كانت الحكايا الشّائقة التي ترويها جدّتي، تفتن لبّي، وتأخذ بمجامع قلبي، وكان يشاركني في الإصغاء إلى حديثها العذب، أفراد أسرتي، فكنّا نجتمع حولها، ونقبل جميعنا عليها بأسماعنا، فتستميلنا إليها بألفاظها السّلسة، وكلامها الرّائق، الذي تشنّف به آذاننا، وتسحر عقولنا، وتمتّع نفوسنا، فكانت حكايا جدّتي تطلق لخيالنا العنان، فنسعى في أن نحيط بتلك المعاني، التي تتضمّنها تلك العبارات التي كانت تسردها، وظلّت تلك الحكايا تروق لأفراد عائلتي جميعهم، في أجيالهم كافّة، إذ استطاعت جدّتي أن تزيد في متانة أواصر الألفة القويّة التي كانت تجمع بين أفراد العائلة، وبعض تلك الحكايا التي ترويها، ربّما يكون قد ورد من قبل على سمع الأفراد الكبار في عائلتي، إلّا أنّهم كانوا يحرصون على الإصغاء إلى حديثها، ويفتنون بتلك الحكايا التي تسردها، من دون أن يختلف شأنهم، عن أحوال الأفراد الذين يستمعون أوّل مرّة إلى تلك الحكايا التي ترويها جدّتي، حتّى أنّه من ينظر إلى أفراد العائلة الكبار، الذين يواظبون على الاستماع إلى تلك الحكايا، التي قد يكونون تلقّفونها من جدّتي مرّات عديدة في السّنوات الماضية، يظنّ أنّهم يستمعون أوّل مرّة إلى تلك الحكايا التي تلقى عليهم.

لم تكن تلك الحكايا الممتعة التي ترويها جدّتي، الوسيلة الوحيدة التي كنّا نتّخذها كي نقبل إليها، ونتحلّق حولها، على الرّغم من أنّه كانت تدفعنا إلى أن نميل إليها، بواعث الرّغبة في أن نتلقّف تلك العبارات التي كانت تتلفّظ بها جدّتي، فعلاوة على تلك الحكايا والأخبار، التي كانت تدفعنا إلى أن نلازم جدّتي، ونصغي إليها بملء أسماعنا، فإنّها كانت تعكف على مزاوله نشاط، كان يستأثر بانتباهنا، في المراحل كافّة، التي كانت تجتازها جدّتي، في ممارستها ذلك النّشاط، الذي اندرج في عداد تلك الهوايات، التي كانت تواصل في أن تمارسها، وذلك النّشاط الذي كانت يستهوي جدّتي، هو شغل الإبرة، إذ كانت متمكّنة من مزاولة الحياكة باستخدام الإبرة، وكانت جدّتي تتّسم بالمهارة في حياكة المنسوجات اليدويّة، وذلك النّمط من حياكة النّسيج بالإبرة، هو أحد الفنون القديمة، التي نشأت في الزّمن الغابر، وإن كانت ذهبت بعض آراء الباحثين مذاهب شتّى، في تحديد المكان الذي نشأ فيه هذا النّمط من الفنّ، حيث اندرجت في عداد الأماكن التي ذكر أنّه قام فيها ذلك الفنّ، مناطق الجزيرة العربيّة وجنوب أفريقيا، والصّين، وعلى الرّغم من تلك الآراء التي تختلف فيما بينها، في ترجيح نشوء هذا الفنّ في موضع محدّد دون سائر الأماكن، إلّا أنّ الباحثين في شؤون ذلك الفنّ، يتّفقون على الاعتقاد بأنّ ذلك النّمط من الحياكة اليدويّة، أصاب الذّيوع الكبير والشّهرة العريضة والانتشار الواسع، بعد أن راج في أوروبا في القرن التّاسع عشر.

 

أصبح الحبك اليدويّ حرفة ثابرت العديد من النّساء على أن تزاولها، في بلدان شتّى في العالم، وقد عرف هذا النّشاط بالاسم الفرنسيّ وهو الكروشيه، والذي يقابله أيضاً في اللّغة العربيّة مصطلح النّسج اليدويّ بالإبرة، بالإضافة إلى مصطلح الحبك اليدويّ، وأمّا الوسائل التي تستخدم في مزاولة هذا النّشاط من النّسج اليدويّ، فهي الإبرة، والخيط، بالإضافة إلى نموذج من الورق، ترسم فيه القطعة التي يسعى في حياكتها، ويسمّى ذلك النّموذج أيضاً بالمخطّط أو القالب الهندسيّ أو الخريطة، وهو يقابل اللّفظ الأجنبيّ "الباترون"، وأمّا الخيوط المستخدمة، فهي تتنوّع في مقدار رفاعتها وسمكها، وهذا التّفاوت في درجات الحجم، يحدّد بأرقام تبيّن تنوّع تلك الخيوط، التي يناسب كلّ منها القطعة المحدّدة التي ينوى حياكتها، وتصنع تلك الخيوط من موادّ مختلفة مثل الصّوف أو القطن أو الحرير، وتوجد أيضاً خيوط صناعيّة كالنّايلون، بالإضافة إلى تلك الخيوط التي تستخرج من المعادن كالذّهب أو الفضّة، وأمّا الإبرالمستخدمة في حياكة المنسوجات، وهي معكوفة الشّكل، فتسمّى بالصّنارة، وهي تصنع من موادّ متنوّعة، مثل الألمنيوم والنّحاس والفولاذ والعاج والعظم.