يسعى الأفراد والمؤسّسات الذين يديرون حملات التّوعية الصّحّيّة، إلى تنبيه النّاس إلى تلك الأمراض التي هم عرضة للإصابة بها، بالإضافة إلى إنارة السّبيل إلى تحقيق الوقاية من تلك الأدواء الدّاهمة، ثمّ يتوخّى أيضاً في تنفيذ حملات تلك التّوعية، أن توضّح وسائل العلاج المناسبة، لتحقيق الشّفاء من تلك الأمراض التي يصاب بها النّاس، فتهدف تلك التّوعية الصّحّيّة إلى أن توسّع إدراك البشر، ليحيطوا بتلك المخاطر التي تهدّد صحّة أجسامهم، وكلّما نما الوعي الصّحّيّ عند أولئك النّاس، يتوطّد تحفّزهم إلى أن يحتاطوا من الإصابة بالمرض، وكانت حملات التّوعيّة الصّحّيّة التي تنطلق في مجتمعات شتّى في العالم، توجّه إلى النّاس كافّة، دون أن تجري التّفرقة، أو التّمييز بينهم، فكان الأشخاص والمؤسّسات الذين ينفّذون تلك التّوعيّة، يخاطبون النّساء والرّجال معاً، فيسدون إليهم نصائحهم الصّحّيّة، من دون أن يميّزوا بين النّساء والرّجال، حيث يتساوى أفراد كلّ من هذين الجنسين البشريّين، في حاجتهم إلى تلقّي تلك النّصائح القيّمة، إلّا أنّه كانت بعض عمليّات التّوعية، توجّه إلى النّساء حصراً نظراً لطبيعة بعض الأمراض الخاصّة، التي تهدّد سلامتهنّ الصّحّيّة، فتتميّز النّساء عن الرّجال، بأنّهنّ معرّضات للإصابة بحالات مرضيّة خاصّة محدّدة، فلا غرابة في أن تستهدف في بعض حملات التّوعية، النّساء فقط، بسبب خصوصيّة تلك الأمراض التي يتعرّضن للإصابة بها، وقد أقبلت النّساء في العديد من دول العالم، على تلقّي تلك المعارف الطّبّيّة، التي تنير المسائل الصّحّيّة التي تظهر في مجرى حياتهنّ، فأدركت أولئك النّساء أهمّيّة اطّلاعهنّ على حقائق مواضيع الصّحّة الجسديّة، فسعين في أن ينمّينَ وعيهنّ بحقائق تلك المسائل الصّحّيّة.

لا ريب في أنّ إدراك النّساء تلك المخاطر التي تستهدف سلامتهنّ الصّحّيّة، سيزيد قدراتهنّ ويقوّي عزائمهنّ على تصدّيهنّ لتلك الآفات والعلل، التي تصيب تلك الرّوابط الاجتماعيّة، التي تنشأ بينهنّ وبين سائر النّاس في المجتمعات التي يعشن فيها، فإن كانت أولئك النّسوة، يتمتّعن بصحّة موفورة تامّة، فهنّ مهيّئات عندئذ، لمكافحة كلّ الأدواء الاجتماعيّة، التي تحبط مساعيهنّ في مزاولتهنّ نشاطاتهنّ المتنوّعة في المجتمع، وقد عنيت النّساء بتتبّع تلك الدّراسات التي يتطرّق فيها إلى البحث في الشّؤون الصّحّيّة، التي اهتممن بأن يحطن بها علماً، فتلك المسائل الصّحّيّة، إن وعى النّاس دقائقها الخافية عليهم، فستيسّر لهم حينئذ أن يتّبعوا سبيل الوقاية من تلك الأمراض التي تتهدّدهم، وقد حضرت في مدينة دمشق، قبل حوالي عشر سنوات محاضرة كان موضوعها يندرج في مسائل صحّيّة خاصّة بالمرأة، حيث ألقى المحاضرة طبيب هو إخصائيّ في الأمراض النّسائيّة، وقد تابع تلك المحاضرة العديد من النّاس، حيث سرد الطّبيب كلامه بطريقة علميّة رصينة، فيسّر لأفراد الجمهور الاطّلاع على أوجه القضايا الصّحّيّة المتنوّعة، التي أنار غوامضها، وجلا خفاياها، فاسترسل في حديثه عن تلك الشّؤون الصّحّيّة، التي أوضحها في شرح مبين، وبعد أن ألقى الطّبيب تلك المحاضرة، أتيح المجال للحضور الذين تابعوا تلك المحاضرة، أن يطرحوا أسئلتهم على الطّبيب، الذي جرى بينه وبين أفراد الجمهور حواراً، نوقشت فيه العديد من المواضيع الصّحّيّة، التي ورد الحديث عنها في تلك المحاضرة التي ألقاها ذلك الطّبيب.

