تحدّدت الحوائج الضّروريّة في حياة الإنسان منذ نشأته على أديم هذه الأرض، بمأوى يسكن فيه، وغذاء ينمّي به جسده، وثوب يكتسيه، وكان علماء الآثار والمؤرّخون، توغّلوا في سبر أحوال معيشة الإنسان في الأزمنة القديمة السّحيقة، وجهدوا في أن يتبيّنوا تلك الحوائج الأساسيّة الملحّة، التي لا مندوحة للإنسان عن أن يحصّلها، وقد عمد هؤلاء العلماء إلى أن يحدّدوا الأوان، الذي بدأ فيه الإنسان يأتزر بالأردية، إذ اعتقدت فئة منهم، أنّ ذلك الوقت، يعود إلى زمن يتخطّى مائة ألف سنة، فكانت تلك الحاجة إلى ارتداء اللّباس، ظلّت تلازم الإنسان طوال العهود المديدة المتوالية، وقد نوّه علماء الآثار، بوجود تلك الحاجة الضّروريّة عند الإنسان، وحاولوا في الحفريّات الأثريّة التي أنجزوها، أن يستدلّوا على أشكال الملابس التي كان يرتديها النّاس في الأزمنة الغابرة، وأن يقفوا على الأسباب التي تدفع الإنسان إلى أن يرتدي الثّياب، فكانت حصيلة ذلك الجهد الذي بذله علماء الآثار، والمؤرّخون في ميدان الاكتشافات التي حقّقوها، هي تلك المعلومات التي أناروا بها أحوال معيشة الإنسان في سالف الأزمان.

استمرّ الأثريّون والمؤرّخون، على بحثهم في شؤون تلك الألبسة، التي كان يرتديها النّاس في غابر الأزمان، فكانت اكتشافاتهم الميدانيّة تتوالى، وأبحاثهم النّظريّة الفكريّة تتابع، بيد أنّ الكاتب والفيلسوف والمؤرّخ الاسكتلنديّ توماس كارليل، قد هاله إعراض الفلاسفة والمفكّرين عن تناول شؤون اللّباس في دراساتهم الفكريّة، التي قدح فيها الكاتب كارليل، وأخذ عليها النّقصان الذي يعتورها، في افتقادها البحث في مسائل الملابس، فلم يكن الفلاسفة والمفكّرون، يكترثون بشؤون الملابس، التي ظلّت غائبة عن ميدان النّظر والدّراسة، الذي تجول فيه أذهان أولئك الفلاسفة والمفكّرين، وقد كان توماس كارليل وضع مؤلّفاً مستطير الشّهرة، ونيّر العبرة، هو كتاب "في الأبطال وعبادة البطولة"، الذي تناول فيه سير العظماء في التّاريخ، والعوامل المؤثّرة في تحديد المجرى الذي يمضي فيه التّاريخ البشريّ.

حزّ في صدر الكاتب توماس كارليل، ذلك الوضع الذي آلت إليه شؤون اللّباس، عند جمهرة واسعة من الفلاسفة والباحثين، الذين أنحى باللّائمة عليهم، لتهاونهم في معالجة مسائل اللّباس، وأخذ يقرّعهم، لتقصيرهم في العناية بشؤون الثّياب، في الأبحاث التي ينجزونها، وقد كان ذلك النّقصان الحاصل في أبحاث هؤلاء المفكّرين، دفع الكاتب توماس كارليل إلى أن يدلي بآرائه في موضوع الملابس، فاندفع في أن يضع كتاباً تحدّث فيه عن شؤون اللّباس، وقد ترجم هذا الكتاب إلى اللّغة العربيّة، نقلاً عن اللّغة الانكليزيّة، وأمّا عنوان ذلك الكتاب المترجم الصّادر باللّغة العربيّة قبل تسعين عاماً، فكان "فلسفة الملابس"، وقد احتوى الكتاب على حاشية أفادت بأنّ ذلك العنوان، لم يكن هو الاسم الذي وضع ليكون عنوان الكتاب في نسخته الانجليزيّة، إذ ذكر أنّ "الاسم المعروف به هذا الكتاب في اللّغة الانجليزيّة هو "سارتر ريزارتس" وهي عبارة لاتينيّة معناها: الخياط يرقع"(1)، وعبارة فلسفة الملابس ذاتها، وردت بنصّها الحرفيّ ضمن الكتاب، فلم تكن تلك العبارة أقحمت في فكر الكاتب توماس كارليل، لأنّه كان أفصح عنها في متن ذلك الكتاب الذي وضعه.

