تضيع أوقات عديدة سدى في حياة النّاس، وإن أحصينا تلك البرهات التي تذهب هباء، لتحصّل عندنا زمن مديد، لا يقدّر بثمن، إذا أردنا أن نحدّد قيمة الزّمن بالثّروة الماليّة، اقتداءً بتلك الحكمة، التي تؤكّد أنّ الزّمن هو العملة الوحيدة التي يمتلكها الإنسان، إذ يستطيع أن ينفقها وفق مشيئته، وكثيراً ما يمضي النّاس فترات طويلة، تضيع هدراً، في غضون الأعمال التي يأتونها، فإذا نظرنا على سبيل المثال في تلك المشاوير المتنوّعة، التي كانوا ينجزونها، فإنّ العديد منها، كان يستغرق أوقاتاً محدّدة، تشتمل على مجموعة من الأحداث، التي لم يكن يأخذ بعضها برقاب بعض، فلا تتوالى متسارعة، فكانت تتخلّل تلك الأحداث فترات زمنيّة، تتفاوت فيما بينهما، في مقدار الطّول الذي تبلغه، إذ تفصل بين تلك الوقائع فسح من الوقت، كان النّاس يتهيّؤون فيها للانتقال بين تلك الأحداث، التي تتضمّنها مشاويرهم، وقد اختلفت الأسماء التي أطلقت على تلك المدد الزّمنيّة، التي تفصل بين وقائع تلك المشاوير، وغالباً ما كانت تسمّى بفترة الاستراحة، التي هي في جليّة الأمر برهة انتظار، يستعدّ النّاس فيها لاستئناف التّطرّق إلى تلك الأحداث، التي تتضمّنها المشاوير، التي كانوا يخوضون فيها.

إنّ العمل المثمر البارز، الذي يتاح للنّاس أن يؤدّوه في فترات الفراغ، التي كانت تتخلّل وقائع غالبيّة المشاوير، هو مطالعة الكتب، وقد كان بعض النّاس، الذين يجلسون في الرّدهات التي توجد في محطّات القطار والمطارات، أو في غرف الانتظار في عيادات الأطباء، والمستشفيات، أو في الأماكن العامّة المختلفة، عمد إلى أن يمضي فترة الانتظار، بمطالعة المجلّات والمنشورات المتنوّعة التي كان يتيسّر للنّاس أن يحصلوا عليها، وقد أدرك الأطباء حاجة المرضى والمراجعين، إلى أن يتخفّفوا من وطأة فترة الانتظار، فكانوا يضعون في متناول أيدي أولئك الأشخاص، الذين يفدون إلى عياداتهم، المجلّات الطّبّيّة والفنّيّة والاجتماعيّة المتنوّعة، ولا ريب في أنّ شأن مطالعة الكتب، يجب أن تقصد لذاتها، من دون أن تكون مجرّد وسيلة لتمضية الوقت، فيتعيّن أن يعدّ النّاس لها وقتاً خاصّاً بها، ولا يستطيع أحد أن ينكر أهمّيّة تكريس ذلك الوقت المحدّد لقراءة الكتب، وقد أيقنت العديد من دور النّشر في العالم، حاجة النّاس في تلك الظّروف التي بيّنتها آنفاً، إلى مطالعة الكتب، وتلك الرّغبة النّاشئة عند النّاس، كانت أحد أسباب انتشار كتب الجيب، حيث كانت دور النّشر التي اعتمدت نشر تلك الكتب، تنظر في تلبية حاجة النّاس إلى القراءة، بالإضافة إلى المزايا العديدة التي كانت تتمتّع بها تلك الكتب، التي كانت تتميّز بصغر حجمها، كي توضع في المكان الذي أضيف اسمه إلى الكتاب، أعني الجيب.