لم يضنّ الطّبيب بالمعلومات الطّبّيّة القيّمة، التي كان يلقيها على النّاس الذين تابعوا تلك المحاضرة الطّبّيّة، التي جرى فيها استعراض مسائل طبّيّة عديدة، ولم يكد ينهي ذلك الطّبيب حديثه في تلك المحاضرة، حتّى بدأت النّساء اللواتي تابعن تلك المحاضرة، في إلقاء الأسئلة على الطّبيب، الذي استفسرته أولئك النّساء عن تلك القضايا الطّبّيّة التي تحدّث عنها، فأرادت أولئك النّساء اللّواتي شاركن في ذلك الحديث الذي جرى في إثر انتهاء تلك المحاضرة، أن يتفهّمن الشّؤون الطّبّيّة التي تحدّث عنها الطّبيب، ليعَيْنَها وعياً وافياً، ورغبت أولئك النّسوة اللواتي ألقين أسئلتهنّ على الطّبيب، أن تعمّ الفوائد التي تستخلص من ذلك النّقاش الدّائر فيما بين المتحاورين، تلك المجموعة من النّاس الذّين تابعوا تلك المحاضرة، فكانت هؤلاء النّساء يستفسرن الطّبيب عن تلك المشاكل الشّائعة، والمسائل الذّائعة بين النّاس، وكنّ يستوضحن الطّبيب عن تلك المسائل الطّبّيّة التي يرغب في أن يعلمها جموع النّاس كافّة، إذ أعرضن عن أن يلقين على الطّبيب المحاضر تلك الاستشارات الطّبّيّة، التي يغلب عليها الطّابع الشّخصيّ الفرديّ، ولم تكن تلك النّسوة يتطرّقن في تلك الأسئلة التي ألقينها على المحاضر، إلى أن يستسفرن عن تلك المشاكل الصّحّيّة، التي قد تعانيها كلّ منهنّ بمفردها، فلم يرغبن في أن يقصروا حديثهم على علل فرديّة في حدّ ذاتها.

لا يخفى على أحد حالة ذلك الإنسان الذي يتّفق أن يلتقي بأحد الأطباء صدفة، فتنبعث في نفسه آنئذ الرّغبة في أن يستشير ذلك الطّبيب عن ذلك المرض الشّخصيّ الذي يعانيه، ومَنْ لا يطلب ذلك العلاج النّاجع لتلك العلّة الطّارئة عليه، ولا يلتمس الدّواء الشّافي لذلك الدّاء الذي أصابه، إن أتيح له أن يستحوذ على ذلك الطّباب الذي يبحث عنه؟، وقد أكّدت أولئك النّساء في أسئلتهنّ التي ألقينها على الطّبيب، رغبتهنّ في الوقوف على أفضل السّبل التي تفضي بمن يتّبعها، إلى أن يحقّق الوقاية من الإصابة بالأمراض، وأدركت أولئك النّساء ضرورة استحواذهنّ على زمام المبادرة إلى أن يتّقين من العلل، وسعين في أن يوفّرن لأنفسهنّ أسباب الحيطة من أن يتعرّضن للأدواء، وأردن أن يحصّنّ أنفسهنّ من الأمراض، فرغبن في أن يحقّقن تلك القاعدة الطّبّيّة التي تؤكّد أنّ درهم وقاية خير من قنطار علاج، فأدركن أهمّيّة تلك التّوعية الصّحّيّة التي ترشدهنّ إلى اتّباع أفضل الطّرائق إلى أن يتجنّبن التّعرّض للأمراض، التي ارتأين أيضاً أن يقدمن على أن يكافحنها، بدلاً من أن يخلدن إلى السّكون في مجابهة تلك الأدواء حينما تطرأ عليهنّ، وكان الطّبيب يدرك فوائد تلك التّوعية الصّحّيّة، فكان يردّ على أسئلة أولئك النّساء، بفيض غزيز من المعلومات الطّبّيّة العلميّة، التي زادت بها تلك النّسوة حصيلة تلك المعارف الطّبّيّة التي كانت متوفّرة عندهنّ.