عمد الأشخاص الذين تولّوا مسألة نشر الكتاب باللّغة العربيّة، إلى أن يبدّلوا العنوان، اعتقاداً منهم أنّ العنوان الجديد الذي استنسبوه لهذا الكتاب، سيكون ملائماً لإنارة تلك المضامين التي ينطوي عليها الكتاب، فقرّروا أن يبدّلوا ذلك العنوان، تمشياً مع القاعدة التي تذكر أنّ المكتوب يقرأ من عنوانه، وقد كان الكاتب توماس كارليل رأى في "الواقع إنّ حياة الإنسان بحذافيرها وظروفه بأجمعها، قد هتكت عن بواطنها الحجب وأميطت عن غوامضها الأستار، حتّى لا تكاد ترى قطعة أو نسيجة من روحه أو جسمه أو مقتنياته وملكه، إلّا قد سبرت واختبرت وشرِّحت وقطرت وجفّفت وحلّلت"(2)، فكان من ديدن الفلاسفة والعلماء والدّارسين، أن يبحثوا في حياة الإنسان، ويدقّقوا النّظر في شؤونها، بيد أنّ الكاتب كارليل بعد أن تحدّث عن دأب هؤلاء المفكّرين والعلماء، في أن يسعوا إلى أن يحكموا إحاطتهم بحياة الإنسان، طعن في أبحاثهم لنقصان رأى أنه كان يعتورها، فذكر أنّه "لقائل بعد ذلك أن يقول كيف كان إذن أنّ العلم، قد أعرض كلّ الأعراض عن أعظم النّسائج شأناً وأكبرها خطراً، عن النّسيج الحقيقيّ الوحيد أعني النّسيج الثّوبيّ الذي يحاك من الصّوف، أو ما عداه والذي تتّخذه النّفس الآدميّة دثاراً شاملاً تلتفّ في أثنائه، وتحتمي بحماه فيكون لها غلافاً ظاهراً يحجب ويحوي ما للإنسان من سائر النّسج"(3)، فبعد أن دقّق الكاتب كارليل النّظر في الأبحاث العلميّة والدّراسات الفكريّة، التي أنجزها العلماء والباحثون، أعرب عن استغرابه لخلو تلك الدّراسات من البحث في مسائل الملابس التي يرتديها النّاس.

إنّ ذلك التّفاوت الحاصل، في مقدار ذلك الاهتمام الذي كان يوليه العلماء والباحثون، إلى تلك المواضيع التي تبرز في المجتمعات التي يحيون فيها، حثّ الكاتب توماس كارليل على أن يخمّن تلك الأفكار، التي استند إليها المفكّرون في إصدافهم عن التّطرّق إلى النّظر في شؤون الملابس، وذهب الكاتب كارليل إلى أن يعتقد أنّه "قد نرى في بعض الأحايين مفكّراً مهيض الجناح يلقي نظرة كنظرة البومة العشواء، شطر ذلك الإقليم الغامض الأرجاء، ولكنّ معظم الفلاسفة والمفكّرين يحلقون فوقه، ضاربين عنه صفحاً معرضين عنه كشحاً، معتبرين الملابس خاصّة فطريّة لا ظاهرة عرضيّة، كأنّها تخلق لنا عفواً ورهواً بحكم الطّبيعة، كما تتفطّر الأوراق على لحاء الأغصان وكما ينبت الرّيش مكسواً مستوراً"(4)، فلفتت انتباه الكاتب كارليل، حالة التّناقض الذي وقع فيه أولئك المفكّرين، الذي أحجموا عن تناول مسائل الملابس، بينما كانوا يتعمّقون في دراسة كلّ الظّواهر التي تتّصل بروابط متنوّعة بحياة النّاس، فلم يفتر عن أن يعرّض بمعظم هؤلاء الفلاسفة والمفكّرين، بعد أن رأى تهاونهم في تناول شؤون اللّباس.