دأبت في أن أصطحب معي الكتاب في غالبيّة المشاوير التي كنت أنجزها، فأحرص على أن آخذ ذلك الكتاب معي في حلّي وترحالي، وخصوصاً عندما أتيقّن بأنّي سأغنم أوقات الفراغ، التي كانت تفصل بين الأحداث التي تتضمّنها تلك المشاوير، فكان الكتاب دائماً بصحبتي، في ذهابي إلى أماكن شتّى، كنت أقصدها، فلم يكن يفارقني في رواحي إلى ملاعب الرّياضة، التي كنت أشاهد فيها المباريات الرّياضيّة، وعندما أذهب إلى المسابح، كان لا بدّ من أن آخذ معي الكتاب، الذي ظلّ يرافقني أيضاً في ذهابي إلى وجهات كثيرة، غير تلك المواضع التي ذكرتها، وقد رأيت أنّ مطالعة الكتب في تلك الأماكن التي كنت أحلّ بها، تختلف عن حالة القراءة التي كنت أنجزها في المنزل، أو في قاعات المطالعة الموجودة في المكتبات، والمراكز الثّقافيّة التي كنت أرتادها، إذ اتّضح لي أنّ مطالعة الكتب في تلك الأماكن العامّة، تثير مواقف وتصرّفات اجتماعيّة، لم تكن لتنشأ لولا تحقّق تلك المطالعة تحديداً في الأماكن، التي كنت أقرأ فيها الكتاب الذي اصطحبه معي.

واظبت على أن أقرأ الكتب، في فترات الاستراحة، التي تخلّلت الأحداث، التي تنطوي عليها المشاوير التي خضت فيها، وكان يقدم نحوي في بعض الأحايين، في أثناء مطالعتي الكتب التي اصطحبها معي، أشخاصٌ يقصدون إلى أن يفاتحوني في شؤون تلك المواضيع، التي تعرض في الكتب، التي يتّفق أنّي كنت أقرؤها، عندما كان يلمحني أولئك الأشخاص، الذين عمدوا إلى أن يتحدّثوا معي، من دون أن تكون قد نشأت فيما بيننا سابقاً صلة التّعارف، التي تزيل بين النّاس العلل التي تتسبّب بأن ينكر بعضهم بعضاً، وكانت تتفاوت تلك المآرب، التي توخّى أولئك الأشخاص، أن يحقّقوها، في إقبالهم نحوي، إذ كان يعمد بعضهم، إلى أن يستفسر عن المسائل والمواضيع التي يشتمل عليها ذلك الكتاب، الذي كنت أطالعه، وكان البعض الآخر يدلي برأيه في ذلك الكتاب الذي كان بين يديّ، وإن كانت تتنوّع فحاوى تلك التّعاليق، التي كان يفصح عنها أولئك الأشخاص، الذين عمدوا إلى أن يتجّهوا نحوي، إلّا أنّهم جميعهم، كانت عندهم شدّة الدّافع نفسه، الذي حثّهم على أن يتوجّهوا إلى ذلك الشّخص الذي رؤوه مستغرقاً في مطالعة الكتاب، الذي لفت موضوعه أنظارهم إليه، وشدّ انتباههم نحوه، وعلى الرّغم من أنّهم كانوا يلتقون بي أوّل مرّة، إلّا أنّهم لم يتوانوا في أن يعمدوا إلى أن يخوضوا في الحديث معي، عن الكتاب الذي كنت أطالعه، ويستغرقوا في أن يناقشوني في تلك المسائل التي احتواها ذلك الكتاب.