إنّ مسعى المرأة في المحافظة على سلامة صحّتها الجسديّة، ودأبها في تحصين نفسها من الأمراض، يؤكّدان إرادتها في أن تعزّز مكانتها التي تحلّ بها في المجتمع الذي تحيى فيه، فتندفع النّساء في أن يزاولن تلك الأنشطة، التي يؤكّدن فيها استعداداتهنّ ومؤهّلاتهنّ الشّخصيّة التي يمتلكنها، فترسخ في نفس المرأة حينئذ، عزيمتها القويّة على أن تنطلق إلى أن تستجلب إليها فوائد أخرى، وتشتدّ إرادتها في تذود عن سائر المنافع التي هي جديرة بأن تهنأ بها، فتدأب المرأة في أن تبطل في أذهان الأقوام تلك الفكرة، التي تصوّر دأب المرأة في أن تهمل الاعتناء بشؤونها الشّخصيّة، وتجهد المرأة أيضاً في أن تفنّد آراء الأشخاص الذي يذهبون إلى اعتبار شأن المرأة، هو أن تضحّي بنفسها، وتتفانى في سعيها إلى أن تجلب السّعادة والهناء إلى سائر النّاس، وإذا كانت تدرج سمة إنكار الذّات في عداد الخصال التي يجدر بالإنسان أن يتحلّى بها، فغالباً ما كان القوم يستغلّون تحلّي شخصيّة المرأة بسمة الغيريّة، ليدفعوها إلى أن تذعن لمشيئتهم، ويحكموا سيطرتهم عليها، فإن وعت المرأة أهمّيّة محافظتها على سلامة صحّتها، فستغدو مهيّأة حتماً لأن تحقّق تلك الأهداف التي كانت تتطلّع إليها، وسترفع عنها عندئذ وطأة الخشية من أن تزاول تلك الأنشطة، التي ترغب في أن تخوض في ميادينها، فحينما تتحلّى بالجرأة على الذّود عن صحّة جسدها، فستنعم بالمناعة القويّة ضدّ تلك الأدواء الاجتماعيّة، التي تتفشّى في المجتمع الذي تنضوي إليه، وستتخطّى تلك العوائق التي تحول بينها وبين أن تحقّق رغائبها في أن تنعم بإدراك مآربها، التي كانت تطمح إلى أن تظفر بها.

تابعت ذلك الحوار الدّائر بين الحضور في أعقاب تلك المحاضرة التي ألقاها الطّبيب، الذي محض النّصائح الصّحّيّة الوفيرة، أولئك الأفراد الذين كانوا يصغون إلى حديثه، وقد رغبت في أن أدلي بآرائي في تلك المحاورة التي دارت حول المواضيع الطّبّيّة العديدة، وقد تريّثت في استئذاني الطّبيب في الحديث بتلك الأفكار التي جالت في ذهني، حتّى تفرغ جعبة الأسئلة عند الحضور، فانتظرت برهة من الوقت حتّى يأذن لي الطّبيب في أن أطرح سؤالي عليه، وقد كنت رأيت النّساء يندفعن في أن يلقين أسئلتهنّ على الطّبيب، الذي لم يكد يتيح لي أن أبدأ الحديث، حتّى أخذت في أن أخاطبه قائلاً: "إنّني أوّل رجل يلقي عليك سؤالاً في هذه القاعة"، فابتسم الطّبيب وسرّ بذلك الاستهلال الذي بدأت فيه حديثي، وكأنّه توخّى بتلك الابتسامة التي ظهرت في أسارير وجهه، أن يحثّني على أن أسترسل في حديثي مدّة أعوّض فيها ذلك الوقت، الذي كنت أترقّب فيه حصولي على الإذن في شروعي في الكلام.