انفرد الإنسان دون سائر الكائنات الحيّة، بالتّميّز بخصائص محدّدة، فكان أحوج الكائنات إلى أن يرتدي الثّياب، لأنّ "الحقيقة إنّه بحكم الطّبيعة حيوان عار مكشوف، لا يستطيع تغطية بدنه بالملابس، إلّا في أحوال معلومة بعد أن يتعمّد ذلك تعمّداً، فيتّخذ له أهبته ويدبّر له حيلته"(5)، فإذا كانت اتّضحت أسباب نشوء تلك الرّابطة الوثيقة، التي تجمع بين النّاس والملابس، فإنّ الكاتب توماس كارليل رغب في أن يفسّر الموقف الذي اتّخذه المفكّرون، نحو المكانة التي تحلّ بها الملابس، فلجأ إلى الاستشهاد بكلمات الكاتب المسرحيّ شكسبير، الذي أورد أقواله، التي كانت تنطوي على مغاز، اعتقد الكاتب كارليل، أنّها تفي بتفسير سبب إعراض المفكّرين عن تناول شؤون الملابس، إذ كان شكسبير قال: "نحن خلائق نرمي بأبصارنا خلفاً وأماماً. فيا للعجب نفعل ذلك ثمّ لا نهتمّبالنّظر حولنا قليلاً، حتّى نرى ما يقع تحت أعيننا وما يجري بين أقدامنا"(6)، وقد رمى شكسبير في تلك الكلمات التي ذكرها، إلى أن يوضّح أنّه قد أصابه العجب من النّاس الذين يستجلون النّواحي التي يصل إليها بصرهم، وهي مواقع تكون نائية عنهم، بينما لا يكترثون بأشدّ الأشياء قرباً منهم، وقد اكتفى شكسبير بأن يسرد تصرّف وأفعال أولئك النّاس الذين خصّهم بحديثه، من دون أن يبحث في ذلك الموقف الذي يتّخذه أولئك النّاس، أو يعلّل أسباب ذلك التّصرّف الذين اعتمدوا أن يأتوه، وإن اكتفى شكسبير بوصف ظاهر ذلك السّلوك، فكانت تلك المرحلة التي بلغها في وصفه حالة أولئك الناس الذين تحدّث عنهم، تنمّ على ملاحظته الأفعال التي يأتيها النّاس الذين كانوا ينتشرون حوله.

إنّ التّفكير النّقديّ الذي يسبر به الإنسان الظّواهر التي يراها، يهيّئ له مواجهة تلك الأحداث التي تعترض مجرى حياته، بعد أن يتيسّر له إدراك كنه تلك المجريات التي يمرّ بها، ويشمل الإنسان السّوي الأشياء الوثيقة الصّلة به، بنظرته النّقديّة، كي يحقّق الفائدة التي يرتجيها في استخدام قواعد ذلك التّفكير النّقديّ، فلم يجد الكاتب توماس كارليل غضاضة، في أن يقرّ بتقصير أبناء وطنه في تناول مسائل الملابس، إذ يقول: "وربّما كان في اعترافنا معشر الإنجليز، لأوّل مرّة بأنّ شيئاً من فلسفة الملابس لم يخطر على بال أحد منّا قبل اليوم، دليل على ما وصلت إليه العلوم النّظريّة فيما بيننا من الوهن والاضمحلال، وبرهان على أنّ عظمتنا التّجاريّة ودستورنا النّفيس، قد ضيّقا على الفكر خناقه وشدّا وثاقه. فأيّ ذهن إنجليزيّ كان يستطيع التّعرّض لهذا الموضوع الفلسفيّ صدفة واتّفاقاً، بله تعمّداً واختياراً؟"(7)، فكان هؤلاء الأشخاص الانجليز انغمسوا في الاهتمام بمشاغل، صرفتهم عن البحث الفكريّ في شؤون اللّباس.

