده"، وقبل أن أذكر نصّ تلك الموعظة، فإنّي أنوّه بأنّه قد ورد في عظة ابن الجوزي، عبر ومعان، يجب أن نتمعّن فيها مليّاً، والعبرة الأولى، هو حديثه، عن مقدار المال الذي أنفقه في سبيل تحصيل العلم، واقتناء الكتب، وهذه مأثرة اشتهر بها العرب كثيراً في الأزّمان الغابرة، وحديث ابن الجوزيّ الذي نطالعه في هذا الخبر، هو غيض من فيض، إذ بالإمكان أن نسهب في التّكلّم عن المدى الذي بلغه العرب في الشّغف بتحصيل العلم، وشراء الكتب، وفي وسعنا أن نتحدّث عن شدّة رغبة العرب في قراءة الكتب ولا حرج علينا، ثمّ برز في عظة ابن الجوزيّ، معنى يتّصف بأهمّيّة جلّى، وهو الأنفة من التّذلّل والإعراض عن التّزلّف إلى الآخرين، سعياً لإدراك منفعة أو حاجة ملحّة.

أذكر جيّداً أنّي قرأت مثيلاً لهذا المعنى ذاته، في كتاب الاعترافات الذي وضعه الفيلسوف والكاتب الفرنسيّ جان جاك روسو، الذي تحدّث في مؤلّفه، عن احترازه من أن تسبّب له رغبته في تحصيل المزيد من حوائجه، لأن يصبح عرضة لاستعباد الآخرين له، ومن يقرأ كلمات الكاتب جان جاك روسو في كتاب سيرته الذّاتيّة وأعني كتاب الاعترافات، وهي الكلمات التي عبّر فيها عن المعنى نفسه، الذي كان ابن الجوزيّ صرّح به قبل حوالي 600 سنة من ذلك الأوان الذي عاش فيه جان جاك روسو، فلا ريب في أنّه يقول في التّعليق على عبارات الكاتب الفرنسيّ: "هذه بضاعتنا ردّت إلينا"، فالعرب كانوا سبّاقين في كثير من الأحايين إلى أن يأتوا بالأفكار المبتكرة والمعاني البديعة، ويشهد التّاريخ على تفوّقهم ونبوغهم في كافّة ميادين الفكر والعلم والأدب، وأمّا نصّ الموعظة التي ذكرها ابن الجوزيّ، فهي كانتذكرت على ورقة التّقويم وفق العبارات التّالية: ابن الجوزيّ يعظ ولده

 

قال له: اعلم يا بني أنّ أبي مات وخلّف لي دارين وعشرين ديناراً فاشتريت كتباً بالدّنانير وأنفقت ثمن الدّارين في طلب العلم حتّى لم يبق لي شيء من المال.. وما ذلّ أبوك ولا سأل شيئاً من أحد ولا بعث رقعة (رسالة) إلى أحد يطلب منه إعانة. وأموره تجري على السّداد.. "وَمَن يَتَّق اللهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مَنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسبُ" (الطّلاق: 2_3) فاجتهد يا بني في صيانة عرضك ولا تطلب من أحد شيئاً حتّى لا يستعبدك.. ولقد كنت أصبح وليس عندي ما آكل، وأمسي وليس عندي ما آكل.. ما أذلّني الله تعالى لمخلوق قط.