ذكرت في حديثي الذي سردته على مسامع الحضور، أنّ الأبحاث الطّبّيّة التي أجريت تؤكّد أنّ قدرة النّساء على مقاومة الأمراض، تفوق قدرة الرّجال على أن يدرؤوا عنهم الأدواء، وأكّدت أنّ النّساء يتمتّعن بقوّة المناعة ضدّ الأمراض، فتتيح لهنّ تلك الحصانة أن يهنأن بسلامة صحّتهنّ، وذكرت في حديثي الذي خاطبت به الحضور، أنّ معدّل العمر عند النّساء أعلى منه عند الرّجال، فالنّساء يعشن فترة أطول من المدّة التي يعيشها الرّجال، وأفصحت أيضاً في كلامي، عن أنّي أغبط هؤلاء النّسوة، من دون أن أحسدهنّ أبداً على تمتّعهن بتلك المناعة ضدّ الأمراض، إذ آمل أن يهنأن دائماً بالصّحّة الموفورة، والعمر المديد، وقد سرّت بحديثي النّسوة اللّواتي أصغين إلى عباراتي، التي كان لها وقع لطيف في نفوسهنّ، فابتهجن بتلك الأنباء التي ذكرتها في حديثي، وتفوّهن بعفويّة بعبارات تفيض بالفرح، في تعليقهنّ على كلامي، بينما كانت تعلو وجوههنّ ابتسامة الرّضى على ذلك الكلام الذي سردته.

 

هدفت في مشاركتي بالحديث في هذه المحاضرة التي كنت أتابعها، إلى أن أعزّز في نفوس أولئك النّسوة الثّقة بأنفسهنّ، وأفيض البهجة والمسرّة عندهنّ، وأرفع معنوياتهنّ بمجابهة تلك الأمراض التي يكنّ عرضة للإصابة بها، فجلوت تلك الاستعدادت الحسنة التي يتمتّعنّ بها، وقد كنت وجدت بعض تلك الأسئلة التي كنّ ألقينها على الطّبيب، قد نمّ عن قلق يسير ينتابهنّ، وهو يصيب في بعض الأحيان الإنسان السّاعي إلى أن يوجد السّبل الفضلى، التي تفضي به إلى أن يتجنّب الإصابة بالأمراض، فرغبت في أن أردّ عنهنّ ذلك القلق الطّفيف الذي ألمّ بهنّ، كي تتعزّز ثقتهنّ بقدراتهنّ على التّحصّن من الأمراض، وقد أكّد الطّبيب سداد تلك الآراء التي أفصحت عنها، وأثبت صواب تلك الأقوال التي ذكرتها، فأخذ يفسّر للحضور أسباب ذلك الاختلاف الحاصل في معدل العمر، الذي تتباين فيه أعمار النّساء والرّجال، فكانت مشاركتي في الحوار، أثّرت تأثيراً حسناً في نفوس النّساء والرّجال على السّواء، حيث سرّ أيضاً الرّجال بتلك الأقوال التي ذكرتها في حديثي، فأثمرت تلك المحاضرة التي ألقاها الطّبيب فوائد هامّة ومنافع جمّة، وازدادت خبرة أولئك الحضور كافّة بتلك الشّؤون الصّحّيّة، التي رغبوا جميعهم في أن يحيطوا علماً بها.