كان عند بعض أولئك الأفراد الذين فاتحوني الحديث عن المواضيع، التي يتضمّنها الكتاب الذي كنت أقرؤه، اطّلاعٌ واسع على شؤون ذلك الكتاب الذي أطالعه، ويؤكّد قوّة الدّافع الذي يحثّ أولئك النّاس على القدوم نحوي، بروز أمور مشتركة، كانت تجمع بيننا، ولعلّ ذلك الاعتقاد الذي استقرّ في أذهانهم، في ثبات تلك الشّؤون التي تربطنا ببعضنا البعض، قد حفزهم إلى أن يقبلوا نحوي، وشجّعهم على أن يفاتحوني في مناقشة المسائل، التي تثيرها تلك الكتب التي أقرؤها، ولولا قناعة هؤلاء الأشخاص بوجود ذلك الاهتمام المشترك الذي يجمعنا معاً، لما وجدوا في أنفسهم الدّافع إلى القدوم نحوي، والخوض في مناقشة مواضيع الكتب التي كنت أقرؤها، ولما تحمّسوا للتّعليق على ذلك الكتاب الذي شاهدوه بين يديّ، وقد كانت جنسيّات أولئك الأشخاص متنوّعة، فبعضهم كانوا أجانب قدموا إلى البلد زائرين، وهم كانوا يجيدون التّحدّث باللّغة العربيّة، وبعضهم عنده اهتمام عميق بشؤون الفكر العربيّ المتنوّعة، وسائر أولئك الأشخاص الذين التقوا بي، كانوا ينتمون إلى جنسيّات الدّول العربيّة، وقد كان ضمنهم الأفراد الذين كان مولدهم ونشأتهم في بلدي سورية، وهؤلاء الأشخاص الذين بادلوني الحديث عن الكتب التي أقرؤها، كان منهم رجال ونساء وشابّات وشباب، في مراحل العمر المختلفة، وقد توزّعت مشاربهم، وميولهم الفكريّة إلى تلك المواضيع المختلفة ذاتها، التي تنطوي عليها الكتب التي بحوزتي، وقد كانت مجموعة من أولئك الأشخاص، لها صلة وثيقة بشؤون تلك المسائل والقضايا، المعروضة في تلك الكتب التي كنت أقرؤها.

لم يكن عند غالبيّة _إن لم يكن جميع_ أولئك الأشخاص الذين أقبلوا نحوي، اطّلاع على النّشاط الذي أمارسه في ميدان الكتابة الأدبيّة، وعدم معرفتهم بحقيقة عملي، لم يكن ليصدّهم عن القدوم نحوي، إذ بادروا إلى المجيء إليّ بعفويّة وتلقائيّة في التّصرّف، وكان يتّسمون في حديثهم معي بطلاقة اللّسان، ولا ريب في أنّ الأمر الذي لفت انتباههم نحوي، منذ الوهلة الأولى، هو عنوان الكتاب الذي كنت أقرؤه، ولعلّ في تلك اللّحظة الأولى ذاتها، طبّقوا المثل الذي يقول أنّ الرّسالة تقرأ من عنوانها، فإذا اعتبروا أنّ الكتب التي كنت أطالعها، تضمّنت رسالة اجتماعيّة وفكريّة، تدعو إلى إثارة الحوار والنّقاش في المواضيع التي تشتمل عليها، فلا ريب في أنّهم آنئذ أصابوا شاكلة الصّواب، في إقبالهم نحوي بعد أن قرؤوا عنوان تلك الرّسالة، التي افترضوا أنّ الكتاب، قد انطوى عليها، لأنّه لم تخب آمالهم قط، بعد أن جاؤوا إليّ وتحدّثوا معي.