أفصح الكاتب توماس كارليل عن حقيقة ذلك المآل الذي سينتهي إليه موضوع الملابس، التي أصابها الهوان والضّياع، بحسب اعتقاده، إذ ذكر أنّه يتبيّن من "الواقع أنّ هذا المبحث النّظريّ الدّقيق كان على خطورته، لا محالة يلبث أبد الدّهر مهملاً"(8)، وأراد توماس كارليل أن ينتشل شؤون اللّباس من براثن ذلك الإهمال، وقد حدّد الزّمن الذي بدأ فيه انتباهه إلى الحالة التي انتهى إليها موضوع الملابس، عند المفكّرين، إذ ذكر "إنّ ناشر هذه الصّحف بالرّغم ممّا يدّعيه لنفسه من اعتياد التّفكير الفلسفيّ، والنّفوذ في البحث المنطقيّ ليعترف بأنّ هذه الخواطر الجليلة، عن افتقارنا التّامّ إلى فلسفة الملابس لم تخطر بباله إلّا منذ عهد قريب"(9)، والناشر الذي يقصده في كلامه هو كارليل نفسه، بيد أنّ بحسب حكمة المثل الذي يذكر أن تصل متأخّراً خير من ألّا تصل أبداً، فإنّ توماس كارليل أراد أن يستدرك حالة ذلك التّقصير، الذي وقع فيه أبناء وطنه، فأخذ يسعى في أن يتصدّى لسدّ تلك الثّلمة المتّسعة في أبحاث المفكّرين في وطنه.

إنّ العلم الذي يظلّ مكنوناً في الصّدور، ومستوراً في الأفئدة، من دون أن يذاع بين النّاس، تتلاشى فوائده وتضمحلّ مزاياه التي يتوخّى النّاس أن يدركوها، فكتمان العلم يضيّع تلك المنافع التي يدلّ إليها، ويطيح تلك المكاسب التي كانت تنقطع السّبل التي تؤدّي إليها، باستثناء طريق العلم، الذي إن ظلّ متوارياً في أطواء الكتمان، فسيندثر في غياهب الظّلام، ويصبح هو والجهل صنوان، كالنّور المحتجب بأستار من الأسجاف، يصير مثيل العتمة، وقد رغب الكاتب توماس كارليل في أن يعمّم الفائدة التي جناها من بحثه في شؤون اللّباس، إذ قال: "فإنّي ما كدت أشرع في إمضاء تلك العزيمة، حتّى واجهتني مسألة جديدة وهي: كيف السّبيل إلى إشراك الغير فيما حصلت عليه من الخير، وكيف يمكن تقريب فلسفة الملابس وواضعها من أفهام أبناء وطني وبني جلدتي؟"(10)، وقد أدرك توماس كارليل أهمّيّة العمل الذي يخوض غماره، إذ كان ينظر إليه بعين الاعتبار، وكي يبرز حقيقة تلك المكانة العالية التي أحلّه بها، عمد إلى أن يجري مقارنة بين عمله الذي ينجزه، ومؤلّف آخر، بان نفعه العميم للنّاس، في ميدان الأبحاث الفكريّة، فأوضح توماس كارليل أنّه "كما وضع مونتسكييه كتاباً عن روح الشّرائع أضع أنا كتاباً عن روح الملابس. فإنّ الإنسان لا يجري مع الصّدفة العمياء في سنّ الشّرائع ولا في خياطة الملابس. بل لا تزال اليد العاملة مهتدية بنور العقل تنقاد بزمامه وتذعن لأحكامه"(11)، فإذا كانت الأفكار الواردة في هذا الكتاب، هي أفكار وآراء الكاتب توماس كارليل، إلّا أنّه نسب هذه الأفكار إلى شخص آخر، وتلك الطّريقة في الكتابة، ليست محطّ البحث حاليّاً في هذه المقالة، عندما ننظر في الأفكار المذكورة في هذا الكتاب، لأنّها كانت أفكار توماس كارليل نفسه، فموضوع اللّباس، ينطوي على مسائل عديدة، يتوجّب حقّاً أن تنار مضامينها، لأنّها كانت وطيدة الارتباط بحياة النّاس، خلال العصور العديدة المتعاقبة.

1_ توماس كارليل، فلسفة الملابس، مطبعة البشلاويّ بالقاهرة، ص4.

2- المصدر السّابق ، ص10.

3_ المصدر السّابق نفسه.

4_ المصدر السّابق نفسه.

5- المصدر السّابق نفسه.

6- المصدر السّابق، ص10، 11.

7_ المصدر السّابق، ص12.

8- المصدر السّابق نفسه.

9- المصدر السّابق، ص13.

10- المصدر السّابق، ص15.

 

11- المصدر السّابق، ص35.