أدرك بعض الأشخاص في المجتمعات العربيّة، حقيقة الوضع الذي آل إليه شأن قراءة الكتب، في تلك المجتمعات التي ينضوون إليها، فأحاط أولئك الأفراد بالمصير الذي انتهى إليه الكتاب، إذ صدفت عنه غالبيّة النّاس في البلاد العربيّة، ولا ريب في أنّ أولئك الأفراد الذين أدركوا حقيقة شأن الكتاب في الأقطار العربيّة، قد اطّلعوا على تلك الإحصائيّات الموثوقة، التي تبيّن أعداد القرّاء في المجتمعات العربيّة، وبعض الأشخاص الذين قدموا نحوي بعد أن رؤوني مستغرقاً في مطالعة الكتب، تناهت إلى أسماعهم تلك الأنباء التي تبيّن وضع الكتاب في الوطن العربيّ، وقد تيقّنت من أنّ بعضهم على أقلّ تقدير، كان يعلم تلك الإحصائيّات التي تحدّثت عنها، وقد صرّح أحد أولئك الأشخاص، بأنّه دهش عندما رآني أقرأ كتاباً كان بحوزتي، ونظراً إلى أنّه كان يرى في المكان الذي كنت موجوداً فيه، أشخاصاً أجانب، فقد ذهب في اعتقاده للوهلة الأولى، إلى أنّ يخمّن جنسيّة الشّخص، الذي ترسخ عنده عادة القراءة في هذا المكان، فاعتقد أنّه لا بدّ من أن يكون شخصاً أجنبيّاً، ولكنّه تبيّن لاحقاً خطأ ذلك الاعتقاد الذي خامر فكره، وسرعان ما كانت تتوثّق روابط المودّة بيني وبين أولئك الأشخاص، الذين بادروا إلى القدوم نحوي والحديث معي، وقد تأكّدت أنّ الكتب تشدّ أواخي التّفاهم بين البشر، فهي تجمعهم مع بعضهم البعض في عالم الفكر والمعرفة، الذي لا يرغب الإنسان في أن يرتاده منفرداً، حيث كان يأنس بوجود الأفراد الآخرين فيه.



تحظى الأعمال الأدبيّة بجريان صيتها على مرّ الأزمان، إذا أنارت خفايا نفس الإنسان، وأوضحت حقيقة دخلته، فكان دأب تلك المؤلّفات الأدبيّة في تبيان طويّة الإنسان، هو الرّكيزة الأساسيّة لخلود تلك الأعمال الأدبيّة، التي يجب أن تتجنّب اتّباع الأسلوب التّقريريّ، والمنهج الوصفيّ المباشر، في تناول المواضيع التي تعرضها، ولا يفتر الأدب عن "أن يحقّق كمال الطّبيعة الإنسانيّة"، حيث يجسّد سعي البشر إلى إدراك مراتب عليا في سلّم القيم الإنسانيّة، وقد اتّفق النّقّاد وعلماء الجمال والأخلاق على "أنّ الإنسان الذي يتذوّق الأدب خير من الذي لا يهتمّ به، لأنّ الأدب تجربة نفسيّة وجماليّة فعّالة وضروريّة لبلوغ الإنسانيّة درجات أعلى من النّضج والرّقي"، فالأدب يعبّر عن مطمح الإنسان إلى بلوغ المثلّ الإنسانيّة الرّفيعة.

إنّ التّعبير عن تجربة الإنسان في خوضه غمار الحياة "يأخذ أرقى أشكالة وتجليّاته في الفنّ بصفة عامّة والأدب بصفة خاصّة"، والفنّ ينجز عند الإنسان ترتيب المشاعر، التي أثارت فيها الفوضى والاضطراب، تلك الوقائعُ التي يمرّ بها في مجرى حياته، فالفنّ هو "نظام بديع ندر أن يجد الإنسان مثله في حياته"، والأدب يتناول تلك المواضيع التي تتأسّس عليها حياة النّاس، لأنّ الأدب "لا يمكن أن يعيش في عزلة عن المجتمع، فهو من أهمّ الأنشطة الفكريّة والرّوحيّة والفنّيّة التي تقيس نبضه"، وقد كانت تجبه النّاس مصاعب جمّة، في سعيهم إلى تحقيق الرّغائب التي كانوا يتطلّعون إليها، خلال الحقب الزّمنيّة المديدة المتتالية، وقد اشتدّت وطأة تلك الصّعاب، التي كانت تعترض سبيلهم إلى تحقيق تلك الأماني التي يتطّلعون إليها، وهم كانوا يكابدون مشقّة النّهوض بأعباء تلك الصّعاب الشّديدة، التي كانت تفتّ في سواعدهم، وقد رسخ في ذهني الاعتقاد بأنّه:

تصيب المرء دواه شديدة، هي أفدح من الرّزء الفاجع

تدبر عنه الأيّام فتسفر عن الأمل الخائب والوعد الخادع

 

يتجهّمه الرّجاء فتجري به سنين عمره في مركب الزّمن الضّائع